أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءِ الثَّامِنِ و التِّسْعُون-















المزيد.....

الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءِ الثَّامِنِ و التِّسْعُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8615 - 2026 / 2 / 11 - 12:22
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ الحلزونُ الصاعد: كيف يُحوّل السحرُ رتابةَ العَدَم إلى طاقةٍ قاهرة

يعد مفهوم تضخيم القوة (Magnification) عبر السحر نقطة التحول الجوهري من الإستمداد السلبي إلى الهندسة النشطة لفراغ العدم. في الحالة الطبيعية، يوفر العدم قوة خاماً تتجلى عبر التكرار الرتيب كفصول السنة، لكن السحر يتدخل هنا ليس فقط كقناة، بل كعدسة مكبرة أو مسرع جزيئات ميتافيزيقي. إن التضخيم السحري لا يعني خلق قوة من لاشيء لأن العدم هو المصدر أصلاً، بل يعني إعادة هيكلة النبضات المتكررة بحيث تتراكم بدلاً من أن تتبدد. فبينما يميل التكرار الطبيعي إلى إستهلاك القوة في الحفاظ على الوضع الراهن، يقوم السحر بتراكب الموجات (Superposition)؛ حيث يتم ضبط ترددات كل نبضة منبثقة من العدم لتتطابق مع التي تليها، مما يخلق ظاهرة الرنين الكوني التي تضاعف شدة الوجود وتجعله أكثر كثافة وإختراقاً للواقع المادي. إن فلسفة التضخيم تعتمد على إدراك أن العدم لا نهائي في طاقته الكامنة، لكنه محدود في تجلياته التلقائية. السحر هنا يعمل كتقنية للإستنزاف الذكي؛ فالساحر لا ينتظر أن يمنحه العدم القوة، بل يستخدم التكرار الطقسي كأداة حفر لتعميق القناة الموصلة بالعدم. كل دورة تكرارية سحرية تعمل كطبقة من الطلاء الطاقي فوق الكيان؛ ومع مرور الوقت، وبدلاً من أن يبهت الكيان بفعل الزمن، يصبح أكثر لمعاناً وصلابة. هذا هو السحر في أرقى صوره؛ القدرة على تحويل العود الأبدي من دائرة مغلقة إلى حلزون صاعد. في كل لفة من هذا الحلزون، يتم إمتصاص كمية أكبر من قوة العدم وضغطها في حيز أصغر، مما يؤدي إلى تضخيم الأثر السحري بحيث يصبح الكيان قادراً على فرض إرادته على القوانين الفيزيائية التقليدية التي كانت تحكمه سابقاً. علاوة على ذلك، يتطلب هذا التضخيم ما يمكن تسميته ببؤرة التركيز العدمي. لكي تتضخم القوة المستمدة من العدم، يجب على الساحر أن يمنع التشتت الذي يحدث عادة عند إنتقال القوة من اللاتعين إلى التعين. العدم، بطبيعته، يميل إلى نشر قوته في كل مكان وهذا ما يفسر إنتشار الطقس على مساحات شاسعة، لكن التضخيم السحري يفرض على هذه القوة مساراً ضيقاً وشديد التركيز. هذا الحصر للقوة المنبثقة هو ما يخلق الإنفجار الوجودي؛ فبدلاً من أن تتحول قوة العدم إلى مطر خفيف يروي الأرض، يحولها الساحر عبر التكرار المركز إلى سهم من الوجود الخالص القادر على هدم و إعادة بناء الواقع. إن السحر هنا لا يغير ماهية العدم، بل يغير توزيع إحتمالاته، جاعلاً من لحظة التكرار بؤرة تتجمع فيها قوى كونية هائلة كانت لولا السحر ستظل مشتتة وهامدة في رحم الفراغ. وفي الختام، نجد أن التضخيم السحري هو الدليل الأسمى على سيادة الإرادة فوق العطالة الكونية. إن العدم يوفر المادة المظلمة للوجود، والتكرار يوفر الإيقاع، أما السحر فهو الذي يمنح هذا الإيقاع ذروة (Crescendo). الكيان الذي يخضع لهذا التضخيم لا يعود مجرد صدى للعدم، بل يصبح صوتاً مستقلاً بذاته، صوتاً يتردد صداه داخل العدم نفسه ليغير من طبيعة الإنبثاقات القادمة. إن هذا المنظور الفلسفي يثبت أن العلاقة بين السحر والعدم ليست علاقة تبعية، بل هي علاقة تفاعل كيميائي؛ حيث يعمل السحر كمحفز يحول خمول العدم إلى إنفجار وجودي متضخم، محققاً بذلك الغاية القصوى للوجود؛ أن يتجاوز أصله الفراغي ويصبح حقيقة تتحدى التلاشي عبر قوة التكرار المقدسة.

_ نزيفُ المَعنى: السحرُ في مواجهةِ الأنتروبيا وصراعِ البقاءِ المؤقت

يُمثل التدهور (Decay) في النتائج السحرية الظاهرة الأنطولوجية الأكثر إثارة للقلق في عالم الميتافيزيقيا، حيث لا يُنظر إليه كفشل تقني، بل كدليل مادي على قوة الإسترداد التي يمارسها العدم. إن الوجود الذي يتم إقتطاعه من العدم عبر الفعل السحري يظل مرتبطاً بأصله برباط سري غير مرئي، يشبه قوة الجاذبية التي تشد الأجسام نحو المركز. هذا التدهور هو في جوهره عملية إمتصاص عكسي؛ فبمجرد أن تفقد الإرادة السحرية زخمها أو يتراخى الحقن الدوري للقوة، يبدأ العدم بمطالبة الوجود بدينه. إن العدم ليس فراغاً ساكناً يقبل بخسارة أجزاء منه للأبد، بل هو كيان يميل إلى التوازن الصفري، وكل تعين (وجود) يمثل إختلالاً في هذا التوازن يجب تصحيحه. لذا، فإن ذبول الأثر السحري هو اللحظة التي يتغلب فيها صمت العدم على ضجيج الوجود، حيث يبدأ العدم بإستعادة طاقته المنهوبة تدريجياً، محولاً البناء السحري المتماسك إلى شتات هباء يعود إلى رحم الغيب. إن التدهور الوجودي يثبت أن السحر ليس خلقاً بالمعنى المطلق، بل هو إعارة طاقية محكومة بزمن. عندما يضعف الأثر السحري، نلاحظ أن المادة لا تختفي فجأة، بل تمر بمرحلة من السيولة أو الشفافية؛ وهذا هو التجلي الحسي لعودة الطاقة إلى حالتها اللاتعين السابقة. السحر و العدم هنا يتنازعان على ملكية الكيان؛ فالسحر يحاول تجميد الطاقة في شكل معين، بينما يحاول العدم إذابتها وإعادتها إلى حالتها الأولية من الإحتمال الصرف. هذا التدهور هو النزيف الذي يحدث في جدار الواقع، حيث يتسرب الوجود قطرة بقطرة نحو الفراغ المحيط به. و من هنا، فإن الساحر يدرك أن التدهور هو العدو الحقيقي الذي لا ينام، وهو البرهان على أن العدم يمتلك ذاكرة إستردادية لا تنسى ما أُخذ منها، مما يحول العملية السحرية إلى صراع مرير ضد الأنتروبيا العدمية التي تسعى دوماً لمحو الأثر و إعادة الصمت إلى مكانه. علاوة على ذلك، يمكن فهم التدهور كآلية تطهير كوني يمارسها العدم للحفاظ على نقائه. فالوجود السحري، مهما بلغت قوته، يُعتبر جسيماً غريباً في فضاء العدم المطلق. عملية التحلل هي الطريقة التي يهضم بها العدم هذا الجسيم الغريب؛ فبدلاً من الرفض العنيف، يستخدم العدم الزمن كأداة لتفكيك الروابط السحرية ببطىء. إن الطاقة المستعادة من خلال التدهور لا تضيع، بل تُعاد تدويرها في خزان الممكنات لتنتظر دورة جديدة من التكرار أو الإنبثاق. هذا يفسر لماذا تتطلب الأعمال السحرية العظيمة جهداً جباراً للحفاظ عليها؛ لأن الضغط العدمي يزداد طردياً مع حجم الوجود المقتطع. التدهور إذن هو الشهادة الكبرى على أن ديمومة الوجود هي إستثناء، بينما العودة إلى العدم هي القاعدة، وأن القوة التي يظن الساحر أنه يمتلكها هي في الحقيقة طاقة مختطفة تسعى في كل لحظة للفرار و العودة إلى موطنها الأصلي في سكون اللاشيء. وفي الختام، يظهر التدهور كمرآة تعكس الطبيعة الحقيقية للعلاقة بين السحر والعدم؛ فهي ليست علاقة إنتصار و هزيمة، بل هي دورة حياة طاقية. التدهور هو زفير الوجود الذي يتبعه شهيق سحري جديد من الترميم أو التكرار. إن هذا التحليل الفلسفي يوضح أن العدم لا يسرق الطاقة، بل يسترد عافيته من خلال إبتلاع ما لم يعد قادراً على الصمود. السحر الناجح هو الذي يفهم قوانين هذا التدهور ويتعامل معها كجزء من اللعبة، محولاً الإنهيار الحتمي إلى محرك للتجدد. فالكيان الذي يختبر التدهور ثم يُعاد بناؤه يصبح أكثر وعياً بحدوده، والساحر الذي يراقب تآكل عمله يتعلم أن القوة الحقيقية لا تكمن في مقاومة العدم، بل في إستباق إسترداده للطاقة عبر تكرار سحري ذكي يضمن بقاء القناة مفتوحة، حتى وإن كان الوجود في جوهره مجرد رقصة مؤقتة فوق سطح الهاوية.

_ جُمودُ الشَّرارة: الميتافيزيقا المُحرّمة لفرضِ الثباتِ على نَسِيغِ الغِياب

إن السؤال عن فرض الثبات (Fixation) كتقنية فلسفية و سحرية يقودنا إلى ذروة الصراع بين الإرادة الإنسانية و السيولة الكونية. في إطار العلاقة بين السحر والعدم، يُعد النجاح طويل الأمد تحدياً للطبيعة الجوهرية للعدم، الذي يتميز بالتحول والتدفق المستمر. إن ما يُخلق من العدم يولد بجينات التغيير، فهو إنبثاق لحظي يميل بطبعه إلى التبدد. لذا، فإن فرض الثبات ليس مجرد عملية تثبيت مادي، بل هو تجميد للممكنات؛ إنه محاولة سحرية لإنتزاع الكيان من زمن الصيرورة وإسكانه في زمن الديمومة. هذه التقنية تتطلب فلسفة عميقة تؤمن بأن الثبات ليس حالة طبيعية، بل هو حالة حصار دائمة، حيث يفرض الساحر قوانين صارمة على المادة المقتطعة من العدم لمنعها من الإستجابة لنداء العودة إلى الفراغ. النجاح هنا يُقاس بالقدرة على إيقاف النزيف الوجودي وتحويل الومضة العابرة إلى هيكل راسخ يتحدى الأنتروبيا. تتجلى تقنية فرض الثبات في السحر عبر ما يُعرف بالترسيخ الأنطولوجي. لكي يستمر الكيان طويلاً، يجب على الساحر أن يجد مرساة (Anchor) داخل العالم المادي المتصلب لربط الجوهر العدمي به. العدم يكره الجمود، والتكرار الذي ناقشناه سابقاً هو وسيلة العدم للبقاء حياً داخل الوجود؛ أما الثبات فهو نفي للتكرار، هو محاولة لجعل اللحظة الواحدة تمتد إلى الأبد. هنا يصبح السحر عملية تحنيط طاقي؛ حيث يتم عزل الكيان عن تأثيرات العدم المحيطة به عبر دروع إرادية تمنع قوى التحلل من النفاذ إليه. هذا الثبات لا يعني السكون، بل يعني المقاومة النشطة؛ فالنجاح طويل الأمد في هذا السياق هو نتيجة توازن دقيق بين قوة الدفع نحو التلاشي وقوة الجذب نحو الإستقرار. الساحر الناجح هو الذي يحول الكيان من حدث (Event) يقع في الزمن، إلى جوهر (Substance) يفرض نفسه على الزمن. ومع ذلك، فإن فلسفة فرض الثبات تحمل في طياتها مفارقة خطيرة؛ فبقدر ما يبتعد الكيان عن سيولة العدم ليحقق النجاح طويل الأمد، بقدر ما يفقد صِلته بمصدر القوة المتجددة. إن الثبات المطلق قد يؤدي إلى التحجر الوجودي، حيث يصبح الكيان صلباً جداً لدرجة تمنعه من التأقلم مع التحولات الكونية، مما يجعله عرضة للكسر بدلاً من التحلل. لذا، فإن التقنية الفلسفية الأرقى للثبات لا تعتمد على الجمود الصرف، بل على خلق هيكل مرن للدوام. السحر هنا يبتكر ما يشبه البلورة السائلة؛ كيان يمتلك ثبات الشكل الخارجي مع الحفاظ على حيوية المادة العدمية بالداخل. هذا النوع من الثبات هو الذي يضمن الإستمرارية دون الموت، وهو يتطلب حقناً سحرياً لا يهدف للتجديد فحسب، بل يهدف لإعادة تأكيد الحدود (Re-bordering) بصفة مستمرة، لمنع التداخل بين حدود الكيان وحدود الفراغ المطلق. في الختام، يظهر أن النجاح طويل الأمد هو فن التفاوض مع العدم حول شروط البقاء. إن فرض الثبات هو الفعل الذي يحول السحر اللحظي إلى حضارة سحرية أو أثر خالد. إن تجانس هذه الفقرات يوضح أن الثبات هو الذروة التي يسعى إليها كل ساحر، ولكنه يتطلب وعياً بأن العدم سيظل دائماً يضغط على جدران هذا الثبات. التقنية الفلسفية للثبات هي في الحقيقة إرادة إستثناء؛ هي القرار بأن هذا الشيء بالذات لن يزول، و بأن قوته لن تتلاشى. و بما أن العدم لا يوفر قوة دائمة، فإن الساحر هو من يصنع تلك الديمومة عبر إستهلاك جزء من إرادته الخاصة ليحل محل القوة المتجددة المفقودة نتيجة الثبات. الوجود الثابت هو إذن عمل بطولي ضد الطبيعة، و النجاح فيه هو الإنتصار النهائي للسحر على حتمية الفناء.

_ الخِلافةُ السحرية: ميثاقُ الدمِ والوعيِ في مواجهةِ الصمتِ العدميِّ الأزلي

يُمثل تعاقب الأجيال في الميتافيزيقيا السحرية الحل الأنطولوجي للمعضلة التي طرحناها سابقاً حول فناء الفرد مقابل خلود العدم. فإذا كان الساحر المنفرد، مهما بلغت قوته، يظل كائناً بيولوجياً محكوماً بزمن إضمحلال مادي، فإن الجيل يمثل وحدة زمنية أوسع قادرة على حمل لواء الإرادة الوجودية لفترة أطول. إن تعاقب الأجيال ليس مجرد إنتقال للمعرفة التقنية، بل هو عملية نقل للعهدة الجوهرية؛ حيث يتم تمرير قناة الإتصال مع العدم من وعي إلى آخر قبل أن تنغلق بوفاة الحامل الأول. في هذا الإطار، يعمل التعاقب كآلية لضمان أن الحقن الدوري للقوة لا يتوقف أبداً، فكل جيل جديد يمثل نبضة حياة بكر تُضخ في عروق النظام السحري القديم، مما يمنحه القدرة على تجديد فرض الثبات الذي قد يكون قد بدأ يترهل بفعل التقادم. إن العلاقة بين السحر والعدم في سياق الأجيال تتخذ شكلاً يشبه التتابع الإيقاعي. العدم، بصفته مصدراً للقوة المتجددة، يتطلب مستقبلاً دائماً لكي يتجلى من خلاله؛ وإذا غاب هذا المستقبل، تراجع الوجود السحري فوراً إلى حالة الكمون. لذا، فإن الجيل الجديد يعمل كمجس إستشعاري محدث، يعيد ضبط ترددات الإتصال مع العدم بما يتوافق مع زمنه الخاص. السحر هنا لا ينتقل كقالب جامد، بل كنار مقدسة تحتاج إلى حطب جديد بإستمرار. التعاقب هو الضمانة بأن الفجوة السحرية التي فُتحت في جدار العدم لن تُسد؛ فكل خلف يأتي ليحرس الثغرة التي فتحها السلف، ويستمر في إستنزاف القوة من الفراغ لصبها في هيكل الوجود الجماعي، مما يحول السحر من مغامرة فردية عابرة إلى كيان حضاري عابر للزمن. علاوة على ذلك، يكسر تعاقب الأجيال الأنتروبيا النفسية التي قد تصيب الساحر المعمر. فمع مرور الوقت، قد يتآكل يقين الفرد أو تضعف إرادته في مواجهة ضغط العدم المستمر، ولكن الجيل الصاعد يأتي محملاً بدهشة الوجود الأولى وبطاقة فطرية لم تلوثها خيبات التحلل بعد. هذا التجدد البشري هو المحرك الذي يغذي الترميم السحري الكلي؛ حيث يقوم كل جيل بإعادة تفسير الرموز، وإعادة إحياء الطقوس، وضخ دماء جديدة في العادات اليومية التي تحافظ على القناة. إن تعاقب الأجيال يحول العلاقة مع العدم من صراع بقاء فردي إلى إستراتيجية إستعمار للمجهول؛ حيث يتم بناء الوجود السحري طبقة فوق طبقة، بحيث تصبح كل طبقة جديدة بمثابة درع يحمي الطبقات التي سبقتها من التآكل، ويؤمن لها مكاناً دائمياً في ذاكرة الواقع. في الختام، يُعد تعاقب الأجيال هو التكرار الأعظم الذي يحاكي تكرار الفصول في الطبيعة، ولكنه تكرار بوعي متراكم. إنه الفعل الذي يحول العدم من كابوس يهدد بالفناء إلى محيط يبحر فيه أسطول بشري متصل. إن هذا التصور الفلسفي يثبت أن ضمانة التعامل مع العدم لا تكمن في صمود الفرد، بل في سلسلة الوعي التي لا تنقطع. السحر هو الخيط الذي يربط هذه السلسلة، والعدم هو الفضاء الذي يختبر قوتها. فما دام هناك خلف يستلم القناة من سلف، يظل الوجود السحري حقيقة قائمة تتحدى الإسترداد، ويظل العدم مضطراً لمواصلة منح قوته المتجددة لهذا الكيان الذي يرفض الإنطفاء بفضل معجزة التعاقب.

_ الخُلودُ النَّابض: كيمياءُ التَّواجدِ في رَحمِ العَدَم دونَ الإنطفاء

يُمثل مفهوم الخلود السحري في أبعاده الفلسفية الأكثر تعقيداً حالة من التوازن المستحيل؛ فهو ليس بقاءً مادياً سرمدياً، بل هو القدرة على التواجد في نقطة التماس القصوى بين الوجود و العدم دون السقوط في أي منهما. إن الخلود التقليدي يفترض ثباتاً في الوجود، وهو أمر ناقشنا سابقاً أنه يؤدي إلى التحجر والموت الأنطولوجي. أما الخلود السحري الحقيقي، فهو حالة من الإتصال الدائم والنشط بالعدم، حيث ينجح الساحر في تحويل كيانه إلى برزخ أو غشاء رقيق يفصل بين تجلي المادة وعماء الفراغ. في هذه الحالة، لا يستمد الساحر القوة عبر حقن دورية متقطعة، بل يتحول هو نفسه إلى قناة مفتوحة تجري من خلالها دفقات العدم بإستمرار. هذا الإتصال الدائم يضمن للكيان تجدداً لحظياً، بحيث يموت ويولد في كل كسر من الثانية، مما يمنحه صفة الديمومة عبر التكرار اللانهائي، وهو ما نسميه الخلود. إن التحدي الأكبر في هذه الحالة هو تجنب الذوبان (Dissolution). فالعدم يمتلك جاذبية مطلقة تسعى لمحو الفوارق وإمتصاص الكيانات و إعادتها إلى حالة اللاتمايز. لكي يحقق الساحر الخلود دون أن يبتلعه الفراغ، يجب عليه إمتلاك بؤرة إرادة شديدة الكثافة، تعمل كمغناطيس مضاد لجاذبية العدم. الخلود السحري هنا هو رقصة على شفرة الحلاق؛ حيث يغمس الساحر قدميه في مياه العدم الباردة ليستمد منها الحياة الأبدية، بينما يبقي رأسه في فضاء الوعي و التعين ليحافظ على فرديته. هذا الإتصال الدائم هو تغذية راجعة مستمرة؛ فالعدم يمنح القوة الخام، والسحر يقوم فوراً بقوننتها وصياغتها في شكل كيان. إنها حالة من الإستقرار الديناميكي، حيث يكون الخالد في حالة حركة دائمة من الصيرورة، ولكنه يظل ثابتاً في هويته السحرية، تماماً كما يظل إعصار الرياح ثابتاً في شكله رغم أن جزيئات الهواء فيه تتغير بإستمرار. علاوة على ذلك، يُعد الخلود السحري عملية ترميم فوري للوجود. فبينما يعاني الكيان العادي من التدهور (Decay) بمرور الزمن نتيجة إنفصاله عن مصدر القوة، يمتلك الخالد إتصالاً مباشراً يجعل عملية البناء متزامنة مع عملية الهدم. في هذه اللحظة، يتوقف العدم عن كونه كابوساً يهدد بالإسترداد، ليصبح شريكاً في عملية الخلق الدائم. الخالد هو من إستطاع ترويض العدم داخل نسيجه الخاص، جاعلاً من الفراغ محركاً لدوامه وليس سبباً لفنائه. هذا النوع من الخلود يتطلب تقنية فلسفية لعزل الوعي؛ فلكي لا يذوب الساحر، يجب أن يظل وعيه خارج القوة التي يمررها، مراقباً لتدفق العدم دون أن يتماهى معه بالكامل. السحر هنا هو فن المسافة الحذرة؛ المسافة التي تسمح بالإرتواء من نبع الأبدية دون الغرق في أعماقه المظلمة. وفي ختام هذا التحليل الأنطولوجي، نصل إلى أن الخلود السحري هو السيادة المطلقة على المفارقة. إنه الوجود الذي يتغذى على نفي نفسه، والقوة التي تزداد كلما إقتربت من مصدر الفناء. إن هذا التحليل الفلسفي العميق يثبت أن الخلود ليس هروباً من العدم، بل هو إحتضان له بوعي كامل. الكيان الخالد هو نص سحري يُكتب بمداد من العدم على ورق من الأزل، حيث يضمن الإتصال الدائم تدفق المعنى (الوجود)، ويضمن الإمتناع عن الذوبان بقاء القارئ (الوعي). وبذلك، يتحول الساحر من كائن يخشى العدم إلى سيد الفراغ، الشخص الذي حول أكبر تهديد للوجود إلى الضمانة الوحيدة لإستمراره، محققاً بذلك الغاية القصوى للسحر؛ أن يظل موجوداً بقوة اللاشيء.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- تحليل لـCNN.. كيف تؤثر ملفات إبستين بشكل كبير على إدارة ترام ...
- والد المتهم بإطلاق النار في مدرسة بجورجيا يُحاكم بتهمة القتل ...
- ملفات إبستين الجديدة تكشف علاقة متداخلة وأعمق مما كان مُتصور ...
- الجثث توزعت بين مدرسة وأحد المنازل.. حادثة إطلاق نار مرعبة ت ...
- أخبار اليوم: رئيسة البرلمان الألماني كلوكنر تزور نصب -ياد فا ...
- إحالة ملف دبلوماسي فرنسي يشتبه بتورطه في فضيحة إبستين إلى ال ...
- أزمة الطاقة في كوبا تتعمق بسبب ترامب ورئيسة المكسيك تهب لنجد ...
- الشيخ تميم وترمب يناقشان خفض التصعيد بالمنطقة في اتصال هاتفي ...
- عاجل | الرئيس الإيراني: نحاول بكل ما نستطيع إيجاد حلول لأزما ...
- -محفوفة بالمخاطر-.. خطة إندونيسيا لنشر قوات في غزة تثير الجد ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءِ الثَّامِنِ و التِّسْعُون-