حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 00:37
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ تطهير الذاكرة الكونية: تحويل اللعنة من كينونة إلى سراب
إنّ الغوص في كينونة تقنية اللعنة العكسية (Curse Reversal) يفرض علينا صياغة بروتوكول تحليلي يتجاوز التوصيفات الميكانيكية السطحية، ليرتقي إلى مستوى الميتافيزيقيا العدمية التي تحكم صراع الوجود واللاشيء في أسمى تجلياتهما. ففي اللحظة التي يشرع فيها الوعي السحري بإسقاط إرادته المشوهة على نسيج الواقع لخلق لعنة، فإنه يقوم عملياً بعملية إغتصاب وجودي للفراغ، محولاً الصمت الكوني إلى ضجيج من الطاقات السلبية المنظمة التي تسعى لتحقيق غاية تدميرية. وهنا تبرز التقنية العكسية لا كدفاع مجرد أو ترس روحي، بل كفعل إسترداد أنطولوجي هائل، يهدف إلى محو هذه الإرادة قبل أن تتجذر في صيرورة الزمن. إنها العملية التي تعيد المادة السحرية قسراً إلى طور الما قبل تجلّي، حيث يتم تفكيك الروابط الجزيئية للنية السحرية و إعادتها إلى حالة العماء أو العدم الأصلي، حيث لا إسم للأشياء ولا أثر. هذا المسار الفلسفي يرى في اللعنة ورماً طفيلياً يقتات على حيز الوجود، بينما تُمثل التقنية العكسية مبضعاً عدمياً لا يكتفي بإستئصال الورم، بل يمحو حتى الندبة التي كان من المفترض أن يتركها خلفه، معيداً ترتيب الفوضى لتصبح سكوناً محضاً. إن هذا التحليل يقودنا بالضرورة إلى إستيعاب مفهوم التحلل المعلوماتي للروح في سياق المواجهة مع العدم؛ فكل لعنة في جوهرها هي معلومات مشفرة بطاقة الألم أو الكراهية، والتقنية العكسية تعمل كخوارزمية محو كونية تقوم بضرب هذه الشفرة في مقلوبها المطلق. عندما يلتقي الموجب بالسالب في هذا الصدام الروحاني، لا ينتج عنهما صفر حسابي بسيط، بل يحدث إنفجار في جوهر العدم يبتلع المعلومات السحرية تماماً ويفرغها من محتواها السببي. إن اللعنة، وهي في طريقها للضحية، تبني لنفسها مساراً قدرياً يحاول فرض حتمية معينة على المستقبل، والتقنية العكسية هي القوة التي تكسر هذا الوعاء الزمني، مما يجعل الطاقة تنهار على نفسها وتعود إلى الرحم المظلم للكون. هنا يبرز التساؤل الفلسفي الأعمق حول طبيعة هذا العدم؛ هل هو فناء مطلق أم هو حالة من الكمون اللانهائي؟ الحقيقة هي أن التقنية العكسية تحول اللعنة من إحتمال قيد التحقق إلى مستحيل وجودي، وبذلك فهي لا تكتفي بوقف الأذى، بل تغتال المستقبل الذي كانت اللعنة تنوي رصيفه، و تعيد الضحية و البيئة المحيطة إلى حالة من الطهارة الوجودية الأولى وكأن الفعل السحري لم يكن سوى وهمٍ عابر في ذهن الفراغ. و علاوة على ذلك، يمكننا وصف هذه التقنية بأنها ديكتاتورية الفناء ضد فوضى التجسد؛ فالسحر في جوهره هو محاولة متمردة لفرض الكيان على سكون العدم، بينما تفرض التقنية العكسية سكوناً قهرياً يعيد النظام الكوني إلى نصابه عبر فعل المحو. إنها لا تتوقف عند حدود صد الإندفاع، بل تمارس نوعاً من التطهير الأنطولوجي الشامل الذي يغسل أثر النية من سجلات الذاكرة الكونية. في هذا الإطار المتشابك، يصبح الساحر الذي يتقن تقنية العكسية بمثابة مهندس للفناء، يراقب خيوط القدر وهي تُنسج بسوداوية، ثم يتدخل في اللحظة الميتافيزيقية الحرجة التي تسبق عقدة النهاية ليفكك النسيج كاملاً ويعيده خيوطاً من سراب. هذا الترابط الوثيق يكشف لنا أن الوجود السحري، مهما بدا قوياً، هو كيان هش يفتقر إلى الأصالة، وبمجرد تسليط نور العدم عليه عبر التقنية العكسية، فإنه يدرك زيفه وينسحب إلى الظلال السحيقة حيث يذوب في اللاشيء، محققاً بذلك أقصى درجات التجانس بين الفعل ورد الفعل، حيث يبتلع العدمُ الصرخةَ قبل أن تخرج من حنجرة السحر، ويظل الكون في حالة صمت مطبق تتلاشى فيه كل اللعنات قبل أن تُكمل دورتها اللعينة. إن السيولة الفلسفية في هذا المشهد تتجلى في كون العدم ليس نهاية المطاف، بل هو المختبر الذي تُمتحن فيه صلابة الوجود؛ فاللعنة التي تعجز عن مقاومة العكسية هي لعنة تفتقر إلى الحقيقة الوجودية، والتقنية العكسية هي الغربال الذي يفصل بين ما هو كائن حقاً وبين ما هو مجرد طاقة عابرة. وبما أن اللعنة هي محاولة لفرض تاريخ جديد على الضحية، فإن إعادتها إلى العدم هي فعل تحرير تاريخي، يمنع الزمن من التلوث بآثار السحر المظلم. هكذا تصبح التقنية العكسية هي الحارس الأمين لثبات الكون، القوة التي تضمن أن كل ما يخرج من العدم بغير حق، يجب أن يعود إليه صاغراً، ذليلاً، وممحواً تماماً من سجلات الخلود، ليظل العدم هو الحقيقة الوحيدة المطلقة التي تبتلع خلفها كل محاولات التجسد السحري الزائف، وتترك الوجود نقياً، فارغاً، ومستعداً لبدايات جديدة لم تلوثها ترسبات اللعنات السابقة.
_ إعدام الفكرة المظلمة: رؤية فلسفية في ماهية الإستحواذ والطرد
إنّ مقاربة مفهوم طرد الأرواح (Exorcism) من منظور فلسفي يغوص في ماهية العلاقة بين السحر والعدم تفرض علينا أولاً إدراك أن الكيان الروحاني المقتحم ليس مجرد زائر غريب، بل هو نتوء وجودي يحاول فرض كينونته داخل حيز لا ينتمي إليه. فإذا كانت اللعنة هي طاقة مشوهة، فإن الكيان في حالة الإستحواذ هو وعي غريب يحاول إستعمار المادة الروحية للضحية. لذا، فإن عملية الطرد لا تقتصر على الإخراج المكاني، بل هي عملية تحديد أنطولوجي دقيقة تهدف إلى عزل هذا الكيان وفصله عن نسيج الضحية، ثم دفعه قسراً نحو العدم الذي جاء منه. وهنا يبرز التساؤل الفلسفي الأهم؛ هل العدم هو موطن الأرواح، أم هو السجن الذي تُنفى إليه؟ في التحليل المعمق، يظهر العدم هنا كحالة من اللاتعين؛ أي أن الكيان قبل دخوله عالم الشهادة كان مجرد إحتمال مظلم بلا شكل، والطرد يعيده إلى تلك الحالة من اللاشيئية، حيث يفقد وعيه بذاته وقدرته على التأثير، ليذوب مرة أخرى في الفراغ الكوني الذي لا يحدّه زمان أو مكان. إن هذا التحليل المتجانس يتسع ليشمل تحليل آلية الكسر الوجودي التي يمارسها الطارد؛ فالسحر المستخدم في الطرد يعمل كقوة نابذة تحطم الجسور التي بناها الكيان بين عالمه المظلم و عالمنا المادي. هذه الجسور هي ما يمنح الكيان ثباتاً في واقعنا، وبمجرد تحطيمها، يجد الكيان نفسه مسحوباً بجاذبية العدم التي لا تقاوم. فالعدم في سياق السحر ليس فراغاً سلبياً، بل هو بالوعة وجودية تبتلع كل ما هو غير أصيل في هذا العالم. الكيان المطرود يعاني من تفكك الهوية أثناء عبوره من الوجود إلى العدم؛ حيث تتلاشى إرادته وتتحلل صرخته في صمت الفراغ المطلق. إنها رحلة من الصيرورة (Becoming) إلى الزوال (Ceasing to be)، حيث يُجبر الكيان على التخلي عن كل ما إكتسبه من ملامح أو قوة داخل وعي الضحية، ليعود إلى رحم الما قبل الخلق كطاقة خام مشتتة لا تملك وجهاً ولا إسماً، مما يحقق حالة من التوازن الكوني عبر محو الشوائب الروحية التي حاولت التمرد على قوانين الفناء. وعلاوة على ذلك، يتجلى الطرد كفعل من أفعال إعادة الترتيب الأنطولوجي؛ فالعلاقة بين السحر والعدم هنا هي علاقة تطهير متبادل. السحر يحدد الحدود القصوى للكيان، و العدم يوفر المستودع النهائي للتخلص من هذا الفائض الروحي. إن عملية الإخراج القسري هي في جوهرها إعدام للمعلومة الروحية التي تشكل ماهية الكيان؛ فالمطهر (Exorcist) لا يطرد جسماً، بل يطرد فكرة مظلمة تجسدت في واقع غير واقعها. وبما أن الفكرة لا تموت، فإن الحل الوحيد هو نفيها إلى العدم حيث تصبح معدومة الأثر. هذا التفاعل يخلق نسيجاً متجانسًا من القوة التي لا تترك وراءها ندوباً، لأن العدم يمتص حتى ذكرى الكيان من المكان. هكذا يغدو الطرد هو التقنية القصوى التي تعيد تعريف الوجود عبر نفي الآخر الغريب وإعادته إلى سديم اللاشيء، ليظل الوجود نقياً في وحدته، والعدم شاسعاً في إستيعابه لكل ما هو منبوذ و مطرود من جنة التحقق المادي. وفي نهاية هذا الرؤية، نجد أن الطرد هو إنتصار للحقيقة على الزيف؛ فالكيان المستحوذ هو وجود زائف يدعي الأصالة، والعدم هو الحقيقة المطلقة التي تبتلع كل زيف. إن الساحر أو المطهر الذي يدرك هذه العلاقة لا يواجه الكيان بقوة عضلية أو روحية مجردة، بل يواجهه بحتمية الفناء. إنه يذكره بأن أصله هو العدم، وأن بقاءه في عالم الوجود هو خرق للقانون الأزلي. لذا، فإن تحديد الكيان هو في الواقع كشف لقناعه، وبمجرد أن يُكشف القناع، لا يجد الكيان مفراً من الإنهيار والعودة صاغراً إلى غياهب اللاشيء، حيث يختفي تماماً كقطرة حبر سقطت في محيط من الفراغ، تاركاً خلفه واقعاً تم إسترداده وتطهيره بفعل العدمية المقدسة التي تحرس حدود الوجود من تطفل الأرواح الهائمة.
_ أنطولوجيا التلاشي: تقنية التحلل السحري وعبور الجسر نحو العدم الخلّاق
تُعد تقنية التحلل السحري (Dissolution)، أو ما يُعرف في الأدبيات الخيميائية والميتافيزيقية بـ (Solutio)، هي الذروة الفلسفية والعملية لتجربة الفناء الإرادي، حيث لا تقتصر هذه العملية على تدمير المادة السحرية، بل تمتد لتشمل تفكيك الروابط الوجودية التي تمنح الأشياء هويتها و إستقرارها داخل نسيج الواقع. إن التحليل العميق لهذه التقنية يضعنا أمام مواجهة مباشرة مع مفهوم العدم لا بوصفه غياباً محضاً، بل بوصفه المحلول الكوني الأول الذي تذوب فيه كافة التعينات. فالسحر، في جوهره، هو فعل ربط وتكثيف للإرادة لتحويل الفكرة إلى كيان، أما التحلل فهو الفعل المعاكس تماماً؛ إنه عملية حل هذه العقد الروحية و إرجاع العناصر المكونة للظاهرة السحرية إلى حالتها السديمية الأولى. هنا، لا تعود الروابط إلى حالة الصفر الحسابي، بل تنحل في العدم الخلّاق، حيث يفقد الكيان السحري ذاكرة الشكل (Morphogenetic Memory) و يصبح غير قادر على إعادة التجسد مرة أخرى، مما يجعل التحلل التقنية الأكثر راديكالية في محو الأثر الوجودي من جذوره الأنطولوجية. إن هذا المنظور المتسامي يستقصي كيف يعمل التحلل السحري كجسر بين الكيان المشخص و اللاشيء المطلق؛ ففي هذه اللحظة، يتم إستهداف الغراء الميتافيزيقي الذي يربط النية بالطاقة والمادة. عندما تبدأ عملية التحلل، يخضع الكيان السحري لما يشبه السيولة الروحية، حيث تتلاشى الحدود الفاصلة بين الذات و الموضوع، وتنفجر البنية الداخلية للعنة أو التعويذة لتتحول إلى جزيئات من الإحتمالات الخام. هذا الإنتقال من الصلابة الوجودية إلى السيولة العدمية هو جوهر العلاقة بين السحر والعدم؛ فالسحر يحاول دائماً مقاومة التبدد، بينما يفرض التحلل حقيقة أن كل وجود هو مجرد ترتيب مؤقت داخل فراغ أبدي. لذا، فإن إعادة الروابط إلى العدم عبر التحلل هي في الواقع فعل تحرير للطاقة من سجن الهوية، حيث تُسترد الطاقة المسجونة في قالب السحر وتُعاد إلى مخزن الكون الكلي، مجردة من أي صبغة شخصية أو نية شريرة، مما يجعل العدم هنا بمثابة المطهر الذي يغسل الكينونة من أوساخ التجسد القسري. علاوة على ذلك، يتجلى التحلل السحري كأداة لتقويض المركزية الوجودية للظواهر؛ فبدلاً من مواجهة القوة بقوة مضادة كما في الصد أو العكسية، يقوم التحلل بسحب البساط من تحت أقدام الوجود نفسه عبر إبطال مفعول الرابطة (The Bond). فلسفياً، يُعتبر الرابط هو أصل المعاناة وأصل السحر في آن واحد، و بتفكيكه، نحن لا نقتل الكيان، بل نجعله غير ممكن. إنها عملية تحويل الأنطولوجيا (علم الوجود) إلى ميونطولوجيا (علم اللاوجود)، حيث يتم التلاعب بالثوابت الكونية لإيجاد ثغرة ينسلّ منها الكيان نحو التلاشي. هذه الرؤية الفلسفية توضح أن التحلل هو أرقى أنواع الفلسفة التطبيقية في عالم السحر، لأنه يعترف بأن القوة الحقيقية لا تكمن في البناء، بل في القدرة على العودة إلى نقطة البداية الكونية؛ تلك النقطة حيث يتحد السحر والعدم في وحدة لا تمايز فيها، وحيث تذوب الأنا السحرية في المحيط الأزلي لللاشيء، محققةً بذلك التوازن المطلق الذي يمنع تراكم النفايات الروحية في أركان الوجود، ويضمن بقاء الفراغ نقياً، شاسعاً، و مستعداً لإحتضان إحتمالات لم تولد بعد. وفي ختام هذا التحليل الميتافيزيقي الشامل، يظهر التحلل السحري كفعل تواضع كوني؛ حيث يدرك الساحر أن كل ما صنعه من روابط هو في النهاية عابر أمام عظمة العدم. إن تفكيك الروابط هو الإعتراف بأن اللاشيء هو الحالة الطبيعية، وأن الشيء هو الإستثناء الذي يجب أن يعود يوماً إلى أصله. هكذا تصبح تقنية التحلل هي الحارس الذي يمنع الوجود من الإمتلاء المفرط بالكيانات واللعنات، وهي الآلية التي تضمن تنفس الكون عبر شهيق التجسد وزفير التحلل. إنها فلسفة الفناء الجميل، حيث يعود كل رابط إلى سكونه الأول، وتستريح الإرادة من عناء التشكيل، ويظل العدم هو الحقيقة الكبرى التي تبتلع خلفها كل محاولات التمرد السحري، محولةً ضجيج الكينونة إلى صمت أزلي مقدس يتجانس فيه كل ما كان، مع كل ما لن يكون أبداً.
_ ما وراء الصدى: إغلاق الجروح الوجودية بختم الفناء
يُعتبر الصمت المطلق الذي يتلو الطقوس السحرية الكبرى ليس مجرد غيابٍ للصوت، بل هو التوقيع الميتافيزيقي للعدم، واللحظة الأنطولوجية التي يُعلن فيها الفراغ عن قبوله للقرابين الطاقية التي تم تفكيكها. في التحليل الفلسفي المعمق، نجد أن السحر هو لغة الإمتلاء والضجيج، حيث يُشحن الواقع بالكلمات، الرموز، والنيات؛ أما الصمت الذي يتبعه فهو لغة العدم الخاصة. عندما ينتهي الطقس سواء كان طرداً لروح أو تحللاً للعنة فإن حدوث الصمت المطلق يُعد مؤشراً حاسماً على أن الروابط التي كانت تربط الكيان بالوجود قدإنقطعت تماماً. هذا الصمت هو الحالة التي يبتلع فيها العدم صدى الفعل السحري، ليمنع إرتداداته من العودة إلى عالم التجسد. إنه ليس فراغاً سلبياً، بل هو حضورٌ كلي لللاشيء، تأكيداً على أن العملية لم تكن مجرد إزاحة ميكانيكية للطاقة، بل كانت إستجابة كونية من رحم الفناء الذي إستوعب الكيان وأعاده إلى سكونه الأزلي. إن هذا النص المتجانس يستقصي في جوهره فلسفة الشهادة الصامتة؛ فالسحر يبدأ بخرق سكون الكون، و الصمت المطلق هو فعل إغلاق الجرح الوجودي. عندما يستجيب العدم، فإنه يقوم بمحو الضجيج الأنطولجي الذي خلفه الصراع بين الساحر و الكيان. هذا الصمت يعمل كغشاء عازل يمنع أي تسرب للمعلومات من حالة الفناء إلى حالة الوجود؛ فلو بقي هناك صدى أو همس روحاني، لكان ذلك دليلاً على أن التحلل لم يكن كاملاً، وأن هناك شظايا من الكيان لا تزال تقاوم السقوط في الهاوية. لذا، فإن الصمت المطلق هو الختم الذي يضعه العدم على المعاملة السحرية، معلناً إستعادة النظام الأصلي حيث لا توجد إرادة سوى إرادة الفراغ. في هذه اللحظة، يصبح الساحر نفسه جزءاً من هذا الصمت، حيث يدرك أن قوته قد إنتهت عند عتبة اللاشيء، وأن إستجابة العدم لا تأتي عبر الكلمات، بل عبر التلاشي الكلي للأثر، مما يترك المكان مشبعاً بنوع من القداسة العدمية التي تتجاوز مفاهيم الزمن والمكان. علاوة على ذلك، يمثل الصمت المطلق تقنية لتثبيت الفناء؛ ففي الفلسفة الميتافيزيقية، يُعتبر الوجود حالة قلقة من الإهتزاز المستمر، بينما العدم هو السكون المطلق. عندما ينجح طقس التحلل أو الطرد، ينتقل الحيز المكاني من حالة الإهتزاز اللعني إلى حالة السكون العدمي. هذا التحول هو ما نختبره كصمت مهيب يشعر المرء معه بثقل الفراغ. إن العدم لا يتحدث ليعلن إستجابته، بل يصمت بقوة تخرس كل الإحتمالات الأخرى. هذا الصمت هو الذي يمنع إعادة تشكل الروابط السحرية مرة أخرى؛ لأنه يمثل حالة من الصفر المطلق للوعي، حيث لا تجد الروابط المفككة أي تردد روحي تتشبث به لتعاود الظهور. وبذلك، يكون الصمت هو الضمانة الوحيدة بأن العدم قد هضم الكيان تماماً، محولاً إياه من شيء كان يضج بالحياة المظلمة إلى لاشيء يسبح في صمت الخلود، محققاً التوازن الأسمى بين صرخة التجسد و صمت التلاشي. وفي ختام هذا التحليل الفلسفي، ندرك أن الصمت المطلق هو مرآة العدم التي تعكس نجاح الساحر في الوصول إلى الغاية القصوى من فنه؛ العودة إلى الأصل. إن العلاقة بين السحر والعدم تصل إلى ذروتها في هذه اللحظة، حيث يختفي السحر كأداة، ويبرز العدم كغاية. الصمت هو البرهان الصامت على أن الروابط قد فُككت، والأرواح قد طُردت، واللعنات قد حُلّت؛ لأنه يمثل الحالة التي لا يمكن بعدها إضافة أي شيء أو إنقاصه. إنه الإكتمال عبر الفراغ، حيث يُغلق سجل الواقع على تلك الواقعة السحرية، ويُدفع بها إلى نسيان أبدي لا يُقطعه سوى وعي الساحر بقدسية هذا الفناء. هكذا يظل الصمت هو الرسالة الأبلغ التي يرسلها العدم إلينا، مؤكداً أنه قد إستجاب، وإستوعب، وطهر الوجود من فائض كينونته، تاركاً لنا فضاءً من النقاوة المطلقة يبدأ وينتهي في سكون اللاشيء الشامل.
_ ثقوب في نسيج الزمن: السحر وبتر الذاكرة من منظور العدمية المطلقة
يُعتبر الإلغاء التام للذاكرة في أروقة الفلسفة السحرية العليا أكثر من مجرد فعل نسيانٍ وظيفي؛ إنه عملية بتر أنطولوجي تهدف إلى دفع التجربة الإنسانية بكل زخمها العاطفي و المعرفي إلى أتون العدم المعرفي (Cognitive Nullity). لفهم هذا العمق، يجب أن ننظر إلى الذاكرة لا كأرشيف للمعلومات، بل كخيط وجودي يربط الذات بالواقع؛ فما نختبره يصبح جزءاً من كياننا بمجرد إنصهاره في الذاكرة. و عندما يتدخل السحر لإلغاء هذه الذاكرة، فإنه لا يقوم بمسح سجلات، بل يقوم بتفكيك الروابط السببية التي تجعل من التجربة واقعاً. إن التجربة المُلغاة سحرياً لا تذهب إلى اللاشعور أو الكبت كما في التحليل النفسي التقليدي، بل تُدفع قسراً نحو الفراغ المطلق، حيث يتم تجريدها من صبغتها الوجودية وتحويلها إلى عدم لم يسبق له أن كان، مما يخلق فجوة في نسيج الزمن الشخصي للفرد، وكأن الحدث قد سُحب من سجلات القدر الكونية. إن هذا التحليل الفلسفي المتجانس يستقصي في طياته العلاقة الجدلية بين المعرفة والوجود؛ ففي السحر، يُقال إن ما لا يُذكر، لا يُوجد. لذا، فإن دفع التجربة إلى العدم المعرفي هو بمثابة إعدام للحدث بعد وقوعه. إنها تقنية تعتمد على مفارقة الزمن، حيث يتم التعامل مع الماضي كأنه مادة خام قابلة للتحلل. عندما تُمحى الذاكرة سحرياً، تنفصم العروة بين الوعي و الحدث، وبدون وعي يشهد على الواقعة، تنهار الواقعة نفسها في هاوية العدم. هذا الفعل يمثل أقصى درجات السلطة السحرية، لأنه يتلاعب بالمعنى الجوهري للحقائق؛ فالحقيقة التي لا تجد لها صدى في ذاكرة الكائنات تتحول إلى وهم مطرود، وتفقد قدرتها على التأثير في المستقبل. هنا يصبح العدم المعرفي مقبرة للحقائق، فضاءً شاسعاً يبتلع الحوادث و يحولها إلى لاشيء، مما يحرر الذات من عبىء التاريخ، لكنه يتركها في حالة من العراء الوجودي أمام صمت الفراغ الذي خلفه المحو. علاوة على ذلك، يتجلى الإلغاء السحري كعملية تطهير جذري من خلال الفناء؛ فالتجارب التي تُدفع إلى العدم المعرفي هي غالباً تلك التي تحمل طابعاً تدميرياً أو لعنياً. في هذا السياق، يعمل السحر كممحاة إلهية تعيد العقل إلى حالة اللوح الفارغ (Tabula Rasa). لكن هذا الفراغ ليس مجرد غياب، بل هو حضورٌ كثيف للإحتمال المفقود. إن الروابط التي فُككت لا تختفي ببساطة، بل تتحلل في بحر النسيان (The Waters of Lethe) الذي يمثل التجلي السائل للعدم. هذا التحليل المتعالي يوضح أن الساحر الذي يمارس إلغاء الذاكرة هو في الواقع مهندس للنسيان، يقوم بفرض الصمت على خلايا الوعي ليمنع التجربة من الإستمرار في الكينونة. وبما أن الوجود هو في الأصل إدراك، فإن سحب الإدراك يعني بالضرورة سحب الوجود، مما يجعل العدم المعرفي هو الوجهة النهائية لكل ما نفيناه من وعينا السحري، ليظل الواقع نقياً، ناقصاً، و محرراً من آثار الماضي التي ذابت في سكون اللاشيء. وفي نهاية هذا التحليل الميتافيزيقي الشامل، ندرك أن إلغاء الذاكرة هو الفصل الأخير في صراع الإرادة مع الزمن؛ حيث يتم إستخدام العدم كأداة لإعادة كتابة الهوية. إن الكيان الذي تُمسح ذاكرته يُعاد خلقه من جديد بلا جذور، مما يجعله كائناً عدمياً بالمعنى الفلسفي، أي كائناً يبدأ من الفراغ. إن العلاقة بين السحر والعدم هنا تصل إلى ذروة التناقض؛ نحن نستخدم القدرة السحرية وهي قمة الوجود لنخلق النسيان المطلق وهو قمة العدم. هذا التوازن القلق هو ما يحافظ على إستقرار الوعي في عالم مشحون باللعنات والتجارب القاسية؛ فالقدرة على دفع الألم إلى العدم المعرفي هي وحدها ما يسمح للروح بالإستمرار دون أن تتحطم تحت ثقل الحقائق التي لا تُطاق، محولةً بذلك العدم من مخافةٍ مرعبة إلى ملاذٍ رحيم يبتلع الأسرار و يحفظ صمت الوجود الأبدي.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟