فتحي البوكاري
كاتب
(Boukari Fethi)
الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 18:14
المحور:
الادب والفن
مقدمة كتاب "قصّة قراصنة البربر" للمؤلفين: ستانلي لين بول وج. د. جيرولد كيلي، نقلها إلى العربية فتحي البوكاري
I
انتقام الموريسكيين
على مدى أكثر من ثلاثة قرون، مُنعت الدول التجارية في أوروبا من ممارسة تجارتها، أو أُجبرت على التخلّي عن مكاسبها بأمر من القراصنة. فمنذ الأيام التي تحدّى فيها بربروسّا قوةَ الإمبراطور شارل الخامس بأكملها، وحتى مطلع القرن الحالي، حين استولى قراصنة الجزائر على غنائم من أساطيل أوروبا، كان القراصنة سادة البحار الضيقة، يُمْلون شروطهم على كل من يَفِد إليها. ولم يُضعف شوكتهم شيء سوى إنشاء أساطيل بحرية ضخمة في عصرنا الحالي، ولم يكن ليقضي عليهم قضاءً نهائيا إلا بعد غزو سواحلهم التي كانت تُتيح لهم منطلقًا ملائما للغاية. وخلال تلك القرون الثلاثة فرضوا الإتاوات على كل من كانت له مصلحة تجارية في البحر الأبيض المتوسط. فقد اشترى البنادقة، والجنويون، والبيزيون في الماضي، ثم الحكومات الإنجليزية، والفرنسية، والهولندية، والدنماركية، والسويدية، والأمريكية في الأزمنة الحديثة، الأمنَ بدفع جزيةٍ منتظمة، أو بتقديم هدايا ثمينة على فترات.
وكانت عقوبةُ المقاومة معروفةً جيدًا لدرجة أنها لم تكن بحاجة إلى توضيح، فآلافُ العبيد المسيحيين في سجون الجزائر كانوا شاهدًا حيًّا على عواقب انتهاج سياسةٍ مستقلة. وما دامت دول أوروبا مستمرّة في التنازع فيما بينها، بدل أن تُقيم جبهة قتالٍ موحَّدة في وجه العدو، فقد كان لزامًا تحمّلُ مثل تلك الإهانات. وما دام إغارةُ القراصنة على إسبانيا يُلائم سياسة فرنسا، وما دام الهولنديون، بدافع غيرتهم من سائر الدول، يعلنون أن وجود الجزائر ضرورةٌ لهم، فلم يكن ثَمَّة أملٌ في انحسار هذا البلاء.
ولم تتفق الدول الكبرى، في مؤتمر آخن عام 1818، على العمل المشترك ووضع حدٍّ لهذا السوط المسلَّط على العالم المسيحي إلا عند نهاية الحروب النابليونية الكبرى. وحتى في ذلك الحين، لم يتحقق الكثير حتى جمعت فرنسا بين التوسع الإقليمي ودور التأثير الحضاري.
لقد وُجد القراصنة في البحر الأبيض المتوسط قبل أن يتّخذ الأتراك هذه الحِرفة بزمنٍ طويل، بل إنّ الإنسان، منذ أن صنع القوارب، أدرك ما تتيحه من إمكانات السلب والنهب. وتُعَدّ حملةُ جيسون البحرية، ونهب «الصوف الذهبي»، مثالًا على ذلك في الزمن القديم، كما أن اليونانيون، على مرّ العصور، تميّزوا بالاقتداء بجيسون بحرًا وبرًّا.
أمّا المسلمون فقد لبثوا زمنًا قبل أن يتعوّدوا على مخاطر أعماق البحار. ففي البداية، أُعجبوا كثيرًا بـ"أولئك الذين يركبون البحر في سفن، ويمارسون أعمالهم في المياه العميقة"، لكنهم لم يُسارعوا إلى اتّباعهم. ففي الأيام الأولى لفتح مصر كتب الخليفة عمر إلى قائده يسأله: ما البحر؟ فأجابه عمرو: « خلق كبير يركبه خلق صغير كدود على عود»، فجزع الخليفة الحكيم لذلك، وأمر ألّا يُبحِر مسلمٌ في مثل هذا العنصر المخلوق الهائج إلا بإذنه.
ولكن سرعان ما تبيّن أنّ المسلمين، إن أرادوا أن يحفظوا مكانتهم بين جيرانهم فعليهم أن يتعلّموا فنّ الملاحة. ولهذا نجد، في القرن الأول للهجرة، الخليفة عبد الملك يأمر واليه في إفريقية أن يجعل من تونس ترسانةً أسلحة ومرفأً، وأن يجمع فيها أسطولًا. ومنذ ذلك الوقت لم تخل السواحل البربرية من السفنٍ على اختلاف أنواعها لفترة طويلة.
فقد أبحر أمراء الأغالبة من تونس، فاستولوا على صقلية وسردينيا وكورسيكا. وخاض الخلفاء الفاطميون حروبًا بحرية مع أساطيل عبد الرحمن، الخليفة الأموي العظيم في قرطبة، بقوة بلغت مئتي سفينةٍ لكلّ جانب. وامتلك الموحّدون أسطولًا ضخمًا نقلوا فيه جيوشهم إلى إسبانيا، أمّا خلفاؤهم في شمال إفريقيا ، وإن كانوا أقل قوة، فقد كانوا قادرين عمومًا على الاحتفاظ بعدد من السفن لأغراض حربية وتجارية.
وخلال أواخر العصور الوسطى كانت العلاقات بين حكّام السواحل البربرية، ملوك تونس وتلمسان وفاس وغيرها، وبين الدول التجارية في العالم المسيحي، علاقاتٍ وديّة منصفة. وتُظهر المعاهدات أنّ الطرفين اتّفقا على إدانة القرصنة وقمعها (قدر استطاعتهما) وتشجيع المبادلات التجارية. ولم يطرأ أي تغيير على هذه الأوضاع السلمية إلا مع بداية القرن السادس عشر، وكان ذلك عندما قرر فرديناند وإيزابيلا، في ما رأياه من حكمةٍ موحّدة، ترحيل المسلمين الإسبان، وقد تناسيا خطر انتقام المنفي[1]. فما إن سقطت غرناطة حتى غادر آلاف الموريسكيين اليائسين الأرض التي كانت موطنهم لسبعمائة عام، رافضين العيش تحت نير الإسبان، وعبروا المضيق إلى أفريقيا، حيث استقروا في مواقع حصينة مختلفة، مثل شرشال ووهران، ولا سيما في الجزائر العاصمة، التي لم تكن معروفة آنذاك.
وما إن استقر الموريسكيون المطرودون في مواطنهم الجديدة حتى فعلوا ما كان سيفعله أيُّ قومٍ في مكانهم: نقلوا الحرب إلى أرض مضطهديهم. لم يكن في وسعهم لقاء الإسبان في البرّ لقلّة عددهم، لكنّ خفّة أساطيلهم ومعرفتهم بالسواحل منحتهم فرصة الانتقام التي كانوا يتوقون إليها.
ويُخبرنا العلمُ والتقاليد والملاحظة أنّ الإنسان البدائي كان لديه بعض أوجه الشبه مع الحيوانات المفترسة، فبفضل قوّته أو حيله كان يقتل أو يصطاد ما يقتات به. أمّا الإنسان المتحضّر فقد ترك أبشع أشكال القتل للطبقة المحترفة، أغلظَ صور القتل لطبقةٍ محترفة، وإذا قتل رفع فعلَه إلى مرتبة «اللعبة» بما يُضفيه عليه من مهارةٍ وإثارةِ ومخاطرة. ومع ذلك فما يزال الإنسان المتحضّر ميّالًا إلى افتراس بني جنسه، وإن لم يكن ذلك بأسلوب أسلافه الوحشي. فهو يفترس ضعفَ العقول، ووهنَ الطباع، وجشعَ الناس، ونزعتهم إلى المقامرة. فإذا كان على أوسع نطاقٍ سُمّي «مموّلًا»، وإذا كان في أدناه سُمّي «نشّالًا».
وهذه الروح المفترسة قديمةٌ جدًّا وعامّة في آنٍ واحد، حتى إنّ القارئ، وهو بطبيعة الحال بريءٌ من مثل هذه النزعات، لا بدّ أن يُجهد نفسه ليفهم لذّةَ السلب حين يُنظر إليه بوصفه «فنًّا راقياً». وهناك بعض الساخرين الذين سيقولون لنا إن السبب الوحيد لعدم كوننا جميعاً لصوصاً هو أننا نفتقر إلى الجرأة الكافية، ولا شك أن هناك دافعًا قويًا، إلى جانب الانحراف الفطري أو الخطيئة، يدفع الإنسان إلى تفضيل خوض مخاطر لا تُحصى في سبيل مسعى غير مشروع على الكدّ في العمل الشريف. وهنا يكمن الجواب: إنّ المخاطرة ذاتها، وعدم اليقين، والخطر، والشعور بتفوّق المهارة والحيلة، هي التي تجذب الروح المغامِرة، وشغف «اللعبة» المتأصل في غالبية البشر.
ولقد اجتمع في لصوصنا المور كلُّ ذلك، وأكثر. فقد أظهروا شجاعةً وجرأةً في كثير من الأحيان في صراعاتهم مع الإسبان، أو في غاراتهم البحرية الجامحة على السواحل المسيحية، في سردينيا مثلًا أو بروفانس. لكنّهم الآن انخرطوا في مسعى يفوق أي مسعى سابق، الانتقام العادل من أولئك الذين طردوهم من ديارهم وأراضيهم، وألقوا بهم تائهين يلتمسون مرسى جديدًا في العالم، الحرب المقدسة ضد قتلة ذويهم، ومجدّفي عقيدتهم المقدّسة.
وأيُّ نشوةٍ أشد وأبهج من أن تُبحر السفينة الشراعية الخفيفة على شاطئ الجزائر وتُجهَّز للإبحار في المياه الإسبانية؟ إنّ السفينة الصغيرة لا تتّسع إلا لعشرة مجاديف في كلّ جانب، يشدّ كلَّ مجدافٍ رجلٌ يتقن القتال كما يتقن التجديف، وهو ما يجب عليه فعله بالفعل، لأنه لا مكان لرجال البر على متن «فِرْكَاطة» صغيرة. فإذا هبّت ريحٌ مواتية من البرّ، قلّ التجديف، إذ يكفي الشراع الرئيسي الكبير، المرفوع على صاريها الوحيد، ليعبر مجاري المياه الضيّقة بين الساحل الإفريقي وجزر البليار، حيث يمكن اتخاذ موقع مراقبة مناسب لمرورُ السفن الإسبانية أو الإيطالية.
ولخفّة غاطسها يستطيع سِرْبٌ صغير من هذه السفن الشراعية الصغيرة أن يتوغّل في معظم الخلجان، أو يختبئ وراء الصخور حتى يلوح العدو في الأفق. عندئذٍ تمتدّ المجاديف، وتخفق المياه لبضع دقائق تحت الضرباتٌ السريعة الخاطفة، فإذا هم بجانب فريستهم الغافلة، يصبّون عليها أول وابلٍ نيرانهم. ثم يقع التدافع للصعود إلى متنها، ويتحوّل القتال إلى عراك بالأيدي، تعقبه مقاومةٌ أخيرة يائسة على مؤخرة السفينة تحت مظلّة القبطان. ثمّ تُؤخذ الغنيمة، ويُقيَّد الأسرى بالحديد، وتُرسل عليها طاقمُ قيادة بديلة، ويعود الجميع إلى الجزائر ظافرين حيث يُستقبلون بالهتاف والتصفيق.
وقد تكون الغارة على شواطئ أندلسهم الحبيبة. عندها تُدفَع السفن الصغيرة إلى شقوق الصخور، أو تُدفن في الرمال، ويتسلّل القراصنة إلى الداخل نحو نحو إحدى القرى التي يعرفونها جيدًا، والتي لن يكفوا عن الحداد عن رثاء فقدانها. وما يزال لهم في إسبانيا العديد من الأصدقاءُ الذين هم على استعدادٍ لمساعدتهم ضدّ المضطهِد الظالم وإخفائهم عند الخطر. فيُوقَظ الإسبان النائمون ثم يُسكَتون بحدود السيوف، وتُحمَل نساؤهم وبناتهم على أكتاف الغزاة، ويُنهب كلُّ نفيس، وسرعان ما يُبحِر القراصنة مبتهجين إلى مراسي الجزائر، مُحمّلين بالغنائم والأسرى، وغالبًا ما يكون معهم بعض من بقايا عرقهم المضطهدين، الذين يعودون شاكرين إلى ذويهم في الوطن الجديد. إن الانتقام من الإسبان بهذه الطريقة كان يُضفي على الحياة لذّةً حقيقية.
مع كل ما يملكونه من مهارة وسرعة، ومعرفة بالسواحل، ومساعدة رفاقهم على اليابسة، كان خطر الأسر لا يزال قائماً. فأحياناً تقع سفنهم الشراعية في ورطة حين يظنون أنهم اصطادوا هدفًا سهلاً، ويكتشفون أن الأمور أعقد مما توقعوا. فينقلب الوضع على المور، ويضطرون إلى أن يكونوا جزءاً من انتصار آسريهم، ولسنوات، وربما إلى الأبد، يجلسون على ضفاف سفينة حربية تابعة للبندقيّة أو لجنوة، مقيدين بأغلال ثقيلة، يسحبون مجاديف الكفّار حتى في مطاردة المؤمنين، ويحدقون بلا شبع في آثار السياط التي لا تزال غائرة على ظهر الرجل العاري أمامهم.
لكن المخاطرة كانت تضفي نكهةً على حياة القرصان، وغالبًا ما كان الأسير يتطلع إلى أمل الاسترداد، أو أحيانًا إلى فدية يدفعها أصدقاؤه. وكانت مهنة القرصان، بكل ما فيها من أخطار، مهنة مزدهرة. فقد أصبح المغامرون أثرياء، وأصبحت مواقعهم الحصينة على سواحل البربر مكتظة بالسكان ومحصنة جيداً. وبحلول الوقت الذي بدأ فيه الإسبان يدركون خطورة ترك جيرانهم المزعجين دون رادع، كانت المعضلة قد استعصت على العلاج.
لقد تمتع المور المنفيون بالحصانة لعشرين عامًا، بينما كانت المراكب الإسبانية الكبيرة راسية بعناد في الموانئ، محتقرة عدوًّا صغيرًا كهذا. وأخيرًا أُرسل دون بيدرو نافارو بأمر من الكاردينال خيمينيس لمحاسبة القراصنة. فلم يجد صعوبة تُذكر في الاستيلاء على وهران وبجاية، أما الجزائر فكانت محصنة بشكل جزئي، ففرض عليها شروطه الخاصة جعلت الجزائريين يتعهّدون بنبذ القرصنة، ولضمان التزامهم بعهدهم، بنى حصنًا منيعًا، هو "بينيون الجزائر"[2]، ليمنع سفنهم من الإبحار.
لكن الموريسكيين كان لديهم أكثر من موقع محصن على الرؤوس الصخرية للسواحل البربرية، وبعد أن ذاقوا متعة مطاردة الإسبان، لم يكونوا ميالين للتوقّف، خاصة وأن الخيار كان بين القرصنة والموت جوعا. لم يكن الحفر مهنتهم ، ففضلوا الكسب بالقوة، مثل "سادة الطرق". فصبروا وانتظروا، حتى رحل فرديناند الكاثوليكي، ثم، متحدين حصن البينيون، ومتجاهلين جميع العقوبات والويلات التي ستنتج عن الانتقام الإسباني، أعلنوا عصيانهم، وبحثوا عن حلفاء.
ولم يكن المدد بعيدًا، وإن كان في هذه الحال يعني الهيمنة. فقد انتهى عهد القراصنة الموريسكيين، ومن الآن فصاعدًا قد يُقدِمون، وقد فعلوا، على مهاجمة السفن الإسبانية والبندقية والانتصار عليها، لكنهم سيفعلون ذلك تحت قيادة الحلفاء الذين استعانوا بهم، وتحت زعامة القراصنة الأتراك. لقد لقد مهّد المور الطريق، ولم يكن على القراصنة سوى اتباعه بلا عناء.
الهوامش:
[1] راجع S. Lane-Poole، The Story of the Moors in Spain، الصفحات 232-280.
#فتحي_البوكاري (هاشتاغ)
Boukari_Fethi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟