أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - حين يَمُوتُ الغريبُ... ولا يبكيهِ أحدٌ!














المزيد.....

حين يَمُوتُ الغريبُ... ولا يبكيهِ أحدٌ!


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 23:45
المحور: القضية الفلسطينية
    


في بلادٍ لا تُشبهُك، بين جدرانٍ باردةٍ لم تحفظ يوماً صدى صوتِك، تموتُ كما عشتَ: غريباً، منسيّاً، كأنك لم تكن.
لا يدٌ تُلامِسُ كتفك في لحظاتك الأخيرة،
لا عينٌ تدمعُ لفراقِك، لا اسمٌ يبقى بعدك. تموتُ كما لو أنَّك لم تُولد أصلاً، وكأنَّ العالم لم يُلاحظ وجودك يوماً، لكن قلبك ظلّ معلقاً في أرض عرب السّمنيّة، حيثُ الترابُ يعرفك قبل أن تعرف نفسك، وحيثُ قبورُ الأجداد تنتظرُك لتكون بين أحضانها آخر مرة.
الموتُ هنا يُشبهُ الغربة التي سكنت قلبك طويلاً، لكنهُ أكثرُ قسوة. كأنَّكَ ورقةُ تينٍ هزمتها الريحُ فسقطت بعيداً عن شجرتِها، أو زيتونةٌ اقتُلعت من تربتِها فجفَّت روحُها قبل أن تحترق تحت شمسٍ لا تعرفُها. الغربةُ أكلتكَ حيّاً، التهمت ملامحك، صوتك، دفءَ يديك، حتى صرت شبحاً يعبرُ الشوارع دون أن يراهُ أحد. وعندما جاءَ الموتُ، لم يكن سوى تتمةٍ باردةٍ لحياةٍ لم تكن لكَ يوماً، بينما قلبك كان يحنُّ إلى أرضٍ تعانق كل خطوة منك، وترتجف عند ذكر اسمك، إلى أرض عرب السّمنيّة التي حلمت أن تُدفن فيها بجانب الأجداد.
تمرُّ الحياةُ أمام عينيك كنافذة قطارٍ مسرع، تتساقطُ منها مشاهدُ أحلامٍ لم تتحقَّق، وذكرياتٌ لا أحد يذكرها سواك. محطَّاتٌ كثيرةٌ لم تكن يوماً وجهتك، ووجوهٌ عبرت دون أن تترك أثراً. كنت تحلمُ أن تعود، أن تحتضن تراب وطنِكَ، أن تمشي في أزقَّةٍ تعرفُك، أن يكون لك موتٌ يُشبهُك، وجنازةٌ يبكيك فيها من أحببتهم. لكنَّ الموت باغتك هنا، في أرضٍ لا تعرفُك، بين غرباء لا يفهمون حزنك، ولم يروا الوجع الذي كبر في عينيك. سيمرُّ خبرُ وفاتك كأيِّ خبرٍ عابرٍ في صحيفةٍ مُهملة:
"تُوفيَ رجلٌ مجهولُ الهوية، ودُفن وفق الإجراءاتِ الرسمية."
ستُطوى قصَّتُكَ بين أوراقٍ باردة، لن يذكرك أحد، لن يكون لك قبرٌ يزورُه الأحبَّة، لا اسمٌ يحملهُ شاهدُ الرخام، لا وردٌ يُوضَعُ على ترابِكَ. فقط رقمٌ في سجلٍّ لا يعني أحداً، وكومةُ ترابٍ لن يُبكيها أحدٌ سواك، لو كنت ما زلت قادراً على البكاء. إلا أن الريح، وحدها، تحملُك في ذكرياتها إلى تلك الأرض التي طالما حلمت أن تُدفن فيها بجانب قبور الأجداد، حيثُ لا غربة بعد اليوم.
ستتسلَّل الريح بين أغصانِ الزعتر والميرمية في جبالِ الجليل، وستهمس باسمك في ليالي الوطن الطويلة. ستمرُّ فوق وادي القرن، وستخبر أشجار الزيتون عنك، عن الغريب الذي حمل حنينه حتى الموت، وعن قلبه الذي ظلّ معلقاً في أرض عرب السّمنيّة، بين قبور الأجداد، في ترابٍ يعرفه قبل أن يعرفه هو. هناك في الأرض التي خذلتك أن تموت فيها، سيبقى اسمك مكتوباً على الطرقات التي عبرتها طفلاً، على جدران البيوت التي غادرتها ولم تعد، في زفرات الريح التي ستظل تبحث عنك، حتى لو لم تعد أنت هناك.
كان الموت هنا قيداً، والموت هناك عناقاً. هنا التراب موحش، وهناك التراب حنين. هنا الصمت جدار سميك يفصلُك عن الحياة، وهناك الصمت غطاء دافئ يحفظ ذكراك. هنا أنت مجرد رقم في قائمة الموتى، وهناك أنت ابن الأرض التي أنجبتك، واحتضنتك، وأحبتك حتى النهاية، وحيث قبور الأجداد تنتظرك لتكتمل العودة.
وحدها الريح ستعرف أنك كنت هنا… وستحملك يوماً، ولو في الأحلام، إلى حيث كنت تنتمي، إلى تراب أرض عرب السّمنيّة في شمال فلسطين المحتلّة، إلى قبور الأجداد، إلى الأرض التي لم تنسَك.
وهكذا، يبتلع النسيان اسمك، كما يبتلع البحر أصداء الغرقى، وكما تذرو الريح رماد من احترقوا بعيداً عن ديارهم. سيمضي الزمن دون أن يلتفت إلى غيابك، وستظل المدن التي مررت بها غريبة كما كانت، لا تذكر وجهك، ولا يعنيها رحيلك. لن يُضاء لك قنديل في نافذة بيت قديم، ولن يكتب أحد اسمك على جدار. ستبقى في ذاكرة الغربة مجرد ظل تلاشى قبل أن يجد موطناً له، إلا أن التراب الذي حلمت بالعودة إليه، تراب أرض عرب السّمنيّة، سيظل يحملك في صمته.
لكن الريح، وحدها الريح، ستحمل وجعك سراً بين طياتها، وتبعثره فوق تراب كنت تحلم أن تعود إليه. وحين تهب ذات مساء على وطنك البعيد، سيشعر الزيتون بحزن غامض، وسيئن التراب دون أن يعرف أحد السبب.

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غزّة… حيث يُدفَن الأبطال قبل أن يُعرَفوا
- أسقطنا الرؤوس… فضاعت الأوطان!
- بأي وجه سنقابل الشهداء؟ ذاكرة الدم
- من فرعون إلى النمرود: طغيانٌ يتكرّر… وغزّة تدفع الثمن!
- التطبيع… حين تُصافَح اليد الملطَّخة بالدم!
- من والد الشهيد نزار بنات إلى محمود كلّم… وفاءٌ لكلمةٍ لم تمت
- محمود البوليس: من بيت فجار إلى موسكو… فخرٌ يولد من الحزن
- حين ينام الشارع… وتُرفَع الأعلام الخطأ
- غزّة: شهادة وفاة للنِّظام الدّولي وحُقُوق الإِنسان!
- تاريخ يمشي على أطراف أصابعه… ليصفعنا!
- قادة بلا مسافة: فخر غزة الذي أربك الاحتلال!
- نُبوءةُ ناجي العلي… وصمتٌ عربيٌّ يُطيلُ المأساة!
- وفاءٌ في غياب المعلّم… إلى روح الدكتور أنيس صايغ!
- «محمود من شاتيلا»… شهادةُ وفاءٍ لأنيس صايغ
- محمود سعيد… حين كان اللّيل أوسعَ منَ الشُّهرة
- ما بعد التطبيع… القادم أخطر!
- غزّة: حين يُباعُ التاريخُ وأصحابُه ينظرون!
- فلسطين… حين يُباع الثوب ولا يُشترى السلام
- البرد يحاصر غزّة... والصمت يكمّل الجريمة
- وهمُ الرِّهاناتِ… وحقيقةُ الدّمِ في غزّة!


المزيد.....




- ترامب: مجلس السلام الخاص بغزة -تم تشكيله-، ومقتل قيادي بارز ...
- ترامب يعلن تشكيل -مجلس السلام- في غزة.. وكوشنر يعلق
- كأس الأمم الإفريقية.. هل اعترف حكم بالتحيز للمغرب؟
- إسرائيل تفتح ملاجئ عسقلان وسط مخاوف من توترات إقليمية
- طائرة تابعة للخطوط التركية تهبط اضطراريا في برشلونة بعد تهدي ...
- عاجل | رويترز عن ترامب: بدعم من مصر وتركيا وقطر سنضمن اتفاقي ...
- وصول أفراد عسكريين أوروبيين إلى غرينلاند وترامب يقول إن الول ...
- بنعبد الله يستقبل طاقات نضالية من تطوان اختارت الانخراط في ا ...
- عرض ترامب الملغوم للإيرانيين
- آثار اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال على القرن الأفريقي


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - حين يَمُوتُ الغريبُ... ولا يبكيهِ أحدٌ!