محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)
الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 04:48
المحور:
القضية الفلسطينية
لم يكن أمل دنقل يكتب قصيدته «لا تصالح» من فراغ. كان يعرف، بحدس الشاعر الذي يرى أبعد من اللحظة، أن بعض القضايا لا تقبل التسوية، وأن هناك جراحاً لا تُشفى بالذهب، ولا تُمحى بالبيانات الدبلوماسية. كان يعرف أن هناك دماً لا يجف.
اليوم يعود صوته من تحت الركام: «هي أشياء لا تُشترى».
التطبيع ليس خلافاً سياسياً، ولا اختلافاً في وجهات النظر، ولا اجتهاداً في قراءة المصالح. التطبيع فعلٌ أخلاقي قبل أن يكون قراراً سياسياً، واختبارٌ للضمير قبل أن يكون توقيعاً على ورقة.
التطبيع هو أن تمدّ يدك إلى يدٍ ما زالت تقطر دماً فلسطينياً. هو أن تتعامل مع الجريمة وكأنها صفحة أُغلقت، ومع القاتل وكأنه «جارٌ طبيعي».
في مصر لم يكن التطبيع يوماً حكايةً عابرة. هو اتفاقٌ فُرض في لحظة تاريخية معقّدة، لكنه ظلّ رغم مرور العقود جسماً غريباً في الوعي الشعبي.
الشارع المصري لم يُطبّع. الأغنية لم تُطبّع. الأم التي رأت صور الأطفال الفلسطينيين لم تُطبّع.
قد تصمت السياسة، لكن الذاكرة لا توقّع اتفاقيات.
ومع كل تصعيد في غزة، يتكشّف هذا التناقض المؤلم: دولةٌ مقيّدة باتفاق، وشعبٌ يرى في فلسطين مرآته المكسورة.
التطبيع هنا ليس احتفالاً، بل صمتاً رسمياً ثقيلاً، تحته غضبٌ مكتوم، وحزنٌ قديم لا يشيخ.
أما في سوريا، فالقصة أكثر فداحة.
بلدٌ مدمَّر، شعبٌ مُنهك، وذاكرةٌ مثقوبة بالقصف والاعتقال واللجوء.
حين يُطرح التطبيع في السياق السوري، لا يبدو «خياراً سياسياً»، بل فصلاً جديداً من فصول الخذلان.
كيف تُصافَح يدٌ تحتلّ الجولان بينما لم تُدفن بعدُ كل الجثث؟ كيف يُعاد تعريف «العدو» بينما الأرض ما زالت مسلوبة؟
التطبيع هنا لا يأتي من موقع قوة، بل من موقع الانكسار، وحين يُفرض على شعبٍ مكسور، لا يصنع سلاماً، بل يضيف طبقة جديدة من الألم.
من يطبّع اليوم لا يقف على الحياد. الحياد وهمٌ حين تكون الجريمة مستمرة.
حين تُقصف البيوت، ويُحاصَر الأطفال، ويُقتل الصحفي لأنه يحمل كاميرا، لا يعود الصمت موقفاً بريئاً.
التطبيع ليس «فتح صفحة جديدة»، لأن الصفحة القديمة لم تُغلق، ولا تزال تُكتب بالدم.
هذا ليس مقال كراهية، بل مقال حزن.
حزنٌ على زمنٍ يُطالَب فيه الضحية بالنسيان، ويُمنَح فيه القاتل شرعيةً جديدة.
حزنٌ على عالمٍ يريد من الشعوب أن تُساوم على ذاكرتها.
لكن كما قال أمل دنقل هناك أشياء لا تُشترى، وهناك دمٌ لا يُصافَح.
التطبيع خيانة، ليس لأنه سياسة، بل لأنه نسيانٌ متعمَّد للجريمة.
*محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.
#محمود_كلّم (هاشتاغ)
Mahmoud_Kallam#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟