محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)
الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 22:23
المحور:
القضية الفلسطينية
ليست الكتابة عن فلسطين تكرارًا لحكايةٍ معروفة، ولا استعادةً لذكرى محفوظة في الكتب، بل هي فعلُ إبقاءٍ لما يُراد له أن ينتهي.
فالأوطان لا تموت دفعةً واحدة، بل تموت حين يُكفُّ عن تسميتها، وحين تُترك تفاصيلها لتذوب في عموميات التاريخ. وما دام الاسم يُقال، والحكاية تُروى، فإن شيئًا من الوطن يظل قائمًا، ولو غاب عن الخرائط.
التاريخ يدوّن الوقائع كما حدثت، فيقيسها بالأرقام والتواريخ والقرارات. أمّا الذاكرة، فتنظر إلى ما كان يعنيه الحدث لأصحابه؛ تحفظه لا بوصفه رقمًا، بل أثرًا في الروح. ولهذا قد يختصر المؤرخ قرنًا في صفحة، بينما تختصر الذاكرة بيتًا في وطنٍ كامل.
حين يُفقد المكان، لا يُفقد دفعةً واحدة. يبقى في أسماء الحقول، في نداءات الناس لبعضهم، في الطرق التي يعرفها القدم قبل أن يعرفها العقل. وحين يُمحى من الجغرافيا، ينتقل إلى اللغة. ومن اللغة يبدأ شكلٌ آخر من البقاء.
لهذا لا تُكتب فلسطين لتُعاد كما كانت، فالماضي لا يعود، وإنما تُكتب كي لا يُقال يومًا إنها لم تكن. تُكتب لتبقى التفاصيل شاهدةً على أن حياةً كاملةً سبقت الغياب، وأن ما انقطع كان استمرارًا لحياة لا فراغًا قبلها.
إن التهجير محاولة لإغلاق السرد، وجعل الحكاية تبدو كأنها انتهت عند حدٍّ معين. لكن الكتابة ترفض هذا الإغلاق؛ تفتح الجملة من جديد، وتعيد وصل ما انقطع، لا بإعادة الزمن، بل بحفظ معناه.
من هنا يصبح التدوين ضرورةً لا ترفًا. فحين تُذكر أسماء الأمكنة، لا تُستدعى حجارتها فحسب، بل يُستدعى زمنٌ عاشه أناسٌ بأحلامهم وأعمالهم وأفراحهم. الاسم ليس إشارةً إلى موقع، بل دليل وجود.
ولأن هذا الكتاب يتناول سيرة عشيرةٍ في مكانٍ محدد، كان لا بد أن يُفهم منذ البداية أن ما سيأتي ليس مجرد توثيقٍ لعائلة، بل استمرارٌ لسردٍ أوسع. فالحكاية الخاصة لا تنفصل عن سياقها الكبير، والجزء لا يُفهم إلا في ضوء الكل.
إن الكتابة عن فلسطين ليست بطولةً ولا ادّعاءً، بل حدٌّ أدنى من الوفاء للذاكرة. هي محاولة لتأجيل الصمت، ومنع الغياب من أن يتحوّل إلى نسيان.
فإن كان الغياب محاولة ختام،
فالكتابة ـ في بساطتها ـ هي بيان الموت المؤجَّل.
#محمود_كلّم (هاشتاغ)
Mahmoud_Kallam#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟