فتحي البوكاري
كاتب
(Boukari Fethi)
الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 18:47
المحور:
الادب والفن
الفصل الأول من رواية مارمادوك ويليام بيكثال، نقلها إلى العربيّة: فتحي البوكاري
-1-
« أيّها الغراب، إن كنت تحمل خبرا سارّا فاهبط، مرحبا بك، وإن كان الخبر سيئًا فاقبضْ مخالبك وامضِ بعيدًا!»
عند زاوية سطحٍ منزل شاهق يطل على جزء كبير من القاهرة، وقفت امرأة رافعةً ذراعيها، تخاطب غرابًا بدا كأنه يهمَّ بالهبوط من الجوّ. فإذا بالطائر يستدير فجأة وينسحب مبتعدا وهو يضرب الهواء الثقيل بجناحيه وكأنّه فهم معنى الطلب، لينضمّ إلى المئاتٍ من أمثاله الذين كانوا يحوّمون عاليًا فوق المدينة الغارقة في ضوء الصباح الباكر. هزّت المرأة قبضتها وهي تنظر إلى هيئته المتلاشية، وأساورها الخرزيّة تدقّ على ذراعها السمراء القوية. ثم تنهدت قائلة:
«لعنةُ الله على دينك، أيها الرسول الكافر!»
ثم ضحكت، واستدارت لتنضمّ إلى زمرةٍ من الجواري، رفيقاتها، اللواتي أُرسلن إلى السطح لنشر الأعشاب وتجفيفها. وقد راقبنها بابتسامات ماكرة وأيديهنّ تشتغل، واستمعن لها وهي تدعو على الغراب. غير أنّ واحدة منهن، وهي جارية شركسية، كانت قد توقّفت عن العمل وجلست تراقب حركاتها متعجّبة، فأبدت دهشةً وسألت عن مغزى تلك الطقوس الغريبة.
وعندئذٍ تعالت القهقهات.
«أما تعلمين، يا زهرة؟ إنه سرُّ المرأة!»
«سرّ الأسرار، الذي يجهله الرجال!»
«والله، إن الرجال لا يعلمون عنه شيئًا. وإن شاء الله، سيندهشون يومًا ما!»
«يا هند، احكي لنا الحكاية! إن عسلتنا، وغزالتنا، غُلبَيْزة، لم تسمع بها.»
عند هذا الإلحاح، شرعت هند الجارية الحرّة الخدومة والمطيعة، مدللة الأطفال، التي كانت تناجي الغراب، تقصّ، وهي تعود مجدّدا لعملها:
«باسم الله، هكذا تُروى الحكاية، يا عزيزتي، إنّه في أيام سيدنا نوح عليه السلام، بعد الطوفان، كان الرجال والنساء متساوين في العدد والحقوق. فماذا حدث؟ بطبيعة الحال، دبّ الخلاف حول من له الحق في اختيار شريك الحياة، ومع تكاثر الناس، توسّع الخلاف نحو من يحقّ له أن يمتلك أكثر من شريك. فحكم الرجال لأنفسهم، كالعادة، وحين اعترضت النساء اعتراضًا مهذّبًا، ضربوهن. فما الحل، والرجال أقوى من النساء؟ لكنّ الله أقوى منهم. فلجأن إلى حكمه، غير أنّه، يا لسوء حظّهنّ! اتّخذن الغراب رسولًا لهن. فطار الغراب نحو السماء، حاملًا في مخالبه عريضتهنّ العزيزة، ومنذ ذلك الحين إلى هذه اللحظة لم يعد بالجواب. غير أنّ الله حيٌّ ورحيم، الألفُ سنةٍ عنده كساعة واحدة. لربما يؤخر الإجابة قليلاً، حتى نفكر ونتأمل، ليمنحها في آخر المطاف، إن شاء الله!»
فردّدت عشرات الأصوات خلفها:
«إن شاء الله!»
ثم أعقبها ضحكٌ جماعي حين تثاءبت غُلبَيْزة الشركسية وتنهدت قائلة: «أربعةُ أزواجٍ صالحين لي وحدي! يا ربّ، عجّل!»
وختمت هند قائلة:
«ولهذا السبب تخاطب النساءُ الصالحاتُ الغربانَ إذا همّت بالهبوط، فقد يكون أحدها حاملا للأمر المبارك. هكذا وردت الرواية، والله أعلم!»
قهقهت غُلبَيْزة، مسندةً ظهرها إلى حاجز السطح:
«خبرٌ سارّ وباعث على الأمل! ما سمعتُ أفضل منه قطّ!»
ثم لبثت طويلًا صامتة، غارقةً في أحلام اليقظة.
كانت الساعة بعد شروق الشمس في صباحٍ ربيعي، من السنة الثمانين بعد المئتين والألف للهجرة، السنة الثانية من حكم إسماعيل. وكان البيت بيتَ محمد باشا صالح، تركيّ الأصل، مصريّ المولد والنشأة، يشغل منصبًا رفيعًا في الحكومة. ولما أنهت الفتيات عملهن، جلسن على أعقابهن، وكلّ واحدةٍ أمامها صينيّةٌ من السلال، يستنشقن النسيم، غير متعجّلاتٍ للعودة إلى الداخل.
***
«الحمد لله»، نطقت إحداهنّ بحرارة، «سنرتاح ساعةً من ذاك الجحيم الذي في الأسفل. لم أرَ السيدة فِتنة غاضبة هكذا قط. غضبها لم يكن لأن ابنها يرغب في المربية الإنجليزيّة فحسب، بل لأن الباشا لا يرى مانعًا في زواجهما. أرتجف كلّما اضطررت للذهاب إليها، خشية أن تصبّ جامّ غضبها فيّ.»
فردّت أخرى: «الحمد لله، أنّي لست جاريتها، بل جارية ضرّتها، السيدة الكبيرة. ومع هذا فأعرفها مخلوقا صالحا وَتقيّا، لا يعقل أن تغضب هكذا إلا لسبب وجيه. يقولون إنّ هذه المربّية الأجنبية قد سحرت الشاب. لقد جنّ جنونه، ألقى بنفسه أمامها في الممر حين عادت من السفر. وقد رفضته بشدّة، فحملوه مغمىً عليه إلى غرفته، حيث ظل يبكي ويتأوه ليومين، رافضًا الطعام. إنه مسحور، على ما يبدو، فالفتاة قبيحة».
«لا، والله، إنّها بيضاء وممتلئة بشكل جميل. لكنها وقحة! وكافرة!»
«يمكنها تغيير دينها.»
"كأنّه بسهولة يغير الروث رائحته!"
«غُلبَيْزة هنا أكثر بياضًا وأشهى منظرًا.»
«حسنًا، الله وحده يعلم ما هي عليه حقًّا. هذا أكيد: لا رغبة لي في العودة إلى البيت ففتنة هانم تشتعل الآن غيظا.»
فأيّدنها جميعا بتأثّر: «ولا أنا!»، «ولا أنا!»
كان صخبُ الصباح في المدينة يصل إليهنّ همسًا مطمئنًّا. وكانت المآذن تحلم من حولهنّ في ضباب الشمس، ورديَّ القلب، لؤلؤيَّ الأطراف، تشوبه مسحةٌ بنية في البعيد. من جهةٍ، بدت الأراضي المنبسطة: حقولٌ خضراء ونخيلٌ يزاحم الصحراء التي ترتفع عليها ثلاثة أهرامات، صغيرة كالأرقام، ومن الجهةٍ الأخرى، في نهاية التل الطويل لجبل المقطم، ارتفعت القلعة في ظلٍّ من الدّخان، بقبتها ومآذنها التركية، وأبراجها وأسوارها، لتبدو كأنها مدينة في السماء. وهنا وهناك، بين أسطح البيوت، ارتفع سرب صغير من الحمام، رفرفت للحظة ثم هدأت بسلام. وحلّقت اللّقالق، وحوّمت الغربان في الجوّ عاليا. وكانت غُلبَيْزة تتابع حركاتها شاردة الفكر.
وقالت بعد طول صمت:
«اللهم احفظنا من انفلات نساء الفرنجة! فإني لا أحتمله. أن أكون هدفًا لنظرات الرجال جميعًا لأمرٌ فظيع. إن حيائي ليلهب دماغي ويفتك بي. يا لخجلي الطاهر! ومع ذلك فهنّ ينتقين من الرجال من يشأن، وهذا معلوم. إن شاء الله، حين تأتي النعمة الكبرى، إن جاء بها الغراب، فلن تمسّ سترنا المبارك بسوء.»
قالت هند بثقة: «نعم، إن شاءَ الله! لا تخافي، يا حبيبة. الله أكبر! إنّ حريتهنّ نفثة من الشيطان، سيّدهنّ الملعون، عليه لعنة الله! إنها تشويه لصنع الله، كما هي كل أفعاله. أليس من المعلوم أنه عندما خلق الله البقرة بذل قصارى جهده ليفعل الشيء نفسه، لكنّه أخرج جاموسة؟ فسخر منه أهل السماء جميعًا. وأما عهدنا، حين يأتي، فسيكون كاملًا لا نقص فيه.»
وقالت غُلبَيْزة:
«الحديث عن النساء الأجنبيات يثير فضولي لمعرفة ما يجري في الأسفل. هل وافقت المربّية على أن تنعش يوسف؟ وهل هدّأ الباشا السيدة فتنة هانم؟»
قالت هند:
«لا شيء يهدّئها إلا الطرد الفوري للإنجليزية. لماذا علّمت أطفالها علوم الكفار؟ الذنب ذنبها! لقد كانت تأمل أن تمنع الباي من الزواج الشريف، مقيدة هواه بجارية من اختيارها.»
ضحكت غُلبَيْزة وتثاءبت:
«قوليها صراحة: بي أنا! فقد أُدخلتُ البيت لهذا الغرض. غير أنني لست جاريتها، فسيّدتي هي مرجانة هانم، وكانت كفيلة بأن تصون كرامتي جيدًا. فإن أشفقت المربّية عليه، وهو أمرٌ لا أرجحه، فلن يحدث مثل هذا، مثلما أنّ الأفعى البرّية لن تتزوّج الحمامة، فعلى سيدتي أن توفّر لي زوجًا مناسبًا. لا رغبة لي أن أذبل كفاكهة غير مقتطفة.»
ثم تثاءبت مجدّدا وقالت: «ألا يدخل أحدكنّ إلى البيت ويأتيني بخبر؟»
فوثبت فتاةٌ صغيرة من بلاد الغال، طفلة لم تُحجب بعد، وقد برقت عيناها وأسنان نشوى بما ستقبل عليه من مغامرة، وقالت:
«أنا سأذهب، يا سيدتي! لست خائفة. سأدخل حتى السلمليك وأستقصي كل شيء.»
فقالت لها غُلبَيْزة:
« كوني حذرة، يا فاطمة، لئلا تمسك بك العجوز فتنة! فلو ضبطتك تتجسّسين عليها ستشقّ بطنك وتنتزع أحشاءك!»
ضحكت الزنجيّة الصغيرة وعبست بوقاحة.
فأضافت غُلبَيْزة: «واحذري الخصيان أيضا! سيضربونك حتما.»
قالت فاطمة: «والله، عليهم أن يمسكوا بي أولًا. سوّاب يعشقني، والآخرون بطيئون جدًا.»
انطلقت الفتاة الصغيرة كالسهم. نزلت سلالم مظلمة كريهة الرائحة، وعبرت ممرّات خالية، وكلّها شقاوةٌ. وفي فناءٍ من أفنية الحريم، حيث تنمو أشجار البرتقال في أصص حول بركة، توقفت لتستمع إلى صوت فتنة، كان الصوت آت من غرفة على يمينها. أما الطريق أمامها ، حيث كانت ترغب في الذهاب، فكان خاليًا. فقفزت على أطراف أصابعها، وقطفت غصنًا مزهرًا من أقرب شجرة، ثم ركضت في ممرٍّ يخترق الشبّاك المزخرف الفاصل لجناح الحريم، حيث حاول خصيٌّ مازحًا إيقافها، ولما أبصرت قاعةً عظيمة يجلس فيها الرجال، طرقت بابًا.
ما إن أذن لها حتى انسابت بخفّة إلى الداخل، وقدّمت غصن زهر البرتقال إلى المربّية الإنجليزية، وكل عضلات جسدها تفيض مودة وابتسامًا. ومن غير أن تُطيل النظر، قرأت ملامح وجه الغريبة، فأدركت أنها كانت تبكي قبل قليل لكنها الآن تبدو مبتهجة، وتأمّلت ترتيب الغرفة وأثاثها الأجنبي. ثمّ قبل أن تجد الإنجليزية كلمات تشكرها بها على الهدية الجميلة، قبّلت يدًا بيضاء تتّقد حرارة كالجمر، واندفعت خارجة في صمتٍ كما دخلت.
وبينما كانت تسرع عبر فناء الحديقة، سمعت صوت رجلٍ يصيح:
«اصمتي، أيتها المرأة، وإلا، بحقّ النبي، سأضربك!»
فانكمشت خلف حوض تستمع بشغف. وعلى الرغم من وجود مشادة كلاميّة غير بعيدة بين الباشا وزوجه فتنة، لم تستطع أن تلتقط أكثر من جوهرها من نبرة الأصوات: صوت الرجل غاضب، وصوت المرأة هائج.
وأخيرًا صاح الباشا:
«لقد انتهى الأمر. لا كلمة بعد الآن. أنا سأتوجّه فورًا إلى القنصل. فراجعي القاضي إن أردتِ، أرجوك، من فضلك افعلي! فسيقول لكِ، كما أقول أنا، إنكِ مجنونة.»
وبعد دقيقةٍ عبر الفناء مرتديًا أفضل طربوش لديه، وزيّه الرسمي المكوّن من معطفٍ أسود طويل وبنطال ضيق—وهو أمرٌ غير مألوف في تلك الساعة المبكرة.
فلما رأته فاطمة يدخل السلمليك، ركضت كالصاعقة عبر البيت العتيق المعتم، حتى خرجت لاهثة إلى ضوء الشمس الساطع، وارتميت على السطح ثانيةً إلى جوار الأخريات.
فصحن جميعًا:
«ما الأخبار؟»
قالت فاطمة وهي تلهث:
«خبرٌ عظيم! اسمعن فقط! المربّية الإنجليزية ستتزوّج يوسف بك، وقد أسلمت!»
فصاحت الأخريات بدهشة:
«الحمد لله! امرأة فرنجية تعتنق الإسلام! يا لها من معجزة عظيمة!»
وأضافت فاطمة:
«والباشا يتوجّه الآن إلى القنصل الإنجليزي للتشاور معه وترتيب مراسم الزواج.»
قالت الأخريات:
«الله أكبر! أحقًّا هذا؟ وما رأي فتنة؟»
قالت فاطمة:
«وماذا عساها أن تقول، المسكينة؟ ليس الأمر بيدها.»
قالت غُلبَيْزة:
"ولكن، بالله عليك، كيف علمتِ بكل هذا؟"
أطبقت فاطمة شفتيها بإحكام، وقد بدا عليها مسحة من المكر.
وكل ما أجابت به ضحكة أبانت أسنانها البيضاء.
فقالت غُلبَيْزة ضاحكة:
«حديثها هراء! إنها تمازحنا. لم تغب خمس دقائق، وهذا معلوم. ستنالين جزاءك وافياً، أيتها الزهرة السامة الصغيرة! اعترفي الآن أن قصتك كلها أكاذيب!»
ومن العجيب أن كل كلمةٍ قالتها قد ثبتت صحتها.
#فتحي_البوكاري (هاشتاغ)
Boukari_Fethi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟