أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مرفوض… حين ينهض المسرح ليحاكم الصمت














المزيد.....

مرفوض… حين ينهض المسرح ليحاكم الصمت


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 09:49
المحور: قضايا ثقافية
    


أفرحُ كثيرًا لعودة المسرح الشبابي، لأن عودته ليست ترفًا ثقافيًا عابرًا، ولا مناسبةً احتفالية تُضاف إلى سجل الفعاليات، بل هي عودة الوعي إلى منبره الأول، وعودة السؤال إلى مكانه الطبيعي فوق الخشبة، حيث تُعرّى القضايا وتُختبر القيم وتُستنطق الضمائر. إن المسرح، حين يعود، لا يعود ليستعيد أمجادًا غابرة، بل ليواجه حاضرًا ملتبسًا، ولينفض الغبار عن الكلمات التي أُرهقت من كثرة الاستعمال حتى فقدت معناها.على خشبة مسرح الرشيد، وقفت مسرحية «مرفوض» لا بوصفها عرضًا فنيًا فحسب، بل بوصفها موقفًا وجوديًا من قضيةٍ تمسّ جوهر الإنسان وكرامته، قضية زواج القاصرات التي أباحها القانون العراقي الأخير، فاشتعل حولها الجدل، وتنازعتها التفسيرات، وتناوبت عليها الخطابات، بين من يراها شأنًا تنظيميًا مشروعًا، ومن يراها انزلاقًا خطيرًا إلى مصادرة حق الطفولة في أن تكون طفولة، وحق الفتاة في أن تنضج قبل أن تُدفع إلى مصيرٍ لا تدرك أبعاده.إن القانون، حين ينفصل عن الحكمة، يتحول إلى نصٍ جامد، وحين يتغافل عن الأثر النفسي، يغدو أداةً لإعادة إنتاج الألم باسم الشرعية. وما زواج القاصرات إلا صورة مكثفة لهذا الانفصال؛ إذ تُختزل الفتاة في جسدٍ قابلٍ للتسليم، وتُهمّش إرادتها بوصفها ناقصة الأهلية، ويُختطف زمنها الداخلي، زمن الاكتمال والنضوج، لتُلقى في تجربةٍ تفوق قدرتها على الاحتمال. إن الأثر النفسي ليس عارضًا عابرًا، بل هو تصدعٌ عميق في بنية الذات، يزرع الخوف بدل الطمأنينة، والارتباك بدل الثقة، والامتثال القسري بدل الاختيار الحر.في «مرفوض»، اختار المخرج حيدر جوكال أن يُقصي الحوار اللفظي ليُفسح المجال للغة الجسد، وكأن الكلمات لم تعد قادرة على حمل ثقل الفاجعة، أو كأن الصمت أصدق من الخطب. فكان الجسد هو النص، وكانت الحركة هي الجملة، وكانت الإضاءة فاصلةً نحويةً بين معنى وآخر. لقد تحررت الخشبة من الديكور، لتصبح فضاءً دلاليًا مفتوحًا، لا يشتت النظر، بل يركزه على جوهر القضية: إنسانٌ صغير يُدفع إلى قدرٍ أكبر منه.إن الرقص الدرامي، في هذا السياق، لم يكن استعراضًا تقنيًا، بل كان ترجمةً فلسفية لفكرة القسر؛ فالجسد حين يُساق إلى حركةٍ لا يريدها، يُجسد ببلاغةٍ صامتة معنى الإجبار. وحين ينكمش في زاوية الضوء، كأنه يعلن ضآلة صوته أمام جدار السلطة الاجتماعية. وهكذا تحولت الخشبة إلى مرآةٍ للمجتمع، لا تعكس صورته الخارجية فحسب، بل تكشف تشققات روحه.وإذا كان المجتمع قد انقسم حول هذه القضية، فإن المسرح لم ينقسم؛ لأنه بطبيعته منحازٌ إلى الإنسان، إلى حريته، إلى حقه في الاختيار. إن الحرية ليست شعارًا سياسيًا، بل شرطًا أنطولوجيًا لتمام الكينونة. والفتاة التي لا تُمنح فرصة النضوج، تُحرم من حقها في أن تكون ذاتًا كاملة، لا تابعًا يُقرر عنه الآخرون. ومن هنا كان الرفض، في المسرحية، قيمةً أخلاقية قبل أن يكون عنوانًا.غير أن هذا الضوء الذي أضاءته «مرفوض» لا يخفي ما يعتري المسرح العراقي من عللٍ مزمنة؛ قلة الدعم، ضيق الإمكانات، تراجع الرعاية المؤسسية، وتراكم الإحباط في نفوس الفنانين الذين يقاتلون من أجل فكرةٍ في بيئةٍ لا تكافئ الفكرة. إن الفنان، حين لا يجد سندًا، يُرهق في صراعه بين الإبداع والعيش، بين الحلم والواقع. ومع ذلك، فإن استمرار العروض، رغم كل شيء، شهادةٌ على أن الروح الفنية لم تنكسر، وأن اليأس لم ينتصر.لقد قدّم الممثلون الشباب أداءً انضباطيًا واعيًا، فجعلوا من أجسادهم أدواتٍ للتعبير الدقيق، لا حركاتٍ عشوائية. وكان تفاعل الجمهور دليلاً على أن القضية ليست بعيدة عن الوجدان العام، وأن الفن، حين يُلامس الجرح الحقيقي، يوقظ في المتلقي إحساسًا بالمسؤولية، لا مجرد إعجابٍ تقني.في زمنٍ تكاثرت فيه العلل، وتداخلت فيه القيم بالمصالح، وتوارى الصدق خلف ستار الزيف، يصبح قول «مرفوض» فعلًا شجاعًا. فما الذي لم يُرفض بعد؟ رُفضت الطفولة باسم التقاليد، ورُفضت الحرية باسم القانون، ورُفض صوت المرأة باسم الوصاية. وفي خضم هذا الرفض المتراكم، ينهض المسرح ليقول: إن الرفض الحقيقي هو رفض الظلم ذاته، ورفض كل ما يُصادر إنسانية الإنسان.إن عودة المسرح الشبابي ليست حدثًا عابرًا، بل مؤشرٌ على أن في هذا الوطن طاقةً كامنةً ترفض الاستسلام. فالمسرح، حين يشتبك مع قضايا المجتمع، لا يكتفي بعرضها، بل يعيد صياغتها في ضمير الناس. و«مرفوض» لم تكن مجرد مسرحية، بل كانت محاكمةً للصمت، وتذكيرًا بأن الفن، إذا صدق، صار ضميرًا حيًا لا يُشترى ولا يُؤجَّل.
وهكذا، يبقى المسرح، رغم علله، واحدًا من آخر الحصون التي تحمي المعنى في زمن الفوضى. فإذا كان القانون يكتب نصوصه بالحبر، فإن المسرح يكتب اعتراضه بالضوء والحركة والوعي. وبين النصين، يبقى السؤال معلقًا في فضاء الخشبة: أيهما أصدق في الدفاع عن الإنسان؟



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لعنةُ عيدِ الحُبّ
- نعيمة التي لم تعرف ميزانية الانفجار
- امرأة بلا اسم
- من ضفاف دجلة إلى ضفاف التيبر: حين عبرت الثقافة جسور الزمن
- العالَمُ حينَ يلبسُ قناعَه الأسود
- مرآة الخراب
- نوال خان… حين يعود الصوت إلى بغداد حاملاً ذاكرة الغربة ووجع ...
- بين سيادةٍ كانت تُرى في الظلّ، وفوضى تُدار في وضح النهار: تأ ...
- العراق: منارة الإعلام وصوت الأمة الذي لم يخفه أحد..قزم أمام ...
- من الحليب إلى البصل… كيف نُخرّج الخراب بعناية عراقية فائقة.
- من هندسة الانهيار إلى فلسفة الولادة الجديدة
- بين الدولة والوصاية… تأملات في لحظة الاختبار العراقي
- عندما تحكمنا الزواحف… ولا نملك شجاعة الاعتراف
- سادة الفشل المحترمون
- من سيبويه إلى سيب البويه: تطوّر اللغة من المعنى إلى المصلحة
- إيران بين طبول الحرب ومرايا الخديعة
- أقنعة العالم
- «أنا الذي نزف كي لا يكذب»
- خبزُ الانتظار… حين يُقايَض العمرُ بالسيولة
- خيانة ناعمة


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-حجم التحشيد العسكري الأمريكي قرب إيران-.. ما ...
- 28 قتيلًا في هجوم بالمسيرات بشمال كردفان.. والحكومة تُعلن اس ...
- ماذا حدث في مباراة الأهلي المصري والجيش الملكي المغربي؟
- وقوف مسؤولين عراقيين أمام وفد سعودي يثير غضبا في العراق والب ...
- معلم فرنسي سابق يُتهم بالاعتداء على قاصرين في قضايا عابرة لل ...
- -مول جيت سكي- سفيان أحيزون ينقذ سكان عالقين في فيضانات القصر ...
- قرار إسرائيلي ببدء عملية تسجيل أراض في الضفة الغربية المحتلة ...
- بعد أن حولتها الفيضانات إلى -مدينة أشباح-، القصر الكبير تستق ...
- شراكة على المحك.. مؤتمر ميونخ يكشف عمق الهوة بين واشنطن وأور ...
- -لماذا ينزلون بأمريكا فقط-؟.. ردود متباينة على -اعتراف- أوبا ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مرفوض… حين ينهض المسرح ليحاكم الصمت