محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)
الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 22:10
المحور:
القضية الفلسطينية
أكثر من مليون إنسان في قطاع غزة ما زالوا اليوم بلا مأوى حقيقي، ينتظرون إغاثة عاجلة في مجال الإيواء؛ مليون روح تبحث عن سقف يحميها من برد الليل ومن شظايا الحرب ومن قسوة العالم بأسره.
ورغم ذلك لا يجد هذا الشعب سوى الخيام—إن وصلت إليهم أصلاً—خياراً اضطرارياً لا يليق بالبشر ولا يمثل إلا الحدّ الأدنى من البقاء، لا من الكرامة.
الخيمة ليست بيتاً.
الخيمة ليست حياة.
الخيمة ليست مستقبلاً.
ومع ذلك يريد العالم أن يقنعنا بأنها “حلٌّ إنساني”، وكأن الفلسطيني مطالبٌ بأن يتخلى حتى عن الحق في جدار يحميه أو سقف يصدّ المطر.
عالمٌ بلا إحساس، بلا كرامة، بلا إنسانية… عالمٌ يرى الدم ولا يرتجف، يسمع صراخ الأطفال ولا يلين، يشاهد الخراب ولا يخجل.
وفي خلفية هذا الخراب، يقف القانون الدولي اليوم عاجزاً، تحوّل إلى نصوص بلا روح ولا قوة إلزام.
أما كتب حقوق الإنسان فصارت وثائق مُجلّدة لصورٍ جميلة لا علاقة لها بالواقع.
حتى الحريات العامة لم تعد سوى شعارات تُرفع في المؤتمرات بينما تُدفن على حدود غزة وتحت ركام بيوت الضفة.
لقد أصبح توصيف هذا العصر يقول إنه يمكن رمي القانون الدولي وكتب حقوق الإنسان والحريات العامة في مكبّ النفايات، لأن القوى الكبرى نفسها تخلّت عنها، وألقت بها خلف ظهرها يوم توقفت مصالحها عن توافق مع قيمها المعلنة. لم تعد تلك النصوص مرجعاً، ولا صارت قادرة على حماية شعب يُباد أمام أعين العالم.
غزة تُباد على الهواء مباشرة،
الضفة تُسحق بالاقتحامات اليومية،
القدس تُمحى تدريجياً،
والعالم يكتفي ببيانات “القلق العميق” التي لا تُنقذ طفلاً ولا توقف صاروخاً.
إنها فضيحة أخلاقية عالمية، وانهيار شامل لمنظومة ادّعت الإنسانية وهي تمارس الانتقائية، ادّعت العدالة وهي تغطي الظلم، ادّعت الحرية وهي تبرر الحصار.
ولأن حجم المأساة يفوق الوصف، يتساءل الناس:
هل ما يحدث علامات من علامات آخر الزمان؟
أم أن الإنسانية وصلت ببساطة إلى أدنى مراحلها؟
الحقيقة أن ما يجري في فلسطين ليس حدثاً عابراً، بل شهادة وفاة للنظام الدولي.
سقوط للقانون.
انكشاف لزيف حقوق الإنسان.
وانهيار للحضارة الحديثة أمام جثة صغيرة لم تجد حتى خيمة تحتمي بها.
غزة لا تطلب معجزة؛
تطلب حقاً طبيعياً في الحياة.
والفلسطيني لا يصرخ لأن صوته ضعيف؛
بل لأن العالم أصمّ.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا تردد:
إذا كان هذا هو العالم… فكيف نواجهه؟
وكيف نستعيد إنسانيتنا في زمن فقد العالم إنسانيته؟
*محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.
#محمود_كلّم (هاشتاغ)
Mahmoud_Kallam#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟