أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - بأي وجه سنقابل الشهداء؟ ذاكرة الدم














المزيد.....

بأي وجه سنقابل الشهداء؟ ذاكرة الدم


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 22:52
المحور: القضية الفلسطينية
    


سأذهب إلى العالم الآخر،
وأنا خجلٌ جداً.
لا لأنني قصّرت وحدي، بل لأننا جميعاً صمتنا أكثر مما يجب، وصدقنا أكثر مما ينبغي، وانتظرنا معجزات لم تأتِ.
بأي كلمات سنستقبل الشهداء؟
بأي عذر سنرفع رؤوسنا أمام من خرجوا من بيوتهم وهم يعرفون أن الطريق قد لا يعود بهم؟
هل سنقول لهم إن الوطن الذي استشهدتم لأجله… لم يعد وطناً؟
الوطن كما تركتموه، كان فكرة.
واليوم لم يبقَ منه سوى لافتة.
استشهدتم ليحيا الوطن، فصار الوطن سلعة.
استشهدتم من أجل الكرامة، فصارت الكرامة تهمة.
خرجتم لتحموا الناس، فصار الناس وحدهم، عراة أمام الخوف والجوع والخذلان.
ماذا سنقول لهم عن التطبيع؟
عن المصافحة التي جفّفها البروتوكول، ولم يجفّفها الدم؟
كيف سنشرح للشهداء أن من تلطخت أيديهم بدمهم صاروا “شركاء سلام”،
وأن القاتل جلس على الطاولة نفسها،
بينما الضحية غابت عن الصورة؟
وماذا سنقول لهم عن الشعوب التي ماتت فيها النخوة؟
عن شعوب رأت المجازر على الشاشات، ثم اعتادت المشهد؟
عن ضميرٍ تعب من الغضب، فاختار الصمت؟
حتى صار الظلم خبراً عابراً،
وصار الدم رقماً بلا اسم.
وماذا سنخبر الشهداء عن غزة وأهلها؟
عن مدينة تُحاصر حتى من الحياة نفسها؟
كيف سنقول لهم إن أهل غزة يعيشون بلا طعام ولا شراب،
بلا بيوت،
بلا أمان،
يفترشون العراء في البرد القارس،
ويعدّون الشهداء كما يُعدّ الناس أيامهم؟
كيف نخبرهم أن الأطفال هناك ينامون على الخوف،
ويصحون على القصف،
وأن العالم كله رأى… ثم قرر أن ينظر في اتجاهٍ آخر؟
كيف سنشرح لهم أن الجوع صار سياسة،
وأن الحصار صار أداة،
وأن الموت يُدار ببيانات رسمية باردة؟
وماذا سنقول للشهداء عن أطفالهم؟
عن الصغار الذين كبروا فجأة،
وحملوا غياب آبائهم بدل ألعابهم؟
كيف سنخبرهم أننا تركنا أبناءهم يواجهون الحياة وحدهم،
بين مدارس بلا دعم،
وبيوتٍ بلا سند،
ومستقبلٍ مؤجل باسم الظروف؟
بأي حق سننظر في عيونهم،
ونشرح لهم كيف صار أبناؤهم عبئاً لا أمانة؟
كيف تُركوا للفقر،
وللنسيان،
وللأسئلة التي لا يملك طفلٌ إجابةً عنها:
لماذا مات أبي؟ ولماذا تُركنا بعده؟
وماذا سنحدثهم عن قطع رواتب الشهداء والأسرى والجرحى؟
كيف سنبرر لهم أن من قدّم دمه،
أو حريته،
أو جسده،
صار ملفاً مالياً قابلاً للحذف؟
كيف نقول لهم إن الوفاء خضع للحسابات،
وأن الكرامة وُضعت في خانة “العقوبات”؟
أن الجريح صار يفاوض على علاجه،
والأسير على لقمة أطفاله،
وأسرة الشهيد على حقٍ كان يجب أن يكون بديهياً؟
الوطن لم يُهزم فقط بالسلاح، بل بالكذب.
لم يسقط فقط بالقوة، بل بالتعوّد.
تعودنا على الانكسار، حتى صار خبراً عادياً،
وتعودنا على الفساد، حتى صار نظاماً،
وتعودنا على الدم، حتى فقد اسمه.
ماذا سنقول للشهداء عن العدالة؟
عن دولة القانون؟
عن الحلم الذي خرجوا من أجله ولم يعودوا؟
هل سنقول لهم إننا ما زلنا نختلف على التفاصيل، بينما ضاع الأصل؟
إننا ما زلنا نرفع الشعارات، لكننا لا نرفع الإنسان؟
إن الوطن صار مكاناً نعيش فيه، لا معنى ننتمي إليه؟
الخجل ليس شعوراً فردياً.
الخجل موقف جماعي مؤجل.
خجل لأننا لم نحفظ الوصية،
ولم نصن الوطن كما صُنّا أسماءهم في الخطب.
عندما نذهب إلى العالم الآخر،
لن يُسأل الشهداء لماذا ماتوا،
بل سنُسأل نحن:
ماذا فعلتم بما تركناه لكم؟
وحتى ذلك اليوم،
يبقى السؤال معلقاً فوق هذا الركام:
هل ما زال في هذا الوطن ما يستحق أن يُدافع عنه…
أم أننا نعيش فقط على ذكرى وطنٍ كان؟أم أننا نعيش فقط على ذكرى وطنٍ كان؟
محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من فرعون إلى النمرود: طغيانٌ يتكرّر… وغزّة تدفع الثمن!
- التطبيع… حين تُصافَح اليد الملطَّخة بالدم!
- من والد الشهيد نزار بنات إلى محمود كلّم… وفاءٌ لكلمةٍ لم تمت
- محمود البوليس: من بيت فجار إلى موسكو… فخرٌ يولد من الحزن
- حين ينام الشارع… وتُرفَع الأعلام الخطأ
- غزّة: شهادة وفاة للنِّظام الدّولي وحُقُوق الإِنسان!
- تاريخ يمشي على أطراف أصابعه… ليصفعنا!
- قادة بلا مسافة: فخر غزة الذي أربك الاحتلال!
- نُبوءةُ ناجي العلي… وصمتٌ عربيٌّ يُطيلُ المأساة!
- وفاءٌ في غياب المعلّم… إلى روح الدكتور أنيس صايغ!
- «محمود من شاتيلا»… شهادةُ وفاءٍ لأنيس صايغ
- محمود سعيد… حين كان اللّيل أوسعَ منَ الشُّهرة
- ما بعد التطبيع… القادم أخطر!
- غزّة: حين يُباعُ التاريخُ وأصحابُه ينظرون!
- فلسطين… حين يُباع الثوب ولا يُشترى السلام
- البرد يحاصر غزّة... والصمت يكمّل الجريمة
- وهمُ الرِّهاناتِ… وحقيقةُ الدّمِ في غزّة!
- حين يصبح الصمت شراكة في الجريمة: غزّة تحت إدارة الموت
- ميلادٌ في زمن الجراحِ: حين يعلو الأَذانُ في الكنائس من أَجل ...
- غزة… حين يشبه البردُ الغياب


المزيد.....




- -ستارلينك أصبحت متاحة مجانًا في إيران-.. مصدر يوضح لـCNN الت ...
- ما هي الخيارات المحتملة على طاولة ترامب لحسم الأوضاع في إيرا ...
- ترامب يقوم بـ-إشارة بذيئة- لشخص خلال جولة في مصنع.. والبيت ا ...
- رضا بهلوي يوجه -رسالة- إلى الجيش الإيراني بشأن الاحتجاجات
- غوتيريش يهدد بإحالة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية بسبب أون ...
- واشنطن تقترب من تعيين لجنة فلسطينية لإدارة غزة وشعت مرشح لرئ ...
- المغرب يحتفل برأس السنة الأمازيغية الجديدة 2976
- مشروع قانون لجعل غرينلاند -الولاية الأميركية الـ51-
- تنازل السوداني للمالكي عن رئاسة الوزراء يثير جدلا في العراق ...
- الشهراني يبحث في عدن ترتيبات أمنية وعسكرية للمرحلة المقبلة


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - بأي وجه سنقابل الشهداء؟ ذاكرة الدم