أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - غزة بيدٍ واحدةٍ ضدّ العالم: بيان الإسعاف الفلسطيني














المزيد.....

غزة بيدٍ واحدةٍ ضدّ العالم: بيان الإسعاف الفلسطيني


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 07:36
المحور: القضية الفلسطينية
    


غزة تُترك وحدها، ومسعفٌ يقود الحياة بيدٍ واحدة.

في لحظةٍ لا تختصر حدثاً، بل تاريخاً كاملاً من القهر والمقاومة، يطلّ مُسعفٌ من غزة، لا بوصفه بطلاً خارقاً ولا أيقونةً سينمائية، بل بوصفه الإنسان الفلسطيني كما صاغه الحصار والحاجة: مُنهكاً، مُحاصراً، ومُجبراً على أن يكون كلَّ شيءٍ في اللحظة نفسها.

سيارةُ إسعافٍ تشقّ الطريق بسرعةٍ أقرب إلى الفزع منها إلى العجلة، تتمايل تحت ثقل الجرحى، حتى ليخيَّل للناظر أنها لا تسير على الإسفلت، بل تُقاوم السقوط في الفراغ. في داخلها، أجسادٌ تُنزف بلا أسماء، أنفاسٌ تتقطّع كأنها تُعدّ موتها، وزمنٌ يُنتزع من قبضة الفناء ثانيةً بعد ثانية.

وخلف المقود، يدٌ تُصارع الوقت، وباليد الأخرى يُنعش طفلةً، كأنها فلسطينُ مصغّرة: هشّة، مستهدفة، محمولة على كفّ الاحتمال الأخير، لكن قلبها رغم كل شيء ما زال يُصرّ على الخفقان.

هذا المشهد ليس لقطةً عابرة، ولا مادّةً عاطفيةً صالحةً للاستهلاك السريع على شاشات الهواتف. هذا بيانٌ سياسيٌّ كامل، مكتوبٌ بالدم، والسرعة، والارتجال القسري. بيانٌ يقول إن غزة تُترك وحيدةً لتدير جحيمها بأدواتٍ لا تكفي للحياة، بينما العالم «المتحضّر» يتقن إدارة الصمت، وإعادة تدوير البيانات، وضبط نبرة «القلق العميق» بحيث لا تزعج أحداً.

أن يُجبر مسعفٌ على القيادة والإنعاش في اللحظة نفسها، فذلك ليس مجرّد بطولةٍ فردية، بل فضيحةٌ أخلاقية كاملة لمنظومةٍ دولية تعرف القوانين حين تخدم مصالحها، وتنسى الإنسان حين يكون فلسطينياً. في غزة، لا تعمل المؤسسات كما ينبغي، لأن القصف لا ينتظر البروتوكولات، ولأن الاحتلال لا يمنح رفاهية التقاط الأنفاس.

في غزة، لا تبقى المِهن على حالها. تتحوّل الوظائف إلى أفعال نجاة.

المسعف يصبح طبيباً، وسائقاً، ومقاتل وقتٍ في آنٍ واحد.

الأمّ تتحوّل إلى درع.

والطفل يُدفع باكراً ليكون مشروع شهادةٍ مؤجَّلة.

ليس لأنهم مفتونون بالموت، بل لأن الحياة تُفرض عليهم بوصفها معركةً يومية، لا خيار فيها للحياد.

أيُّ بطولةٍ أعظم من هذا؟

بطولةُ إنسانٍ يعرف أن احتمالات نجاته ضئيلة، ومع ذلك يضغط على البنزين، ويضغط على صدر طفلة، ويضغط على قلبه كي لا ينهار.

بطولةُ شعبٍ يُقصف من السماء، ويُحاصر من البر، ويُخنق من البحر، ثم يُطالَب ببرودٍ وقح أن يكون «عاقلاً»، و«متزناً»، و«غير انفعالي»، كأن المطلوب من الضحية أن تُتقن آداب نزفها.

غزة لا تطلب شفقة. الشفقة ترفُ من يملك خيار النظر بعيداً.

غزة تطلب اعترافاً:

اعترافاً بأن ما يجري ليس قدراً أعمى، بل جريمةٌ مستمرة.

وبأن هذا المسعف ليس استثناءً نادراً، بل صورةٌ مكثّفة عن شعبٍ كاملٍ يُجبر على إنقاذ نفسه بنفسه، لأنه تُرك عن سابق إصرار بلا حماية.

هذا شعبٌ لا يموت، لا لأن الموت لا يزوره، بل لأنه كلما زاره، فشل في أن يأخذه كاملاً.

شعبُ فلسطين جديرٌ بالحياة، لأنه في قلب المجزرة، وتحت أقسى شروط الفناء، ما زال يختار الحياة، ويقودها بأقصى سرعة ممكنة، ولو بيدٍ واحدة.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلسطين في زمن الصّمت الدُّوليِّ… تختارُ الكرامة!
- غزّة: حين تكون الكرامة أغلى من الحياة
- وطنٌ ينزفُ بصمتٍ
- غزة: آخر المتاريس… وسيرة وطن يُستنزَف حتى الإبادة!
- الخيانة كوجهٍ آخر للاحتلال!
- وهل للدم ذاكرة؟
- غزة ليست ملفاً: إنها الدم تحت الركام!
- غزة: ذاكرة الدم!
- غزة تموت بصمت… والعالم يكتب تقاريره!
- فصائل السلام… حين حارب الفلسطينيون ثورتهم، ويُعاد المشهد الي ...
- حين يَمُوتُ الغريبُ... ولا يبكيهِ أحدٌ!
- غزّة… حيث يُدفَن الأبطال قبل أن يُعرَفوا
- أسقطنا الرؤوس… فضاعت الأوطان!
- بأي وجه سنقابل الشهداء؟ ذاكرة الدم
- من فرعون إلى النمرود: طغيانٌ يتكرّر… وغزّة تدفع الثمن!
- التطبيع… حين تُصافَح اليد الملطَّخة بالدم!
- من والد الشهيد نزار بنات إلى محمود كلّم… وفاءٌ لكلمةٍ لم تمت
- محمود البوليس: من بيت فجار إلى موسكو… فخرٌ يولد من الحزن
- حين ينام الشارع… وتُرفَع الأعلام الخطأ
- غزّة: شهادة وفاة للنِّظام الدّولي وحُقُوق الإِنسان!


المزيد.....




- بعد عاصفة الاعتذار.. ترامب يغير -نبرته- مع بريطانيا
- بدء التصويت في الجولة الأخيرة من انتخابات ميانمار
- مسؤول روسي: العلاقات مع واشنطن تعود إلى طبيعتها
- كاتب أمريكي: هذه هي الجزيرة الأكثر أهمية لأمريكا من غرينلاند ...
- ترامب يكشف معلومات عن -سلاح سري- ساهم في القبض على مادورو
- في عملية توصف بالغامضة وغير المسبوقة، واشنطن تُرحل 8 فلسطيني ...
- بعد إعادة التجنيد الإلزامي، ملك الأردن يعيد هيكلة الجيش
- مينيابوليس.. معقل ديموقراطي يُشعل الاحتجات ضد شرطة الهجرة ال ...
- النبض المغاربي : للمرة الأولى منذ 13 عاما، المغرب والسينغال ...
- صانعوا البراميل يرقصون في بافاريا في تقليد يُحتفى به كل 7 سن ...


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - غزة بيدٍ واحدةٍ ضدّ العالم: بيان الإسعاف الفلسطيني