محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)
الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 08:23
المحور:
القضية الفلسطينية
غزة ليست مجرد بقعة جغرافية محاصرة، ولا عنواناً عابراً في نشرات الأخبار، بل ساحة جريمة مكتملة الأركان تُرتكب على الهواء مباشرة. هي آخر المتاريس والطلقات، صورة الوطن الفلسطيني المشظّى في كل اتجاه، والدليل الفاضح على أن هذا العالم لا يتحرك إلا حين لا يكون الضحية فلسطينياً. غزة ليست مأساة طبيعية، بل نتيجة مباشرة لقرار سياسي دولي بإدامة القتل، وتوفير الغطاء الكامل له.
في غزة، لم يبقَ بيتٌ إلا ووسمته الغارات، ولم تبقَ شتلة خضار إلا واقتُلعت قبل أن تثمر. التدمير في غزة ليس أثراً جانبياً للحرب، بل هدفها المعلن والمستتر: سحق الحياة، وتجفيف أسباب البقاء، ودفع الناس إلى حافة الفناء البطيء. في غزة لا يجفّ الدم، لأن آلة القتل لا تتوقف، ولا يموت الناس مرة واحدة، بل يُقتلون جوعاً وعطشاً وقصفاً، تحت سمع وبصر عالمٍ اختار الشراكة بالصمت.
غزة مخزون الدم والكرامة، لا لأنها تمجّد الموت، بل لأنها حُوصرت حتى لم يُترك لها خيار آخر. ما يجري فيها ليس “دفاعاً عن النفس” كما يُروَّج سياسياً، بل عقاب جماعي مكتمل، وإبادة ممنهجة لشعب أعزل. وجع غزة ليس طارئاً، بل سيرة نضال طويلة في مواجهة مشروع اقتلاع مستمر، تُسلَّم فصوله من جيل إلى جيل كما تُسلَّم الوصايا.
سياسياً، غزة إدانة صريحة للنظام الدولي القائم. هي شهادة فشل أخلاقي وقانوني، وفضيحة لمؤسسات تدّعي حماية حقوق الإنسان بينما تبرّر القتل حين يكون القاتل قوياً. في غزة تسقط الأقنعة: قرارات دولية لا معنى لها، بيانات شجب بلا أثر، وميزان عدالة مائل لا يرى إلا دماً واحداً يستحق الحماية. غزة تعرّي ازدواجية المعايير، وتفضح زيف الخطاب الإنساني حين يتحوّل إلى أداة انتقائية.
غزة كل الحكاية، لأنها تختصر جوهر القضية الفلسطينية بلا رتوش. إنسان وُلد ليُطارَد، وليُحاصَر، وليُدفَع إلى مواجهة الموت قبل أن يعرف معنى الحياة. ومع ذلك، ما زالت غزة تقاوم، لا بوهم النصر السريع، بل بإرادة البقاء التي تُرعب جلّاديها. في كل ركام بيت، لائحة اتهام، وفي كل شهيد، سؤال سياسي وأخلاقي موجّه إلى العالم: كم من الدم الفلسطيني يكفي كي تعترفوا بأن ما يجري جريمة لا حرب؟
غزة ليست نهاية الطريق، لكنها الجرح المفتوح الذي يذكّرنا بأن الأوطان لا تموت، حتى حين تُقصف حتى الإبادة.
محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.
#محمود_كلّم (هاشتاغ)
Mahmoud_Kallam#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟