فتحي البوكاري
كاتب
(Boukari Fethi)
الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 00:24
المحور:
الادب والفن
تقلها إلى العربية: فتحي البوكاري
*********************
فِي إِحْدَى اللَّيَالِي، بَيْنَمَا كُنَّا نَعْبُرُ مِنْ هُولِيهِيد إِلَى أَيِرْلَنْدَا، اكْتَشَفْنَا أَنَا وَرُبَّانُ السَّفِينَةِ، خِلَالَ حَدِيثٍ دَامَ سَاعَةً عَلَى جِسْرِ القِيَادَةِ، أَنَّنَا أَبْحَرْنَا سَابِقًا عَلَى مَتْنِ بَاخِرَةٍ سَاحِلِيَّةٍ أُسْتُرَالِيَّةٍ، قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا، هُوَ بِصِفَتِهِ الضَّابِطَ الأَوَّلَ وَأَنَا رَاكِبٌ، وَقَدْ قَادَنَا ذِكْرُ غَرَقِ تِلْكَ السَّفِينَةِ عَشِيَّةَ أَحَدِ أَعْيَادِ المِيلَادِ (بَعْدَ ذٰلِكَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ)، وَمَا صَاحَبَهُ مِنْ خَسَائِرَ بَشَرِيَّةٍ جَسِيمَةٍ، إِلَى الحَدِيثِ عَنِ الرَّبَابِنَةِ العَنِيدِينَ عُمُومًا.
كَانَتْ تَجَارِبُهُ وَاسِعَةً، وَبَعْضُ قِصَصِهِ مُفْزِعَةً حَتَّى عِنْدَ سَمَاعِهَا، وَبَعْضُهَا الآخَرُ بَالِغَ الغَرَابَةِ، وَقَدْ دَفَعَتْنِي ذِكْرَى تِلْكَ الرِّحْلَةِ المُمْتِعَةِ فَوْقَ بَحْرٍ هَادِئٍ كَسَطْحِ بِرْكَةٍ، إِلَى إِعَادَةِ سَرْدِ بَعْضِ الحَوَادِثِ الَّتِي رَوَيْتُهَا لَهُ عَنْ مُغَامَرَاتِي الشَّخْصِيَّةِ مَعَ رَبَابِنَةٍ مُتَغَطْرِسِينَ، أَوْ مُتَسَلِّطِينَ، أَوْ عَدِيمِي الكِفَاءَةِ.
كَانَتْ تَجْرِبَتِي الأُولَى مَعَ رَجُلٍ نَبِيلٍ مِنَ النَّوْعِ «العَاجِزِ»، وَقَدْ وَقَعَتْ لِي وَأَنَا شَابٌّ يَافِعٌ. كُنْتُ قَدْ حَجَزْتُ مَقْعَدِي عَلَى مَتْنِ سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ أَنِيقَةٍ مِنْ سِيدْنِي، مُتَّجِهَة إِلَى سَامُوَا عَبْرَ جُزُرِ فْرِينْدْلِي. كَانَ يَقُودُهَا الكَابْتِن رُوسَر، الَّذِي أَمْضَى مَا يُقَارِبُ عِشْرِينَ عَامًا فِي الإِبْحَارِ بِهَا فِي تِجَارَةِ بَحْرِ الجَنُوبِ، وَكَانَ يُعَدُّ بِحَقٍّ عَمِيدَ رَبَابِنَةٍ السُّفُنِ فِي الجُزُرِ. كَانَ مِنْ سُكَّانِ سِيدْنِي الأَصْلِيِّينَ، يَبْلُغُ طُولُهُ مِتْرًا وَتِسْعِينَ سَنْتِيمِتْرًا بِلَا حِذَاءٍ، وَكَانَ رَجُلًا ذَا شَجَاعَةٍ صُلْبَة، وَعَزِيمَةٍ لَا تَلِينُ، وَكَانَ مَعْرُوفًا وَمُحْتَرَمًا عَلَى نِطَاقٍ وَاسِعٍ لَدَى التُّجَّارِ البِيضِ وَالسُّكَّانِ الأَصْلِيِّينَ فِي أَرْجَاءِ جَنُوبِ المُحِيطِ الهَادِئِ.
فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، كَانَ هُنَاكَ أُسْطُولٌ كَبِيرٌ مِنَ السُّفُنِ يَعْمَلُ فِي تِجَارَةِ بَحْرِ الجَنُوبِ، وَكَانَ مُعْظَمُهُ مَمْلُوكًا لِسِيدْنِي، وَيُبْحِرُ مِنْهَا، وَكَانَ بِإِمْكَانِي تَأْمِينُ رِحْلَةٍ عَلَى مَتْنِ أَيٍّ مِنْ ثَلَاثِ سُفُنٍ أُخْرَى، لٰكِنَّنِي فَضَّلْتُ «رِيمِيتَارَا» (هٰكَذَا سَأُسَمِّيهَا)، لِمُجَرَّدِ أَنَّ وَكِيلَ السَّفَرِ أَخْبَرَنِي بِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ رُكَّابٌ آخَرُونَ عَلَى مَتْنِهَا. وَقَدْ صَرَّحَ لِي الكَابْتِن رُوسَر نَفْسُهُ بِأَنَّهُ لَا يُحَبِّذُ وُجُودَ رُكَّابٍ، وَلٰكِنْ عِنْدَمَا عَلِمَ أَنَّنِي سَبَقَ لِي أَنْ أَبْحَرْتُ مِنْ قَبْلُ، وَأَنَّنِي أَنْوِي الاسْتِقْرَارَ فِي سَامُوَا كَتَاجِرٍ، ارْتَخَتْ مَلَامِحُهُ العَابِسَةُ، وَهَمَسَ لِي بِأَنَّنِي سَأَجِدُ الإِقَامَةَ وَاسِعَةً بِمَا فِيهِ الكِفَايَةُ، إِذْ سَأَكُونُ الرَّاكِبَ الوَحِيدَ فِي السَّفِينَةِ.
كَانَتْ «رِيمِيتَارَا» رَاسِيَةً قُبَالَ جَزِيرَةِ غَارْدِنْ، وَبِمَا أَنَّهَا سَتُبْحِرُ فِي السَّاعَةِ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ صَبَاحًا، صَعِدْتُ عَلَى مَتْنِهَا فِي السَّاعَةِ العَاشِرَةِ بِصُحْبَةِ الكَابْتِن نَفْسِهِ. وَكَانَ أَمَامَهَا مُبَاشَرَةً سَفِينَةٌ شِرَاعِيَّةٌ صَغِيرَةٌ جَمِيلَةٌ جِدًّا، مُتَّجِهَةٌ هِيَ الأُخْرَى إِلَى جُزُرِ فْرِينْدْلِي. وَلَمْ يَكُنْ قَدْ مَضَى عَلَى تَعْوِيمِهَا سِوَى أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، وَهِيَ لِجَلَالَةِ المَلِكِ جُورْجَ مَلِكِ تُونْغَا، بِتَكْلفَةِ أَرْبَعَةِ آلَافِ جُنَيْهٍ إِسْتِرْلِينِيٍّ، كَسَفِينَةِ شَحْنٍ وَرَسَائِلَ فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَمَا إِنْ وَطِئَ رُوسَر وَأَنَا مُؤَخِّرَةَ المَرْكَبِ، حَتَّى نَادَى رُبَّانُ المَرْكَبِ الشِّرَاعِيِّ الصَّغِيرِ، الَّذِي كَانَتْ أَسْطُحُهُ مُكْتَظَّةً بِالزَّائِرِينَ، عَلَى الكَابتِن وَتَحَدَّاهُ فِي سِبَاقٍ.
قَالَ رُوسَرُ بِنَبْرَةٍ حَادَّةٍ:
«أُوهْ، تَسَابَقْ مَعَ نَفْسِكَ يَا سَيِّدِي!»
ثُمَّ أَمَرَ مُسَاعِدَهُ الرَّئِيسِيَّ بِرَفْعِ المِرْسَاةِ. وَلَمَّا رَأَى عَدَدًا مِنَ السَّيِّدَاتِ يَقِفْنَ بِجَانِبِ رُبَّانِ المَرْكَبِ الصَّغِيرِ، رَفَعَ قُبَّعَتَهُ وَأَضَافَ مَازِحًا أَنَّهُ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ «رِيمِيتَارَا» لَيْسَتْ يَخْتًا مِثْلَ «تُوِيتُوغَا»، إِلَّا أَنَّهُ سَيُرَاهِنُهُ بِعَشْرَةِ جُنَيْهَاتٍ إِسْتِرْلِينِيَّةٍ عَلَى أَنَّ سَفِينَتَهُ سَتَكُونُ رَاسِيَةً فِي مِينَاءِ نُوكُوَالُوفَا قَبْلَهُ بِثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ سَاعَةً.
صَاحَ رُبَّانُ السَّفِينَةِ الجَدِيدَةِ وَسَطَ هُتَافَاتِ ضُيُوفِهِ:
«اِجْعَلْهَا خَمْسِينَ!»
هَزَّ رُوسَر رَأْسَهُ، وَأَجَابَ بِلا مُبَالَاةٍ ظَاهِرَةٍ (مَعَ أَنَّهُ كَانَ غَاضِبًا جِدًّا):
«إِنَّ عَشْرَةَ جُنَيْهَاتٍ إِسْتِرْلِينِيَّةٍ كَافِيَةٌ لِأَيِّ شَخْصٍ لِيَخْسَرَهَا. وَلَكِنْ لَا تَظُنَّ أَنَّنِي سَأَتَسَابَقُ مَعَكَ، فَأَنَا سَأُبْحِرُ بِبُطْءٍ كَالْمُعْتَادِ».
(وَلَقَدْ وَفَّى بِوَعْدِهِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ).
اِنْطَلَقْنَا أَوَّلًا، وَكُنَّا نَمُرُّ بَيْنَ مَضِيقِ سِيدْنِي بِأَشْرِعَةٍ خَفِيفَةٍ، عِنْدَمَا لَحِقَتْ بِنَا السَّفِينَةُ الشِّرَاعِيَّةُ الصَّغِيرَةُ، وَتَجَاوَزَتْنَا كَحِصَانِ سِبَاقٍ يَرْكُضُ أَمَامَ حِمَارٍ يُهَرْوِلُ. كَانَ مَنْظَرُهَا مُدْهِشًا وَهِيَ تَمْضِي بِأَشْرِعَتِهَا المَشْدُودَةِ بِقُوَّةٍ فِي مُوَاجَهَةِ نَسِيمٍ جَنُوبِيٍّ شَرْقِيٍّ عَلِيلٍ، وَكُلُّ تَفَاصِيلِ قُمَاشِهَا الجَدِيدِ تَتَأَلَّقُ.
وَبَلَغَ سُوءُ الأَدَبِ بِأَحَدِ ضُبَّاطِهَا أَنْ تَنَاوَلَ لَفَّةَ حَبْلٍ رَفِيعٍ، وَتَظَاهَرَ بِإِلْقَائِهَا إِلَيْنَا لِنَسْتَخْدِمَهَا كَحَبْلِ جَرٍّ. ظَلَّ رُوسَر سَاكِنَ المَلَامِحِ، وَإِنْ كَانَ الضَّابِطُ قَدْ أَطْلَقَ بَعْضَ التَّعْلِيقَاتِ اللَّاذِعَةِ.
قَالَ رُوسَر وَهُوَ يُدِيرُ ظَهْرَهُ:
«أَظُنُّ أَنَّهُ ثَمِلٌ بِسَبَبِ الشَّمْبَانْيَا الَّتِي شَرِبَهَا».
وَلَمْ يُسَاوِرْنِي شَكٌّ فِي صِحَّةِ كَلَامِهِ، فَقَدْ عَلِمْنَا لَاحِقًا أَنَّ مُعْظَمَ مَنْ كَانُوا فِي مُؤَخِّرَةِ السَّفِينَةِ الشِّرَاعِيَّةِ تِلْكَ كَانُوا فِي حَالَةِ سُكْرٍ عِنْدَمَا رُفِعَتِ المِرْسَاةُ، إِذْ أَنَّ الزَّائِرِينَ قَدْ جَلَبُوا مَعَهُمْ سِتَّةَ صَنَادِيقَ مِنَ الشَّمْبَانْيَا. وَقَدْ رَأَيْنَا بِأَعْيُنِنَا السَّاقِي وَهُوَ يَفْتَحُ الزُّجَاجَاتِ فِي مُؤَخِّرَةِ السَّفِينَةِ. وَفِي غُضُونِ سَاعَةٍ، كَانَتِ السَّفِينَةُ «تُوِيتُوغَا» قَدْ قَطَعَتْ شَوْطًا طَوِيلًا.
قَالَ لَنَا رُوسَر عَلَى مَائِدَةِ العَشَاءِ:
«سَتَتَعَرَّضُ تِلْكَ التُّوِيتُوغَا لِلْغَرَقِ. صَوَارِيَهَا أَكْثَرُ مِمَّا يَنْبَغِي، وَالرَّجُلُ الَّذِي يَقُودُهَا لَا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهَا. سَيُفْسِدُ الأُمُورَ حَتْمًا».
ثُمَّ أَخَذَ، بِأُسْلُوبِهِ البَطِيءِ وَالمُتَأَنِّي، يُحَدِّثُنَا أَنَّ قِيَادَةَ «تُوِيتُوغَا» قَدْ أُسْنِدَتْ إِلَى مُلاَزِمٍ سَابِقٍ فِي البَحْرِيَّةِ، لَا تَتَجَاوَزُ خِبْرَتُهُ بِالسُّفُنِ الشِّرَاعِيَّةِ مَا اكْتَسَبَهُ فِي شَبَابِهِ عَلَى مَتْنِ إِحْدَى سُفُنِ التَّدْرِيبِ البَحْرِيِّ. لَكِنَّ مَلِكَ تُونْغَا كَانَ حَرِيصًا عَلَى تَعْيِينِ ضَابِطٍ بَحْرِيٍّ إِنْجِلِيزِيٍّ لِقِيَادَةِ السَّفِينَةِ الجَدِيدَةِ، فَاخْتِيرَ المُلاَزِمُ رَاي مِن بَيْنِ مِئَاتِ المُتَقَدِّمِينَ.
وَمَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ كَانَتِ السَّفِينَةُ الشِّرَاعِيَّةُ الصَّغِيرَةُ ذَاتُ الهَيْكَلِ المُسَطَّحِ قَدْ غَابَتْ تَمَامًا عَنِ الأَنْظَارِ، رَغْمَ أَنَّ سَفِينَتَنَا كَانَتْ سَفِينَةً سَرِيعَةً لِلْغَايَةِ، وَكُنَّا نَسِيرُ حِينَئِذٍ بِسُرْعَةِ إِحْدَى عَشَرَةَ عُقْدَةً. وَعِنْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ سَمِعْتُ الضَّابِطَ الأَوَّلَ يُعْطِي أَوَامِرَهُ بِإِنْزَالِ الأَشْرِعَةِ العُلْيَا، وَلَمَّا صَعِدْتُ إِلَى السَّطْحِ وَجَدْتُ أَنَّ الرِّيَاحَ قَدْ هَدَأَتْ تَقْرِيبًا.
كَانَ رُوسَر عَلَى سَطْحِ السَّفِينَةِ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّنَا "سَنُوَاجِهُ عَاصِفَةً مِنَ الشَّمَالِ الشَّرْقِيِّ قَرِيبًا". وَبِحُلُولِ الرَّابِعَةِ صَبَاحًا، كُنَّا نُبْحِرُ بِالأَشْرِعَةِ العُلْوِيَّةِ وَالأَشْرِعَةِ السُّفْلِيَّةِ فَقَطْ، وَالسَّفِينَةُ تَطِيرُ فِي مُوَاجَهَةِ بَحْرٍ هَائِجٍ لِلْغَايَةِ. عُدْتُ إِلَى فِرَاشِي وَنِمْتُ حَتَّى بُزُوغِ الفَجْرِ، عِنْدَمَا نَادَانِي الضَّابِطُ الثَّانِي قَائِلًا:
«تَعَالَ إِلَى السَّطْحِ لِتَرَ شَيْئًا جَمِيلًا».
كَانَ هَذَا "الشَّيْءُ الجَمِيلُ" هُوَ السَّفِينَةُ الشِّرَاعِيَّةُ ذَاتُ الهَيْكَلِ المُسَطَّحِ، الَّتِي ظَهَرَتْ فِي الأُفُقِ عَلَى بُعْدِ مِيلٍ تَقْرِيبًا مِنْ مُقَدِّمَةِ السَّفِينَةِ مِنْ جِهَةِ الرِّيحِ. كَانَتْ فِي حَالٍ يُرْثَى لَهَا، فَقَد تَكَّسَرَتْ صَوَارِيَهَا العُلْيَا وَصَارِي المُقَدِّمَةِ وَذِرَاعُ الشِّرَاعِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَكَادَتْ تَنْقَلِبُ عَلَى جَنْبِهَا. اقْتَرَبْنَا مِنْهَا، وَرَأَيْنَا طَاقِمَهَا مُنْشَغِلًا بِقَطْعِ الصَّوَارِي وَالأَشْرِعَةِ المُتَهَالِكَةِ. كَانَتْ كُلُّ قَوَارِبِهَا قَدْ فُقِدَتْ، وَبَدَأَ بَيْتُ السَّطْحِ الأَمَامِيُّ يَتَزَعْزَعُ مَعَ كُلِّ مَوْجَةٍ.
وَفِي أَقَلِّ مِنْ نِصْفِ سَاعَةٍ، كَانَ ضَابِطُنَا الأَوَّلُ وَسِتَّةُ بَحَّارَةٍ قَدْ صَعَدُوا عَلَى مَتْنِهَا، يُسَاعِدُونَ طَاقِمَ التُّوِيتُوغَا فِي قَطْعِ أَسْلَاكِ الحِبَالِ وَإِعَادَةِ تَرْتِيبِ الحُمُولَةِ الَّتِي كَادَتْ تُغْرِقُ السَّفِينَةَ. وَذَهَبْتُ مَعَ القَارِبِ لِلمُسَاعَدَةِ، فَأَخْبَرَنِي الضَّابِطُ الثَّانِي فِي المَرْكَبِ الشِّرَاعِيِّ أَنَّ القَبْطَانَ الشَّابَّ رَفَضَ الاسْتِمَاعَ إِلَى اقْتِرَاحِ مُسَاعِدِهِ بِتَقْصِيرِ الشِّرَاعِ، حِينَ حَذَّرَهُ مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ مُفَاجِئَةٍ مِنَ الشَّمَالِ الشَّرْقِيِّ. فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ أَنَّ عَاصِفَةً عَاتِيَةً بَاغَتَتْهُمْ، وَلَوْلَا تَحَطُّمُ ذِرَاعِ الشِّرَاعِ الأَمَامِيِّ، ثُمَّ الصَّوَارِي العُلْوِيَّةُ، تَحْتَ القُوَّةِ الهَائِلَةِ لِلرِّيَاحِ، لَهَوَتِ السَّفِينَةُ إِلَى قَاعِ البَحْرِ. وَالأَسْوَأُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ بَحَّارَيْنِ مَسْكِينَيْنِ قَدْ فُقِدَا فِي البَحْرِ.
قَالَ الضَّابِطُ الثَّانِي بِمَرَارَةٍ: «هَذَا نَمُوذَجٌ جَيِّدٌ لِرُبَّانٍ، إِن صَحَّ التَّعْبِيرُ. كَانَ يَنْبَغِي شَنْقُهُ لِتَظَاهُرِهِ بِأَنَّهُ بَحَّارٌ. إِنَّ إِسْنَادَ قِيَادَةِ سَفِينَةِ أَعَالِي البِحَارِ إِلَى مِثْلِ هَذَا الأَحْمَقِ جَرِيمَةٌ نَكِرَاءُ».
وَبَعْدَ أَنْ قَدَّمْنَا كُلَّ المُسَاعَدَةِ المُمْكِنَةِ لِلسَّفِينَةِ الشِّرَاعِيَّةِ، غَادَرْنَاهَا عِنْدَ الظُّهِيرَةِ، وَقَد أَمْضَيْنَا أُسْبُوعَيْنِ رَاسِينَ فِي مِينَاءِ نُوكُوَالُوفَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ خَارِجَ الشِّعَابِ المَرْجَانِيَّةِ. خَرَجَ لَهَا مُرْشِدٌ مَحَلِّيٌّ فِي زَوْرَقٍ، لَكِنَّ القُبْطَانَ رَفَضَ خَدَمَاتِهِ بِتَعَجْرُفٍ، وَلَمْ يَسْمَحْ لَهُ حَتَّى بِالصُّعُودِ عَلَى ظَهْرِهَا، أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ لِلنَّاسِ أَنَّهُ عَلَى الرَغْم مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَرَ مِينَاءَ نَاكْنَالُوفَا مِنْ قَبْلُ، إِلَّا أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِدْخَالِ سَفِينَتِهِ بِنَفْسِهِ دُونَ مُرْشِدٍ بَحْرِيٍّ. وَلَمْ تَمْضِ سِوَى نِصْفِ سَاعَةٍ حَتَّى التَقَطَتْهَا دَوَّامَةٌ، وَدَفَعَتْهَا بِقُوَّةٍ نَحْوَ الشِّعَابِ المَرْجَانِيَّةِ، حَيْثُ كَانَتْ سَتَتَحَطَّمُ، لَوْلَا أَنْ هَرَعَ قَارِبَانَا لِمُسَاعَدَتِهَا، وَنَجَحَا بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ فِي إِخْرَاجِهَا مِنْ هُنَاكَ.
وَكَانَ القُبْطَانُ يَتَرَاجَعُ مِرَارًا عَنْ أَوَامِرِ ضَابِطِهِ الأَوَّلِ، وَهُوَ بَحَّارٌ مُتَمَرِّسٌ، وَعَامَلَ طَاقِمَهُ بِفَظَاظَةٍ وَاسْتِفْزَازٍ. وَأَخِيرًا، بَعْدَمَا نَجَحْنَا فِي إِخْرَاجِ السَّفِينَةِ مِنَ الحَيْدِ المَرْجَانِيِّ وَسَحْبِهَا إِلَى المِيَاهِ الهَادِئَةِ بَعْدَ فَقْدَانِ عَارِضَةِ التَّوَازُنِ وَالدُّفَّةِ، جَاءَ إِلَى المُقَدِّمَةِ، وَأَمَرَ ضَابِطَنَا فَجْأَةً بِالكَفِّ عَنِ السَّحْبِ لِأَنَّهُ يَنوِي الإِرْسَاءَ.
فَأَجَابَهُ ضَابِطُنَا بِغَضَبٍ وَازْدِرَاءِ:
«أَلْقِ المِرْسَاةَ وَلِيَكُنِ الشَّيْطَانُ مُعِينَكَ، السَّفِينَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي تَصْلَحُ لِقِيَادَتِهَا هِيَ تِلْكَ الَّتِي يَجُرُّهَا حِصَانٌ عَلَى ضِفَّةِ قَنَاةٍ فِي الوَطَنِ الأُمِّ».
ثُمَّ أَبْحَرْنَا وَتَرَكْنَاهُ لِغُرُورِهِ وَتَدْبِيرِهِ. أَفْلَتَ المِرْسَاةَ فِي أَقَلِّ مِنْ خَمْسَةِ قَامَاتٍ، وَمَدَّ حَبْلًا أَكْثَرَ مِنَ اللاَّزِمِ، فَارْتَطَمَتْ مُؤَخِّرَةُ السَّفِينَةِ أَوَّلًا بِبُقْعَةٍ مَرْجَانِيَّةٍ، حَيْثُ عَلِقَتْ هُنَاكَ لِيَوْمَيْنِ، مِمَّا أَسْعَدَنَا كَثِيرًا.
فِي غُضُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، نَجَحَ هَذَا الرَّجُلُ فِي تَعْطِيِلِ السَّفِينَةِ الشِّرَاعِيَّةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَاضْطُرَّ لِلْعَوْدَةِ إِلَى سِيدْنِي لِإِصْلَاحِهَا بِتَكْلِفَةِ 1700 جُنَيْهٍ إِسْتِرْلِينِيٍّ.
#فتحي_البوكاري (هاشتاغ)
Boukari_Fethi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟