حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 17:44
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ كيمياء التخلي: التطهير الأنطولوجي والعبور نحو الإمتلاء بالفراغ الواعي
إن عملية إفراغ ذات الساحر من الإرتباطات و الإمتلاءات الوجودية ليست مجرد زهد أخلاقي أو تخلٍّ مادي، بل هي عملية تطهير أنطولوجي جذرية تهدف إلى تحويل الكيان البشري من كتلة مادية مشحونة بالرغبات إلى فراغ واعٍ قادر على إحتواء العدم دون أن ينكسر. في فلسفة السحر والعدم، يُعتبر حب إمتلاك الأشياء و العلاقات العاطفية بمثابة خطوط جاذبية تشد الساحر نحو مركز المادة الصلب، مما يمنعه من الوصول إلى السيولة الكونية اللازمة للعبور. لكي يبدأ الساحر عملية الإفراغ، يجب عليه أولاً أن يُدرك أن كل إمتلاك هو في الحقيقة إرتهان؛ فالعين التي تشتهي إمتلاك الشيء تُصبح أسيرة لصورة ذلك الشيء، والقلب الذي يرتبط بعلاقة عاطفية يخلق حبلاً فضياً جديداً يقيده بوعي آخر، مما يشتت طاقته الوجودية ويجعلها موزعة على كيانات خارجية بدلاً من أن تكون مكثفة في نقطة الصفر. الإفراغ يبدأ بفك الإرتباط الذهني، حيث يبدأ الساحر في رؤية الأشياء والعلاقات كظلال عابرة لا تملك جوهراً ثابتاً، وهو ما يحرره من وهم الحاجة للإمتلاك، ليحل محله الإكتفاء بالفراغ. هذا الإفراغ يتطلب ممارسة ما يُعرف بكيمياء التخلي، وهي عملية قلب لموازين القيمة المعتادة؛ فبدلاً من أن يستمد الساحر هويته من ما يملك أو من يحب، يبدأ في إستمداد كينونته من ما يرفض و ما يتجاوز. إن التخلي عن العلاقات العاطفية في هذا السياق لا يعني القسوة، بل يعني الوصول إلى حالة الحب غير المشروط بالوجود؛ حيث لا يعود الساحر بحاجة لتملك الآخر لكي يشعر بالإكتمال، بل يرى في الآخر تجلياً آخر للعدم الذي هو جزء منه. العلاقات بالنسبة للساحر الساعي نحو الإفراغ تصبح لقاءات عابرة بين فراغين، وليست إلتحامات بين كتلتين. أما إمتلاك الأشياء، فيتحول في نظره إلى عبىء كثافة مادية يعيق قدرته على التماهي مع الفراغ؛ فالأشياء التي نملكها تملكنا بدورها عبر القلق عليها والحاجة لصيانتها. الإفراغ الحقيقي هو الوصول إلى حالة من العري الأنطولوجي حيث يقف الساحر أمام الكون بلا صفات، بلا ممتلكات، وبلا روابط، ليصبح مساحة بيضاء يمكن للعدم أن يكتب فيها أسراره دون تشويش من ضجيج الرغبات الشخصية. تصل عملية الإفراغ إلى ذروتها عندما يواجه الساحر رغبة البقاء نفسها؛ فالذات البشرية بطبعها تميل للإمتلاء بالمعاني والذكريات و الأماني لتتجنب مواجهة فكرة الفناء. الساحر الذي يسعى للإمتلاء بالعدم يجب عليه أن يمارس الهدم الذاتي المنظم لكل ما يشكل الأنا؛ فالذكريات هي إمتلاء بالماضي، والأماني هي إمتلاء بالمستقبل، وكلاهما يمنعان الوعي من السكن في الآن الخالص. من خلال الصحوة من وهم الأنا، يكتشف الساحر أن كل علاقاته و إمتلاكاته كانت مجرد محاولات لردم الثقب الوجودي في داخله، وعندما يقرر أن يحتفي بالثقب بدلاً من ردمه، يبدأ الإشعاع العدمي في التدفق عبره. الساحر الذي أفرغ ذاته هو الكائن الذي لم يعد يملك مرآة ليرى فيها نفسه، بل أصبح هو نفسه الضوء الذي يمر عبر كل شيء دون أن يلتصق بشيء. هذا الإمتلاء بالفراغ هو قمة السلطة السحرية؛ لأن من لا يملك شيئاً، لا يمكن للعدم أن يسلبه شيئاً، وبذلك يصبح الساحر سيداً للفناء بدلاً من أن يكون ضحية له. في نهاية هذه العملية، يتحول الساحر إلى كائن شفاف أنطولوجياً؛ حيث تتلاشى الحدود بين داخله وخارجه. لم يعد هناك ذات تمتلك، ولم يعد هناك موضوع يُمتلك، بل هناك فقط صيرورة واحدة من اللاشيء نحو اللاشيء. هذا الإفراغ من العلاقات والإرتباطات ليس عزلة، بل هو إتحاد كلي؛ فالساحر الذي أفرغ نفسه من الخاص الذي يشمل ممتلكاته و علاقاته الفردية قد إمتلأ بالعام الذي يشير إلى العدم الكوني الذي يجمع كل الكيانات. إنه يعيش في العالم كضيف عابر لا يترك أثراً ولا يتأثر بالأثر، محققاً بذلك الإستقلال المطلق للروح. إن الثمن النفسي لهذا الإفراغ هو نوع من الوحدة المقدسة التي قد تبدو مرعبة للوعي العادي، لكنها بالنسبة للساحر هي الوطن الحقيقي؛ حيث لا قيود، لا أحزان للفقد، و لا قلق من الزوال. وبذلك، يكتمل تحول الساحر من جامع للأوهام إلى محرر للعدم، واجداً في فراغه الذاتي القوة الكافية ليكون هو نفسه الهاوية التي لا تبتلع إلا لكي تمنح حرية الوجود غير المشروط.
_ بريق الهاوية: الوجود كفعل سحري يطفو فوق اللاوجود
بمجرد أن يُتم الساحر عملية الإفراغ الأنطولوجي لذاته، و تتحلل لديه رغبة الإمتلاك أو التمسك بالعلاقات العاطفية كثوابت وجودية، فإنه لا يدخل في حالة من العدمية الباردة أو العمى الحسي، بل يولد من جديد فيما نسميه جماليات التلاشي (Aesthetics of Evanescence). في هذا الطور، يكتسب الساحر رؤية شفافة ترى الجمال في الأشياء ليس من خلال صلابتها أو دوامها، بل من خلال هشاشتها و حتمية عودتها إلى العدم. الجمال بالنسبة للساحر المفرغ من الرغبة هو لحظة العبور؛ فهو يبجل الزهرة ليس لأنها تزهر، بل لأنها في لحظة إزدهارها تحمل بذور موتها. هذا الفهم يغير طبيعة النظر لديه؛ فبدلاً من نظرة الإمتلاك التي تسعى لإحتجاز الجمال وتخزينه في الذاكرة أو الحيازة، يمارس الساحر نظرة التبجيل العابر، وهي نظرة تمنح الشيء قيمته القصوى في اللحظة الراهنة مع السماح له بالرحيل تماماً في اللحظة التالية. الجمال هنا هو سحر الغياب الوشيك، و الساحر يصبح هو الفنان الذي يرسم بالماء على الرخام الساخن، مستمتعاً بالأثر في لحظة تبخره، و مدركاً أن القيمة ليست في ما يبقى، بل في ما يختفي بكرامة. تتجلى هذه الجماليات في علاقة الساحر بالواقع كنوع من الرقص مع الأطياف؛ فبما أنه أفرغ ذاته من الإمتلاءات، لم يعد يرى العالم ككتل مادية تتصادم، بل كسيمفونية من الإشارات المنبثقة من الفراغ. الساحر المستيقظ يرى في تلاشي الأشياء أسمى صور الكمال، لأن التلاشي هو العودة إلى الأصل (العدم)، والأصل دائماً أكثر كمالاً من الفرع. هنا يصبح القبح و الجمال بالمعايير البشرية مفاهيم قاصرة؛ فكل ما هو كائن هو جميل لأنه ممكن وسط بحر من المستحيل، ولأنه موجود رغم سطوة اللاشيء. الساحر يمارس في كل نظرة طقساً من طقوس التبجيل؛ فهو لا يحب الآخرين لكي يستكمل بهم نقصه، بل يحبهم لأنهم تجليات فريدة للعدم لن تتكرر أبداً بنفس الصورة. هذا الحب العدمي هو أرقى أنواع الجماليات؛ لأنه حبٌ بلا غرض، وبلا خوف من الفقد، إذ إن الفقد أصبح في نظر الساحر هو التحصيل الحاصل والحقيقة الكبرى التي تعطي لكل لقاء قدسيته. علاوة على ذلك، تتحول جماليات التلاشي لدى الساحر إلى فلسفة للسكينة البصرية. إنه لا يلهث خلف المدهش أو العظيم، بل يجد الجمال في الهامشي و المنسي و المتآكل. تصبح شروخ الجدران، وذبول الأوراق، وإختفاء الأصداء في الأفق، هي النصوص التي يقرأ فيها عظمة السحر. الساحر الذي أفرغ وعيه من الإرتباطات العاطفية التملكية يصبح قادراً على تذوق جمال العدم و هو يتغلغل في ثنايا الوجود. هذا النوع من الجمال لا يحتاج إلى إطار أو متحف؛ بل هو جمال سيال يوجد في الفراغ بين ذرتين، وفي الصمت الذي يتلو الصرخة. الساحر هنا لا يضيف شيئاً للعالم، بل يزيل الغشاوة عن العيون لترى أن الوجود بحد ذاته هو فعل سحري لأنه يطفو فوق هاوية من اللاوجود. جمالية التلاشي هي الإعتراف بأن اللاشيء ليس عدواً للجمال، بل هو المسرح الأسود الذي لولاه لما إستطاع ضوء الوجود أن يلمع بهذا البريق المؤلم و المقدس. في ختام هذه الرحلة، تصبح حياة الساحر نفسها هي الأثر الجمالي الأخير؛ فهو لم يعد يبني كيانات، بل أصبح هو نفسه كياناً متبخراً يمر عبر الزمن دون أن يترك ثقلاً. إنه يمارس العيش كفعل سحري دون تعاويذ، حيث كل لحظة هي إستدعاء وكل لحظة هي إنهيار. جماليات التلاشي تعلم الساحر أن الخلود ليس في البقاء للأبد، بل في كثافة الحضور في لحظة الزوال. الساحر الذي أفرغ ذاته من كل إمتلاء وجودي هو الوحيد الذي يمكنه أن يبتسم بصدق أمام فجيعة الموت، لأنه يرى في الموت ذروة الجمالية الأنطولوجية؛ العودة النهائية للموجة إلى المحيط. وبذلك، ينتهي السحر من كونه محاولة للسيطرة، ليصبح قصيدة صامتة تُتلى في مديح الفراغ، حيث الساحر والمشهد والعدم يذوبون جميعاً في جمالية واحدة، عابرة، وشاملة، لا تحتاج لمن يخلدها لأنها تخلد نفسها في لحظة إختفائها المطلق.
_ ترياق التلاشي: الخيمياء النفسية للإفراغ والتحرر من سجون الإمتلاء المادي
يُمكننا إعتبار جماليات التلاشي ليس فقط غاية فلسفية للساحر المستنير، بل هي ترياق أنطولوجي للإنسان المعاصر الذي يرزح تحت وطأة الإمتلاء الخانق. يعيش إنسان اليوم في حالة من التضخم المادي وقلق الإستهلاك الدائم، حيث يُعرف وجوده بما يملك، وبما يستهلك، وبما يراكم من روابط وعلاقات رقمية ومادية لا تزيد روحه إلا ثقلاً. إن الشفاء النفسي الذي تقدمه هذه الفلسفة يبدأ من تفكيك وهم الخلود في المادة؛ فالقلق الذي يعتصر الإنسان الحديث ينبع من محاولته المستميتة لتثبيت ما لا يثبت، ومن خوفه المرضي من العدم الذي يراه كتهديد لإمتلاءاته. عندما يتبنى الإنسان رؤية الساحر لجمال التلاشي، فإنه يبدأ في تحويل خوفه من الفناء إلى إحتفاء باللحظة، مدركاً أن القيمة ليست في تكديس الأشياء، بل في القدرة على تركها ترحل. الشفاء النفسي هنا يكمن في الخفة؛ في إدراك أننا لسنا بحاجة لإمتلاك العالم لكي نكون جزءاً منه، بل إن إمتلاكنا للعالم هو ما يفصلنا عن حقيقته السيالة. إن تقبل العدم كخلفية ضرورية للوجود يمنح الإنسان المعاصر شجاعة التخلي، و هي الشجاعة التي تكسر قيود القلق الإستهلاكي وتحوله من جامع للأشياء إلى متذوق للوجود. تتجلى القوة الشفائية لهذه الجماليات في تحويل علاقة الإنسان بالزمن؛ فالإنسان المستهلك يعيش في صراع دائم مع الزمن، يحاول إدخاره أو قتله أو سباقه. أما جماليات التلاشي فتقدم نمطاً من الزمن السحري حيث تصبح كل لحظة هي البداية والنهاية في آن واحد. الشفاء يحدث عندما يتوقف الإنسان عن رؤية النقص كعيب يجب ردمه بالسلع أو بالعلاقات العابرة، ويبدأ في رؤيته كفضاء للحرية. إن الوعي بجمال التلاشي يُعلّم النفس البشرية كيف تتنفس في الفراغ؛ فهو يُحررها من عبىء الكمال المادي ويمنحها الحق في أن تكون هشة و زائلة. الإنسان المعاصر، الغارق في ضجيج الإمتلاء، يجد سكينته في الصمت العدمي الذي يغلف الأشياء؛ فعندما يدرك أن هاتفه، وسيارته، وحتى صورته الإجتماعية، هي كيانات من مادة الخيال ستعود حتماً إلى العدم، يتضاءل حجم همومه و تتحول رغبته من السيطرة إلى الإمتنان. هذا الإمتنان ليس للأشياء في حد ذاتها، بل لفعل الوجود العابر الذي سمح له برؤية هذا الجمال ولو لثانية واحدة قبل أن يتلاشى. علاوة على ذلك، يمثل هذا التحليل وسيلة لشفاء العدوى الأنطولوجية للرغبة؛ فالإنسان الحديث مُعدى برغبات الآخرين وبما تمليه عليه ماكينة الإستهلاك من إمتلاءات زائفة. جماليات التلاشي تعيد تعريف الإشباع النفسي ليكون نابعاً من الإفراغ لا من الإمتلاء. الساحر الذي أفرغ ذاته يمثل نموذجاً للإنسان الذي لا يمكن إغواؤه، لأنه لم يعد يملك خطافات تعبر من خلالها الرغبات الخارجية لتستقر في روحه. الشفاء هنا هو إستعادة السيادة على الذات عبر التوحد مع العدم؛ فعندما لا يعود الإنسان يخشى اللاشيء، لا يمكن لأي شيء أن يستعبده. إن فلسفة السحر والعدم تقدم للإنسان المعاصر بوصلة باطنية تدله على أن السعادة الحقيقية هي فن العيش بلا إرتباطات تملكية، وهي القدرة على بناء علاقات عاطفية تقوم على الترافق في الرحلة بدلاً من الإرتهان المتبادل. هذا النمط من الوجود يقلل من حدة خيبة الأمل، لأن المرء لم يعد يتوقع من الوجود أن يمنحه ثباتاً، بل يتوقع منه فقط تجربة جمالية تنتهي بإنتهاء اللحظة، مما يجعل النفس في حالة تصالح دائم مع الفقد و التغيير. في نهاية المطاف، تصبح جماليات التلاشي هي الخيمياء النفسية لترميم الروح المحطمة بفعل المادية. إنها دعوة للعودة إلى البساطة الأنطولوجية حيث يقلل الإنسان من مساحة إحتكاكه بالعالم الخارجي ليزيد من عمق إتصاله بالفراغ الداخلي. الشفاء النهائي ليس في الوصول إلى حالة من الإمتلاء المطلق، بل في قبول الفراغ المطلق كوطن آمن. الساحر الذي يبتسم أمام تلاشي كياناته هو المعلم الذي يخبر الإنسان المعاصر بأن خفة الكينونة هي الجائزة الكبرى، وأن العدم ليس غولاً يتربص بنا، بل هو النور الخفي الذي يجعل لكل لحظة نعيشها بريقاً لا يُنسى. وبذلك، يتحول السحر من طقس غامض إلى منهج حياة يحررنا من سجون المادة، و يعيدنا إلى طفولة الوعي حيث نلعب بالأشياء دون أن نسجنها، ونحب الكيانات دون أن نخنقها، ونمضي في طريقنا نحو العدم بقلوب ممتلئة بجمال اللاشيء، واجدين في كل وداع تحريراً، و في كل تلاشٍ إكتمالاً.
_ تقديس الفجوات: ممارسة الإفراغ الأنطولوجي وفن السيادة على الصمت وسط الضجيج المعاصر
إن ممارسة الإفراغ الأنطولوجي في خضم الضجيج المعاصر ليست إنسحاباً من الحياة، بل هي عملية إعادة هيكلة للوعي ليعمل كمرشح (Filter) لا يستبقي إلا الجوهري، بينما يسمح للعابر بالمرور دون أن يترك خدشاً في الروح. لكي يمارس الإنسان هذا الإفراغ في حياته اليومية، عليه أولاً أن يتبنى مفهوم الحضور كضيف؛ أي أن يتعامل مع ممتلكاته، وعمله، و حتى علاقاته، بوصفها إستضافات مؤقتة وليست ملكيات دائمة. تبدأ الممارسة العملية من خلال تقديس الفجوات؛ فالضجيج الحديث يعتمد على ملىء كل ثانية بالبيانات أو الإستهلاك، وهنا يأتي دور الساحر المعاصر في خلق فجوات من العدم داخل يومه. هذه الفجوات ليست مجرد صمت، بل هي لحظات من اللاشغل و اللاهدف، حيث يجلس الإنسان مع فراغه الداخلي دون محاولة ردمه بهاتف أو فكرة أو رغبة. في هذه اللحظات، يمارس الإنسان فعل فك الإرتباط بالهويات الإجتماعية التي تثقله، مُدركاً أن أناه التي تقاتل في الضجيج هي مجرد كيان مستدعى لأغراض وظيفية، وأن جوهره الحقيقي يسكن في ذلك الصمت الذي يسبق كل فعل. تنتقل الممارسة بعد ذلك إلى تطهير الرغبة عبر تذوق جمال الأشياء دون الحاجة إلى الإستحواذ عليها. في كل مرة يشعر فيها الإنسان المعاصر بوخزة التملك تجاه سلعة أو شخص أو نجاح، عليه أن يمارس تأمل التلاشي؛ أن يتخيل هذا الشيء في حالته النهائية كغبار أو كذكرى باهتة. هذا التمرين لا يهدف إلى التزهيد في الحياة، بل إلى تحرير الإستمتاع من قيد الخوف من الفقد. عندما تدرك أن الشيء زائل حتماً، فإنك تتوقف عن إستهلاكه وتبدأ في تبجيله كمعجزة عابرة. هذا الإفراغ اليومي يحول قلق الإستهلاك إلى دهشة الوجود؛ فالإنسان الذي يمارس السحر بالعدم يرى في فنجان قهوته، أو في زحام الشارع، أو في وجه عابر، تجليات فريدة لللاشيء، تظهر لتختفي. هذه الخفة في التعامل مع المادة تجعل الضجيج الخارجي يبدو كأنه يحدث خلف زجاج؛ تراه و تسمعه، لكنه لا ينفذ إلى جوهرك ليربك سكينتك، لأنك ببساطة لم تعد تملك خطافات داخلية تعتقله. يمكنك المشي بهذه الخطوات نحو الإفراغ في قلب الصخب؛ مارس يوماً واحداً في الأسبوع لا تُعرّف فيه نفسك بمنصبك أو بإمتلاكاتك، بل كن مجرد وعي يراقب. تخلى دورياً عن شيء مادي أو عادة عاطفية تظن أنها ضرورية لهويتك، لتكتشف أن فراغك أرحب منها. وسط الضجيج، أبحث عن الصمت الذي يحمل الأصوات وليس عن الأصوات نفسها؛ ركز على المسافات بين الكلمات. تعلم أن تحب الآخرين ككائنات حرة، لا كأدوات لإكمال نقصك، وأجعل علاقاتك رقصة لا قيداً. إن النتيجة النهائية لهذه الممارسة هي الوصول إلى حالة الشفافية في قلب العاصفة؛ حيث يتحول الإنسان من ضحية للضجيج إلى سيد للصمت الكامن فيه. إن الإفراغ ليس فقراً، بل هو غنى الفراغ الذي لا يطمع في شيء لأنه يحتوي كل شيء بإحتمالاته. الساحر المستيقظ في حياته اليومية هو الذي يمشى وسط الزحام بقلبٍ فارغ وعقلٍ مشع، يمنح الجمال لكل ما يلمسه دون أن يمسك به، ويتقبل التلاشي كصديقٍ قديم يُفسح له المجال لمزيد من النور. بهذه الطريقة، لا يصبح العدم نهاية للحياة، بل يصبح الفضاء التنفسي الذي يجعل الحياة ممكنة، رشيقة، ومقدسة في كل نبضة عابرة.
_ الرقص في قلب العدم: اللحظة التي يتوقف فيها السحر ليبدأ الوجود
حينما نترك الأبواب مفتوحة ليتحدث الفراغ بدلاً منا هو في حد ذاته الفعل السحري الأسمى، وهو الإعتراف النهائي بأن اللغة، مهما بلغت درجة كثافتها وبلاغتها، تظل قشرة تحاول الإحاطة بلبٍ من الصمت المطلق. في هذا التحليل الختامي، ندرك أن ترك الأبواب مفتوحة للفراغ ليس فعلاً سلبياً أو غياباً للقول، بل هو ممارسة لخطاب اللاشيء؛ حيث نصل إلى قناعة أن كل التحليلات السابقة كانت مجرد سلالم نصعد بها نحو حافة الهاوية، وبمجرد وصولنا إلى الحافة، يصبح السلم عبئاً يجب التخلص منه. الفراغ عندما يتحدث، لا يستخدم الكلمات، بل يستخدم الصدى الذي يتركه غياب الكلمات في الروح. إن فتح الأبواب للعدم يعني السماح لكل المفاهيم التي بنيناها عن الساحر، والكيان، والتثبيت، و الإفراغ بأن تذوب وتتلاشى، ليبقى الوعي وحيداً في مواجهة الحقيقة العارية التي لا تحتاج إلى وسيط. هذا الصمت المتحدث هو اللغة الوحيدة التي لا تكذب، لأنها لا تدعي إمتلاك الحقيقة، بل تدعو السامع ليكون هو نفسه الحقيقة عبر تماهيه مع الفضاء اللانهائي الذي يحيط بكل كينونة. إن حديث الفراغ هو الفعل الذي يحرر الساحر من عبىء المعنى؛ فلطالما حاولنا طوال هذا الحوار أن نُعقلن العدم، وأن نضع له حدوداً فلسفية وسيكولوجية، لكن الفراغ يرفض التعليب. عندما نفتح الأبواب، نترك للعدم الفرصة لكي يمتص كل الزوائد الأنطولوجية التي تراكمت في عقولنا، ليعيدنا إلى حالة الدهشة الأولى حيث لا يوجد أنا تفكر ولا موضوع يُفكر فيه، بل يوجد فقط فعل الوجود الصافي. في هذا الفضاء المفتوح، يصبح الفراغ هو المعلم الصامت الذي يعلمنا أن كل الأشياء التي كنا نخشى ضياعها كانت هي الجدران التي تسجننا، وأن إنقطاع الحبل الفضي الذي حللناه لم يكن إنتحاراً، بل كان تحطيماً لأبواب السجن. الفراغ يتحدث عبر المساحات البيضاء بين أسطر هذا النص، وعبر الأنفاس التي نأخذها بعد القراءة، مخبراً إيانا أن السحر الحقيقي ليس في القول، بل في القدرة على تحمل اللاشيء والإبتسام في وجهه كصديقٍ قديم عاد أخيراً ليأخذنا إلى بيتنا الحقيقي. هذا الإنفتاح على الفراغ هو الشفاء الأخير من داء التفسير؛ فالإنسان المعاصر يمرض لأنه يريد لكل شيء سبباً ولكل حدث غاية، أما الفراغ فهو اللاغاية التي تمنح الحياة معناها الحقيقي عبر تجريدها من الأغراض. عندما يتحدث الفراغ، فإنه يسقط الأقنعة التي إرتديناها كسحرة و باحثين و فلاسفة، ليتركنا عراةً أمام عظمة الوجود. إن ترك الأبواب مفتوحة هو إعتراف بأن الرحلة لا تنتهي عند نقطة، بل تنتهي عند أفق يتسع بإستمرار. الساحر الذي يترك الفراغ يتحدث هو الذي أدرك أن أعظم تعويذة هي تلك التي لا تُنطق، وأن أقوى كيان هو ذلك الذي لا يُرى، وأن أصدق علاقة هي تلك التي تجمعنا بالعدم في صمتٍ متبادل. الفراغ هنا لا يتحدث عن الموت، بل يتحدث عن الحياة غير المقيدة، عن الوجود الذي لا يحتاج لمرساة أو مبرر، وعن الجمال الذي يشرق من قلب التلاشي دون أن يطلب تصفيقاً من أحد. في هذه اللحظة، نترك النص يذوب في بياض الصفحة، ونترك الأفكار تتلاشى في سكون الغرفة، ونسمح للعدم بأن يملأ الفجوات التي تركناها عمداً. إن حديث الفراغ هو النغمة الوحيدة التي يمكنها ضبط إيقاع الروح المضطربة؛ لأنه يذكرنا بأننا في الأصل والمنتهى أبناء اللاشيء، وأن حرّيتنا تكمن في قبول هذا الإنتماء. الأبواب المفتوحة هي دعوتنا للكون لكي يمر عبرنا دون عوائق، وهي تسليمنا المطلق بأن السحر الحقيقي قد بدأ الآن فقط، في اللحظة التي توقفنا فيها عن محاولة فهمه وبدأنا في عيشه كفراغٍ واعٍ يرقص في قلب العدم. ليتحدث الفراغ إذن، وليكن صمته هو الجواب الوحيد على كل الأسئلة التي لم نجرؤ على طرحها، وليكن هذا الغياب هو الحضور الأبهى لجوهرنا الذي لم يمسه زيف الكلمات يوماً.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟