محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)
الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 17:20
المحور:
القضية الفلسطينية
في غزة، لا تنتهي المأساة عند عدد الشهداء، ولا تتوقف عند صور الدمار، ولا تُختصر في بيانات الإدانة الباردة. في غزة، تمضي المأساة أبعد من ذلك بكثير… تمضي إلى لحظة يقف فيها إنسانٌ أعزل أمام أشلاء بشرية، لا يعرف إن كان يودّع ابنه، أو أخاه، أو جاراً لم يتعرّف عليه بعد.
في غزة، في هذا الشريط المحاصر، لم تعد الجنازات تعرف أصحابها، ولم تعد الأكفان تحمل أسماء. الغزيون يدفنون أشلاءً مجهولة، يوارون التراب ما تبقى من أجساد، وهم يعلّقون قلوبهم على سؤال قاسٍ: هل ما ندفنه الآن هو أحد مفقودينا؟ أم أن مفقودينا ما زالوا تحت الركام، ينتظرون دورهم في الوداع؟
في غزة، لم يعد الموت حدثاً استثنائياً، بل صار تفصيلاً يومياً. صار العاديّ هو أن تبحث الأم عن بقايا ابنها، وأن يفتّش الأب في المشافي المدمّرة عن أي أثر يدلّ على أن فلذة كبده كان هنا. لم يعد السؤال: «هل استشهد؟» بل: «هل وجدتم منه شيئاً؟».
المشافي، التي يُفترض أن تكون ملاذاً أخيراً للحياة، تحولت إلى محطات فرز للأشلاء. أطباء بلا أدوات، بلا كهرباء، وبلا قدرة على التعرّف إلى الضحايا. أكياس سوداء مرقّمة بدل الأسماء، ودفاتر ناقصة بدل سجلات الشهداء. حتى الموت في غزة فقد كرامته، لأن العالم قرر أن يدير ظهره.
ووسط هذا كله، يقف العالم متفرجاً. يراقب الإبادة لحظة بلحظة، يشاهد الأطفال يُنتشلون بلا ملامح، والنساء يصرخن بأسماء لا يجيب عنها أحد، ثم يكتفي بعبارات مكررة عن «القلق» و«ضبط النفس». أي خذلان هذا الذي يجعل دفن الأشلاء مشهداً عادياً على شاشات الأخبار؟
غزة لا تطلب المستحيل. لا تطلب سوى أن يُعترف بإنسانيتها، وأن يُعترف بأن من يُقتلون هنا بشر، لهم أسماء وذكريات وبيوت وأحلام مؤجلة، لكنها تُقابل بصمتٍ دوليٍّ فاضح، وبمعايير مزدوجة تفرّق بين دمٍ ودم، وبين ضحية وأخرى.
الخذلان لا يأتي فقط من القصف، بل من هذا الصمت الثقيل، من هذا التواطؤ غير المعلن، ومن هذا العجز المصطنع عن وقف المجزرة. الخذلان يأتي حين يصبح دفن الأشلاء خبراً عابراً، وحين تُختصر الإبادة في شريط عاجل، ثم يُطوى.
في غزة، لا يُشيَّع الشهداء وحدهم، بل تُشيَّع القيم الإنسانية، ويُدفن معها ما تبقى من ضمير هذا العالم. كل قبرٍ بلا اسم هو شهادة إدانة، وكل جسدٍ بلا ملامح هو سؤال موجّه إلى البشرية جمعاء: إلى متى؟
وإلى أن يجيب العالم، سيواصل الغزيون الدفن… لا لأنهم اعتادوا الفاجعة، بل لأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة الموت، والخذلان، والصمت.
#محمود_كلّم (هاشتاغ)
Mahmoud_Kallam#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟