أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فتحي البوكاري - مقدمة كتاب قصّة قراصنة البربر (2)















المزيد.....

مقدمة كتاب قصّة قراصنة البربر (2)


فتحي البوكاري
كاتب

(Boukari Fethi)


الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 12:04
المحور: الادب والفن
    


بقلم ستانلي لين بول
نقلها إلى العربيّة فتحي البوكاري
*******
II
أرض القراصنة

لقد حان الوقت لنسأل عن كيفية وجود أرضٍ شاسعةٍ خاليةٍ من السكّان لتشغلها القراصنة، وأيضًا، عن أرض توفر تقريبًا كل ما قد يرغب فيه القرصان من ميزات لضمان أمنه ونجاحه في ممارسة مهنته.
يخبرنا الجغرافيون أن جزيرة البربر، من حيث المناخ والتكوين الجيولوجي، هي في الواقع جزء من أوروبا، التي لعبت معها دورًا عدائيًا عبر التاريخ.
في زمنٍ ما، كانت البلدان التي نعرفها اليوم باسم تونس والجزائر والمغرب، تبرز كجزيرة، يحدّها من الشمال بحيرة صغيرة نسبيًا، ومن الجنوب محيط هائل (انظر الخريطة).
ذلك المحيط هو اليوم الصحراء الكبرى، التي يحلم المهندسون بإغراقها مجدّدا بمياه البحر المالحة، لتشكيل بحرٍ أفريقيٍّ داخلي. أما البحيرة اليوم فهي البحر الأبيض المتوسط، أو بالأحرى حوضه الغربي، لأننا نعلم أن جزيرة البربر كانت في يوم من الأيام شبه جزيرة تقريبًا، متصلة عند طرفيها بإسبانيا وصقلية، وأن سلسلة جبال الأطلس شكلت الرابط بين سييرا نيفادا وجبل إتنا.
تدريجيًا غابت الأرض الضيقة بين رأس بونا وصقلية عن الأنظار، وانساب المحيط بين إسبانيا وأفريقيا، بينما جفّ البحر العظيم في الجنوب ليتحول إلى صحراء شاسعة مليئة بالحجارة، تُعرف باسم الصحراء الكبرى، " قطعة أرضٌ قاحلة كظهر وحش، بلا أشجار ولا جبال".
كان على جميع السفن القادمة من المحيط الخارجي والمتجهة إلى موانئ فرنسا وإيطاليا وبلاد الشام، المرور عبر أحد أو كلا مضيقي جبل طارق ومالطا الضيقين. ويجب التذكير بأنه في الوقت الذي ظهر فيه قراصنة البربر، كانت ثروات العالم الغربي المكتشف حديثًا تتدفق عبر هذه المضائق لتلتقي بثروات الشرق، التي كانت تُنقل إلى فرنسا وإسبانيا وإنجلترا وهولندا من الإسكندرية وإزمير.
كان جزء هائل من تجارة أوروبا تمرّ بالضرورة عبر الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط، الذي شكّل البربر حدوده الجنوبية.
وأي رجل جريء يستطيع السيطرة على تونس عند الزاوية الشرقية، أو الجزائر في الوسط، أو سبتة أو طنجة في الطرف الغربي، كان يمكنه أن يتوقع لنفسه فرصًا عديدة لإيقاف سفن محملة بثروات طائلة وهي تمر بالقرب من مخبئه. لقد بدا الموقع وكأنه قد هيّئ خصيصًا للقراصنة.
بل وأكثر من ذلك، كان الساحل مشكّلا كما يرغب فيه القرصان. تُظهر الخريطة سلسلة من الموانئ الطبيعية، غالبًا ما تُحيط بها بحيرات ضحلة توفر كل السبل لفرار الغاصب من مطارديه.

وبينما لم تكن في القرن السادس عشر هناك موانئ عميقة للسفن الثقيلة ذات الغاطس الكبير، كانت هناك خلجان لا حصر لها وموانئ مياه ضحلة وبحيرات صغيرة يمكن لمراكب القراصنة، التي لا يتجاوز غاطسها ستة أقدام، أن تجد فيها ملاذًا آمنًا. خلف جزيرة جربة، الجزيرة الأسطورية لآكلي اللوتس، كان هناك بحر داخلي شاسع، تسيطر عليه في العصور الوسطى القلاع، يُوفر ملاذًا جيّدا للقراصنة.
كانت السفن التجارية تتجنب الإبحار في خليج سرت الكبرى الخطير بتياراته القوية وكثبانه الرملية المتناثرة، وحتى السفن الحربية التابعة للبندقية وإسبانيا كانت في وضع غير مواتٍ عند المناورة في تلك الدوامات الغادرة ضد القرصان الذي كان يعرف كل شبر من الساحل. وعند الاتجاه غربًا، يظهر حصن مشهور من العصور الوسطى مع بقايا ميناء في المهدية، أو ما كانت تُعرف بـ"أفريقيا" في كتابات المؤرخين. بعد ذلك، تبرز تونس كأرقى ميناء على طول ساحل البربر، ففي غوليتا( ) (أو "الحلق")، تكون السفينة في مأمن من جميع الرياح، ولو شُقّت قناة لربطها بالبحيرة الداخلية ببنزرت، لتشكّل ميناء عميق يتسع لجميع سفن البحر الأبيض المتوسط.
كانت الموانئ القديمة لقرطاج وبورتو فارينا توفر حماية أكبر في زمن القراصنة مقارنة بالوقت الحاضر، بعد أن غطت الرمال الساحل. وفي أشهر الخريف، كانت السفينة بحاجة ماسة لأي مأوى يمكنها الحصول عليه عند هبوب ريح قبرصية من رأس بونا. وبالقرب من الحدود الجزائرية الحالية تقع طبرقة، التي وجدت فيها عائلة لوميليني من جنوة موقعًا مزدهرًا لمؤسساتها التجارية. وكانت للقالة، التي كانت في السابق وكر مشهور للقراصنة، ميناء جيد، كما اكتشف تجار مرسيليا عند إشرافهم على صيد المرجان من القلعة الفرنسية المجاورة. أما بونا( ) الواقعة على مقربة منها، فلها طرقها، وكانت تمتلك في السابق ميناءً عميقًا.
وتقع جيجل، وهي الموقع الحصين الذي سيطر عليه على التوالي الفينيقيون والنورمان والرومان والبيزان والجنويون، حتّى استولى عليه بربروسا وجعله حصنًا لملاذ قراصنته، يقع على شبه جزيرة صخرية مرتبطة بالبر الرئيسي بواسطة برزخ رملي، ولها ميناء محمي جيدًا بكاسر أمواج طبيعي. أبعد من ذلك تقع بجاية، بمينائها المحمي جيدًا من أشدّ الرياح سوءا. والجزائر، التي لم تكن ميناءً آنذاك، ولكنها سرعان ما أصبحت كذلك. وشرشال، التي كان يُنصح بتجنب مينائها في حالة الأمواج العاتية القادمة من الشمال، ولكنها كانت في غير ذلك ملاذًا قيّمًا للقراصنة. وتنس، التي لم تكن متاحة دائمًا لكنها آمنة عند الدخول إليها. ووهران، بمينائها الكبير المهم، المعروف باسم "Portus Divinus" عند الرومان، بينما في الخلف، يظهر جامع الغزوات، حيث كان خليج مفضل يوفر ملاذًا بين الصخرتين التوأم للقراصنة المنكوبين. عند تجاوز طنجة وسبتة، والانعطاف بعد المضيق، توجد ملاجئ متنوعة، من بينها موانئ سلا الشهيرة، التي تمكنت، على الرغم من حاجزها الرملي، من إرسال العديد من السفن المؤذية لإزعاج السفن التجارية العائدة من العالم الجديد.
لم تكن المرافئُ متوافرةً بكثرةٍ لإيواء القوادس فحسب، بل كانت الأرضُ الممتدّة وراءها مستوفيةً لكلِّ ما يُرغَب فيه. ولم يكن ثَمَّ نهرٌ صالحٌ للملاحة، لكن صغر حوض المياه، الذي حال دون وجود جداول كبيرة، جلب معه ميزة موازية، فالجبالُ ترتفع شاهقةً قرب الساحل، ممّا يتيح للمراقبين من القراصنة رصد السفن المستهدفة من مسافةٍ بعيدةٍ في عرض البحر، وإرسال إشارات منبّهة إلى غنيمةٍ مقبلةٍ أو محذّرة من عدوٍّ داهم.
علاوة على ذلك، كانت الأرض تُنتج كل ما يحتاجه الإنسان. ففي سفوح الجبال حيث يسكن البربر، وفي السهول حيث ترعى القبائل العربية، تمتد وديان خصبة حتى الشاطئ.
كانت جربةُ جنّةً مكتملةً من الحبوب والثمار: كرومٌ، وزيتونٌ، ولوزٌ، ومشمشٌ، وتين. أمّا تونسُ فكانت تتربّع على بساطٍ من الحقول الخضراء، حريّةً بلقب «البيضاء، العَطِرة، العروس الزهراء للغرب»، وإن كان عطرُها، عند أهلها، منسوبًا إلى رائحة بحيرتها التي كانت تصبّ فيها مجاري المدينة، والتي نسبوا إليها خاصيّة الاعتدال والصحّة التي عُرفت بها.
ماذا يُمكن أن يُطلب أكثر من ذلك في أرضٍ ستُصبح وكرًا للقراصنة؟ ومع ذلك، وكأن هذا لم يكن كافيًا، فقد أُضيفت ميزة أخرى. لقد كانت السواحل تتعرض لعواصف هوجاء، وهي قاتلة لغير المتمرسين ذوي الخبرة، تحبط العديد من هجمات العدو المنتقم.
ويبقى أن نوضح كيف تمكن القراصنة من السيطرة على هذه الأرض الملائمة، التي لم تكن أبدا خالية من السكان ولا من حكومات مستقرة.
كانت شمالُ إفريقية، وهي القارة الوحيدةُ التي عرفها القدماء، قد شهدت تعاقبَ عديد الحكّامٍ منذ أن وطأ العربُ بقيادةِ عقبة بن نافع سهولَها وأوديتَها أولَ مرّة. فقد خلفت سلالةٌ سلالةً، وأفسح الولاةُ العرب التابعون لخلفاء دمشق وبغداد المجالَ لقيام دولتَي الأدارسة (788م) والأغالبة (800م). ثم ما لبثت هاتان السلالتان أن أفسحتا المجال للخلفاء الفاطميين (909م). ولمّا نقل هؤلاء مركزَ سلطانهم من عاصمتهم التي أُسّست حديثًا المهدية إلى حاضرتهم النهائية القاهرة (968م)، انفرط عقدُ إمبراطوريتهم الغربية سريعًا إلى إماراتٍ عدّة، منها الزيريون في تونس، وبنو حمّاد في تلمسان، وغيرها من الحكومات الصغرى.
وفي أواخر القرن الحادي عشر، بسط المرابطون، وهم سلالةٌ بربرية، سلطانهم على معظم شمال إفريقية والأندلس، غير أنّهم أفسحوا المجالَ في منتصف القرن الثاني عشر للموحّدين، الذين امتدّ حكمُهم من المحيط الأطلسي إلى تونس، واستمرّ أكثر من قرن.
وعلى أنقاض دولتهم الواسعة نشأت ثلاثُ سلالاتٍ مستقلّةٍ ولزمن طويل: بنو حفص في تونس (1228–1534م)، وبنو زيّان في المغرب الأوسط (1235–1400م)، وبنو مرين في المغرب الأقصى (1200–1550م).
ولاستكمال التسلسل الزمني، تجدر الإشارة إلى أنّ هؤلاء قد خَلَفَهم في القرن السادس عشر باشوات القراصنة (الذين أصبحوا فيما بعد دايات) في الجزائر، والباشوات أو البايات الأتراك في تونس، والأشراف، أو ملوك المغرب. ولا يزال الأشراف يحكمون إلى اليوم، أمّا دايات الجزائر فقد زالوا بقيام الحكم الفرنسي، وكذلك أصبح باي تونس تحت الوصاية الفرنسية.
وباستثناء فترات اضطراب مؤقتة الناتجة عن تغيّر السلالة الحاكمة، كانت سياسات هؤلاء الحكام الأفارقة عموما معتدلة ومستنيرة. وكان معظمهم من السكان البربر الأصليين، ولم يكونوا بطبعهم ميّالين إلى التعصب أو العداء. وحافظ المسيحيون على كنائسهم، وسُمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية دون مضايقة. يُذكر أنّ في فاس كان يوجد بها أسقفٌ حتى القرن الثالث عشر، وكان ملوك المغرب وتونس عادةً على وفاقٍ مع البابا. وقد التحق كثير من المسيحيين بالجيوش الأفريقية وعُيّن بعضهم في المناصب المدنية.
اتّسمت علاقات حكّام بلاد البربر بالدول الأوروبية طوال القسم الأكبر من هذه الحقبة، منذ القرن الحادي عشر، حين رحل الفاطميون المقاتلون عن تونس متجهين شرقًا إلى مصر، إلى القرن السادس عشر، حين جاء الأتراك المقاتلون غربًا ليعكّروا سلام البحر المتوسط، علاقاتٍ سياسية حكيمة ورشيدة. فقد كان الأفارقة يرغبون في كثيرٍ من صناعات أوروبا. وكانت أوروبا بحاجةٍ إلى جلود إفريقيا ومنتجاتها الخام، ولا شك أن التفوّق البحري لدول البحر المتوسط التجارية على الدول الإفريقية كان عاملاً مؤثرًا في إبرام هذا الاتفاق المرضي، لكن من الحق أن نعترف بالإنصاف البالغ، والاعتدال، والأمانة التي أبداها أمراء إفريقيا في إبرام هذه المعاهدات والمحافظة عليها.
وعلى العموم، كانت صقلية والجمهوريات التجارية مرتبطةً بحكام تونس وتلمسان وفاس بروابط الصداقة والمنفعة المتبادلة. فقد أبرمت بيزا وجنوة وبروفانس وأراغون والبندقية، واحدة تلو الأخرى، معاهدات تجارية مع الحكام الأفارقة، وجددوها من حين لآخر. وكان لبعض هذه الدول أحياء مخصصة لها في تونس، وسبتة، ومدن أخرى، كما كان لكلٍ منها قناصل في القرن الثالث عشر، تمتعوا بحمايةٍ كان ليحسدهم عليها المندوب الإنجليزي في الجزائر قبل سبعين عامًا. وكانت التجارة الإفريقية ذات قيمة خاصة لبِيزا وجنوة، وكان هناك شركة إفريقية منتظمة تتاجر في مرافئ طرابلس وتونس وبجاية وسبتة وسلا. وقد ذهبت جنوة إلى حد الدفاع عن سبتة ضد الصليبيين المسيحيين، لما كان رابط التجارة أقوى من رابط الإيمان، ومن جهة أخرى، كان للمسيحيين المقيمين في تونس، العاصمة الغربية للإسلام، أماكن عبادة خاص بهم يصلون فيها بحرية ودون مضايقة حتى عام 1530.
ويعود هذا التسامح إلى حد كبير إلى حكم بني حفص الرشيد والمعتدل، الذي دام ثلاثة قرون في تونس، فكان حكمهم مكسبًا خالصًا لرعاياهم ولكل من كانت له صلة بهم.
لم تمضِ السنوات من غير حربٍ وانتقام، ولا كانت المعاهداتُ كفيلةً بإلغاء القرصنة نهائيا. ففي بدايات حكم السراسين( )كانت النزاعات متكررة. فقد فتح الخلفاءُ الفاطميّون جميعَ الجزر الكبرى في غربيّ البحر المتوسّط واحتفظوا بها: صقلّية، وسردينيا، وكورسيكا، وجزر البليار. وفي عام 1002 نهب السراسين بيزا، ورد البيزانيون بإحراق أسطول أفريقي. وبعد ثلاث سنوات، أحرق المجاهد حاكم مايوركا وغازي سردينيا جانبًا من بيزا، كما سُجِّلت غارةٌ أخرى سنة 1011. ومن معقله في لوني بإترويا، ظلّ هذا البلاءُ الفتّاك يغير على البلاد المجاورة، حتى طرده البابا من إيطاليا، وطرده البيزانيون وغيرهم من سردينيا (1017).
ونقرأ عن أساطيل إفريقية كانت تجوب سواحل كالابريا بنيّة عدائية، كما يُروى أنّ البيزانيين استولوا على بونا، التي كانت حينها معقلًا للقراصنة (1034). وأُحرقت المهدية سنة 1087، واستولى النورمان على صقلّية في نفس الفترة (1072). ولكن هذا الصراع كان من أحداث الصدر الأول، ومن الاستثناءات، ففي القرون اللاحقة، تحت حكومات أكثر استقرارًا، قلّت الحروبُ جدًّا، وغلبت سياسةُ الصفاء والوئام المتبادل( ).
كانت القرصنةُ محظورةً حظرًا مطلقا في المعاهدات التجارية التي أبرمتها الدولُ الإفريقية، غير أنّها ظلّت مستمرّة، بل كانت أشدَّ إلحاحًا من جانب المسيحيين. وكان اليونانيون والسردينيون والمالطيون والجنويّون أسوأَ عناصر جماعة الجوّابين بحرًا، كما تشهد بذلك نصوصُ المعاهدات نفسها. وقد أغرى ازديادُ التجارة، بدافع الحروب الصليبية، ذوي النزعة المغامِرة، كما أنّ غيابَ أساطيلَ بحريةٍ منظَّمةٍ تابعةٍ للدول وفّر لهم حصانةً من العقاب، ثم إنّ الحرب كانت في الغالب دائرةً بين أمّةٍ وأخرى، مسيحيةً كانت أو مسلمة، فكانت القرصنة، في منطق قانون ذلك العصر، تتحوّل فورًا إلى جهادٍ بحريٍّ مشروع. وكان لقراصنتنا في البحر الإسباني العذرُ نفسه الذي يحتجّون به.
غير أنّه من المهمّ الإشارة إلى أنّ هذه الأعمال كلَّها كانت قرصنةً فرديّةً صرفة، إذ إنّ الحكومات الإفريقية والإيطالية كانت تتبرّأ صراحةً من هذه الممارسة، وتتعهد بإعدام أيّ قرصانٍ من رعاياها يقع في قبضتها، وتسليم ما غنموه إلى الدول المنهوبة( ). وكان أولئك القراصنة الأوائل مغامرين منفلتين، يختلفون كلّ الاختلاف عن القراصنة المرخَّص لهم في العصور اللاحقة. ومن شواهد ذلك، أنّ سفينتين من بيزا أغارتا سنة 1200، في زمن السِّلم، على ثلاث سفنٍ محمّدية في مرسى تونس، فأسرت أطقمها، وانتهكت حُرَمات نسائها، ثم أفلتت من مطاردة الأسطول التونسي الذي لاحقها، دون أن تتبنّى دولةُ بيزا تلك الفعلة أو تأيّدها. خشيةَ أن يدفع تجّارها ثمن الانتقام وردود الفعل. وكانت صقلية مرتعًا للقراصنة، حتى إنّ حاكم تونس أدّى للنورمان مالًا أشبه بالجزية، ليحملهم على كبح تلك التجاوزات وكفّ الأذى. كما مارس الأراغونيون والجنويون القرصنة بعضُهم ضدّ بعض وضدّ المسلمين، غير أنّ أعمالهم كانت فرديّةً محضة، لا سندَ لها من الدولة.
حتى القرن الرابع عشر كان المسيحيّون هم المهيمنون على القرصنة في البحر الأبيض المتوسّط، وكانوا يتاجرون على نطاقٍ واسعٍ بالبضائع المسروقة والرقيق. غير أنّ اتّساع الأساطيل التجاريّة الضخمة جعل هذه المهنة تفقد جاذبيتها، فخفت ذكرُ السلب الأوروبي، وارتفع صيتُ قراصنة المور. وكان أهلُ السواحل المحيطة بخليج قابس ميّالين إلى هذا الضرب من العيش منذ أمدٍ بعيد، فغدت المهدية، أو «إفريقية»، مأوىً مألوفًا لذئاب البحر.
وقد سجّل البكري في القرن الثاني عشر خروج القوادس من مرافئ بونا للغزو وطلب الغنيمة (ولعلّ ذلك في أيّام الحرب). كما حدّث ابن خلدون في القرن الرابع عشر عن عصبةٍ منظّمةٍ ببجاية، كانوا يجنون أرباحًا طائلة من السلع وفدية الأسرى. وتعاظم البلاءُ مع نمو القوة التركية في المشرق، وازداد سعيره بسقوط القسطنطينيّة، أمّا في الغرب، فإنّ إجلاء المور عن إسبانيا إثر الزحف المسيحي ملأ إفريقية بالموريسكيّين المقهورين، المكدودين، المتعطّشين للانتقام، لا يشغلهم شاغلٌ سوى تصفية حسابهم القديم مع الإسبان.
وإزاء تلك العوامل، وقف وُلاةُ شمال أفريقيا، على لِينهم، موقفَ العاجز الذي لا يملك دفعًا. فقد نعموا طويلًا بظلال السِّلم ووشائج المودّة مع دول المتوسّط، حتى وهنت قدرتُهم على إقرار النظام بقوّة الشكيمة. وكانت جيوشُهم وأساطيلُهم ضئيلة، وسواحلُهم متراميةً، تتناثر فيها معاقلُ حصينةٌ يعجزون عن إمدادها بالحاميات. لذلك، حين أفاض المورُ من الأندلس، بسطت لهم سواحلُ أفريقيا ملاذًا آمنًا وسهلَ الوصول، وزاد من ذلك أنّ سماحةَ الإسلام تأبى ردَّ المستجيرين. ثم ما لبثت قوادسُ المشرق المسلّحة أن احتشدت على شواطئ البربر، يحدوها الطمعُ في الثراء، ففُتحت لها المرافئ، واحتضنتها الخلجان. وبمجرد أن أخذوا موطئ قدم، تيسّر ما بعده.
وإلى هذه الأرض الجاهزة للاستخدام، أقبل القبطان عروج بربروس في أوائل القرن السادس عشر.



#فتحي_البوكاري (هاشتاغ)       Boukari_Fethi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقدمة كتاب -قصّة قراصنة البربر-
- مقتطف من مقدّمة كتاب مختارات من رسائل كولومبس
- بحّارة عنيدون لويس بيك
- نساء محجّبات (1)
- حوار مع فوزي مسعود: تونس وفرنسا بين الذاكرة والتبعية
- سرديّة فتح الله صغيّر لألفونس دي لامارتين ج2
- سرديّة إقامةِ فَطح الله الصغِير بين العربِ الرُّحَّلِ في الص ...
- من روائع الأدب المجري: السيّدة كاراشني، لإرنيو سيب
- رسائل من الميّت الحيّ
- باغ وبهار:حكايات الدراويش الأربعة لأمير خُسرو الدِّهلَوي -ج2
- باغ وبهار:حكايات الدراويش الأربعة لأمير خُسرو الدِّهلَوي -ج1 ...
- ليلة عاصفة، الفصل الأول من رواية -فتاة البحّار- لإيما ليزلي
- الإبحار الأخير للقارب -الدولفين-
- أطلقوا قارب النجاة! (ج1)
- حوار مع الفنان التشكيلي عمّار بوكيل: حين يتكلم الجدار بلغة ا ...
- ميراث البحر
- الفصل الأول من رواية ماري جونستون -1492-
- بئر السّاراسين
- تحطُّم منارة وينستانلي
- منارة إدستون: تاريخ هندسي ومغامرة بشرية


المزيد.....




- مقامات الهمذاني والحريري.. قصة فن أبهر الأدباء على امتداد أل ...
- الشيخ المقرئ جعفر هاشم.. -بصمة نابلس الصوتية-
- من بئر بدر لأدغال تشاد.. 3 رمضان يوم الفتوحات والتحولات الكب ...
- حكاية مسجد.. -محمد الأزرق- في السودان
- وزارة التربية توضح تأخر وصول كتب منهاج اللغة الإنجليزية للسا ...
- غضب جزائري من تصريحات حسين فهمي عن فيلم للأخضر حمينة والنجم ...
- مسلسل -القيصر- يفتح ملف الذاكرة السياسية للفنانين ويثير انتق ...
- هوارد كارتر يروي لبي بي سي في مقطع نادر أسرار اللحظات الأولى ...
- عدسات المبدعين توثق -ابتسامة السماء-.. هلال رمضان يضيء الأفق ...
- رمضان في عيون الغرباء.. كيف وصف رحالة العالم ليالي مصر؟


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فتحي البوكاري - مقدمة كتاب قصّة قراصنة البربر (2)