أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - رانية مرجية - جوع لا يُشبعه الخبز حين تتضور الأرواح عطشًا للحب والتقدير














المزيد.....

جوع لا يُشبعه الخبز حين تتضور الأرواح عطشًا للحب والتقدير


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 09:35
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


قالت”,“الأم تريزا”,“القديسة الكاثوليكية الحائزة على نوبل”]:
“هناك الكثير من الجوع في العالم، ليس للخبز، بل للحب والتقدير.”

غير أن هذا القول، على بساطته، يفتح بابًا واسعًا نحو فهمٍ أكثر تعقيدًا للإنسان.
فليس كل جوعٍ يُرى، وليس كل ألمٍ يُفهم، وليس كل احتياجٍ يُطلب بصوتٍ عالٍ.

ثمة جوعٌ آخر…
صامت، خفي، يتسلل إلى أعماق النفس دون ضجيج، ويستقر هناك كفراغٍ لا اسم له.
جوع لا يتعلق بالبقاء، بل بالمعنى.
لا يهدد الجسد بالفناء، بل يهدد الروح بالتلاشي.

منذ لحظة الوعي الأولى، يبحث الإنسان—بوعيٍ أو بدونه—عن اعترافٍ بوجوده.
أن يُرى، أن يُسمع، أن يُؤخذ بعين الاعتبار.
وهذا الاحتياج ليس ضعفًا كما يُظن، بل هو أصل التكوين الإنساني.
فالإنسان لا يُدرك ذاته إلا عبر انعكاسها في الآخرين.

غير أن العالم الحديث، في اندفاعه نحو الإنتاج والإنجاز، أعاد ترتيب الأولويات بطريقةٍ جعلت الإنسان أكثر امتلاءً من الخارج، وأكثر فراغًا من الداخل.
أصبحت القيمة تُقاس بما يُنجَز، لا بما يُشعَر.
وأصبح الحضور شكليًا، بينما الغياب عاطفي عميق.

في هذا السياق، لم يعد الجوع إلى الحب والتقدير حالة استثنائية، بل صار ظاهرة عامة.
قد يجلس الإنسان بين كثيرين، لكنه لا يجد من يُنصت إليه حقًا.
قد يتلقى كلمات كثيرة، لكنها لا تمسّه.
وقد يعيش حياةً تبدو مكتملة، لكنها تفتقر إلى أبسط أشكال الدفء الإنساني.

والأشد تعقيدًا، أن هذا الجوع لا يظهر دائمًا في صورة ضعف.
بل قد يتخفى في صورة قوة مفرطة، أو استقلالٍ حاد، أو حتى برودٍ عاطفي.
إذ يتعلم الإنسان، مع الوقت، أن يُخفي احتياجه، وأن يُقنع نفسه بأنه لا يحتاج أحدًا، بينما الحقيقة عكس ذلك تمامًا.

وفي لحظاتٍ نادرة من الصدق، ينكشف هذا القناع.
في صمتٍ طويل، أو في كلمةٍ عابرة تؤلم أكثر مما ينبغي، أو في شعورٍ مفاجئ بالفراغ رغم كل شيء.
هناك، يتجلى هذا الجوع في أوضح صوره:
حاجة عميقة لأن يكون الإنسان مرئيًا… لا أكثر.

التقدير، في هذا الإطار، لا يُعد ترفًا اجتماعيًا، بل ضرورة نفسية وجودية.
إنه اعتراف ضمني بأن هذا الإنسان له مكان، وله أثر، وله قيمة.
وغيابه لا يترك فراغًا بسيطًا، بل يُحدث خللًا في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم.

ولعل أكثر ما يفاقم هذا الجوع، هو الاعتياد عليه.
حين يصبح الإهمال طبيعيًا، والتجاهل مألوفًا، والاحتياج أمرًا مخجلًا.
عندها، لا يعود الإنسان يبحث عن الامتلاء، بل يكتفي بتجنّب الألم.

ومع ذلك، يبقى الأمل كامنًا في أبسط التفاصيل.
في كلمةٍ تُقال بصدق، في التفاتةٍ غير متوقعة، في إنصاتٍ حقيقي لا يقطع ولا يُقاطع.
هذه الأفعال، على صغرها، تمتلك قدرة نادرة على إعادة التوازن لما اختل في الداخل.

فما يُنقذ الإنسان، في كثير من الأحيان، ليس حدثًا عظيمًا،
بل شعور بسيط بأنه ليس وحده… وأن وجوده ليس عابرًا.

إن أخطر ما قد يعيشه الإنسان، ليس الألم في ذاته،
بل أن يمرّ ألمه دون أن يُرى.

أن يكون حاضرًا… دون أن يُشعَر به.
أن يتكلم… دون أن يُصغى إليه.
أن يعطي… دون أن يُقدَّر.

تلك هي صورة الجوع التي لا تُدرج في الإحصاءات، ولا تُرى في الشوارع،
لكنها تسكن في القلوب، وتتسع بصمت.

وفي زمنٍ استطاع فيه الإنسان أن يُنتج ما يكفي لإطعام العالم،
لا يزال عاجزًا عن إشباع أكثر احتياجاته بداهة:
أن يُحِب… وأن يُحَب.

وهنا، تتجلّى المفارقة الكبرى:
كل ما يحتاجه هذا الجوع ليس مستحيلًا… لكنه نادر،
ليس عظيمًا في شكله… لكنه عميق في أثره،
ليس مكلفًا… لكنه يُعطي الإنسان إحساسًا بأنه يستحق الحياة.

لذلك، لا يكون السؤال الحقيقي: كيف نُشبع هذا الجوع؟
بل: هل ننتبه له أصلًا؟

هل نلتفت إلى من يمرّون بصمت؟
هل نمنح الكلمة في وقتها؟
هل نُشعر من حولنا أنهم ليسوا تفاصيل هامشية في هذا العالم؟

لأن ما يُنقذ هذا الجوع، ليس وفرة الخبز،
بل دفء القلب.
ليس كثرة الناس،
بل صدق الحضور.

وربما، في عالمٍ يزداد قسوةً دون أن يشعر،
يصبح أبسط فعل إنساني—
كلمة، نظرة، إنصات—
شكلًا من أشكال النجاة.

وفي زمنٍ امتلأت فيه الأيادي…
يبقى الامتلاء الحقيقي
أن لا تظلّ القلوب
جائعة.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الموت الفجائي: الرسالة التي لم تُقرأ
- صافرة الإنذار… حين تعرّي الإنسان قراءة وجدانية في قصة «ملاجئ ...
- حين تقاوم الطفولة الحرب
- حين يبقى الإنسان تلميذاً للحياة
- الدقيقة التي لم تُعَش
- ليست الحدود في العلاقات قسوة… بل شكلٌ ناضج من أشكال المحبة.
- أن نختلف دون أن نلغي: في إنصاف عزمي بشارة
- الجسد والمدينة في شعر ليليان بشارة منصور حين تتحوّل الطبيعة ...
- قراءة نقدية في قصة «قليل من القسوة لنحمي أنفسنا» للروائية دي ...
- عقل الجريمة بين الإنسان والقانون قراءة في مقال: “عقلية المجر ...
- الكرة التي انتظرت
- وليد الخالدي… حارس الذاكرة الفلسطينية: مرثية - ************* ...
- مرثية الشاعرة رانية مرجية في وداع المؤرخ الفلسطيني وليد الخا ...
- لطيفة الدليمي… حين يغيب عقلٌ كان يضيء العتمة
- المرأة الفلسطينية… حارسة الذاكرة وصانعة الحياة
- لا تخف: الكلمة التي يحتاجها عالم يعيش على الخوف
- الهوية العاشقة: قراءة فلسفية في نشيد الإنشاد
- الجسد حين يتكلم قبلنا قراءة نقدية في قصة «أجساد تعرف قبلنا» ...
- حين تصير الذاكرة هندسةً للضوء قراءة في التجربة الشعرية لليلي ...
- الحرب حين تدخل البيوت: كيف تغيّر الأسابيع الأولى نفس المجتمع ...


المزيد.....




- سقوط صاروخ إيراني على مبنى في مدينة ديمونا جنوبي إسرائيل
- تقرير إسرائيلي: الحرس الثوري الإيراني جهّز حزب الله للحرب.. ...
- واشنطن تطرح على حماس مقترحًا مكتوبًا جديدًا: نزع السلاح مقاب ...
- الحرب في الشرق الأوسط.. أوروبا على مشارف أزمة طاقة أية انعكا ...
- قاض أمريكي يلغي قيود البنتاغون على الصحافة ويأمر بإعادة اعتم ...
- أحال العيد لمأتم.. قتلى وجرحى بانفجار للهيليوم بدمياط وسخط ف ...
- الحرب على إيران.. هل يكون الأسبوع الرابع منعطف التصعيد أم بد ...
- -هذه ليست حربنا-.. أوروبا تقول أخيرا -لا- للرئيس ترمب
- ليست مزحة.. دبلوماسي روسي يحذر من اللعب بالنووي في الخليج
- هل قصفت إيران دييغو غارسيا فعلا؟.. جدل واسع على المنصات


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - رانية مرجية - جوع لا يُشبعه الخبز حين تتضور الأرواح عطشًا للحب والتقدير