أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - «محمود من شاتيلا»… شهادةُ وفاءٍ لأنيس صايغ














المزيد.....

«محمود من شاتيلا»… شهادةُ وفاءٍ لأنيس صايغ


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 00:47
المحور: القضية الفلسطينية
    


عن أستاذٍ علّم الأمانة، وترك في الذاكرة حزن الحقيقة وكرامة المعرفة.
لا أستطيع أن أحدد بدقّة تاريخ اللقاء الأول الذي جمعني بالدكتور أنيس صايغ، لكنني أستطيع أن أحدد يقيناً اللحظة التي بدأ فيها حضوره العميق في حياتي الفكرية والبحثية. كان ذلك من بوابة جريدة السفير؛ الجريدة التي كنت أشتريها بشغف، لا لأتابع الأخبار فحسب، بل لأحتفظ برسومات ناجي العلي، وأنتظر كل يوم جمعة مقالات أنيس صايغ، أقرأها، وأعيد قراءتها، ثم أضعها بعناية في ملف خاص، كأنني أحفظ كنزاً لا يُقدّر بثمن.
تحوّل هذا الإعجاب إلى معرفة شخصية، ثم إلى علاقة تلميذ بأستاذه. كنت ألتقيه كل يوم ثلاثاء في “اللقاء الثقافي الفلسطيني” في نادي خريجي الجامعة الأميركية في بيروت، وأزوره كل يوم جمعة في مكتبه في مار الياس، وأحياناً في منزله في بيروت. لم يكن أنيس صايغ مجرد مفكر كبير أو باحث موسوعي؛ كان أستاذاً حقيقياً، صبوراً، دقيقاً، كريماً في وقته ومعرفته. علّمني أصول البحث، وأسّس لي قواعد الكتابة الرصينة، وكان يرشدني إلى أدق التفاصيل، كأن المعرفة عنده مسؤولية أخلاقية لا ترفاً فكرياً.
وكان يسعدني على نحو خاص، ويمسّني بعمق، طريقته في مناداتي. كثيراً ما كان يقول لي: «محمود من شاتيلا»، وأحياناً يختصرها بمحبة أكبر: «محمود شاتيلا». لم تكن مجرد تسمية، بل اعترافاً بالهوية والانتماء، واحتضاناً إنسانياً عميقاً لمكانٍ مثقل بالجراح، لكنه عامر بالكرامة.
ولا غرابة في ذلك؛ فأنيس صايغ، المسيحي في انتمائه الديني، كان أول من يهنئني في جميع المناسبات الإسلامية. كان يؤمن أن الإنسان يسبق الطائفة، وأن فلسطين كانت بوصلته الوحيدة.
ومن مفارقات تلك العلاقة، حادثة لا أنساها ما حييت. كنت قد جمعت مقالاته المنشورة في السفير، وقررت أن أجمعها في ملف واحد يشبه كتاباً، وأهديه له عربون تقدير وامتنان. أنجزت نسختين في مكتبة “القبس” مقابل جامعة بيروت العربية. بالصدفة، التقيت أحد معارفي (س. ب. ه)، فأخبرته بما أفعل. قال لي إنه متوجه لزيارة الدكتور أنيس صايغ، فطلبت منه أن يسلمه نسخة المقالات، وأن ينقل له تحياتي، على أن أزوره أنا يوم الجمعة التالي.
حين ذهبت يوم الجمعة، وجدت على طاولة مكتبه نسخة من تلك المقالات. جلسنا أكثر من ساعة، ولم يأتِ على ذكرها. وعندما فتحتُ أنا الموضوع، فوجئت بالحقيقة الصادمة: الرجل الذي سلّم النسخة للدكتور أنيس ادّعى أنه هو من جمع المقالات وأعدّها في كتاب. عندها أخبرته بالحقيقة كاملة.
وفي لحظة انكشاف القصة، كنت أحمل في حقيبتي، وبمحض الصدفة، النسخة الأصلية من المقالات والنسخة الثانية. أخرجتهما أمامه. أمسك الدكتور أنيس صايغ بالنسختين بيده، قلّبهما بهدوء، وتوقّف طويلاً عند الملاحظات المكتوبة بخط يدي. في تلك اللحظة، لم يقل شيئاً، لكنني رأيت الحزن في عينيه. كان حزن العارف، لا حزن المفاجأة فقط؛ حزن من يؤلمه أن تُمسّ الحقيقة، وأن يُساء إلى معنى الجهد والأمانة.
كان لي شرف كبير أن يكتب الدكتور أنيس صايغ مقدمة كتابي «مخيم شاتيلا: الجراح والكفاح»، الصادر عن منظمة ثابت2008. ذلك الشرف سيبقى علامة مضيئة في مسيرتي. أما في كتاب «عشائر قضاء عكا»، الصادر عن دار بيسان سنة 2016، فقد تابع معي الدكتور أنيس تفاصيل الإعداد، وأرسلت له نسخة أولية ليقوم بمراجعتها ويكتب المقدمة. قال لي يومها إنه متجه إلى عمّان لحضور أعياد الميلاد، وإنه عند عودته سيكتب المقدمة. لكن الموت كان أسرع. رحل قبل أن يعود، ورحل قبل أن يكتب، ورحل قبل أن نكمل الحديث.
برحيل أنيس صايغ، لم أخسر أنا أستاذي فقط؛ خسرت فلسطين أحد أنبل عقولها، وخسرت الأجيال الشابة معلّماً لم يبخل يوماً على طالب أو باحث قصده طلباً للمساعدة. كان يؤمن أن المعرفة فعل مقاومة، وأن الكتابة مسؤولية وطنية، وأن المثقف الحقيقي هو من يفتح الأبواب لا من يغلقها.
اليوم ونحن أحوج ما نكون إلى قامات فكرية وأخلاقية من طراز أنيس صايغ، يبدو الغياب أكثر قسوة، والفراغ أكثر اتساعاً.
ومع ذلك يبقى العزاء الوحيد أن أمثال هؤلاء لا يرحلون تماماً؛ يظلون في كتبهم، وفي تلامذتهم، وفي كل فكرة زرعوها بإخلاص.
أنيس صايغ… خسرتك فلسطين، وخسرناك نحن، لكننا ما زلنا نتعلم منك، حتى بعد الرحيل.

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محمود سعيد… حين كان اللّيل أوسعَ منَ الشُّهرة
- ما بعد التطبيع… القادم أخطر!
- غزّة: حين يُباعُ التاريخُ وأصحابُه ينظرون!
- فلسطين… حين يُباع الثوب ولا يُشترى السلام
- البرد يحاصر غزّة... والصمت يكمّل الجريمة
- وهمُ الرِّهاناتِ… وحقيقةُ الدّمِ في غزّة!
- حين يصبح الصمت شراكة في الجريمة: غزّة تحت إدارة الموت
- ميلادٌ في زمن الجراحِ: حين يعلو الأَذانُ في الكنائس من أَجل ...
- غزة… حين يشبه البردُ الغياب
- القضية الفلسطينية في لبنان: صراع سلطة أم تصفية حقوق؟
- البيت الذي بُني لفلسطين… ولم يعد لها!
- أملاك منظمة التحرير في لبنان: الكنز الذي يتبخر بصمت!
- حين تُباع الذاكرة: من خوّلهم بيع أملاك الشعب الفلسطيني في لب ...
- حين يُغيب الشعب الفلسطيني عن القرار… حزن الوطن يزداد!
- الكتابة عن فلسطين: بيان الموت المؤجَّل
- فلسطين… حين تسقط الإنسانية من جدول الأعمال
- حين تُنجب الأمهات للوطن وحده
- حين تُفتحُ الأبوابُ لحميرِ غزّة… وتُغلَقُ في وجهِ أطفالِها
- غزّة تحت العاصفةِ… وحدها في مُواجهةِ البردِ والموتِ
- منتخب فلسطين… كرةٌ تركل الظلام وتنهض من تحت الركام


المزيد.....




- بعد قضية انتحار مراهق.. اتهامات تطارد روبوتات الدردشة بالذكا ...
- القنصل السعودي الجديد في دبي والإمارات الشمالية يُسلّم -البر ...
- الجيش اللبناني يعلن إنجاز نزع سلاح حزب الله جنوب الليطاني.. ...
- خمسة خيارات أمام ترامب للسيطرة على غرينلاند.. ما هي؟
- هجوم سيدني.. أستراليا تشكّل لجنة تحقيق فدرالية
- احتجاجات إيران تدخل يومها الثاني عشر وتمتد إلى عشرات المحافظ ...
- الجزائر.. إحالة مشروع قانون الأحزاب السياسية إلى البرلمان
- هل تستغل واشنطن قاعدتها الفضائية -بيتوفيك- للاستيلاء على غري ...
- ماذا جرى للمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن وما مصير عيدروس ا ...
- بعد سقوط مادورو... الولايات المتحدة تحلم بفنزويلا خالية من ن ...


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - «محمود من شاتيلا»… شهادةُ وفاءٍ لأنيس صايغ