أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - وهل للدم ذاكرة؟














المزيد.....

وهل للدم ذاكرة؟


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 10:58
المحور: القضية الفلسطينية
    


وهل لا يزال اللون أحمر، أم أنّه، مع مرور الوقت، كفّ عن كونه لوناً، وصار معنى؟

سؤال لا يُطرح في مختبرات التاريخ، بل على أرصفة المدن المدمّرة، عند الحواجز، وفي القبور المفتوحة على احتمالات لا تنتهي من الألم.

للدم ذاكرة، نعم.

ذاكرة لا تشبه أرشيف الدول ولا بيانات الناطقين الرسميين. ذاكرة عنيدة تسكن التراب، وتتسرّب ببطء إلى باطن الأرض، لا لتختفي، بل لتختزن. في غزة، يتحوّل الدم إلى شاهد صامت، يروي ما تبقّى للمنسيّين من حلم، وما تبقّى للمقهورين من أمل، بأرض لم تكفّ يوماً عن الابتلاع.

اللون لم يعد أحمر كما نعرفه.

صار أثقل من أن يُرى، وأصدق من أن يُنكر. صار سياسة مكتوبة خارج النصوص، وصار اتهاماً مفتوحاً في وجه نظام لا يرى في الدم سوى رقم، ولا في الشهيد سوى عبء على روايته الرسمية.

وفي غزة، حيث لا يتوقّف النزف، لم يعد الدم حدثاً استثنائياً، بل صار إيقاعاً يومياً للحياة، وذاكرة جماعية تُقصف ثم تُعاد كتابتها فوق الركام، كأنّ الأحمر هناك يرفض أن يجفّ، لأنّه يعرف أنّ النسيان أخطر من الموت.

في بلادنا، لا يُسفك الدم صدفة.

يُدار، يُبرَّر، ثم يُطلب منّا أن ننساه. يُقال لنا إنّ الوقت كفيل بالشفاء، وإنّ الاستقرار أولاً، وإنّ الأسئلة مؤذية، لكن أيّ استقرار يُبنى فوق دم بلا عدالة؟ وأيّ شفاء يُفرض بالصمت؟

في دورا الخليل، عند ذلك القبر الذي احتضن جسد الشهيد نزار بنات(أبو كفاح)، لم تكن الأرض محايدة. كانت تعرف من تستقبل، وتعرف أنّ ما دُفن فيها ليس جسداً فقط، بل سؤالاً سياسياً فاضحاً، واتهاماً مفتوحاً في وجه سلطة أرعبتها الكلمة أكثر ممّا أرعبتها الجريمة.

الدم، حين يسيل، لا يصرخ فقط، بل يسأل.

يسأل عن القاتل، وعن الشريك، وعن الصامت. يسأل عن سلطة لا تحمي أبناءها، وعن سلطة تخاف الحقيقة أكثر ممّا تخاف الجريمة. يسأل عن إعلام يساوي بين الجلّاد والضحية، وعن قضاء يؤجّل العدالة حتى تصير ذكرى.

وحين يتّجه الدم إلى باطن الأرض، لا يبرد.

هناك، في دورا الخليل، في العتمة حيث قبر نزار بنات (أبو كفاح)، يختلط بجذور الزيتون، بعظام السابقين، بتاريخ طويل من القهر والمقاومة. هناك، في دورا الخليل حيث قبر نزار بنات (أبو كفاح)، يصير تربة صالحة للغضب، لا للنسيان. كل محاولة لطمسه هي، في الحقيقة، سقيٌ إضافي لذاكرته.

أمّا الفلسطيني في الشتات، في المنافي البعيدة، فيحمل هذا الدم دون أن يراه. يحمله في الذاكرة، في اللهجة، في الخوف من الأخبار العاجلة، وفي الإحساس الدائم بأنّ الوطن ينزف وهو عاجز عن الوصول. فيصير الدم جسراً مؤلماً بين من بقي ومن اقتُلع.

الدم لا ينسى أسماء أصحابه.

ولا ينسى الوجوه التي مرّت فوقه مسرعة. لا ينسى من برّر، ولا من خوّن، ولا من قال إنّ الوقت غير مناسب للحقيقة. الذاكرة هنا ليست عاطفة، بل موقف سياسي بامتياز.

لهذا، فإنّ السؤال ليس: هل للدم ذاكرة؟

السؤال هو: هل نملك نحن الشجاعة للاعتراف بها؟

لأنّ الدم، مهما غاص في الأرض، سيعود. سيعود من غزة، ومن دورا الخليل، ومن قبور الشهداء، ومن صدور المنفيّين. سيعود سؤالاً، واتهاماً، وربّما وعداً. وعداً بأنّ الأرض التي ارتوت به لن تقبل، بعد اليوم، أن تُحكم بالكذب، ولا أن تُدار بالنسيان.



محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غزة ليست ملفاً: إنها الدم تحت الركام!
- غزة: ذاكرة الدم!
- غزة تموت بصمت… والعالم يكتب تقاريره!
- فصائل السلام… حين حارب الفلسطينيون ثورتهم، ويُعاد المشهد الي ...
- حين يَمُوتُ الغريبُ... ولا يبكيهِ أحدٌ!
- غزّة… حيث يُدفَن الأبطال قبل أن يُعرَفوا
- أسقطنا الرؤوس… فضاعت الأوطان!
- بأي وجه سنقابل الشهداء؟ ذاكرة الدم
- من فرعون إلى النمرود: طغيانٌ يتكرّر… وغزّة تدفع الثمن!
- التطبيع… حين تُصافَح اليد الملطَّخة بالدم!
- من والد الشهيد نزار بنات إلى محمود كلّم… وفاءٌ لكلمةٍ لم تمت
- محمود البوليس: من بيت فجار إلى موسكو… فخرٌ يولد من الحزن
- حين ينام الشارع… وتُرفَع الأعلام الخطأ
- غزّة: شهادة وفاة للنِّظام الدّولي وحُقُوق الإِنسان!
- تاريخ يمشي على أطراف أصابعه… ليصفعنا!
- قادة بلا مسافة: فخر غزة الذي أربك الاحتلال!
- نُبوءةُ ناجي العلي… وصمتٌ عربيٌّ يُطيلُ المأساة!
- وفاءٌ في غياب المعلّم… إلى روح الدكتور أنيس صايغ!
- «محمود من شاتيلا»… شهادةُ وفاءٍ لأنيس صايغ
- محمود سعيد… حين كان اللّيل أوسعَ منَ الشُّهرة


المزيد.....




- -الإمبراطور الأخير-.. رحيل مصمم الأزياء الإيطالي فالنتينو غا ...
- تضمنت عبارة -لا أستطيع فهم ما تفعله بشأن غرينلاند-.. ترامب ي ...
- فوائد الكركم..وصفات طبيعية للعناية بجمال البشرة والشعر
- مصدر مقرب من ماكرون يوضح لـCNN صحة رسالة نشرها ترامب من الرئ ...
- بولتون عن رسالة ترامب للدنمارك ورغبته بضم غرينلاند: تحتاج إل ...
- تواصل الغارات على القطاع.. وتحفّظ إسرائيلي على ضم قطر وتركيا ...
- اجتماع -سيّئ- بين الشرع وعبدي.. والداخلية السورية تعتقل 81 ع ...
- أخبار اليوم: ترامب يهدد بفرض رسوم على الخمور الفرنسية لإجبار ...
- فرنسا: لوكورنو يقرر اللجوء إلى قانون 49.3 لفرض ميزانية 2026 ...
- ترامب يتوعد فرنسا برسوم جمركية تبلغ 200 بالمئة لإجبارها على ...


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - وهل للدم ذاكرة؟