أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بين يدٍ تصافح ويدٍ تنتقم .














المزيد.....

بين يدٍ تصافح ويدٍ تنتقم .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 18:20
المحور: قضايا ثقافية
    


في اللحظة التي جلس فيها نيلسون مانديلا إلى طاولةٍ عادية في مطعمٍ عابر، لم يكن المشهد مجرد وجبة غداء،بل كان اختبارًا أخلاقيًا للتاريخ،لحظةً تتقاطع فيها الذاكرة مع السلطة،ويُسأل فيها الإنسان: ماذا تفعل حين تصبح قادرًا على ردّ الأذى؟ هل تتحول إلى نسخةٍ أخرى من جلادك، أم تكتب فصلًا جديدًا من إنسانيتك؟.. لم يكن الرجل الذي ارتجفت يداه أمام مانديلا مجرد عابرٍ خائف، بل كان ماضيًا يمشي على قدمين، ذاكرةً متجسدة لكل الإهانات التي يمكن أن تُسحق بها كرامة إنسان. كان بإمكان مانديلا، وهو الذي خرج من سجنٍ امتد لسبعةٍ وعشرين عامًا، أن يقتصّ، أن يعيد للذاكرة صوتها الدموي، أن يكتب العدالة على طريقة الانتقام، لكنه اختار أن يكون أكبر من جراحه، أن يرفع الوطن فوق الألم، وأن يجعل من التسامح مشروع دولة، لا مجرد فضيلة شخصية.وهنا، عند هذه المفارقة الإنسانية، يبدأ الوجع العراقي في التسلل كندبةٍ مفتوحة لا تلتئم.بعد عام 2003، لم يكن العراق يخرج من سجنٍ واحد، بل من سجونٍ متراكمة، من تاريخٍ مثقلٍ بالحروب والحصار والخذلان، وكان أمام من تسلموا السلطة فرصة نادرة، فرصة تشبه تلك التي وُضعت بين يدي مانديلا: أن يبنوا وطنًا جديدًا، أن يعيدوا تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أن يُطفئوا نار الماضي لا أن ينفخوا فيها. لكن ما حدث لم يكن بناءً، بل إعادة إنتاجٍ للخراب، بل كان انتقامًا مؤجلًا تم إطلاقه دفعةً واحدة في جسد وطنٍ مُنهك.تحولت السلطة إلى ذاكرة ثأر، لا إلى عقل دولة.صار الماضي حُجةً لتمزيق الحاضر، وصارت الطائفة سكينًا تُغرس في خاصرة الوطن بدل أن تكون تنوعًا يُغنيه. لم يعد المواطن يُرى بوصفه إنسانًا، بل بوصفه انتماءً، رقمًا في معادلة التقاسم، أو هدفًا في قائمة الإقصاء. وكأن العراق لم يُحكم بعد 2003 بعقل الدولة، بل بعقل الضحية التي حين امتلكت القوة، لم تسعَ للعدالة، بل لإعادة توزيع الألم.المدن التي كانت تتنفس التاريخ، أُغرقت في الفوضى، البنى التحتية تُركت لتنهار كما تنهار الذاكرة حين تُثقل بالحقد، ملايين البشر اقتُلعوا من بيوتهم، لا لأنهم غرباء،بل لأنهم مختلفون. صار الاختلاف جريمة، والانتماء حكمًا، والإنسان مجرد تفصيلٍ صغير في معركةٍ كبيرة عنوانها:من ينتقم أكثر؟...لم يكن ذلك مجرد فشلٍ سياسي، بل سقوط أخلاقي مدوٍ. لأن أعظم اختبارٍ لأي سلطة ليس في قدرتها على السيطرة، بل في قدرتها على التسامي. أن تمتلك القوة ولا تستخدمها للانتقام، أن تتذكر الألم دون أن تحوله إلى سلاح، أن تبني مستقبلًا لا يشبه ماضيك المؤلم.لكن في العراق، جرى العكس تمامًا. كأن الحاكم لم يرَ في الدولة إلا فرصةً للثأر، ولم يرَ في الشعب إلا امتدادًا لخصومه القدامى. فصار الوطن ساحة تصفية حسابات، لا مساحة تعايش. وصار الخراب نتيجةً طبيعية لعقلٍ يرى في كل شيء معركة،وفي كل اختلاف تهديدًا.وهنا تتجلى المفارقة القاسية بين رجلٍ خرج من السجن ليبني أمة، ورجالٍ خرجوا من معارضةٍ طويلة ليهدموا دولة.مانديلا لم يكن ملاكًا، لكنه فهم أن الانتقام لا يُعيد الكرامة، بل يضاعف الإهانة، وأن التسامح ليس ضعفًا، بل شجاعة من نوعٍ نادر، شجاعة القادر على كسر دائرة العنف. أما في العراق،فقد جرى كسر كل شيء إلا هذه الدائرة.لقد بنى مانديلا دولةً لأن قلبه كان أوسع من جراحه، بينما هُدم العراق لأن قلوب من حكموه كانت أضيق من فكرة الوطن. هناك، كان الماضي درسًا،وهنا صار لعنة. هناك، كان الإنسان هو البداية، وهنا كان الانتماء هو النهاية.ولعل السؤال الأكثر إيلامًا ليس:ماذا فعلوا بالعراق؟ بل: ماذا كان يمكن أن يكون عليه العراق لو اختاروا طريقًا آخر؟ لو جلسوا، كما جلس مانديلا، أمام ذاكرتهم القاسية، وقالوا لها: لن أحولك إلى سكين، بل إلى جسر؟..لكنهم لم يفعلوا.فبقي العراق معلقًا بين ما كان يمكن أن يكون، وما أصبح عليه… وطنٌ لم يُهزم فقط بالحروب، بل هُزم حين انتصر فيه الانتقام على الإنسان.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عدالةٌ تُقاس بالمِزاج… لا بالمِعيار.
- عليّ بن أبي طالب: لسانُ الحقّ وسيفُه… والجُرحُ الذي لم يندمل ...
- حينما اهتزّ الكون لخطى رجل: الحكاية التي لم تُكتب كاملة عن ع ...
- حين يتهجّى الموتُ اسمَه من فمِ اليورانيوم .
- وداعًا سليمان البكري… موت كاتبٍ… وخراب معنى.
- الجمهورية التي يحكمها الذيل .
- العراق على حافة الغد .
- عندما يُضرَب المعلّم… من يعلّم العراق؟
- الحقيقة تحت القصف: إعلام الحرب ومعركة السيطرة على العقول.
- ليلةُ القَدْر.
- وجعُ البلاد.
- جمهورية الضرطة السياسية… حين تتحول الكارثة في العراق إلى بشا ...
- لعبة النار: حين تكتب الجغرافيا مصيرها بلهيب السياسة .
- قناع الخيانة .
- جراح العراق .
- العقل العربي بين نار الفتنة ونداء الحكمة.
- صُنّاع الحضارة وصُنّاع الفتنة: ماذا بنى العرب وماذا خلّف الم ...
- نوستالوجيا… حين ينطق الحنين بصوت ناطق صلاح الدين.
- دراما رمضان ٢٠٢٦: نجوم كبار… ونصوص أ ...
- ممالك الظلّ حين تأكل أوطانها .


المزيد.....




- عناقٌ حقيقي بعدما تخلت أمه عنه.. شاهد -بانش- القرد يجد الدفء ...
- -اهتزت الأرض-.. ما حقيقة فيديو -التجربة النووية في إيران-؟
- ما هي الجزر الصغيرة في الخليج التي قد تكون هدفًا لهجمات ترام ...
- دول أوروبية تتخذ إجراءات مستعجلة لمواجهة تداعيات حرب الشرق ا ...
- القلق: هل هو رسالة من العقل أم من الجسد؟
- ريبورتاج: أوضاع إنسانية صعبة بالنبطية جنوب لبنان بسبب الحرب ...
- بوتين: موسكو لا تزال صديقا وفيا وشريكا موثوقا لإيران
- 20 مصابا في منطقة ديمونة جنوب إسرائيل جراء هجوم صاروخي إيران ...
- حرب إيران.. نهاية قريبة أم منعطف خطير للصراع؟
- من وراء الكواليس.. كيف يدير روته ضغوط ترامب على الناتو؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بين يدٍ تصافح ويدٍ تنتقم .