أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - غزّة… حيث يُدفَن الأبطال قبل أن يُعرَفوا














المزيد.....

غزّة… حيث يُدفَن الأبطال قبل أن يُعرَفوا


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 08:17
المحور: القضية الفلسطينية
    


«يموت الأبطال دون أن يسمع بهم أحد…»

— غسان كنفاني

في غزّة لا يموت الأبطال دفعةً واحدة، بل يتساقطون واحداً واحداً، بهدوءٍ يشبه الصمت الذي يلفّ العالم حين تُقصَف البيوت، وحين تُمحى العائلات من السجلات المدنيّة، وحين تتحوّل الأسماء إلى أرقام لا تتّسع لها نشرات الأخبار.

غزّة ليست خبراً عاجلاً، ولا شريطًا أسفل شاشة، ولا صورةً عابرة تُستهلَك ثم تُنسى. غزّة مدينة تُدفَن حيّة كلّ يوم، ويُطلَب من أهلها أن ينجوا بلا ماء، وأن يصمدوا بلا دواء، وأن يحلموا بلا سماء. هناك لا يُسأل الإنسان عمّا يريد أن يكون حين يكبر، بل عمّا إذا كان سيكبر أصلاً.

في الأزقّة الضيّقة، يمشي الناس محمّلين بأكثر من أعمارهم. أمٌّ تُخبّئ خوفها في عيون أطفالها، وأبٌ يُصلح باباً مكسوراً وهو يعرف أنّ الصاروخ لا يطرق الأبواب. طبيبٌ يعمل بلا كهرباء، وصحفيٌّ يكتب بلا شبكة، وطفلٌ يتعلّم أسماء الطائرات قبل أن يتعلّم أسماء الألوان.

يموت الأبطال في غزّة لأنّهم بقوا. لأنّهم لم يغادروا بيوتهم، ولأنّهم حملوا جيرانهم من تحت الركام، ولأنّهم قالوا «نحن هنا» في زمنٍ صار فيه الوجود جريمة. يموتون دون أن يسمع بهم أحد، لأنّ الضجيج العالمي أعلى من صرخاتهم، ولأنّ العدالة مؤجَّلة، ولأنّ الدم الفلسطيني لا يزال بحاجةٍ إلى ترجمة.

لكنّ غزّة، رغم كلّ هذا، لا تتقن الاستسلام. من بين الركام، يخرج صوت، ومن تحت الحصار، يولد معنى. هناك الحزن ليس نهاية، بل ذاكرة. والوجع ليس ضعفاً، بل شهادة. وكلّ شهيدٍ يسقط، يترك خلفه سؤالاً معلّقاً في ضمير هذا العالم: كم من الأبطال يجب أن يموتوا كي يُسمَع الخبر؟

لا تُغلَق الحكاية في غزّة، بل تُترَك مفتوحة على الألم. يُوارى الشهداء التراب على عَجَل، بلا وداعٍ يليق بهم، وبلا عدالةٍ تصل في موعدها. يبقى البيت مكسوراً، والسرير فارغاً، والصورة معلّقة تنتظر صاحبها الذي لن يعود. وحده الحزن يعرف الطريق؛ يتجوّل بين الوجوه، ويستقرّ في الصدور كأنّه مقيمٌ أبدي. تمضي غزّة مثقلةً بأسمائها، وبأطفالها الذين كبروا فجأة، وبأبطالها الذين رحلوا دون ضجيج. تمضي… لأنّ عليها أن تمضي، حتّى وإن كان الطريق كلّه مقابر، وحتّى وإن ظلّ العالم واقفاً يتفرّج، كأنّ الموت هناك لا يحتاج إلى عدالة.



محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أسقطنا الرؤوس… فضاعت الأوطان!
- بأي وجه سنقابل الشهداء؟ ذاكرة الدم
- من فرعون إلى النمرود: طغيانٌ يتكرّر… وغزّة تدفع الثمن!
- التطبيع… حين تُصافَح اليد الملطَّخة بالدم!
- من والد الشهيد نزار بنات إلى محمود كلّم… وفاءٌ لكلمةٍ لم تمت
- محمود البوليس: من بيت فجار إلى موسكو… فخرٌ يولد من الحزن
- حين ينام الشارع… وتُرفَع الأعلام الخطأ
- غزّة: شهادة وفاة للنِّظام الدّولي وحُقُوق الإِنسان!
- تاريخ يمشي على أطراف أصابعه… ليصفعنا!
- قادة بلا مسافة: فخر غزة الذي أربك الاحتلال!
- نُبوءةُ ناجي العلي… وصمتٌ عربيٌّ يُطيلُ المأساة!
- وفاءٌ في غياب المعلّم… إلى روح الدكتور أنيس صايغ!
- «محمود من شاتيلا»… شهادةُ وفاءٍ لأنيس صايغ
- محمود سعيد… حين كان اللّيل أوسعَ منَ الشُّهرة
- ما بعد التطبيع… القادم أخطر!
- غزّة: حين يُباعُ التاريخُ وأصحابُه ينظرون!
- فلسطين… حين يُباع الثوب ولا يُشترى السلام
- البرد يحاصر غزّة... والصمت يكمّل الجريمة
- وهمُ الرِّهاناتِ… وحقيقةُ الدّمِ في غزّة!
- حين يصبح الصمت شراكة في الجريمة: غزّة تحت إدارة الموت


المزيد.....




- بعدما قتلتها قوات الهجرة.. والد رينيه غود يعترض على وصف ابنت ...
- محمد السادس: من كان آخر سلاطين الدولة العثمانية؟
- مسار هجرة الطيور الأوروبية يتأثر بصراع السودان المسلح
- طهران تتهم واشنطن بالبحث عن -ذريعة- للتدخل عسكريا في إيران
- سوريا: تجدد القتال بين الجيش السوري والقوات الكردية شرق حلب ...
- والدة أسيرة مقدسية: ابنتي تغيّرت خلف القضبان والأمل بالحرية ...
- لماذا لا نبتسم في صور جواز السفر؟
- اختبارات بسيطة تكشف عمر جسمك الحقيقي وقدرته على مواجهة الشيخ ...
- بيل وهيلاري كلينتون يرفضان الشهادة في تحقيق يتعلق بإبستين
- واشنطن تقترب من تعيين لجنة لإدارة غزة.. وشعث مرشح لرئاستها


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - غزّة… حيث يُدفَن الأبطال قبل أن يُعرَفوا