أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - محمود سعيد… حين كان اللّيل أوسعَ منَ الشُّهرة














المزيد.....

محمود سعيد… حين كان اللّيل أوسعَ منَ الشُّهرة


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8572 - 2025 / 12 / 30 - 20:47
المحور: القضية الفلسطينية
    


كانت تربطني صداقة قوية بالفنان الفلسطيني محمود سعيد، على الرغم من فارق العمر الكبير بيننا، إلى حدّ أنّه كان يناديني دائماً: «يا ابني». ولم تبدأ هذه الصداقة مع تحضيره لمسلسل «عائدون» عام 2001، بل سبقتهما بوقت، في مرحلة كان فيها محمود أقرب إلى الإنسان منه إلى الصورة، وإلى الرفيق منه إلى النجم. منذ تلك السنوات الأولى، صار حضوره جزءاً من تفاصيل حياتي اليومية؛ كان يزورني باستمرار، كما كنت أزوره في بيته في جبل لبنان، حيث البساطة سيّدة المكان، والحديث أطول من الوقت.
كان محمود يحب الجلوس متربّعاً على الكنبة، كأن الجلسة طقس تأمّل لا مجرّد استراحة. وكان يشرب القهوة بشراهة لا مثيل لها؛ قهوة تجرّ قهوة، كأنها وقوده السري للكلام، أو ذاكرة سائلة تعيده في كل رشفة إلى فلسطين الى مدينته يافا، إلى المخيم، إلى الناس.
كان يفضّل زيارتي في أوقات متأخرة من الليل، لا هروباً من أحد، بل حرصاً على ألّا يحرج الجيران. فحين كان يزورني نهاراً، كانت الحارة كلّها تتجمّع لاستقباله. الجيران، الأطفال، العابرون… الجميع يعرف الفنان محمود سعيد، والجميع يريد السلام عليه. لذلك صار الليل موعدنا، وصار السكون شريك أحاديثنا الطويلة.
وفي تلك السهرات نفسها، كان محمود سعيد يحدّثني بتفصيلٍ لا يبوح به كثيرون عن أسرار مسلسل «فارس ونجود». كان يتكلم عنه بفخر الفنان الذي يعرف قيمة ما قدّم. روى لي كيف كتب عن المسلسل صحفي أردني، وكيف وصفه بأنه «فيلم نوري» لا «فيلماً بدوياً». وكان محمود يبتسم وهو يستعيد كيف استقبل الناس المسلسل بطريقة مذهلة، وكيف شعر، ولو لبرهة، أن الفن الصادق قادر على أن يصل وأن يترك أثره.
لكن خلف هذا الفخر، كان يسكنه حزن ثقيل. كان يحدّثني كثيراً عن ألمه، عن خيباته، وعن الخذلان الذي لحق به في محطات مفصلية من حياته. لم يكن يشكو بصوت عالٍ، بل كان يترك الكلمات تمشي بهدوء، ويترك للصمت أن يقول ما تعجز عنه الجملة.
وفي الأسبوع الذي سبق وفاته، اتصل بي الفنان محمود سعيد ليلاً. كان صوته هادئاً على غير عادته، وفيه شيء يشبه الاستعجال الخفي. طلب مني أن أبحث عن الفنانة سميرة توفيق، وقال إنه يرغب في أن يتحدث إليها. بحثت يومها طويلاً، سألت واتصلت، لكنني لم أعثر عليها. ظلّ الأمر معلّقاً، كأن الزمن قرر تأجيل اللقاء. بعد رحيله فقط، تبيّن لي أنها كانت تقيم في السويد، في مدينة ستوكهولم. مات محمود سعيد ولم يلتقِ بها، ومضى وهو يحمل معه هذا الطلب الأخير، ومعه أسراره التي لم تُقَل، وكلمات كانت تنتظر صوتاً آخر لتُقال.
في إحدى الليالي، طلب مني طلباً لم أنسَه يوماً. قال إنه يرغب في التعرّف إلى مخيم شاتيلا وزواريبه ليلاً، وأن يزور مقبرة شهداء حرب المخيمات داخل المخيم. لم يكن الطلب عابراً ولا بدافع الفضول، بل بدا أشبه بمحاولة مصالحة مع ذاكرة لا تهدأ، أو اقتراب أخير من الجذور.
سرنا في زواريب المخيم الضيقة، وكان الليل يلفّ المكان بحزن كثيف. فجأة، انتبهت إلى وجود عدد كبير من نساء المخيم خلفنا. لم يكن الأمر مصادفة. النساء اجتمعن، واحدة تلو الأخرى، وكنّ يردن السلام عليه. والسبب كانت جارتنا أم علي دمرية، التي ما إن علمت بوجود محمود في المخيم، حتى جمعت نساء شاتيلا، كأنها تعلن قدوم واحد من أبنائهم.
لم يكن محمود سعيد فناناً فقط؛ كان ابن المخيم حيثما حلّ. كانت محبّة الناس له عفوية، بلا تصنّع ولا مسافة. في تلك الليلة، رأيت كيف تتحوّل الشهرة إلى علاقة إنسانية خالصة، وكيف يصبح الفن جسراً حياً بين الذاكرة والناس.
اليوم، في يوم رحيله، تعود هذه القصص لتؤلمني كما لو أنها حدثت أمس. وأكثر ما يوجعني هو النهاية التي لم تشبهه: كيف دُفن على عجل، وكيف وُري الثرى في مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية عند دوّار مخيم شاتيلا، كما يُدفن الغرباء. نهاية قاسية لرجل عاش قضيته فعلاً لا شعاراً، وأعطى من روحه أكثر مما أخذ.
ومع ذلك، ثمّة فخر لا ينكسر. أن يُدفن محمود سعيد بين الشهداء، هو اعتراف متأخر بقيمته وبانتمائه الحقيقي. رحل الجسد، لكن بقي الأثر: في الليل الذي كان يختاره للزيارة، في القهوة التي لم يكن يشبع منها، في الفن الذي قاوم به النسيان، وفي الذاكرة التي ستظل تردّد اسمه بحزنٍ نبيل واعتزازٍ لا يزول.

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما بعد التطبيع… القادم أخطر!
- غزّة: حين يُباعُ التاريخُ وأصحابُه ينظرون!
- فلسطين… حين يُباع الثوب ولا يُشترى السلام
- البرد يحاصر غزّة... والصمت يكمّل الجريمة
- وهمُ الرِّهاناتِ… وحقيقةُ الدّمِ في غزّة!
- حين يصبح الصمت شراكة في الجريمة: غزّة تحت إدارة الموت
- ميلادٌ في زمن الجراحِ: حين يعلو الأَذانُ في الكنائس من أَجل ...
- غزة… حين يشبه البردُ الغياب
- القضية الفلسطينية في لبنان: صراع سلطة أم تصفية حقوق؟
- البيت الذي بُني لفلسطين… ولم يعد لها!
- أملاك منظمة التحرير في لبنان: الكنز الذي يتبخر بصمت!
- حين تُباع الذاكرة: من خوّلهم بيع أملاك الشعب الفلسطيني في لب ...
- حين يُغيب الشعب الفلسطيني عن القرار… حزن الوطن يزداد!
- الكتابة عن فلسطين: بيان الموت المؤجَّل
- فلسطين… حين تسقط الإنسانية من جدول الأعمال
- حين تُنجب الأمهات للوطن وحده
- حين تُفتحُ الأبوابُ لحميرِ غزّة… وتُغلَقُ في وجهِ أطفالِها
- غزّة تحت العاصفةِ… وحدها في مُواجهةِ البردِ والموتِ
- منتخب فلسطين… كرةٌ تركل الظلام وتنهض من تحت الركام
- حين يُنزلون العلم… ولا يستطيعون إنزال الحقيقة


المزيد.....




- فيديو منسوب لـ-نزع صور نيكولاس مادورو من شوارع فنزويلا بعد ا ...
- متحف بأمريكا يستعين بالخنازير لالتهام مدينة مصنوعة من خبز ال ...
- ما مصير القادة الذين يُجبرون على مغادرة بلدانهم؟
- مقتل 80 انفصاليا منذ الجمعة في غارات سعودية والقوات اليمنية ...
- حضرموت بعد السيطرة الحكومية.. طريق التعافي محفوف بالتحديات
- فيديو للشهيد القسامي محمد زكي يصالح طفليه يجتاح مواقع التواص ...
- بعد ابتهاج قصير.. القلق يسيطر على فنزويليي أميركا
- كم تبلغ مساحة الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها روسيا؟
- من هي ديلسي رودريغيز الرئيسة المؤقتة لفنزويلا؟
- في واشنطن.. ولادة ثعلب ماء آسيوي صغير المخالب تخطف القلوب


المزيد.....

- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - محمود سعيد… حين كان اللّيل أوسعَ منَ الشُّهرة