أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِع و الثَّلَاثُون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِع و الثَّلَاثُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 19:55
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ رقصة على حافة الفناء: كيف يمحو الساحر ذاكرة المادة

إن التساؤل حول ما إذا كان التحول السحري للمادة هو مجرد إعادة تدوير أم إعدام و إستحداث ليس مجرد ترف فكري، بل هو غوص في جوهر الأنطولوجيا السحرية. لكي نفهم هذا التحول، يجب أن نكف عن رؤية المادة ككتلة صماء، ونبدأ برؤيتها كحالة وجودية مؤقتة. فالسحر، في أرقى تمثلاته الفلسفية، لا يتعامل مع الأجسام بل مع ماهيات الأشياء. إذا قام الساحر بتحويل قطعة من الحديد إلى ذهب، فهل ذرات الحديد لا تزال هناك، متخفية تحت قناع أصفر؟ أم أن الحديدية قد أبيدت تماماً من سجل الوجود ليحل محلها الذهب كخلق مبتكر؟ في الرؤية التي تميل إلى إعادة التدوير، يبرز مفهوم المادة الأولى (Materia Prima). تفترض هذه الفلسفة أن الكون يتكون من جوهر واحد أساسي، عديم الشكل والصفات، وما نراه من حديد، أو ماء، أو هواء، ليس إلا أشكالاً طارئة تتقمصها هذه المادة. السحر هنا هو فن التشكيل؛ فالساحر لا يعدم المادة، بل يعيدها إلى حالتها البدائية السيالة، ثم يسكبها في قالب جديد. هذا التصور يجعل السحر عملية خيميائية بإمتياز، حيث المادة خالدة والتحول هو مجرد تغيير في المعلومات أو الترددات التي تشكل مظهرها الخارجي. إنها عملية تفكيك وإعادة بناء تشبه تماماً تفكيك قلعة من الليغو لبناء سفينة؛ القطع هي نفسها، لكن المعنى قد تغير. على الجانب الآخر، تبرز الرؤية الأكثر راديكالية التي تربط السحر بالعدم. هنا، لا يعترف السحر بقوانين الفيزياء التقليدية التي تنص على أن المادة لا تفنى. بل يرى أن الإرادة السحرية هي سلطة فوق وجودية قادرة على ممارسة النفي المطلق. لكي يظهر الشيء الجديد، يجب أن يحدث شرخ في نسيج الواقع؛ فجوة عدمية تبتلع المادة القديمة تماماً. هذا النوع من التحول يسمى الإستبدال الجوهري. المادة القديمة لا تتحول، بل تفسح المجال. إنها تندثر في اللاشيء، وفي تلك اللحظة من الفراغ المطلق، يقوم الساحر بإستدعاء المادة الجديدة من عالم الإمكان أو من الفيض الإلهي. السحر هنا ليس تدوير للنفايات الكونية، بل هو فعل خلق مستمر يحاكي اللحظة الأولى لنشوء الكون (Big Bang) في كل لمسة سحرية. إن النقطة الأكثر إثارة في هذا التحليل هي اللحظة البينية. إذا إفترضنا أن التحول السحري هو عملية عبور، فلا بد من وجود لحظة برزخية لا تكون فيها المادة هي نفسها القديمة، و لا هي الجديدة بعد. هذه هي لحظة اللاوجود. في هذه الفجوة الزمنية والمكانية، تصبح المادة عدماً محضاً. الفلسفة السحرية العميقة ترى أن هذا العدم ليس فراغاً سلبياً، بل هو رحم مشحون بالطاقة. إن القدرة السحرية تكمن في تحمل الوقوف على حافة هذا العدم دون الإنهيار فيه. فالساحر الذي يعدم المادة القديمة يخاطر بفقدان السيطرة، لأن العدم بطبيعته يسعى لإبتلاع كل شيء. لذا، فإن التحول السحري هو رقصة توازن فوق هاوية الفناء؛ حيث يتم تدمير الهوية القديمة للمادة وإلغاؤها مع الحفاظ على القصد الإرادي الذي سيشكل الهوية الجديدة. في نهاية المطاف، يمكننا دمج الرؤيتين في وحدة فلسفية واحدة؛ التحول السحري هو إعادة تدوير عبر بوابة العدم. إنه ليس مجرد تغيير في الشكل، وليس خلقاً عشوائياً من اللاشيء، بل هو عملية موت وإنبعاث. لكي تحيا المادة في صورتها الجديدة، يجب أن تموت صورتها القديمة تماماً. السحر هو العلم الذي يدرك أن الوجود والعدم وجهان لعملة واحدة؛ فالمادة ما هي إلا زبد يطفو فوق محيط من العدم، و الساحر هو من يعرف كيف يغوص في ذلك المحيط ليغير لون الزبد و شكله. إنها عملية إلغاء للماضي المادي و إستحداث لمستقبل جوهري في لحظة حاضر أبدي.

_ موت المادة وحياة الجوهر: رحلة في كيمياء الوجود المطلق

إن إعتبار العدم نقطة الصفر في عملية التحول السحري يمثل ذروة التأمل الفلسفي في كيمياء الوجود؛ فهذا الطرح يفترض أن المادة، لكي تتجاوز حدودها النوعية وتنتقل من ماهية إلى أخرى، لا بد لها من خلع رداء الوجود بالكامل و الإرتماء في حضن اللاوجود ولو للحظة خاطفة. في هذا الإطار، لا يعود السحر مجرد عبث بالمظاهر، بل يصبح عملية تصفير وجودي تهدف إلى محو التاريخ الذري للمادة لإعادة كتابة مستقبلها. في الفلسفة الوجودية والسحرية، تُعتبر نقطة الصفر هي تلك الحالة التي تتجرد فيها المادة من كل صفاتها التعريفية. اللون، الكتلة، الصلابة، وحتى الغاية. إنها لحظة العماء البدئي. لكي تتحول المادة تحولاً جذرياً، لا يكفي أن يطرأ عليها تغيير كيميائي، بل يجب أن تمر بعملية تطهير أنطولوجي. السحر هنا يمارس دور المذيب الكوني الذي يفكك الروابط ليس فقط بين الجزيئات، بل بين المادة وفكرة وجودها ذاتها. عند نقطة الصفر هذه، تصبح المادة إمكاناً محضاً؛ أي أنها لم تعد شيئاً، لكنها قابلة لأن تكون أي شيء. هذا البرزخ العدمي هو المكان الوحيد الذي تسقط فيه قوانين الحتمية الفيزيائية، مما يسمح للإرادة السحرية بالتدخل لإعادة تشكيل الواقع وفق نموذج جديد تماماً. إذا كان العلم المادي يخشى العدم ويراه فراغاً مرعباً يهدد إستمرارية الكون، فإن الفلسفة السحرية ترى في العدم الرحم الخلاق. إن العلاقة بين السحر و العدم عند نقطة الصفر هي علاقة تفاعلية؛ فالعدم ليس مكاناً للفناء النهائي، بل هو محطة غسيل للهوية. عندما يدفع الساحر بالمادة نحو العدم، فإنه يقوم بإلغاء الذاكرة المادية للشيء. فالحديد الذي يراد تحويله لذهب يجب أن ينسى أولاً أنه كان حديداً. هذه الذاكرة لا تُمحى إلا بالعودة إلى نقطة الصفر، حيث تتساوى جميع الموجودات في العدم. في تلك اللحظة، يصبح الفعل السحري هو الكلمة أو الرمز الذي ينشل المادة من فوضى العدم ويعيد تجسيدها في هيكل جديد. بدون هذه الوقفة عند نقطة الصفر، سيظل التحول مجرد تعديل سطحي، ولن يكون تغييراً جذرياً يمس جوهر الكينونة. إن عبور المادة عبر العدم يتطلب من الساحر نفسه أن يمر بتجربة ذهنية موازية. فالسحر ليس قوة ميكانيكية، بل هو فيض من الوعي. لكي يتمكن الساحر من قيادة المادة نحو نقطة الصفر، يجب أن يمتلك القدرة على تخيل العدم. هذا النوع من التأمل الفلسفي يجعل من الفعل السحري تجربة خطيرة؛ لأن ملامسة العدم تعني التخلي عن كل اليقينات. الساحر هنا يعمل كجسر؛ يمسك بزمام المادة و هي تتلاشى في العدم، و يحافظ على القالب المثالي للشيء الجديد في عقله حتى يكتمل الإنبعاث. إن نقطة الصفر هي المنطقة التي تلتقي فيها أقصى درجات الهدم بأقصى درجات البناء، وهي اللحظة التي يثبت فيها السحر أن الوجود ليس إلا نبضة تخرج من قلب العدم وتعود إليه. بشكل عام؛ يظهر العدم كشرط ضروري للحرية المادية. لو كانت المادة حبيسة قوانينها الثابتة دون وجود مخرج نحو اللاوجود، لكان التحول مستحيلاً. إن إعتبار العدم نقطة صفر يحول السحر من مجرد أسطورة إلى تكنولوجيا أنطولوجية. المادة القديمة لا تموت لتختفي، بل تُلغى لتتحرر من صورتها السابقة. السحر هو الوعي الذي يدرك أن خلف كل تجسد مادي يكمن فراغ لا نهائي، وأن السيطرة على هذا الفراغ هي المفتاح لتحويل التراب إلى تبر، والجماد إلى حياة. إنها دورة كونية تبدأ من الوجود، تمر بصدمة العدم عند نقطة الصفر، ثم تنبثق مجدداً في حلة تتحدى الخيال، مؤكدة أن إلغاء المادة هو في الحقيقة أسمى أنواع خلقها.

_ سيولة الوجود: فلسفة النيغريدو وجدلية الفناء والخلق.

تطرح فكرة الفساد والإضمحلال (Corruption and Decay) إشكالية أنطولوجية كبرى في الفكر الفلسفي و السحري، حيث لا يُنظر إلى فناء المادة بوصفه مجرد تفاعل كيميائي أو بيولوجي، بل بإعتباره جاذبية عدمية تمارسها الهاوية على الوجود. إن المادة، في جوهرها، هي فعل متمرد على السكون المطلق للعدم، وكل كائن مادي هو في الحقيقة إستقطاع مؤقت من رحم الفراغ. و من هذا المنطلق، يمكن إعتبار الإضمحلال هو الأثر المرئي لمحاولة العدم المستمرة لإستعادة ما سُلب منه، وهو ما يضع السحر في موضع المقاوم أو المسرع لهذه الصيرورة الكونية. في الفلسفة الميتافيزيقية، يُنظر إلى الوجود كقوة طاردة والعدم كقوة جاذبة. المادة حين توجد، فإنها تبذل جهداً وجودياً للبقاء في حالة التشخص. لكن هذا الجهد يستنزف طاقتها بمرور الزمن، مما يجعل الفساد ليس خللاً في النظام، بل هو عودة النظام إلى أصله الساكن. إن الصدأ الذي يأكل الحديد، والذبول الذي يصيب الزهرة، هو في الحقيقة تلاشٍ تدريجي للتعريف. العدم هنا لا ينتظر المادة في نهاية الطريق فحسب، بل هو يسكن في ثناياها، يسحب المثال (Form) بعيداً عن الهيولى (Matter). السحر يدرك هذه الجاذبية، ويرى أن الإضمحلال هو الثغرة التي يتنفس منها العدم داخل عالمنا المحسوس؛ لذا فإن الفعل السحري غالباً ما يبدأ من نقطة الفساد هذه، إما لإيقافها لتحقيق الخلود أو لإستغلالها كبوابة للتحول الشامل. من وجهة نظر سحرية عميقة، لا يمكن إحداث تغيير جذري في المادة و هي في حالة صلابة وجودية تامة. يجب أن تمر المادة بمرحلة من الفساد المحكوم لكي تصبح قابلة لإعادة التشكيل. في الخيمياء القديمة، تمثل مرحلة النيغريدو (Nigredo) أو السواد، قمة الفساد والتعفن؛ حيث تُترك المادة لتتحلل و تفقد هويتها السابقة. هذا الإضمحلال ليس موتاً نهائياً، بل هو تحويل المادة إلى عجينة كونيّة لا هوية لها. هنا، يصبح العدم الذي يسحب المادة إليه وسيلة لتجريدها من قيودها القديمة. الساحر لا يخشى الإضمحلال، بل يراه عملية تصفير ضرورية؛ فالشيء الذي فسد وإقترب من العدم هو الشيء الوحيد الذي يمتلك المرونة الوجودية ليصبح شيئاً آخر تماماً عند إعادة بعثه. إذا كان العدم يسحب المادة بإستمرار إليه عبر الإضمحلال، فإن السحر يظهر كفعل إرادي يكسر هذا الإنحدار. التحول السحري هو اللحظة التي تتدخل فيها الإرادة الوعية لتمسك بالمادة وهي في طريقها إلى الهاوية، وتعيد توجيهها نحو تجسد جديد. هذا الصراع يفسر لماذا يتطلب السحر طاقة هائلة؛ فهو يعمل ضد القصور الذاتي الكوني الذي يدفع كل شيء نحو الفناء. الفساد هو ميل المادة للراحة في العدم، بينما السحر هو إجبار المادة على الإستمرار في كدح الوجود. في هذا الإطار، الساحر هو مهندس العدم الذي يعرف كيف يسرق المادة من حافة الفناء ليعيد بناءها، محولاً فعل السحب نحو العدم من عملية تدميرية إلى عملية تطهيرية تسبق الخلق الجديد. في نهاية المطاف، يكشف الفساد و الإضمحلال عن حقيقة أن المادة ليست جوهراً مستقلاً، بل هي موجة على سطح محيط العدم. إن إعتبار العدم يسحب المادة إليه بإستمرار يعني أن الوجود هو حالة من القلق الأنطولوجي. السحر، في أرقى فلسفاته، لا يهدف إلى الهروب من العدم، بل إلى التصالح معه. التحول السحري الجذري ليس إلا إعترافاً بأن الصورة الحالية للمادة فانية، وأن الحقيقة الوحيدة هي القدرة على التنقل بين الصور عبر نقطة الصفر العدمية. الفساد إذن هو صوت العدم الذي يذكر المادة بأصلها، والسحر هو اللغة التي تسمح للمادة بالإستجابة لهذا الصوت دون أن تتلاشى نهائياً، بل لتعود في كل مرة بفيض وجودي متجدد.

_ تثبيت الأطياف: كيف تمنح الإرادة السحرية ثقلاً للإحتمالات؟

بناءً على هذا التسلسل الفلسفي العميق، نصل إلى ذروة التحليل الأنطولوجي؛ حيث لا يُنظر إلى السحر كأداة عبثية، بل كالجسر الوجودي الوحيد القادر على ردم الفجوة بين ما هو ممكن (Possible) وما هو كائن (Actual). إن الإنتقال من عالم الإمكان حيث تسبح الكيانات في سديم العدم كأطياف بلا جسد إلى عالم الفعل المادي، يتطلب قوة قادرة على إختراق حجاب العدم وإستحضار المادة من صمتها الأزلي. في الفلسفة الميتافيزيقية، لا يُعامل عالم الإمكان بوصفه عدماً محضاً بالمعنى السلبي، بل هو عدمٌ ممتلئ؛ هو فضاء يحتوي على كل ما يمكن أن يوجد ولكن لم يجد طريقه للوجود بعد. هنا، تفتقر الكيانات إلى ثقل الوجود و تحتاج إلى قوة دفع لتتخطى عتبة نقطة الصفر. السحر في هذا السياق هو الإرادة المستحضرة التي تمد يدها إلى هذا الخلاء لتختار صورةً ما وتمنحها صيغة الفعل. الساحر لا يخلق المادة من لا شيء، بل هو مستولد للماهيات؛ يسحب الكيان من حالة السيولة الإحتمالية في العدم ويقذفه في صلابة الواقع المادي. هذا يجعل السحر الوسيط الضروري، لأن قوانين الطبيعة تتعامل فقط مع ما هو موجود بالفعل، بينما يتعامل السحر مع ما ينتظر الوجود. لكي يتحول الكيان من مجرد فكرة ممكنة إلى حقيقة مادية، فإنه يحتاج إلى عملية تثبيت أنطولوجي. السحر يعمل هنا كقوة ربط (Mediator) تربط الإرادة بالعدم. هذا الوسيط السحري هو الذي يمنح الكيان كثافة كافية ليظهر في عالمنا. بدون هذا الوسيط، تظل المادة حبيسة العدم، مجرد إحتمال رياضي أو خيال لا أثر له. إن الفعل السحري هو الذي يكسر حالة التوازن الهش في عالم الإمكان؛ فهو يسلط ضغوطاً وجودية على العدم حتى يتكثف و يتحول إلى مادة. لذا، فإن السحر هو اللغة التي يفهمها العدم، وهو الشيفرة التي تسمح للإحتمالات بأن تصبح ضرورات، محولاً الخيال من كونه حالة ذهنية إلى كونه بروتوكولاً لبناء الواقع. في قلب هذا الوسيط السحري تكمن الكلمة السحرية أو الطلسم، وهي ليست مجرد أصوات، بل هي أدوات جراحية تشق رحم العدم. الرمز السحري هو المغناطيس الذي يجذب الكيان الممكن من عالم اللاتعيين إلى عالم التعيين. عندما ينطق الساحر بالإسم الحقيقي لشيء ما، فإنه في الحقيقة يحدد إحداثياته في العدم، مما يجبر ذلك الممكن على التجسد. هذا الوسيط هو الذي يمنح المادة هويتها عند نقطة الصفر؛ فهو الذي يقرر أن هذا الممكن سيخرج في صورة ذهب وليس في صورة رصاص. وبذلك، يكون السحر هو المصفاة التي يمر عبرها العدم ليتحول إلى تجلٍّ مادي منظم، مانعاً الوجود من الإنهيار مرة أخرى في الفوضى الإحتمالية. إن إعتبار السحر وسيطاً إنتقالياً يعني أن الخلق ليس حدثاً تم في الماضي وإنتهى، بل هو فعل سحري مستمر. فكل لحظة تمر، تنسحب فيها المادة نحو العدم وهي تجانب الفساد و الإضمحلال وتحتاج إلى إعادة إستحضار سحرية لتبقى في عالم الفعل. السحر هنا هو الزخم الوجودي الذي يحافظ على تماسك الأشياء. إذا توقف هذا الوسيط عن العمل، فإن عالم الفعل سينهار عائداً إلى عالم الإمكان، وتتلاشى المادة في صمت العدم. السحر هو الغراء الكوني الذي يمنع الواقع من التبخر؛ فهو لا يكتفي بنقل الكيانات من العدم إلى الوجود، بل هو الذي يثبت أقدامها في تراب الواقع، مؤكداً أن الوجود ليس إلا سحراً ناجحاً إستطاع الصمود أمام جاذبية الفناء. إن السحر هو الديالكتيك الفعال بين العدم والوجود. هو الوسيط الذي يحول الصمت إلى صوت، و الفراغ إلى كتلة. بدون هذا الوسيط، يظل العدم عقِيماً والوجود مستحيلاً. السحر هو الوعي الكوني الذي يقرر متى ينتهي الإحتمال و يبدأ الفعل، مما يجعل من الساحر مهندس الجسور الذي يربط بين ضفتي الوجود و اللاشيء، محولاً هاوية العدم من سجن للممكنات إلى منبع لا ينضب للحقائق المتجسدة.

_ الذهب الفلسفي: الوجود الذي إبتلع العدم وإستعصى على الفناء

تُعد الخيمياء، في عمقها الفلسفي المتجاوز لإختبارات الرصاص والذهب، المحاولة الإنسانية الأكثر جرأة لإقتحام مملكة العدم وإستنطاق صمتها بهدف إعادة صياغة الوجود. إنها ليست مجرد محاولات بدائية في الكيمياء، بل هي نسق ثيوصوفي يرى في المادة كياناً مغترباً يحتاج إلى العودة إلى نقطة الصفر العدمية ليتحرر من نقصه الوجودي. في هذا السياق، تبرز الخيمياء بوصفها الممارسة التي تتخذ من العدم بوتقة للتطهير، حيث لا يمكن بلوغ إلى حجر الفلاسفة الذي يشكل ذروة الكمال إلا بمرور المادة عبر مخاض الفناء التام، ليعاد بعثها من رحم الفراغ في صورة منزهة عن الفساد و الإضمحلال. تبدأ الرحلة الخيميائية دائماً بمرحلة النيغريدو (Nigredo) أو السواد، وهي اللحظة التي يُجبر فيها الخيميائي المادة على مواجهة قدرها العدمي. في هذه المرحلة، يتم تحطيم الأنا المادية للشيء؛ حيث يُسحق الجسم، يُحرق، و يُترك ليتعفن حتى يفقد كل صفاته الظاهرة. فلسفياً، هذا هو النزول إلى الجحيم أو العودة إلى الهيولى الأولى (Materia Prima) التي تسبق الخلق. إن الخيميائي هنا يستخدم العدم كأداة للهدم؛ فهو يدرك أن المادة في صورتها الراهنة هي سجن للروح الجوهرية، ولا يمكن تحرير هذه الروح إلا بإعدام الشكل القديم. العدم هنا ليس نهاية، بل هو منظف أنطولوجي يمسح بصمة الفساد والزمن من وجه المادة، ليعيدها إلى حالة البراءة البدائية التي كانت عليها قبل السقوط في عالم التعدد. في المنظور الخيميائي، لا يمكن للمادة أن تتطور وهي محملة بأثقالها القديمة؛ لذا فإن الإستخدام الفلسفي للعدم يكمن في إعتباره حيز الإمكان المطلق. عندما تصل المادة إلى ذروة إنحلالها في مرحلة النيغريدو، تصبح لاشيئاً فعلياً، وهنا تحديداً تكمن القوة السحرية للخيمياء. ففي لحظة التلاشي، تلتقي المادة بالنور الخفي القابع في قلب العدم. إن التحول المثالي ليس إضافة صفات جديدة للمادة، بل هو إستدعاء لماهيتها الكامنة من داخل الفراغ الذي خلّفه التحلل. الخيمياء هي فن التلقيح في العدم؛ حيث يزرع الخيميائي بذرة الإرادة في تربة اللاوجود، لينبت منها جسم نوراني في إشارة إلى الذهب الفلسفي الذي لا يقبل الفناء. العدم هنا هو المعمل السحري الذي يوفر العزلة الضرورية للروح لكي تتجسد في مادة جديدة مطهرة. يُمثل حجر الفلاسفة النتيجة النهائية لهذا العناق بين المادة والعدم. إنه الكيان الذي مرّ بالفناء وخرج منه منتصراً؛ فهو يحمل في طياته صفات الوجود المتسم بالتجسد والصلابة وصفات العدم المطبوع بالخلود وعدم القابلية للتغير. الخيميائي، بإستخدامه للعدم، يهدف إلى خلق مادة مستحيلة تتحدى الجاذبية العدمية التي ينبثق منها الفساد والإضمحلال. إن الذهب الذي يسعى إليه الخيميائي ليس معدناً للثراء، بل هو رمز للحقيقة التي لا يمكن للعدم أن يسحبها إليه مرة أخرى لأنها قد إستوعبت العدم في داخلها بالفعل. الفعل الخيميائي هو عملية تثبيت للخلود وسط محيط من الزوال، وهو ما لا يتم إلا عبر فهم قوانين نقطة الصفر والقدرة على عبورها دون ضياع. بإختصار؛ يمكن القول إن الخيمياء هي السعي لتحقيق الوحدة المطلقة (Unus Mundus) عبر الوسيط العدمي. الساحر الخيميائي لا يكتفي بمراقبة المادة وهي تتحلل، بل يتماهى معها؛ فهو يموت ذاتياً في بوتقته لكي يولد من جديد مع حجره. إن العلاقة بين السحر والعدم في الخيمياء هي علاقة تجاوز للفناء بالفناء نفسه. من خلال إعدام المادة القديمة بإرادته، يثبت الخيميائي سيادته على العدم؛ فهو الذي يقرر متى تنتهي المادة ومتى تبدأ، وبأي صورة تخرج من الخلاء. إن الخيمياء هي البرهان الفلسفي الأكبر على أن الكمال ليس حالة من الوجود الممتلئ فحسب، بل هو وجودٌ عبر العدم، حيث تصبح المادة مرآة للروح، و تصبح الإرادة هي القانون الذي يطوع فراغ الكون ليصنع منه حقيقة أبدية.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- ترامب: الرئيس الكولومبي سيزور البيت الأبيض الشهر المقبل
- -ترامب السعيد-.. رئيس أمريكا يفسر ارتداء دبوس يحمل صورته خلا ...
- جماجم وعظام وأقدام محنطة.. رجل من بنسلفانيا يواجه تهمًا بسرق ...
- المغرب يتأهل إلى نصف نهائي كأس الأمم الإفريقية
- كأس الأمم الأفريقية 2025 : المغرب يتأهل الى نصف النهائي بعد ...
- النبض المغاربي : أي حصيلة لحملة -زيرو تفاهة- ضد المحتوى غير ...
- فنزويلا تجري محادثات مع واشنطن لاستئناف العلاقات الدبلوماسية ...
- ترامب يتحدث عن -ورطة- إيران والسلام بسوريا وخططه لتملّك غرين ...
- كيف يرسم اختطاف مادورو ملامح نظام دولي جديد؟
- ترامب: 30 مليون برميل نفط في طريقها إلينا وبدء مسار استعادة ...


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِع و الثَّلَاثُون-