أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامةُ حسنِ البيان.














المزيد.....

مقامةُ حسنِ البيان.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8615 - 2026 / 2 / 11 - 15:56
المحور: الادب والفن
    


مقامةُ حسنِ البيان :

حدّثنا شيخُنا الأغرُّ, أبو تمامٍ البيانِ , قال :أَزْمَنْتُ سَفْري وتنقالي , وجُلتُ في البلادِ أسألُ عن حِذْقِ المقالِ , وأَسْتَجْمِعُ ما تفرّقَ من حُسْنِ الخِلالِ , فبينما أنا ذاتَ يومٍ أَفْهَمُ وأَتَفَهَّمُ , وأَتَعَجَّبُ ممن يَتَكَلَّمُ ولا يَفْهَمُ , إذْ نَزَلْتُ مَكَّةَ أُمَّ القُرَى , وبَلَغَنِي ما قد جَرَى , من فجيعةٍ شَقَّتِ الحناجِرَ , وذرفتْ منها النَّواظرُ , إثرَ مقتلِ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ, رضي اللهُ عنه , بيدِ الحَجّاجِ بنِ يوسفَ الثقفيِّ , فارتَجَّتْ مَكّةُ بِأَوْلِيَائِها , وضَجَّتْ بِأَهْلِهَا ونُدَبَائِهَا , بينَ باكٍ يُعْوِلُ , ومُسْتَفْظِعٍ يَجْهَلُ , ولمّا سَمِعَ الحَجّاجُ ما لَبَسَ الناسَ مِنَ التَّشَاكِي , وأَنَّهُم لِبَيَانِ الحُجَّةِ تَرَكُوا التَّرَاكِي , أَمَرَ بالجُمُوعِ إلى المسجدِ , وصَعِدَ المِنْبَرَ صُعُودَ الصَّيْدِ المُتَوَدِّدِ , فحمِدَ اللهَ وأَثْنَى عليه , ثناءً لا يُرْضِي سوى خالقِه وبَارِيهِ , ثمّ أَطْرَقَ هُنَيْهَةً كَأَنَّهُ يَقْتَنِصُ بَيَانَهُ , ثُمَّ قالَ بِلِسَانٍ تُفْتَحُ لَهُ الآذَانُ : (( يا أهلَ مكةَ , بلَغَنِي بُكَاؤُكُمُ المُتَوَاصِلُ , واسْتِفْظَاعُكُم لِقَتْلِ ابنِ الزبيرِ وهو المُتَنَازِلُ , أَلَا وإِنَّ ابنَ الزُّبَيْرِ كانَ مِن أَحْبَارِ هَذِهِ الأُمَّةِ , حتّى رَغِبَ في الخِلافَةِ فَنَازَعَ أَهْلَهَا بِيُسْرٍ وَعُسْرٍ , وخَلَعَ طَاعَةَ اللهِ فاسْتَكَنَّ إِلَى حَرَمِ اللهِ , وهلْ شَيءٌ يَمْنَعُ القَضَاءَ , كَمَا يَمْنَعُ السَّمَاءَ الغِطَاءُ؟ ولوْ كانَ شَيءٌ يَمْنَعُ القَضَاءَ , لَمَنَعَتْ آدَمَ حُرْمَةُ الجَنَّةِ , إِذْ خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ ونَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ , وأَسْجَدَ لَهُ مَلائِكَتَهُ وأَبَاحَهُ جَنَّتَهُ , فَلَمَّا كَانَ مِنْهُ مَا كَانَ , أَخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ بِخَطِيئَتِهِ , كَيْلا يَنْسَى العَبْدُ مُصِيبَتَهُ , وآدَمُ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ, والجَنَّةُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الكَعْبَةِ , فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ , وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ )) .

قالَ الراوي : فسَمِعْتُ مَالِكَ بنَ دِينَارٍ يقولُ : (( ربما سمِعتُ الحجّاجَ يذكُرُ ما صُنِعَ بِهِ أهلُ العراقِ وما صُنِعَ بِهِم , فَوَقَعَ في نَفْسِي أَنَّهُم يَظْلِمُونَهُ لِبَيَانِهِ وحُسْنِ تَخَلُّصِهِ لِلْحُجَجِ , فالمَعْنَى بِحَاجَةٍ لِوِعَاءٍ جَمِيلٍ, أيقنتُ حينها أنَّ الصَّوَابَ قَرِينُ التَّثَبُّتِ والخطأَ شَرِيكُ العَجَلَةِ , فَقُلْتُ في نَفْسِي: لَقدْ قَابَلَ الحَجّاجُ العويلَ بِحُسْنِ التَّقْسِيمِ , كما قالَ تَبَارَكَ وتَعَالَى: (هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ), ورَمَى القَضَاءَ بِجِنَاسٍ تَامٍ كَجِنَاسِ قَوْلِهِ جَلَّ وعَلَا ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ) وهذا واللهِ هو التَّخَلُّصُ, ومفتاحُ القُلُوبِ لِمَنْ كانَ حَصْحَصَ , فَفِي مَقَامِهِ بَلَاغَةٌ , تُبَرِّئُ السَّاحَةَ , لَا لِأَنَّهُ حَقٌّ , بَلْ لِأَنَّ إِذا لَمْ يَنْقُصِ الْمَعْنَى بَيَانٌ فَسِيَّانِ الْبَلَاغَةُ وَالْقُصُورُ, حتّى تَظُنَّ أَنَّ غَضَبَ الْجَاهِلِ فِي قَوْلِهِ , وَغَضَبَ الْعَاقِلِ فِي فِعْلِهِ , وتَسْمَعُ لِجُنْدَلٍ الفَزَارِيِّ: ( فَتَىً كَانَ فِيهِ مَا يَسُرُّ صَدِيقَهُ عَلَى أَنَّ فِيهِ مَا يَسُوءُ الْأَعَادِيَا ) , وتُدْرِكُ أنَّ الحَجّاجَ كَانَ يَعْلَمُ أنَّ الْحَاكِمَ مِيزَانُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ , ولوْ بالبَيَانِ يُؤدِّي الفَرْضَ.

ولَقَدْ صَدَقَ ابنُ المقفَّعِ إذْ قِيلَ لَهُ أَلا تَقُولُ الشِّعْرَ؟ ( الَّذِي يَجِيئُنِي لَا أَرْضَاهُ , وَالَّذِي أَرْضَاهُ لَا يَجِيئُنِي) , فَتَبْصِرُ أنّ البَلاغَةَ صَنْعَةُ لُبٍّ , لاَ صَنعَةُ كَذِبٍ , يُخَافُ عَليها كَخَوْفِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ , حِينَ قِيلَ لَهُ : ( إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ فِيمَا تَقَلَّدْتَ, لَسْتُ أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تَخَافَ , وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكَ أَلَّا تَخَافَ ) , فَإِنَّ الْعَيَّ آَفَاتٌ مُقَدَّرَةٌ , ولِلبَلاغَةِ بَيَانٌ يَرُدُّها مُسْتَقَرَّةً , ولَنْ يَنْهَضَ الشَّعْبُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لَهُ مِنَ البَلاغَةِ تَعْبِيرٌ وإِنْشَاءُ , فهذهِ يا وَلَدِي مَقَامَةٌ تُلَخِّصُ مَقَامَاتِ القَوْلِ , وتَجْمَعُ شَتَاتَ الكَلامِ والطَّوْلِ , فـأَغْلِقْ أَبْوَابَ الشَّهَوَاتِ تَنْفَتِحْ لَكَ أَبْوَابُ البَيَانِ , فـلَا يَنْهَضُ الشَّعْبُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لَهُ مِنَ الْبَلَاغَةِ تَعْبِيرٌ وَإِنْشَاءُ .

وإلى هنا , يا بُنيَّ , يَنقَضِي القَولُ ويَتِمُّ البَيانُ , فَهَذِهِ يا فَتَى الدَّرسُ في حُجَجِ الخُصُومِ , وحِكَمُ التَّخَلُّصِ من الوَخِيمِ , فاجعَلْ طِبَاقَ الإيجابِ سَمْتَكَ , ولا تَنْسَ حُسنَ التَّقسِيمِ في كَلامِكَ وبَثَّكَ , واعْلَمْ أنَّ البَيانَ سُلطانٌ على القُلُوبِ , لا يَقْوَى على رَدِّهِ مَغلُوبٌ , فَإنْ جَمُلَتْ لُغَتُكَ , وزانَتْ حُجَّتُكَ , تَعَلَّمْتَ كَيْفَ تُخَلِّصُ الحَقَّ مِنَ البَاطِلِ , وتَرتَقِي إلى صُنَّاعِ المَقَاوِلِ , فَلَيسَ السَّيِّدُ مَن قالَ : (( أَنَا )) , بل مَن شَهِدَ لَهُ القَومُ بالعُلَى , فَاللهَ اللهَ في حُسْنِ البَيانِ , وجَمَالِ العِبارَةِ بلا نُقصَانِ , فَأَغْلِقْ أَبْوَابَ الشَّهَوَاتِ تَنْفَتِحْ لَكَ أَبْوَابُ الحِكمَةِ , واذْكُرْ أنَّ البَلاغَةَ مَنْزِلَةُ الأَكابِرِ, لا مَرْتَبَةُ الصَّغَائِرِ.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة التعابير: بين فظاظة الرفض ورقيّ الاعتذار.
- مقامة القطاة والوأد الممنهج : قراءة في وجع نجاح إبراهيم وتشر ...
- مقامة نقد النقد : الدهشة الثانية حين يولد السؤال من رحم الإب ...
- مقامة الكتاب الناجح : رؤية الأمل في زمن الصراع .
- مقامة وجه الرغيف .
- مقامةُ النوايا في زمن الغفلة .
- مقامة تأبين لليقظة... إهداء إلى صاحبة نعاس .
- مقامة الخيبة والحوار.
- مقامة رمح لا ينكسر: العراق من رماد التحديات إلى فيض الأمل .
- المقامة الموصليّة : زوروني في ذكرى المُلّا واللحن الشجيّ .
- المقامة الهيدرية : في ذمّ التبعية وتبديد الميزانية .
- مقامة القنفذ : سيكولوجية الوخز , لماذا لا يمنحنا قنافذ السيا ...
- مقامة اعتصار الضباب : تقاسيم لنص أنبعاث الطمى .
- مقامَةُ الظِّل .
- مقامة مقهى (أبو رقية) في بعقوبة : وقفةٌ مع الرسالة , وجولةٌ ...
- مقامة الزهيرية .
- مقامة الرقم سبعة .
- مقامة الورد .
- مقامة الخطاب العاطفي : سحر الوهم وخطر التخدير.
- مَقامَةُ التَّرَادُفِ : بَيْنَ غِنى اللُّغَةِ وَطَعْنِ الزَّ ...


المزيد.....




- احتجاجات في مدن مغربية رفضاً لرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي م ...
- من وراء الشاشات إلى المتاحف.. كيف تخطط عصابات الجريمة لسرقة ...
- موسيقي روسي: زوار روسيا يكتشفون حقيقة مختلفة بعيدا عن الصور ...
- -رسائل ممنوعة-.. رواية سعيد أبو غزة عن الحب في وجه الموت وال ...
- تردد قناة بطوط كيدز الجديد 2026 على النايل سات لمتابعة أجمل ...
- كيف حوّلت فنانة سورية عمارة دمشق القديمة إلى أزياء رقمية؟
- خبيرة روسية تسلط الضوء على جهود صون التراث الثقافي غير الماد ...
- استمرار ترميم أكثر من 500 موقع تراثي في موسكو ضمن أكبر برنام ...
- تايلور سويفت تتربع على عرش جوائز -إم تي في- برقم قياسي جديد ...
- -صفوف الغيتو-.. دورات اللغة تتحول إلى فخ لرسوب أبناء المهاجر ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامةُ حسنِ البيان.