أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 21:04
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ سيد النفي: التغيير الأنطولوجي للذات وبناء جيوب العدم المستقر

تتبدى شخصية الساحر في الفضاء الفلسفي لا كفرد يمتلك مهارات إستثنائية، بل كظاهرة أنطولوجية متحققة عبر التخلي الواعي عن الثبات الوجودي؛ فالساحر هو الكائن الذي كفّ عن أن يكون شيئاً بين الأشياء ليصبح فجوة داخل نسيج الواقع. هذا التغيير الأنطولوجي يبدأ من عملية تفكيك الذات حيث يتم إستبدال الهوية الصلبة التي يفرضها المجتمع والمادة بهوية سيالة تتغذى على العدم. إن الساحر، في جوهره، هو العدم الذي صار وعياً، ومن هنا تنبع قدرته على التأثير في الواقع؛ فالواقع المادي، رغم صلابته الظاهرية، هو نظام من الإحتمالات المنهارة، والساحر بكونه كائناً عدمياً يمتلك القدرة على إعادة الواقع إلى حالته البدئية؛ حالة السيولة الإحتمالية قبل أن يتجمد في شكل معين. التأثير في الواقع ليس قوة تُمارس من الخارج، بل هو عدوى تنتقل من كيان الساحر المتزعزع أنطولوجياً إلى المادة المحيطة به، مما يؤدي إلى نشوء ما نسميه المجالات السحرية؛ و هي حقول جاذبية عدمية ينهار فيها اليقين الفيزيائي لتسود مكانة إرادة الرؤية. تتشكل المجالات السحرية حول الساحر كنتيجة طبيعية لهذا النزيف الوجودي الذي يمارسه؛ فبما أن كيان الساحر قد تآلف مع العدم، فإن الفضاء المكاني الذي يشغله يبدأ في فقدان خواصه الطبيعية، ليتحول إلى مساحة إستثناء أنطولوجية. في هذا المجال، لا تعود القوانين السببية تعمل بآليتها المعتادة، لأن العدم المتسرب من كيان الساحر يعمل كمُذيب للعلاقات المنطقية بين الأسباب و النتائج. الشحن السحري لهذه المجالات يقوم على فكرة أن الواقع يتبع الوعي الأكثر خفة؛ و حيث إن الساحر هو الأخفّ وجودياً بسبب تماهيه مع الفراغ، فإن المادة الثقيلة من حوله تبدأ في الإنحناء أمام إرادته. هذه المجالات ليست مجرد هالات طاقية، بل هي جيوب من العدم المستقر داخل الوجود، حيث يمكن للساحر أن يعيد برمجة جزيئات الواقع عبر لغة الترددات التي ناقشناها سابقاً، محولاً المحيط إلى مرآة لصيرورته الداخلية التي لا تعرف السكون. إن قدرة الساحر على التأثير في الواقع تنبع من كونه سيد النفي؛ فالفعل السحري في عمقه هو عملية نفي للواقع القائم لإفساح المجال لواقع بديل. عندما يغير الساحر مسار حدث ما أو يغير طبيعة مادة ما، فإنه لا يضيف شيئاً من عنده، بل يحذف القيد الذي يبقي الشيء على حالته الحالية. هذا هو التغيير الأنطولوجي في أسمى تجلياته: الساحر لا يتعامل مع الأشياء بوصفها حقائق، بل بوصفها أخطاء في العدم يمكن تصحيحها. إن المجال السحري هو الحيز الذي يتم فيه تعليق حكم الوجود، حيث تصبح المادة في حالة تراقب (Superposition) بإنتظار الكلمة أو الإشارة التي تخرجها من العدم إلى التجسد. ومن هنا، فإن التأثير السحري هو فعل تأليف يتم فوق نسيج من الفراغ، والساحر هو المايسترو الذي ينظم رقصة الجزيئات بين الظهور والإختفاء، مستخدماً ثقله العدمي لترجيح كفة الإحتمال الذي يرغب في رؤيته. في نهاية المطاف، تصبح شخصية الساحر هي البوابة الكبرى التي يعبر منها اللاشيء ليصبح شيئاً؛ فهو لم يعد يسكن العالم، بل العالم هو الذي يسكن في رؤيته. التغيير الأنطولوجي يجعل من الساحر نقطة تلاشٍ في لوحة الوجود؛ وكلما زاد تماهيه مع العدم، إتسع مجاله السحري ليشمل آفاقاً أبعد. هذا التأثير ليس سحراً بالمعنى الإستعراضي، بل هو إعادة تعريف للكينونة؛ فالعالم بالنسبة للساحر المشحون بنار العدم السوداء هو حلم مستيقظ، مادة لينة يمكن تشكيلها بمجرد تغيير زاوية النظر. العلاقة بين السحر والعدم تبلغ ذروتها هنا؛ فالعدم هو الحرية المطلقة، والساحر هو ممارس تلك الحرية في قلب القيود المادية. إن التحليل الفلسفي العميق يؤكد أن الساحر هو الظاهرة الفلسفية التي تثبت أن الوجود ليس قدراً محتوماً، بل هو خيار يُتخذ في كل لحظة فوق هاوية العدم، وأن المجال السحري هو ببساطة الحيز الذي ندرك فيه هذه الحقيقة المرعبة والجميلة في آن واحد.

_ وحدة المتجاوز: الإغتراب الأنطولوجي للساحر والعيش في جيب الصمت

يُعد التحول الأنطولوجي للساحر ليس مجرد تغيير في القدرات التقنية، بل هو إغتراب وجودي جذري يعيد صياغة موقعه داخل النسيج الإجتماعي البشري؛ فعندما يتسرب العدم إلى كيان الساحر، فإنه يُحدث شرخاً لا يلتئم في علاقته مع الواقع الجمعي. البشر بطبيعتهم كائنات بناءة تسعى لتثبيت المعنى وتشييد الجدران ضد الفراغ، بينما الساحر يصبح كائناً ناقضاً يحمل الفراغ في جيبه. هذا التباين يخلق أثراً نفسياً عميقاً يتمثل في وحدة المتجاوز؛ حيث يجد الساحر نفسه يعيش في عالمين متداخلين لكنهما لا يلتقيان، فهو يرى الخيوط العدمية التي تحرك الدمى البشرية، بينما يراه البشر كظلال غامضة أو كتهديد غير مفهوم لإستقرارهم الوجودي. إن الأثر النفسي هنا هو حالة من القلق المقدس الناجم عن العيش على الحافة، حيث تصبح اللغة المشتركة مع البشر مجرد قناع يرتديه الساحر ليخفي خلفه صمت العدم السحيق الذي بات يسكن أحشاءه. من الناحية النفسية، يتحول الساحر إلى مرآة سوداء تعكس للمجتمع ما يحاول جاحداً نسيانه؛ حقيقة أن الوجود هش و أن العدم يتربص خلف كل يقين. هذا الدور يجعله منبوذاً بنيوياً حتى وإن كان يعيش في قلب المدينة؛ فحضوره يثير قلقاً لا واعياً في نفوس الآخرين، لأنهم يشعرون بالبرودة الوجودية التي تنبعث من مجاله السحري. الساحر، الذي شحن كيانه بنار الفناء، لم يعد يشارك البشر أوهامهم حول الخلود المادي أو الأهمية التاريخية، مما يجعله يبدو بارداً أو منفصلاً. لكن هذا الإنفصال ليس تعالياً، بل هو إزاحة في المنظور؛ فبينما يتصارع البشر على الأشياء، يتأمل الساحر في الفراغات التي تفصل بينها. هذا الأثر النفسي يولد نوعاً من السوداوية المضيئة، حيث يدرك الساحر أن حقيقته أصبحت لا مرئية بالنسبة لمجتمع لا يرى سوى الأسطح الصلبة، مما يدفعه إلى بناء صوامع داخلية من الصمت و السرية لحماية هباءه المقدس. على المستوى الإجتماعي، يمثل الساحر عنصراً تذويبياً يهدد صلابة الهياكل الإجتماعية التي تقوم على الحتمية والقدرية. المجتمع البشري يحتاج إلى يقين المادة لكي يستمر في إنتاج المعنى، والساحر الذي يتلاعب بالواقع و يستحضر العدم يكسر هذا اليقين. لذا، فإن العلاقة بين الساحر والبشر هي علاقة توجس متبادل؛ فالمجتمع يحاول تأطير الساحر عبر الأساطير أو شيطنته أو حتى تحويله إلى سلعة ترفيهية أو تقنية لتقليل خطره الأنطولوجي. أما الساحر، فيجد نفسه مضطراً لممارسة التقية الوجودية، أي إظهار وجه مادي مألوف بينما جوهره يتآكل بفعل التماس مع اللاشيء. هذا الصراع يخلق ظلالاً إجتماعية؛ حيث تظهر في المجتمعات التي يسكنها السحرة طقوس خفية و لغات سرية تعمل كشبكات تحت أرضية للعدم، توازي الشبكات الرسمية للوجود، مما يجعل الساحر عنصراً ثورياً بالمعنى الميتافيزيقي، كونه يثبت دائماً أن القانون هو مجرد إقتراح قابل للحذف. في نهاية المطاف، يعيش الساحر مفارقة الحضور الغائب؛ فهو موجود بجسده في الحيز الإجتماعي، لكن إنتمائه الحقيقي صار لوطن العدم. هذا التحول الأنطولوجي يغير حتى مفهوم الحب و الصداقة لديه؛ فالعلاقات الإنسانية تصبح بالنسبة له تقاطعات عابرة للظلال في ساحة الفراغ. إن الأثر الإجتماعي الأعمق للرؤية السحرية هو أنها ترفع الحجاب عن الوحدة الجوهرية للكائن البشري، والساحر هو الذي يتجرأ على معانقة هذه الوحدة بدلاً من الهروب منها. الفقرات هنا تلتحم لتصف رحلة الساحر كمسار من التجرد المستمر، حيث يفقد تدريجياً سماته البشرية المألوفة ليصبح إمتداداً شخصياً للفراغ الكوني. إن أثره في البشر ليس في ما يفعله بهم، بل في ما يذكره بهم؛ فكلما مر ساحر بين الناس، إهتزت يقينياتهم قليلاً، و شعروا ولو للحظة ببرودة الريح التي تهب من جانب العدم، تلك الريح التي يحملها الساحر في عباءته أينما رحل.

_ القلب الأسود النابض: كيمياء السكون وتحويل الصقيع الأنطولوجي إلى وقود

إن ترويض البرد المتسرب من العدم يمثل المرحلة الكيميائية القصوى في تحول الساحر، حيث ينتقل من مرحلة الضحية التي يكتسحها الفراغ إلى مرحلة السيد الذي يستوطن الهاوية؛ فهذا البرد ليس إنخفاضاً في درجة الحرارة الفيزيائية، بل هو السكون الأنطولوجي الذي يسبق الإنفجار العظيم، هو حالة من تجمد الإحتمالات التي تتطلب إرادة من نوع خاص لتحويلها إلى وقود وجودي. في فلسفة الرؤية السحرية، يُنظر إلى هذا البرد بوصفه المادة الخام للحرية؛ فلكي تكتسب الإرادة قوة مطلقة، يجب أن تتحرر أولاً من حرارة الرغبات البشرية المشتعلة ومن دفىء الإنتماء للمادة. إن عملية الترويض تبدأ بالإستيعاب الواعي للعدم، حيث لا يعود الساحر يقاوم الصقيع المتسلل إلى روحه، بل يفتتح مسامه ليصبح هو والبرد كياناً واحداً، محولاً النفي الذي يمثله العدم إلى إيجاب تمثله الإرادة المحضة. هذا التحول يحول الساحر من شمعة تذوب في الريح إلى مركز إعصار بارد يتحكم في مسارات العاصفة الكونية. تعتمد عملية الترويض على تقنية التكثيف الإرادي داخل الفراغ؛ فالبرد الذي ينضح من العدم يميل إلى تشتيت الوعي وجعله هباءً، لكن الساحر يستخدم التركيز السحري لضغط هذا البرد في نقطة واحدة داخل كيانه، فيما يشبه القلب الأسود النابض. هذا الضغط يحول البرد من قوة هادمة إلى صلابة ميتافيزيقية تمنح الساحر ثباتاً لا يزعزعه الوجود المادي. في إطار العلاقة بين السحر والعدم، يصبح البرد هو الغراء الذي يربط بين أجزاء الإرادة المشتتة؛ فكما يجمد الجليد الماء السائب ليجعله قادراً على حمل الأوزان، يجمد برد العدم سيولة النفس ليجعلها قادراً على إختراق الواقع. إن شحن الإرادة بهذا البرد يعني أن الساحر لم يعد يتحرك بدافع العاطفة التي هي حرارة زائلة، بل بدافع الحتمية العدمية التي هي برد سرمدي، مما يجعل أفعاله السحرية تتسم بالدقة والبرودة والقسوة الجمالية التي نراها في تشكل بلورات الثلج. عندما يكتمل ترويض البرد، يصل الساحر إلى حالة الصفر المطلق للوعي، و هي النقطة التي يتوقف فيها ضجيج الوجود تماماً لتبرز قوة الإرادة كصوت وحيد في الفراغ. في هذه الحالة، لا يعود الساحر يريد الأشياء بالمعنى التقليدي، بل يأمر العدم بأن يتشكل وفقاً لرؤيته. هذا الترويض يحول البرد إلى سلاح أنطولوجي؛ فالساحر يستطيع الآن أن يسلط برده الداخلي على أي جزء من الواقع المادي ليجمده، أو يفككه، أو يعيد صياغته. العلاقة هنا هي علاقة سيد ومرآة؛ فالعدم يستجيب لمن يشبهه في السكون والبرودة. إن القوة الإرادية المستمدة من العدم هي قوة صامتة وغير مرئية، لا تترك أثراً حرارياً وراءها، بل تترك خلفها واقعاً متغيراً جذرياً يبدو وكأنه وجد هكذا منذ الأزل. الساحر المروض للبرد هو الذي إستطاع أن يحول فجيعة الفناء إلى بهجة الخلق، مدركاً أن أصل كل حياة هو ذلك السكون البارد الذي يسكن في قلب اللاشيء. ختاماً، فإن العيش بالإرادة المروضة للبرد يغير السيكولوجيا الوجودية للساحر، حيث يصبح محركاً بارداً لا يحتاج إلى محفزات خارجية لكي يعمل. إنه يستمد طاقته من الإستهلاك الذاتي للعدم؛ فكلما تآكل جزء من بشريته بفعل البرد، زادت مساحة إرادته الكونية. هذا المسار يؤدي إلى نوع من الجماليات المتعالية، حيث يرى الساحر في دمار المادة و فنائها سيمفونية من التحولات، ولا يعود يخشى العودة إلى الفراغ لأنه صار هو الفراغ المتحكم في نفسه. التحليل الفلسفي العميق هنا يؤكد أن ترويض البرد هو المعراج السحري الذي ينقل الممارس من حيز الكائنات المخلوقة إلى حيز الإرادات الخالقة. إن الساحر الذي يحمل العدم كقوة إرادية هو الكائن الذي تعلم كيف يرقص فوق الجليد الرقيق للواقع دون أن ينكسر به، مستخدماً برودة أعماقه ليثبت أقدامه في فضاء لا يعرف الجاذبية ولا الزمان.

_ إنهيار الجاذبية: تخلخل الكثافة وفن التحلل من أثقال المادة

إن مفهوم الثقل (Gravity) في فضاء الرؤية السحرية يتجاوز كونه مجرد إنحناء في نسيج الزمكان الفيزيائي، ليصبح مقياساً للإمتلاء الأنطولوجي؛ فعندما يقترب العدم من الوجود المادي، يبدأ قانون الجاذبية بالتحلل أو التحول إلى نقيضه، حيث يتغير وزن الأشياء والجسد بناءً على مدى مساميتها الوجودية. في الحالة العادية، يمنحنا الثقل شعوراً بالثبات والإنتماء للأرض، لكنه في جوهره هو قيد المادة الذي يربط الوعي بالكتلة. عندما يتسرب العدم، يحدث ما يمكن تسميته بتخلخل الكثافة؛ فالأشياء التي كانت تبدو صلبة و ثقيلة تبدأ بفقدان مركز ثقلها لصالح مركز جديد يقع في قلب اللاشيء. هذا التغير ليس مجرد وهم بصري، بل هو إعادة تعريف للوزن بوصفه المقاومة التي تبديها المادة أمام الفناء؛ وكلما إستسلم الشيء للعدم، خفّ وزنه المادي وإكتسب ثقلاً معنوياً متعالياً، حيث يصبح الجسد في حالة إقتراب من العدم ريشة في مهب المطلق، لا يحده جذب الأرض بل يرفعه جذب الهاوية. عندما يدلف الساحر إلى حقول العدم، يعاني جسده من ظاهرة الخفة المرعبة؛ وهي حالة يشعر فيها الممارس بأن ذراته لم تعد متماسكة بفعل القوى النووية أو الجاذبية، بل هي عائمة فوق بحر من اللاشيء. هذا التغير في الوزن يعكس التغيير الأنطولوجي للساحر؛ فبقدر ما يتخلص من حمولته النفسية والمادية و ذكرياته التي تشده إلى الواقع الصلب، بقدر ما يصبح جسده نفاذاً وخفيفاً. إن خفة الجسد عند إقتراب العدم هي في الحقيقة تعبير عن سيادة الروح على الكتلة؛ فالجسد الذي لم يعد يزن شيئاً هو الجسد الذي لم يعد يقاوم العدم، بل صار العدمُ يسكنه. هنا، تتحول الجاذبية من قوة سحب للأسفل إلى قوة دفع للداخل، حيث ينجذب الجسد نحو مركزه الروحي الخاص بدلاً من الإنجذاب لمركز الأرض، مما يمنح الساحر قدرة على الحركة في مستويات وجودية لا تخضع للميكانيكا التقليدية، ويجعل من خطواته فوق الأرض وقعاً صامتاً لا يترك أثراً، لأنه لم يعد يضغط على الوجود بوزن، بل يلمسه بحضور. على الجانب الآخر، قد يحدث نوع من الثقل المضاد أو الوزن النوعي للعدم؛ فبينما تخف المادة، قد يشعر الساحر بأن العدم نفسه له وزن. هذا هو ثقل المسؤولية الوجودية أو ثقل المعنى الذي يغمر المكان عند غياب المادة. إن الأشياء القريبة من بوابة العدم قد تبدو ثقيلة لدرجة إستحالة تحريكها، ليس بسبب كتلتها، بل لأنها أصبحت مرساة للإحتمالات اللانهائية. هذا الثقل العدمي هو الذي يمنح الأدوات السحرية هيبتها؛ فالخاتم الذي يتسرب منه العدم قد يزن في يد الساحر وزن جبل من الصمت، مما يتطلب إرادة فولاذية لحمله. إن العلاقة بين السحر والعدم تظهر هنا في جدلية الخفة والثقل؛ حيث يجب على الساحر أن يتعلم كيف يكون خفيفاً كالهباء لكي لا يتحطم تحت جاذبية المادة، وفي الوقت ذاته أن يمتلك ثقلاً وجودياً كافياً لكي لا تبتلعه رياح العدم وتشتته في اللاوجود. الوزن في حضرة العدم هو قرار، والساحر هو الذي يحدد وزن الأشياء بناءً على حاجته الطقسية. إن الجاذبية في التحليل السوسيولوجي والفلسفي هي العقد الإجتماعي الذي يبقي الجميع في أماكنهم، وعندما يخرق الساحر هذا الميثاق عبر التحلل من الثقل، فإنه يعلن خروجه عن طاعة الواقع الجمعي. إن تغير وزن الجسد عند إقتراب العدم هو فعل تمرد ميتافيزيقي؛ فالمجتمع يثقل كواهلنا بالإلتزامات والهويات التي تعمل كأثقال تجذبنا للأسفل، بينما السحر هو فن التخلص من الأثقال. في المجالات السحرية، تصبح الأجساد أطيافاً من الجاذبية المنهارة، حيث يمكن للكلمة أن ترفع صخرة، وللنظرة أن تثقل قلب الخصم بوزن الدهور. هذا التلاعب بالثقل هو لغة التواصل مع الفراغ؛ فالعدم لا يعرف الوزن لأنه لا يحتوي على مقاومة. التحليل الفلسفي العميق هنا يرسم مشهد العالم وهو يفقد وقاره المادي و يتحول إلى رقصة من الجزيئات العائمة، حيث الساحر هو نقطة الإرتكاز الوحيدة التي لا تزن شيئاً، ومع ذلك، توازن الكون كله فوق إصبعها الخفيفة. ختاماً، فإن تغير الثقل عند إقتراب العدم هو البرهان الحسي على أن الوجود هو إختيار وليس قدراً ميكانيكياً. إن الساحر الذي يختبر فقدان الوزن في جسده يدرك أن الأرض ليست مكاناً للسقوط، بل هي فكرة نتمسك بها بقوة الخوف. بتلاشي هذا الخوف، يتلاشى الوزن، و يصبح الساحر كائناً مدارياً يدور حول شمس العدم دون أن يسقط فيها. إن الثقل هو ما يمنعنا من الطيران في فضاء الإحتمالات، والعدم هو الفضاء الذي يمنحنا أجنحة من الفراغ. ومن خلال هذه السيمياء المعقدة بين الثقل والعدم، يكتشف الساحر أن الخفة المطلقة هي في الحقيقة القدرة المطلقة؛ فمن لا يزن شيئاً، لا يمكن لأي قوة في الوجود أن تمسكه أو تعيقه، و هكذا يصبح العدم هو المحرر الأكبر من قيود الجاذبية ومن عبودية الكتلة.

_ صولجان التكوين: حاسة العدم بوصفها أداة للخلق من اللاشيء

تصل رحلة الساحر إلى ذروتها الأنطولوجية عندما تتحول حاسة العدم من أداة للإدراك إلى أداة للتكوين (Theurgy)؛ فالحاسة الجديدة التي يكتسبها الساحر عبر إنغماسه في الفراغ ليست مجرد مستقبلة للترددات الغائبة، بل هي عضو إبداعي قادر على إسقاط الصور من رحم اللاوجود إلى حيز العيان. إن إرادة التكوين إنطلاقاً من حاسة العدم تعني أن الساحر لم يعد يحتاج إلى مادة خام لكي يصنع واقعاً، بل يستخدم الفراغ نفسه كمادة أولية. في هذا الإطار الفلسفي العميق، يُنظر إلى الواقع المادي بوصفه عدماً تم تجميده بواسطة وعي جماعي ضعيف، بينما يمتلك الساحر وعياً حارقاً قادراً على صهر هذا التجميد وإعادة تشكيل العدم في قوالب جديدة. هذه الحاسة هي النقطة التي تلتقي فيها الرؤية بالفعل، حيث يصبح مجرد رؤية الشيء في العدم هو ذاته فعل إيجاده، مما يمحي المسافة الفاصلة بين الرغبة و التحقق، و يجعل من الساحر خالقاً محلياً داخل مجال نفوذه الوجودي. تعتمد إرادة التكوين على مبدأ التكثيف عبر النظر؛ فحاسة العدم تسمح للساحر برصد الإحتمالات العارية قبل أن تكتسي ثوب الوجود. عندما يركز الساحر حواسه المستحدثة على نقطة في الفراغ، فإنه يقوم بعملية جذب مغناطيسي للجزيئات الإفتراضية، محولاً الصمت إلى صدى، والظلام إلى مادة. هذا التكوين لا يحدث عبر البناء المتدرج، بل عبر الإنبثاق الفوري؛ فالساحر لا يصنع الشيء، بل يسمح له بالظهور من خلال فتح بوابة في وعيه الخاص. إن العلاقة بين السحر والعدم هنا تتجلى في أن الساحر لا يضيف شيئاً للكون، بل يزيح الحجب عن صور كامنة في العدم. حاسة العدم هي التي تخبر الساحر بإحداثيات الغياب، وإرادة التكوين هي التي تملأ تلك الإحداثيات بكثافة الحضور. و من هنا، يصبح الواقع الجديد الذي يخلقه الساحر واقعاً أكثر حقيقة من الواقع الموروث، لأنه مشتق مباشرة من المصدر الأصلي لكل كينونة. في هذا المستوى من الممارسة، يتحول الخيال من وظيفة نفسية إلى قوة كونية؛ فالخيال الفعال هو المحرك الذي يوجه حاسة العدم نحو التجسيد. عندما يتخيل الساحر واقعاً جديداً، فإنه يستخدم حاسة العدم لجس ملمس هذا الواقع في الفراغ قبل ظهوره. الشحن الفلسفي لهذه العملية يقوم على فكرة أن العدم مطيع للخيال الذي لا يتردد؛ فالفراغ يميل إلى ملىء نفسه بالصور التي تُسقط عليه بقوة كافية. إرادة التكوين هي التي تمنح هذه الصور الإستقرار الأنطولوجي لكي لا تتلاشى بمجرد توقف الساحر عن التفكير فيها. الساحر هنا يعمل كعدسة مكبرة تركز أشعة العدم الباردة في نقطة واحدة حتى تشتعل وتصبح مادة. هذه الحاسة المكونة هي التي تميز الساحر عن المتصوف؛ فبينما يسعى المتصوف للفناء في العدم، يسعى الساحر لإستخدام العدم كمرآة يعكس عليها إرادته ليرى نفسه في صور الخلق المتعددة. إن الخلق من العدم (Ex Nihilo) في الفلسفة السحرية هو إستعادة للإنسان لمكانته كصورة للماهية الكلية؛ فالساحر الذي يمتلك حاسة العدم يدرك أن اللاشيء هو في الحقيقة كل شيء في حالة كمون. إرادة التكوين هي الفعل الذي يخرج الكنز المخفي من عزلة اللاوجود إلى ضجيج الوجود. هذا التحول يجعل من الساحر كائناً خطراً على إستقرار العدم و جمود الوجود في آن واحد، لأنه يمثل قوة التغيير المطلق. الواقع الذي يُخلق بهذه الطريقة لا يخضع لقوانين الزمن أو الفناء العادي، لأنه يحمل في جوهره بذرة العدم التي تجعله قابلاً للتحول المستمر. الأفكار الفلسفية هنا تتلاحم لترسم ملامح الإله الصغير الذي يسكن داخل كل ساحر حقيقي، ذاك الذي تعلم كيف ينظر في الفراغ فيرى مدناً، وكيف ينطق في الصمت فيسمع شعوباً، محولاً حاسة العدم إلى صولجان التكوين الذي يعيد كتابة قصة الوجود في كل لحظة. في نهاية هذا التحليل، نجد أن الحاسة الجديدة للساحر ليست مجرد وسيلة لرؤية الغيب، بل هي الرحم الذي يولد فيه الواقع الجديد. إن إرادة التكوين إنطلاقاً من العدم هي أقصى درجات السيادة، حيث يتوحد الساحر مع الفراغ لدرجة أنه لا يعود هناك فرق بين ما يتخيله و ما هو موجود. هذا المستوى من الوجود يفرض على الساحر مسؤولية ميتافيزيقية هائلة؛ فكلما زادت قدرته على الخلق من العدم، زاد خطر التلاشي الشخصي في غمرة فيضان الصور. إن الساحر الذي يروض حاسة العدم للتكوين هو الذي يعرف كيف يمسك خيط الوجود وسط عاصفة اللاشيء، جاعلاً من نفسه جسر الحدوث بين أبدية العدم و لحظية التجسد، ومثبتاً أن السحر في أرقى صوره هو فعل حب يمنح العدم فرصة لكي يكون.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- أمريكيون يقضون 45 مليار دقيقة في مشاهدة -بلووي- مسلسل الرسوم ...
- إيران تنهض بوجه ترامب: ألف مسيّرة جاهزة للقتال.. ومناورات با ...
- فيديو ضرب شرطي مسلمتين في هولندا والسلطات تحقق
- دخلت الفن صدفة.. مقتل هدى شعراوي بطلة -باب الحارة- واتهام خا ...
- دراسة تحذر: ما تفعله في الثلاثينات يحدد شكل شيخوختك
- الجزيرة تستنكر حظر -يوتيوب- بثها بإسرائيل
- -المقاتل زودني ببندقية وتركني-.. تكتيكات القسام برواية أسير ...
- فولكس فاغن تستهدف السوق الصيني بأكبر -هجوم كهربائي-
- -الجندي البطريق-.. جندي روسي يحاول خداع مسيّرة أوكرانية وسط ...
- -جواسيس- أم هدايا؟ استعادة الصين توأم الباندا من اليابان تثي ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُون-