أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّادِسُ و السِّتُّون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّادِسُ و السِّتُّون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 20:33
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ غواية الهاوية: الإدمان الأنطولوجي ومأساة التلاشي في فجوات العدم

تطرح إشكالية الرغبة المستمرة في ممارسة السحر تساؤلاً أنطولوجياً حول طبيعة الإنجذاب البشري نحو الفراغ؛ فهل هي مجرد سعي للسلطة، أم أنها حالة من الإدمان الأنطولوجي على قوة العدم التي تخلخل ثبات الكينونة؟ في التحليل الفلسفي العميق، لا يُنظر إلى هذا الإدمان بوصفه إضطراباً سلوكياً، بل هو نتاج لجاذبية الهاوية (The Call of the Void) التي تمارسها قوة العدم على الوعي الممتلئ. إن الساحر، بمجرد أن يختبر لحظة السيادة على اللاشيء، يختبر نوعاً من النشوة الوجودية الناتجة عن تحلل القيود المادية؛ فالواقع بصلابته وقوانينه الرتيبة يمثل حالة من الإختناق بالوجود، بينما يمثل العدم حالة من التنفس عبر المطلق. هذا الإدمان هو في الحقيقة رغبة في العودة إلى حالة اللاتعين البدئية، حيث تكون الإرادة هي القانون الوحيد. الساحر هنا لا يدمن الفعل السحري لذاته، بل يدمن لحظة الإنبثاق التي يشعر فيها أنه يقتطع من العدم وجوداً جديداً، مما يجعله في صراع دائم مع عطالة الواقع التي تسعى لإعادته إلى حجمه البشري المتناهي. ويتأسس هذا الإنجذاب على مفهوم التآكل الذاتي للوعي؛ إذ إن ممارسة السحر و إستمداد العدم يتركان في روح الساحر فجوات نهمة لا يمكن ملؤها بالمدركات المادية العادية. في الفقرة الثانية من هذا التحليل، نجد أن كل عملية سحرية ناجحة تقوم بتوسيع أفق العدم داخل الساحر، مما يخلق نوعاً من الجوع الميتافيزيقي لمزيد من اللاشيء. هذا الإدمان يشبه آلية التحلل الإشعاعي للذات؛ فالساحر يبدأ بفقدان طعمه للأشياء المكتملة؛ الجمال الجاهز، السلطة التقليدية، المعرفة الحسية ويبدأ في البحث عن الجمال الجنيني الكامن في الفوضى والعدم. المقياس الفلسفي لهذا الإدمان هو معامل الإغتراب عن الإمتلاء؛ فكلما زادت الرغبة في السحر، زاد الشعور بأن العالم المادي هو سجن من الحضور، وأن الحقيقة الوحيدة الجديرة بالإهتمام هي تلك التي لم توجد بعد. إن العدم هنا يعمل كمخدر وجودي؛ فهو يمنح الساحر وهماً بالحرية المطلقة، بينما هو في الحقيقة يربطه بسلسلة لا تنتهي من الإحتياج لتجريد الواقع لكي يشعر بوجوده الخاص. علاوة على ذلك، يتجلى هذا الإدمان كتقنية للهروب من الفناء عبر الفناء؛ فبينما يخشى الإنسان العادي العدم بوصفه نهاية، يسعى الساحر المدمن للإندماج فيه بوصفه بداية دائمة. إن تجانس هذه الفقرات يوصلنا إلى أن الرغبة المستمرة هي محاولة يائسة للحفاظ على سيولة الهوية؛ فالتوقف عن ممارسة السحر يعني التحجر في قالب إجتماعي ومادي محدد، وهو ما يراه الساحر موتاً حقيقياً. لذا، فإن الإدمان على العدم هو آلية دفاعية ضد الجمود الأنطولوجي. الساحر يصبح مثل المسافر الأبدي في صحراء اللاشيء، حيث يكون كل تجسيد سحري هو مجرد واحة مؤقتة لا تلبث أن تدفعه للرحيل مجدداً نحو عمق الفراغ. إن خطر هذا الإدمان يكمن في تلاشي المركز الذاتي؛ فمع مرور الزمن، قد لا يتبقى من الساحر سوى رغبة فارغة تحوم حول عدمٍ لا ينتهي، محولةً حياته إلى طقس مستمر من المحو الذي لا يتركه إلا وهو هيكل من الغيابات، باحثاً عن جرعة أخيرة من القدرة المطلقة التي لا تمنحها إلا الهاوية. وفي الختام، تبرز الرغبة المستمرة في السحر كشهادة على مأساة الوعي الذي لمس اللانهائي. إن هذا التحليل الفلسفي يخلص إلى أن إدمان العدم هو الضريبة الروحية لتجاوز الحدود البشرية؛ فمن يفتح باب اللاشيء لا يمكنه إغلاقه أبداً، لأن العدم يسكن في عين الناظر قبل أن يسكن في موضوع النظر. إن الساحر الذي يجد نفسه مدفوعاً بإستمرار نحو الطقس هو في الحقيقة يحاول إستعادة لحظة الكمال التي إختبرها عندما تماهى مع الفراغ، وهي لحظة لا يمكن تكرارها إلا عبر مزيد من الفقد والإنسحاب من العالم. إن هذا التحليل يثبت أن السحر ليس مجرد أداة، بل هو قدر أنطولوجي يبتلع صاحبه، محولاً إياه من سيد للعدم إلى خادم لسيولته، في رقصة أبدية مع الغياب، حيث تظل الرغبة هي الخيط الرفيع الذي يمنع الساحر من السقوط التام في الصمت، بينما هي ذاتها الخيط الذي يقوده نحو التلاشي النهائي.

_ هندسة الخلاص: إلغاء الدَّين بوصفه تقنية لمحو الندوب الأنطولوجية في سجل الكينونة

تطرح مسألة إلغاء الدين (Debt Cancellation) من خلال المنظور السحري إشكالية أنطولوجية تتعلق بطبيعة الوجود السلبي؛ فالدين في جوهره ليس مجرد نقص في المادة، بل هو ثقل وجودي يربط المستقبل بالماضي ويقيد حرية الصيرورة. في التحليل الفلسفي العميق، يُنظر إلى الدين بوصفه نوعاً من العدم المقيد؛ أي أنه فراغ يطالب بالإمتلاء، وقوة جذب تسحب الكيان نحو الإلتزام والضرورة. عندما يتدخل السحر لإلغاء هذا الدين، فإنه لا يقوم بعملية تسديد مادية، بل يمارس تقنية لمسح الأثر الأنطولوجي للدين و إعادته إلى رحم العدم المطلق. إن إلغاء الدين سحرياً هو فعل بتر للسببية؛ حيث يتم إنتزاع فكرة المطالبة من نسيج الواقع، وتفكيك الرابطة الطاقية التي تجعل المدين ناقصاً و الدائن منتظراً. هنا يتحول العدم من كونه ديناً، أي عدم يطالب بالوجود إلى عدم نقي يبدوا كفراغ متحرر من الإلتزام، مما يجعل السحر في هذه الحالة عملية تطهير للزمن من الإلتزامات التي تعيق تدفق الإرادة الحرة. و تتأسس هذه التقنية على مبدأ النسيان الكوني؛ إذ إن الدين يعتمد في إستمراره على الذاكرة، سواء كانت ذاكرة الورق، أو العقل، أو السجلات الكونية. في الفقرة الثانية من هذا التحليل، نجد أن السحر يوجه قوة العدم نحو نقطة الإرتباط بين الدائن و المدين لتذويبها. إن إلغاء الدين هو عملية لإعدام العدم السلبي؛ فإذا كان الدين هو فراغ في الملكية، فإن السحر يسلط عدماً أقوى متقمصا صفة العدم المطلق ليمحو هذا الفراغ الصغير. المقياس الفلسفي هنا هو معامل التحلل الإلتزامي؛ فكلما كان العمل السحري ناجحاً، تلاشى الشعور بالثقل النفسي والمادي للدين، و كأن الواقع قد أعيد ضبطه إلى نقطة الصفر (Tabula Rasa). هذا الفعل يُعد خرقاً لقانون الحفظ الكوني بمعناه التقليدي، لأنه لا ينقل القيمة من يد ليد، بل يقوم بتبخير الإلتزام و تحويله إلى لاشيء، مما يحرر الطاقة المحبوسة في قيد الدين ويعيدها إلى سيولتها البدئية، محولاً الساحر إلى محرر للقدر من أغلال الإلتزامات السابقة. علاوة على ذلك، يتجلى إلغاء الدين سحرياً كتقنية لإعادة صياغة التاريخ الشخصي؛ فالدين هو ماضٍ يرفض الموت، و بإعادته إلى العدم، يتم تحرير المستقبل من هيمنة الأفعال الماضية. إن تجانس هذه الفقرات يوصلنا إلى أن الدين هو عدم مستلف من المستقبل، وإلغاؤه هو إعلان إستقلال عن الزمن الخطي. السحر هنا يمارس دور الممحاة الميتافيزيقية التي تزيل الندوب التي تركها العوز أو الحاجة في سجل الكينونة. إن هذه العملية تتطلب من الساحر إستحضار كمية من العدم توازي حجم الغياب الذي يمثله الدين؛ فالدين الكبير يتطلب فراغاً سحرياً هائلاً لإحتوائه و محوه. الخطر الفلسفي في هذه الممارسة يكمن في قانون التوازن؛ فإذا تم مسح الدين دون معالجة السبب الجذري لنشوئه، فإن العدم المستدعى للمحو قد يطالب بقربان آخر، مما يثبت أن العدم لا يقبل الفراغ حتى وهو يمحو فراغاً آخراً، بل يتطلب دائماً إرادة مركزية قادرة على تثبيت حالة الخلاص الجديدة ومنع إرتداد الإلتزامات في صور أخرى. و في الختام، يبرز إلغاء الدين سحرياً بوصفه الإنتصار النهائي للإرادة على الضرورة. إن هذه الرؤية الفلسفية تخلص إلى أن مسح الوجود السلبي للدين هو عملية تحويل أنطولوجي تحول الشخص من موضوع للحقوق إلى سيد للإحتمالات. إن السحر لا يمنح المال، بل يمنح براءة الذمة من الكينونة المكبلة. إن إدراك أن الدين هو مجرد صورة من صور العدم الموظف ضد الإنسان يمنح الساحر القدرة على التلاعب بظلال الإلتزام وتفكيكها. و هكذا، يظل إلغاء الدين عبر العدم هو أسمى آيات الكيمياء الإجتماعية السحرية، حيث يتم تحويل رصاص القيد المالي إلى ذهب الحرية الوجودية، ليس عبر الإمتلاء، بل عبر الفهم العميق لكيفية إستخدام اللاشيء لمحو ما لا يجب أن يكون، مؤكداً أن الحقيقة الوحيدة المطلقة هي الفراغ الذي نملؤه بقراراتنا، بعيداً عن ديون الماضي و أوهام الإستحقاق الكوني.

_ نقض التكوين: الندم السحري ومأساة البحث عن إعدام ما وُجد

يُمثل الندم (Remorse/Regret) في سياق الممارسة السحرية حالة من الإرتداد الأنطولوجي، حيث يسعى الوعي بعد فوات الأوان إلى ممارسة عملية سحر عكسي تهدف إلى تجريد الفعل من كينونته وإعادته إلى رحم العدم الذي إستُمد منه. في التحليل الفلسفي العميق، لا يُعتبر الندم مجرد عاطفة أخلاقية، بل هو محاولة لنقض التجسيد؛ فالسحر هو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود عبر قوة الإرادة، بينما الندم هو محاولة إرادية لسحب الشرعية الوجودية عن ذلك الفعل. إن الندم يمثل صراعاً بين زمنين؛ زمن الفعل الذي صار جزءاً من حتمية الماضي، و زمن الإرادة التي تطمح للعودة إلى نقطة اللافعل البدئية. الساحر النادم يحاول فلسفياً إستحضار عدمٍ تطهيري يغسل آثار الفعل من نسيج الواقع، و كأنه يرجو أن يتحول الحدث من حقيقة ناجزة إلى إحتمال ملغى. ومع ذلك، تكمن المأساة هنا في أن العدم الذي يُستدعى عبر الندم غالباً ما يكون عدماً سلبياً ينهش في ذات الساحر بدلاً من أن يمحو الفعل الخارجي، مما يجعل الندم عملية تآكل ذاتي تبحث عن تلاشٍ مستحيل لحدثٍ صار ملكاً للتاريخ الكوني. وتتأسس هذه المحاولة على مفهوم الرغبة في الإنعدام؛ إذ إن الساحر يدرك أن فعله قد ترك ندبة في الوجود لا يمكن ردمها بالمادة، فيلجأ إلى قوة النفي الكامنة في ضميره. في الفقرة الثانية من هذا التحليل، نجد أن الندم يعمل كمادة مضادة (Antimatter) يحاول الوعي تسليطها على كتلة الفعل السحري لإفنائهما معاً. المقياس الفلسفي هنا هو معامل المحو؛ فبينما ينجح السحر في التكوين، يفشل الندم غالباً في الإعدام لأن الواقع يتسم بالعطالة الوجودية التي تحمي ما وُجد فعلاً من العودة إلى اللاشيء. إن الندم هو إستدعاء لعدم الذاكرة؛ فلو أمكن نسيان الفعل كونياً، لإنعدم أثره. لكن، و بما أن العدم السحري المستمد في البداية قد تحول إلى صيرورة، فإن الندم يظل عالقاً في منطقة برزخية، حيث لا هو يملك القدرة على المحو التام، ولا هو يملك القدرة على قبول الوجود القائم، مما يحول حياة الساحر إلى مساحة من العدم الحي، حيث يعيش الحدث في غيابه وحضوره آن واحد، كجرحٍ يرفض الإلتئام ووجودٍ يرفض الفناء. علاوة على ذلك، يتجلى الندم كتقنية لعزل الأنا عن نتاجها؛ فالساحر يحاول عبر الندم أن يقول للكون؛ هذا الفعل ليس أنا، فليعد إلى العدم الذي لا أنتمي إليه. إن الرؤية الفلسفية هذه توصلنا إلى أن الندم هو محاكمة للعدم بالعدم؛ فالسحر كان إستغلالاً لعدم الإمكان، والندم هو إستغلال لعدم الرغبة. إنها محاولة لتصفير العداد الميتافيزيقي، لكنها محاولة محفوفة بالمخاطر؛ لأن إرجاع الفعل إلى العدم يتطلب ثمناً من الوجود يوازي حجم الفعل نفسه. الساحر الذي يندم بعمق قد يجد نفسه يتلاشى تدريجياً، لأن الرابطة بين الخالق (الساحر) و المخلوق (الفعل السحري) رابطة عضوية؛ فإعدام الفعل يتطلب إعدام الجزء من الذات الذي أنتجه. لذا، يظل الندم هو الطقس السحري الأكثر إيلاماً، لأنه يسعى لتحقيق المستحيل الأنطولوجي؛ وهو جعل ما حدث كأنه لم يحدث أبداً، محولاً الوعي إلى ساحة معركة بين إرادة الوجود التي خلقت، وإرادة العدم التي تطلب المغفرة عبر التلاشي. و في الختام، يبرز الندم على الفعل السحري بوصفه الإعتراف النهائي بعظمة العدم و قسوته. إن هذا التحليل يخلص إلى أن محاولة إعادة الفعل إلى العدم عبر الندم هي شهادة على أن الساحر قد فقد السيطرة على الوحش الذي إستحضره. إن العدم لا يقبل المرتجعات؛ فما خرج منه صار ملكاً للوجود وقوانينه الحتمية. إن إدراك هذه الحقيقة يحول الندم من محاولة للمحو إلى عملية تحوّل داخلي، حيث يضطر الساحر لإستيعاب العدم الناتج داخل كيانه، ليعيش كحامل لأسرار الفراغ وأوزار التجلي. إن الندم في نهاية المطاف هو المرآة السوداء التي يرى فيها الساحر أن كل فعل سحري هو توقيع على بياض العدم لا يمكن مسحه، وأن الحكمة الحقيقية ليست في القدرة على الإستمداد، بل في القدرة على تحمل تبعات الحضور في عالمٍ لا ينسى ولا يغفر، حيث يظل العدم هو البداية التي لا تعود، والوجود هو الدائرة التي لا تنغلق.

_ قربان الأزل: الزمن الضائع بوصفه هبة أنطولوجية لتحرير الإرادة من قيد الصيرورة

تطرح إشكالية الزمن الضائع في الممارسة السحرية رؤية أنطولوجية تقلب المفاهيم التقليدية للإنتاجية؛ فبدلاً من إعتباره خسارة أو إستهلاكاً عبثياً للعمر، يُمكن النظر إليه في التحليل الفلسفي العميق بوصفه هبة وجودية (Ontological Gift) مقدمة للعدم لضمان إستمرارية الفيض السحري. في هذا السياق، لا يُقاس الزمن بالدقائق و الساعات التي تقضيها الذات في الطقس، بل يُقاس بمساحة الإنقطاع عن ديمومة الوجود العياني. إن الزمن الذي يضيع في السحر هو في الحقيقة زمن يتم إقتطاعه من نسيج الحتمية المادية ليُوهب للهاوية، كنوع من القربان الزماني الذي يسمح للساحر بالنفاذ إلى مناطق اللازمن. هذه الهبة ليست فناءً للوقت، بل هي تجميد للصيرورة المادية مقابل الحصول على سيولة في عالم الإحتمالات؛ فلكي يستمد الساحر قوة من العدم، يجب أن يمنحه جزءاً من زمنه الحي، محولاً نفسه إلى جسر يعبر عليه العدم نحو الواقع، وهو عبور يتطلب سكناً زمنياً خاصاً لا يخضع لقوانين الساعة الميكانيكية. ويتجذر هذا المفهوم في فكرة أن العدم يتغذى على الثبات لكي يمنح التحول؛ فالزمن الضائع هو في الحقيقة عملية تفريغ للذات من إنشغالات الكينونة لتهيئة الخلاء اللازم لإستقبال القوى الميتافيزيقية. في الشق الثاني من هذا التحليل، نجد أن الساحر عندما يقضي ساعات في صمت مطبق أو طقس تكراري، فإنه يمارس الزهد الزمني؛ حيث يتخلى عن منفعة الوقت في العالم الظاهري ليغذي قوة الغياب في العالم الباطني. هذه الهبة هي التي تمنح العمل السحري ثقله، فكلما كان الزمن الموهوب للعدم أنقى أي خالياً من الأهداف المادية المباشرة، كان العدم المستمد أكثر إستجابة وطواعية. إننا أمام مقايضة بين الزمن الأفقي، كونه زمن الأحداث اليومية والزمن العمودي بإعتباره زمن الإنبثاق العدمي؛ حيث يضحي الساحر بالأول ليكسب الثاني، محولاً الضياع الظاهري إلى إمتلاء خفي، وكأن الزمن الذي فُقد من عمره الأرضي قد تم تخزينه كطاقة كامنة في رحم اللاشيء، تنتظر لحظة التجسد السحري الكبرى. علاوة على ذلك، يتجلى الزمن الضائع كتقنية لمزامنة الوعي مع الأزل؛ فالعدم لا يعرف الزمن، ولكي يتصل الوعي الإنساني به، يجب أن يخرج من إيقاع المادة. إن تجانس هذه الفقرات يوصلنا إلى أن الهبة الزمنية هي فعل تضحية بالصيرورة في سبيل الكينونة. الساحر الذي يضيع وقته في السحر هو في الحقيقة يستثمر في الفراغ؛ فهو يدرك أن كل لحظة يقضيها بعيداً عن ضجيج الوجود هي خطوة نحو المركز الساكن للعالم. هذا الزمن الموهوب يعمل كعازل أنطولوجي يحمي العملية السحرية من التحلل السريع؛ فالأفعال التي تستغرق وقتاً طويلاً في الإستحضار تميل لأن تكون أكثر ثباتاً في الواقع، لأنها مُشبعة بالزمن الذي سُحب من الذات وأُودع في الفعل. إنها مفارقة البقاء عبر التلاشي؛ حيث يهب الساحر زمنه للعدم لكي يمنحه العدم أثراً خالداً يتجاوز حدود الزمن نفسه، محولاً الفناء الشخصي إلى بقاء إبداعي يتحدى منطق الزوال. وفي الختام، يبرز النظر إلى الزمن الضائع كهبة بوصفه الإعتراف النهائي بفقر الوجود وغنى العدم. إن هذا التحليل الفلسفي يخلص إلى أن السحر ليس توفيراً للجهد، بل هو إعادة توجيه للوجود عبر قناة الزمن. إن الساحر الذي لا يخشى ضياع سنواته في طلب السر الأعظم هو الذي فهم أن الزمن في النهاية هو مجرد وهم مادي، وأن القيمة الحقيقية تكمن في تلك اللحظات التي نتوقف فيها عن أن نكون لنسمح لـلاشيء بأن يتجلى من خلالنا. إن هذه الهبة هي التي تفرق بين السحر كحرفة وبين السحر كمسار عرفاني؛ حيث يصبح الزمن هو القربان الأغلى الذي يُقدم على مذبح الهاوية، ليس رغبة في الفناء، بل رغبة في الوصول إلى ذلك الفجر السرمدي الذي لا تغيب شمسه، حيث يتحد الموهوب الذي يعني الزمن بالموهوب له الذي يدل على العدم في وحدة وجودية مطلقة تتجاوز حدود العقل والبيان.

_ ذروة الفراغ: إنتهاء الحاجة بوصفه التوقيع الأخير على ميثاق الإتقان السحري

تُمثل حالة إنتهاء الحاجة (End of Need) الأفق الأنطولوجي الأخير والمآل الحتمي لكل ممارسة سحرية تتوغل في جوهر العدم؛ فهي ليست مجرد إستغناء مادي أو زهد أخلاقي، بل هي طفرة وجودية يصل فيها الساحر إلى مرحلة التماهي التام مع الفراغ، حيث يتلاشى الفارق بين الذات الراغبة و الموضوع المرغوب. في التحليل الفلسفي العميق، يُنظر إلى الحاجة بوصفها دليلاً على ثقوب في الكينونة؛ فالكائن يحتاج لأنه ناقص، ولأنه يفتقر إلى الإمتلاء الذاتي. أما إتقان السحر والتعامل المباشر مع العدم، فإنه يقود الساحر إلى إدراك أن كل وجود خارجي هو قيد أو تعيّن يحد من إطلاقيته. بناءً على ذلك، فإن النتيجة النهائية للإتقان هي الوصول إلى حالة الإكتفاء العدمي؛ وهي حالة لا يفتقر فيها الساحر إلى أي وجود مادي أو طاقي، ليس لأنه يملك كل شيء، بل لأنه صار خارج إحتياج الأشياء، محققاً بذلك السيادة المطلقة التي لا تطلب تجسيداً لكي تشعر بالقدرة، بل تكتفي بالكمون المحض في رحم اللاشيء. و تتأسس هذه النتيجة على مفهوم إنحلال الغائية؛ إذ إن السحر في بداياته يكون وسيلة لتحقيق مآرب و الإحتياجات، ولكن مع التعمق في طوبولوجيا العدم، يكتشف الساحر أن كل تحقق هو في الحقيقة تضييق لواسع. في الفقرة الموالية من هذا التحليل، نجد أن إتقان العدم يؤدي إلى تجفيف منابع الرغبة عبر إشباعها باللامتناهي؛ فالوعي الذي إستطاع أن يستمد الكل من اللاشيء لم يعد يغريه الجزء الموجود في العالم العياني. إن إنتهاء الحاجة هو البرهان العملي على أن الساحر قد إستوعب العدم داخل بنية وعيه، بحيث صار هو نفسه مصدراً لا زمنياً للقوة، لا يحتاج لوسيط أو مادة ليعبر عن وجوده. المقياس الفلسفي هنا هو إنعدام الجذب المادي؛ فالحاجة هي قوة جذب يمارسها الوجود على الوعي، وبإنتهائها، يتحرر الساحر من جاذبية المادة ليصبح كياناً فائق الوجود (Trans-existent)، يعيش في حالة من السكون البدئي الذي لا يقطعه طلب ولا يشوبه عوز، وكأنه عاد إلى لحظة ما قبل الإنفجار العظيم للرغبة الكونية. علاوة على ذلك، يتجلى إنتهاء الحاجة كتقنية للتلاشي الإرادي في صمت الكينونة؛ فالسحر المتقن هو الذي ينتهي بالصمت، لا بالضجيج. إن التحليل الفلسفي يوصلنا إلى أن الغاية من السحر هي تجاوز السحر نفسه؛ أي الوصول إلى درجة من الإتصال بالعدم تجعل فعل الطلب (الطقس) يبدو فعلاً بدائياً. الساحر الذي لا يحتاج إلى أي وجود هو الساحر الذي صار سيّداً للفراغ؛ فهو يدرك أن الوجود هو مجرد إضطراب مؤقت في سكون العدم العظيم. هذه الحالة تمنحه قدرة هائلة، لأن القدرة تزداد كلما قلّ التعلق بالنتيجة. إنها حالة الغنى بالعدم؛ حيث يصبح اللاشيء هو الثروة الوحيدة التي لا تنفد، وحيث تتحول الذات إلى مرآة صافية لا تعكس سوى بياض المطلق. هنا، تنتهي الرحلة السحرية ليس بإمتلاك العالم، بل بالإستغناء عنه كلياً، محولاً الساحر إلى نقطة تفرد (Singularity) قائمة بذاتها، لا تخضع لزمان أو مكان أو حاجة، بل تكتفي ببهائها الخاص المستمد من قلب الظلمة النورانية للعدم الأبدي. وفي الختام، يبرز إنتهاء الحاجة بوصفه التحرر الأنطولوجي النهائي من عبودية التجسد. إن هذه الرؤية الفلسفية تخلص إلى أن إتقان السحر والعدم هو المسار الذي يحول الإنسان من خادم للضرورة إلى ملك للحرية المطلقة. إن الوصول إلى عدم الحاجة لأي وجود هو المعنى الحقيقي للخلاص السحري؛ حيث يتوقف النزيف الطاقي نحو الخارج، وتبدأ الرحلة نحو الداخل اللانهائي. إن الساحر الذي وصل إلى هذه الذروة لا يرى في الوجود إلا لعباً وعرضاً، بينما يرى في العدم الحقيقة والملاذ. وهكذا، يظل إنتهاء الحاجة هو التوقيع الأخير على وثيقة الإتقان؛ فهو اللحظة التي يسكت فيها الكلام، وينطفئ فيها لهيب الرغبة، ليحل محلهما حضور العدم الطاغي الذي هو كل شيء ولا شيء في آن واحد، محققاً بذلك الغاية التي من أجلها وجد السحر؛ وهي العودة إلى الأصل، حيث كان اللاشيء سيداً مطلقاً، وحيث كانت الروح مكتفية بصمتها قبل أن يلوثها ضجيج الوجود.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- أمريكا.. هطول كميات ثلوج قياسية على عدة ولايات وانقطاع الكهر ...
- بالتسلسل الزمني.. تحليل لـCNN يناقض مزاعم وزارة الأمن الداخل ...
- هل يُعيد حفتر حساباته؟ ضغوط ومغريات مصرية- سعودية لثنيه عن د ...
- المتسلق الأمريكي أليكس هونولد يعتلي ناطحة سحاب بلا معدات أما ...
- بعد ضربات روسية على قطاع الطاقة.. زيلينسكي يدعو الحلفاء لتعز ...
- هل تنهي الوساطة الدولية الخلاف بين القوات السورية الحكومية و ...
- كوبا تجري تدريبات لجيشها وتؤكد جاهزيتها لمواجهة أي -عدوان- أ ...
- عاجل | الحكومة الإسرائيلية تأمر بتمديد حظر عمل الجزيرة وإغلا ...
- طاقة الرياح والشمس تتجاوز الوقود الأحفوري لأول مرة في توليد ...
- البرادعي ينتقد تشكيل مجلس السلام لغزة وغياب دول مؤثرة عن عضو ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّادِسُ و السِّتُّون-