أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - فصائل السلام… حين حارب الفلسطينيون ثورتهم، ويُعاد المشهد اليوم














المزيد.....

فصائل السلام… حين حارب الفلسطينيون ثورتهم، ويُعاد المشهد اليوم


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 18:09
المحور: القضية الفلسطينية
    


من ثورة 1936 إلى غزة والضفة والشتات… التاريخ يُعيد أدواته.
لم تكن الثورة الفلسطينية الكبرى (1936–1939) مجرّد فعلٍ عابرٍ ضدّ الاحتلال البريطاني، بل كانت أول محاولة فلسطينية شاملة لصياغة مشروع تحرري جامع، سابقٍ للنكبة، ومؤسِّسٍ للوعي الوطني الحديث. غير أنّ هذه الثورة، التي اتسعت رقعتها واشتدّ عودها، لم تُهزم فقط بفعل القوة العسكرية البريطانية، بل انكسرت من الداخل، حين نشأت ظاهرة عُرفت في الذاكرة الشعبية باسم «فصائل السلام».
تسميةٌ مخادعة، تخفي خلفها واحدةً من أكثر الصفحات سواداً في التاريخ الفلسطيني: فصائل فلسطينية سلّحها الاحتلال، ومَوّلها، ووفّر لها الغطاء، لتقويض الثورة، وملاحقة الثوار، وتحويل الصراع من مواجهة مع المستعمِر إلى اقتتالٍ داخلي أنهك المجتمع، ومهّد للهزيمة الكبرى.
تشكلت «فصائل السلام» في النصف الثاني من عام 1938، بعد أن فشلت بريطانيا في إخماد الثورة بالقوة المباشرة. حينها، انتقل الجنرال البريطاني تشارلز تيغارت إلى استراتيجية أكثر دهاءً: تحصين الاحتلال، وخلق عدوٍّ فلسطيني للثورة من داخلها.
لم يكن عناصر هذه الفصائل غرباء عن المجتمع أو جغرافيته؛ كانوا أبناء القرى، وبعضهم قادةً سابقين في الثورة، يعرفون طرق الإمداد، وأسماء الثوار، ونقاط ضعفهم. وهنا تكمن خطورة النموذج: قمعٌ بأيدٍ محلية، وشرعيةٌ زائفة باسم «الأمن» و«النظام».
قاد هذا المشروع شخصيات بارزة، مثل فخري النشاشيبي، الذي مثّل جناحاً سياسياً مناوئاً للثورة، ونسج علاقاتٍ وثيقةً مع البريطانيين، وفخري عبد الهادي، القائد الثوري السابق الذي تحوّل إلى رأس حربة في ملاحقة رفاق الأمس، خصوصاً في جبل النار، مركز الثقل الثوري آنذاك.
لم يكن انقلاب فخري عبد الهادي حادثاً فردياً، بل نموذجاً متكرراً في الثورات المُنهكة: قائدٌ يبدأ ثورياً، ثم يتحوّل، بفعل الطموح أو الصراع أو الرعاية الخارجية، إلى أداةٍ لضرب الثورة ذاتها. تحت قيادته، ارتُكبت جرائم اغتيال، وفُتحت أبواب الثأر، وتحوّلت القرى إلى ساحات تصفية حسابات، بينما كانت الدوريات البريطانية تراقب – وأحياناً تشارك – في مشهد التفكك.
بلغ الانهيار ذروته حين صار عناصر «فصائل السلام» يرافقون القوات البريطانية، بوجوهٍ مغطّاة، للتعرّف على الثوار واعتقالهم وإعدامهم. لم تعد الثورة تُستنزف فقط بالسلاح، بل بتشويه صورتها، واتهامها بالإرهاب، ونزع الحاضنة الشعبية عنها.
بعد أكثر من ثمانية عقود، يعود السؤال بإلحاح: هل انتهت «فصائل السلام»، أم تغيّرت تسمياتها فقط؟
في غزة، حيث يُحاصَر مشروع المقاومة بالنار والجوع، تُرفع شعارات «التهدئة» و«الواقعية» في وجه أي فعلٍ مقاوم، ويُصوَّر الصمود كعبءٍ على الشعب، لا كخيارٍ اضطراري في مواجهة الإبادة.
في الضفة الغربية، تُدار المعركة بأدواتٍ مختلفة: تنسيقٌ أمني مقدس، ملاحقةٌ للمقاومين، وخطاب «حماية المشروع الوطني» الذي يتحوّل عملياً إلى حماية الاحتلال من كلفة وجوده. يتكرر المشهد القديم: فلسطيني يطارد فلسطينياً باسم الاستقرار، فيما يتوسع الاستيطان بلا عوائق.
أما في الشتات، فتتجلّى النسخة الناعمة من «فصائل السلام»: تجفيف الخطاب الثوري، تجريم المقاومة أخلاقياً، وترويج سرديات «ما بعد التحرير»، وكأنّ المشكلة في أدوات النضال لا في استمرار الاحتلال ذاته.
انتهت الثورة الكبرى رسمياً عام 1939، لكن آثار «فصائل السلام» لم تنتهِ بمقتل قادتها. لقد خلّفت مجتمعاً مُنهكاً، منقسماً، فاقداً للثقة، وهو ما ظهر بوضوح في عجز الفلسطينيين عن صدّ مشروع النكبة عام 1948.
التاريخ لا يُعيد نفسه حرفياً، لكنه يُعيد أنماطه. وكل سلطة فلسطينية، أو جماعة، أو خطاب، يوجّه سلاحه – المادي أو الرمزي – نحو مشروع تحرري، ويبرّر ذلك بالأمن أو المصلحة أو الواقعية، إنما يقف، بوعيٍ أو بدونه، في الموقع ذاته الذي وقفت فيه «فصائل السلام».
السؤال اليوم ليس تاريخياً، بل راهنٌ بامتياز:
هل يتعلّم الفلسطينيون من ثورتهم التي هُزمت من الداخل، أم يواصلون إنتاج الهزيمة بأسماءٍ جديدة؟

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يَمُوتُ الغريبُ... ولا يبكيهِ أحدٌ!
- غزّة… حيث يُدفَن الأبطال قبل أن يُعرَفوا
- أسقطنا الرؤوس… فضاعت الأوطان!
- بأي وجه سنقابل الشهداء؟ ذاكرة الدم
- من فرعون إلى النمرود: طغيانٌ يتكرّر… وغزّة تدفع الثمن!
- التطبيع… حين تُصافَح اليد الملطَّخة بالدم!
- من والد الشهيد نزار بنات إلى محمود كلّم… وفاءٌ لكلمةٍ لم تمت
- محمود البوليس: من بيت فجار إلى موسكو… فخرٌ يولد من الحزن
- حين ينام الشارع… وتُرفَع الأعلام الخطأ
- غزّة: شهادة وفاة للنِّظام الدّولي وحُقُوق الإِنسان!
- تاريخ يمشي على أطراف أصابعه… ليصفعنا!
- قادة بلا مسافة: فخر غزة الذي أربك الاحتلال!
- نُبوءةُ ناجي العلي… وصمتٌ عربيٌّ يُطيلُ المأساة!
- وفاءٌ في غياب المعلّم… إلى روح الدكتور أنيس صايغ!
- «محمود من شاتيلا»… شهادةُ وفاءٍ لأنيس صايغ
- محمود سعيد… حين كان اللّيل أوسعَ منَ الشُّهرة
- ما بعد التطبيع… القادم أخطر!
- غزّة: حين يُباعُ التاريخُ وأصحابُه ينظرون!
- فلسطين… حين يُباع الثوب ولا يُشترى السلام
- البرد يحاصر غزّة... والصمت يكمّل الجريمة


المزيد.....




- -إحجام روسيا أو عجزها عن دعم حلفائها ضربةٌ لصورتها كقوة عالم ...
- قتلى وتبادل اتهامات بين دمشق و-قسد-: غرب الفرات منطقة عسكرية ...
- تظاهرات في كوبنهاغن دعمًا لغرينلاند وسط مساعٍ أميركية لفرض س ...
- -طويلة على رقبتكم-. نعيم قاسم يجدّد تمسّك حزب الله بالسلاح و ...
- بعد 25 عاما من المفاوضات... الاتحاد الأوروبي وميركوسور يستعد ...
- اعتداءات إسرائيلية متواصلة بالضفة تطال مواطنين ومتضامنين أجا ...
- كاتس يتفاخر بتدمير 2500 مبنى منذ اتفاق غزة وحماس تندد
- نعيم قاسم: وزير الخارجية لا يمثل الدبلوماسية اللبنانية
- الاحتلال الإسرائيلي يتوغل مجددا بريف درعا جنوبي سوريا
- بعد 27 يوما من ولادتها.. البرد القارس يكتب نهاية رضيعة جديدة ...


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - فصائل السلام… حين حارب الفلسطينيون ثورتهم، ويُعاد المشهد اليوم