أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّلَاثُون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّلَاثُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 17:50
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ ما وراء كتابة التاريخ: المحو الحقيقي للواقع في المختبر الميتافيزيقي

يمثل السؤال عن قدرة السحر على تغيير التاريخ من خلال العدم ذروة التقاطع بين الميتافيزيقا و الفلسفة السياسية؛ إذ لا يتعلق الأمر هنا بتعديل المسار المستقبلي، بل بتفكيك الهيكل الزمني الذي يقوم عليه الوجود الإنساني. إذا كان التاريخ هو السجل الإجتماعي للوجود الذي يمنحنا الهوية و الشرعية، فإن السحر الذي يستخدم العدم يمتلك القدرة على ممارسة الإستئصال الأنطولوجي، أي سحب حدث ما من نسيج الزمن وإلقائه في هوة اللاشيء، مما يؤدي إلى إعادة ترتيب الواقع وكأنه لم يكن قط. يعتمد التاريخ في جوهره على مبدأ عدم قابلية الرجوع (Irreversibility)؛ فما حدث قد حدث، وهذا الثبات هو ما يمنح القوانين والمجتمعات إستقرارها. لكن السحر المستمد من العدم يعمل وفق منطق السيولة المطلقة. في هذا الإطار، يُنظر إلى الماضي ليس ككتلة صلبة، بل كخط من البيانات الوجودية التي تطفو فوق محيط من العدم. الساحر هنا لا يسافر عبر الزمن ليغير حدثاً، بل يقوم بفتح فجوة في العدم لإمتصاص ذلك الحدث. هذا الفعل يؤدي إلى ما يمكن تسميته بالعدمية الإرتدادية؛ حيث لا يختفي الحدث فحسب، بل تختفي آثاره ونتائجه و ذكراه. إن إلغاء حدث ما في العدم يعني أن كل ما ترتب عليه من وعي إجتماعي أو صراعات سياسية ينهار تلقائياً، لأن السبب قد أُبيد وجودياً. هنا يصبح التاريخ مجرد مسودة قابلة للمحو، وتفقد السلطة التاريخية مثل شرعية العائلات المالكة أو الثورات القديمة مبرر وجودها، لأن أساسها قد إبتلعه الفراغ. إن القدرة على إلغاء الماضي عبر العدم تحول الساحر إلى دكتاتور زمني مطلق. في السياسة التقليدية، تعيد الأنظمة كتابة التاريخ عبر المناهج الدراسية أو البروباجندا، لكن الواقع المادي يظل شاهداً. أما في السحر العدمي، فإن المحو حقيقي و كامل. يمكن للساحر أن يلغي هزيمة عسكرية أو عقداً إجتماعياً بوضعه في العدم، مما يجعل المجتمع يستيقظ في واقع جديد لا يعرف فيه حتى أنه كان يعيش واقعاً مختلفاً بالأمس. هذا يطرح معضلة الهوية المشتركة. فإذا كان المجتمع يُعرف بذاكرته الجمعية، فإن السحر الذي يتلاعب بالعدم يقتل المجتمع من خلال تذويب ذاكرته. السلطة هنا لا تُمارس على الأجساد، بل على حقيقة الوجود ذاتها. يصبح الوجود السياسي حالة من النسيان المنظم، حيث لا يمكن بناء حضارة مستقرة لأن الأرضية الزمنية تحتها في حالة إضطراب دائم. القانون في هذه الحالة يفقد معناه، لأن الجريمة التي وقعت بالأمس قد تُلغى من العدم اليوم، فتصبح المحاكمة عبثاً في فراغ. من جانب آخر، قد يُنظر إلى فعل إلغاء الماضي كفعل تحرري أقصى. يرى بعض الفلاسفة أن الإنسان سجين تاريخه وآثامه الجماعية. السحر الذي يلقي بالأحداث المأساوية مثل الإبادات أو الكوارث في العدم يمثل نوعاً من الغفران الكوني المادي. إنه محاولة لبدء الوجود من نقطة الصفر المطلقة، بعيداً عن حتمية الأخطاء السابقة. لكن هذا التحرر هو فخ فلسفي؛ لأن الوجود بلا ماضي هو وجود بلا عمق. إن إستبدال التاريخ المثقل بالعدم الصافي يحول البشر إلى كائنات بلا جوهر، تعيش في لحظة الآن المطلقة التي لا جذور لها. السحر الذي يمحو التاريخ يمحو معه الإنسان ككائن تاريخي، ويحوله إلى مجرد ظاهرة عابرة في ذهن الساحر الذي يمتلك مفاتيح العدم. إن قدرة السحر على تغيير التاريخ عبر العدم هي التهديد النهائي لكل ما هو إنساني. إنها تحول العالم إلى مسرح من الأوهام حيث لا حقيقة ثابتة ولا درس يمكن تعلمه. التاريخ هو الحصن الذي يحمينا من العودة إلى تيه العدم، و السحر الذي يحاول هدم هذا الحصن، مهما كانت مبرراته، هو فعل ضد المعنى في حد ذاته.

_ شرخ في المساواة: الطبقية الأنطولوجية وصراع أسياد العدم وعبيد الضرورة

يعد ظهور مفهوم المواطن المستمد من العدم تحدياً جذرياً للعقد الإجتماعي التقليدي وللفلسفة الحقوقية التي تأسست منذ عصر التنوير. فالمواطنة تاريخياً تقوم على مبدأ التكافؤ في المحدودية؛ أي أن جميع المواطنين يشتركون في إحتياجات مادية متماثلة، ويخضعون لنفس القوانين الطبيعية والبيولوجية. أما المواطن الذي يستمد قوته وجوده من العدم، فهو كائن لا متكافئ بالضرورة، لأنه يمتلك إستقلالاً أنطولوجياً عن الدولة والمجتمع؛ فهو لا يحتاج إلى النظام الإقتصادي للبقاء، ولا يحده الندرة التي تديرها السياسة. هذا الوضع يخلق حالة من الإغتراب القانوني، حيث تصبح الحقوق و الواجبات التقليدية قوالب ضيقة لا تستوعب كائناً يستطيع إستدعاء إمكانياته من الفراغ المطلق. تطرح المساواة أمام القانون إشكالية كبرى عند التعامل مع هذا النوع من المواطنين. إذا كانت الحقوق تُمنح بناءً على الإنسانية المشتركة، فهل يظل المواطن المستمد من العدم إنساناً بالمعرفة القانونية؟ إن قدرته على خرق السببية تجعله فوق قانوني. لذا، قد يميل المجتمع إلى صياغة حقوق إستثنائية تكون في جوهرها قيوداً أكثر من كونها إمتيازات. فالحق في الخصوصية، مثلاً، قد يُسلب من هذا المواطن لأن خصوصيته قد تخفي وراءها عمليات تلاعب بالواقع تهدد السلامة العامة. هنا، تتحول الحقوق إلى أدوات رقابة وجودية تهدف إلى رصد أي تسرب للعدم في الحيز العام، مما يجعل هذا المواطن يعيش حالة من الإستثناء الدائم بتعبير جورجيو أغامبين. من ناحية أخرى، تبرز مسألة الحقوق الإيجابية. هل يحق للمجتمع مطالبة هذا المواطن بإستخدام قوته المستمدة من العدم لصالح المنفعة العامة؟ إذا كان بإمكانه محو الفقر أو المرض عبر إستدعاء الموارد من اللاشيء، فإن إمتناعه عن ذلك قد يُنظر إليه كجريمة امتناع عن إغاثة وجودية. هذا يحول المواطن الساحر إلى مورد عام مملوك للدولة، و هو ما يتناقض مع مبدأ الحرية الفردية. المجتمع سيجد نفسه ممزقاً بين الرغبة في إستغلال فيض العدم وبين الخوف من فوضى العدم، مما يؤدي إلى ظهور طبقة قانونية هجينة تعامل هذا المواطن ككيان ذي سيادة ذاتية يجب إحتواؤه بدلاً من دمجه. إن العقد الإجتماعي، كما صوره هوبز ولوك وروسو، هو إتفاق لحماية الضعفاء من الأقوياء. لكن كيف يمكن عقد إتفاق مع شخص قوته مستمدة من العدم، أي قوة لا يمكن قياسها أو ردعها؟ هنا يتحول المجتمع نحو سياسة الحذر الميتافيزيقي. قد تُفرض على هذا المواطن واجبات تطهيرية، مثل الإلتزام بطقوس أو قوانين تضمن عدم تداخل عدمه الشخصي مع الوجود الجمعي. المجتمع قد يطالبه بالشفافية الوجودية، أي الكشف الدائم عن مصدر طاقته و كيفية إستخدامها، كشرط لمنحه حق المواطنة. إن الحقوق هنا لا تُستمد من الطبيعة، بل تُمنح كمنحة مشروطة لضمان عدم إنهيار الواقع تحت وطأة السحر. علاوة على ذلك، يظهر خطر الطبقية الأنطولوجية. إذا أصبح السحر المستمد من العدم متاحاً لقلة من المواطنين، فإن المجتمع سينقسم إلى أسياد الوجود (السحرة) و عبيد الضرورة (البشر العاديين). في هذا السيناريو، لن تكون الحقوق متساوية، بل ستكون قائمة على الرتبة الوجودية. المواطن العادي سيطالب بحقوق الحماية من العدم، بينما سيطالب المواطن الساحر بحقوق التحرر من المادة. هذا الصراع سيؤدي حتماً إلى إعادة تعريف الدولة لتصبح منسقاً بين العوالم، وظيفتها الأساسية ليست توفير الرفاهية، بل منع وقوع حرب وجودية بين من يملكون العدم ومن لا يملكون سوى الوجود المادي. في نهاية المطاف، إن التعامل مع المواطن المستمد من العدم يتطلب ثورة في الفكر القانوني والسياسي. المجتمع لا يمكنه معاملة اللانهاية بأدوات محدودة. لذا، فإن الحقوق في هذا العصر الجديد ستكون محاولة لموازنة كفتي الميزان؛ حق الفرد في ممارسة سيادته على العدم، وحق الجماعة في الحفاظ على ثبات الوجود. إنه ميثاق هش يُكتب بمداد من النور فوق ورق من الفراغ، يهدف إلى إيجاد مكان للإنسان في قلب العاصفة الميتافيزيقية.

_ ثقوب في جدار الحقيقة: لماذا تخشى السلطة السحر و الخيال الخلاق

تطرح هذه الفرضية فكرة أن النظام الإجتماعي ليس مجرد تنظيم إداري للحياة اليومية، بل هو مشروع أنطولوجي يهدف إلى تثبيت الواقع في قالب الحقيقة المطلقة لحمايتنا من الوعي بوجود العدم. إن المجتمع، في جوهره، يخشى الفراغ؛ لذا فهو يبني جدراناً من المعاني، والمؤسسات، و التقاليد ليوهم أفراده بأن هذا العالم صلب، دائم، وغير قابل للإختراق. في هذا السياق، يُعد السحر المستمد من العدم هو الخطيئة الكبرى لأنه يكشف زيف هذه الصلابة، ويذكرنا بأن الوجود ليس سوى جزيرة صغيرة محاطة بمحيط لا نهائي من اللاشيء الذي يمكنه إبتلاع كل الحقائق في لحظة واحدة. يعمل النظام الإجتماعي كعملية تشفير للواقع؛ فهو يمنح لكل شيء إسماً، ووظيفة، وقيمة ثابتة، لدرجة أننا نبدأ في الإعتقاد بأن هذه المسميات هي حقائق كونية وليست مجرد إتفاقات بشرية. هذا الإستبداد بالمعنى ضروري لمنع تسرب العدم إلى الوعي الجمعي. فإذا إعترف المجتمع بقوة العدم، فإن كل أسس السلطة ستنهار؛ إذ كيف يمكن للملك أن يحكم إذا عرف المحكومون أن العرش و القانون و الدولة هي مجرد تشكيلات هشة فوق هاوية من الفراغ؟ لذا، فإن المجتمع يصر على أن الوجود هو الحقيقة الوحيدة المطلقة ليقمع أي إمكانية سحرية للتحول أو التلاشي. إن الشعائر الإجتماعية، من القوانين الصارمة إلى الروتين اليومي الممل، هي في الحقيقة تعاويذ مضادة تهدف إلى تثبيت الوعي في المادة. المجتمع يكره السحر لأنه فعل نَقض؛ فالساحر الذي يستمد قوته من العدم يقول فعلياً إن القواعد يمكن كسرها، وهذا القول يهدد الهيكل النفسي للمجتمع الذي يعتمد على اليقين. إن محاربة السحر عبر التاريخ كانت في جوهرها محاولة لفرض ديكتاتورية المادة؛ حيث يُجبر الجميع على الإعتراف بأن ما نراه هو كل ما يوجد، وأن العدم مجرد وهم أو خلاء لا قيمة له، خوفاً من أن يؤدي الإعتراف به إلى إنحلال الروابط الإجتماعية. عندما يمارس الساحر قوته المستمدة من العدم، فإنه يقوم بعملية نزع القناع عن النظام الإجتماعي. هو لا يغير المادة فحسب، بل يغير حقيقة المادة. السحر يثبت أن الواقع لدن وقابل لإعادة التشكيل، مما يعني أن النظام الإجتماعي القائم ليس قدراً محتوماً، بل هو خيار واحد من بين مالا نهاية من الإحتمالات الكامنة في العدم. هذا هو السبب في أن الأنظمة الشمولية والمحافظة تخشى الخيال الخلاق و السحر؛ لأنهما يفتحان ثغرات في جدار الحقيقة المطلقة التي تحاول السلطة حشر الناس داخلها. في هذا الإطار، يُمكن إعتبار السحر نوعاً من التمرد الأنطولوجي. فبينما تحاول القوانين الإجتماعية حبس الإنسان في تعريفات محددة مواطن، موظف، مستهلك، يأتي السحر ليعيد ربط الإنسان بالعدم، وهو فضاء الحرية المطلقة الذي يسبق أي تعريف. إن المجتمع يحاول إقناعنا بأن العدم هو الموت، لكن السحر يطرح فكرة أن العدم هو المصدر؛ و هذا الإنقلاب في المفهوم هو ما يهدد جوهر العقد الإجتماعي، لأنه يحول الإنسان من ترس في آلة الوجود إلى خالق يمتلك مفاتيح التلاشي والظهور. بشكل عام؛ يظهر النظام الإجتماعي كحصن شيدناه لننسى وحدتنا وضياعنا في العدم. إننا نؤسس الوجود كحقيقة مطلقة لأننا لا نملك الشجاعة لمواجهة الفراغ الذي يكمن في قلب كل شيء. السحر يظل هو المذكر الدائم بهشاشة هذا الحصن، والقوة التي تحذرنا من أن إستقرارنا ليس سوى وهم جميل. المجتمع سيستمر في إنكار العدم، و الساحر سيستمر في إستدعائه، وبين هذين القطبين تُنسج قصة الوجود الإنساني كصراع أبدي بين الرغبة في الأمان داخل الشيء والشوق إلى الحرية داخل اللاشيء.

_ إنتحار النظام وولادة المعنى: سيكولوجية الثورة كفعل خلق سحري

يُمكن إعتبار التمرد الإجتماعي، في أعمق تجلياته الفلسفية، ليس مجرد حراك سياسي أو مطلبي، بل هو فعل سحري بإمتياز، يقوم على إستدعاء قوة العدم لتفكيك الواقع المتصلب وخلق نظام جديد من رحم الفراغ. في اللحظة التي يقرر فيها المجتمع أو طليعة منه أن النظام القائم لم يعد موجوداً في وعيهم، فإنهم يفتحون ثقباً أسود في نسيج الشرعية السياسية. هذا الثقب هو العدم الذي يبتلع القوانين، والمؤسسات، و التراتبيات، ليحولها إلى مادة أولية خام قابلة لإعادة التشكيل. التمرد هنا هو العملية الميتافيزيقية التي تحول اللاشيء السياسي إلى شيء جديد، وهو ما يشبه تماماً عمل الساحر الذي يخرج الوجود من العدم. تبدأ كل ثورة إجتماعية كبرى بفعل إنكار وجودي؛ حيث يتم نزع صفة الحقيقة عن النظام القديم. هذا الإنكار ليس مجرد معارضة، بل هو تبخير للصلابة التي كانت تتمتع بها السلطة. عندما تسقط الهيبة، يكتشف الناس أن النظام الذي كان يحكمهم لم يكن يستند إلى قوة مادية مطلقة، بل إلى إيمان جمعي بوجوده. وبمجرد سحب هذا الإيمان، يبرز العدم الكامن خلف الأقنعة المؤسساتية. التمرد هنا هو السحر الذي يستخدم قوة الرفض لفتح البوابات أمام العدم؛ فالهدم الذي يمارسه الثوار هو في الحقيقة عملية تصفير للواقع، تهدف إلى العودة إلى الحالة البدائية حيث كل الإحتمالات ممكنة، وحيث لا سلطة تعلو فوق سلطة الإرادة المحضة المستمدة من الفراغ. إن النظام الجديد الذي ينبثق بعد التمرد لا يأتي كتطور طبيعي للقديم، بل يظهر كطفرة وجودية. السحر الكامن في التمرد يتجلى في القدرة على خلق معنى جديد من فوضى العدم. في اللحظات الإنتقالية للثورات، يعيش المجتمع حالة من السيولة القصوى حيث تغيب القوانين وتتلاشى التعريفات؛ و في هذه اللحظة السحرية، يتم إلقاء الكلمات الجديدة مثل الحرية، المساواة، العدالة كتعاويذ قادرة على تجميد العدم و تحويله إلى هيكل إجتماعي صلب. النظام الجديد هو الوجود الذي تم إنتزاعه من العدم عبر طقوس المقاومة والتضحية، وهو ما يفسر لماذا تبدو بدايات الأنظمة الثورية دائماً محاطة بهالة من القداسة أو اللاواقعية، لأنها نتاج فعل سحري كسر حتمية التاريخ. يعمل المتمردون كسحرة سيميائيين (Alchemists) يحاولون تحويل رصاص النظام القديم المتهالك إلى ذهب النظام الجديد عبر وسيط العدم. النظام القديم يمثل المادة الثقيلة التي إستنفدت إمكانياتها، بينما يمثل التمرد النار التي تذيب هذه المادة لتعيدها إلى أصلها العدمي. إن نجاح أي تمرد إجتماعي يعتمد على مدى قدرته على إحتمال العدم؛ فالمجتمعات التي تخشى الفراغ الذي يخلفه سقوط النظام غالباً ما تسارع إلى إعادة إنتاج القديم تحت مسمى جديد. أما التمرد السحري الحقيقي، فهو الذي يمتلك الشجاعة للبقاء في اللامكان لفترة كافية تسمح بخلق حقيقة مختلفة تماماً، لا تدين بشيء للماضي، بل تستمد كل شرعيتها من فعل الخلق من الفراغ. هذا المنظور يفسر الخوف الرهيب الذي تبديه السلطات من فكرة التمرد أكثر من خوفها من السلاح. السلاح مادي ويمكن مواجهته بالمادة، أما التمرد كظاهرة سحرية فهو يعدي الوعي ويغير إدراك الناس للواقع، مما يجعلهم يرون العدم حيث كانت السلطة ترى الدوام. عندما يكتشف الشعب قدرته السحرية على إلغاء الوجود السياسي بكلمة لا، فإنه يمارس سيادة مطلقة مستمدة من فضاء لا تصله جيوش السلطة؛ فضاء العدم الذي تخرج منه كل البدايات. التمرد، بهذا المعنى، هو الفعل الذي يذكرنا بأن المجتمع هو الساحر الأكبر، وأن كل الأنظمة ما هي إلا أشكال عابرة رسمها الخيال البشري فوق رمال العدم اللامتناهية. يمكن القول بأن، التمرد الإجتماعي هو البرهان العملي على أن العدم ليس نهاية، بل هو مستودع الإمكانيات. إن خلق نظام جديد من فراغ النظام القديم هو المعجزة السياسية التي تتكرر عبر التاريخ لتؤكد أن الوجود الإنساني ليس سجناً مادياً ثابتاً، بل هو عملية خلق مستمرة تستمد طاقتها من مواجهة الفراغ. السحر والتمرد يشتركان في كونهما أفعال حرية مطلقة ترفض الخضوع لما هو كائن من أجل ما يمكن أن يكون.

_ وفاة الندرة: السحر العدمي وإنتحار الملكية الخاصة

تمثل القدرة على السحر المستمد من العدم التهديد النهائي و الجذري لمفهوم الملكية الخاصة، ليس فقط كمنظومة قانونية أو إقتصادية، بل كبنية أنطولوجية يعتمد عليها إستقرار العالم المادي. إن الملكية الخاصة تقوم في جوهرها على فلسفة الندرة؛ فلكي يمتلك فرد شيئاً ما، يجب أن يكون هذا الشيء محدوداً، وصعب المنال، ويتطلب جهداً أو تبادلاً للحصول عليه. أما السحر الذي يسمح بالخلق الفوري من العدم، فإنه ينسف مبدأ الندرة من أساسه، ويحول الأشياء من ممتلكات ثابتة إلى تجليات عابرة، مما يؤدي إلى إنهيار القيمة المادية والمعنوية التي تمنح الملكية معناها السياسي والإجتماعي. عندما يستطيع الفرد إستدعاء الموارد، أو السلع، أو حتى العقارات من العدم بلحظة واحدة، تفقد الملكية وظيفتها كأداة للتميز الإجتماعي أو البقاء. في المنطق الرأسمالي والمادي، تكتسب الملكية قدسيتها لأنها نتاج لتراكم الزمان و الجهد. لكن السحر المستمد من العدم يمارس نوعاً من العدوان الزمني على الملكية؛ فهو يلغي الحاجة إلى العمل والإنتاج. إذا كان بإمكان الجميع إمتلاك كل شيء في أي وقت عبر العدم، فإن مفهوم لي و لك يصبح عبثاً سريالياً. هذا الإنفجار في الوفرة المطلقة يؤدي إلى تضخم وجودي يجعل المادة بلا قيمة، ويحول الملكية الخاصة من حق مقدس إلى عبىء تقني لا معنى له في عالم لا تحكمه قوانين الندرة. علاوة على ذلك، يمثل السحر خطراً على ثبات الملكية. فالقانون يحمي الملكية لأنها شيء مستقر يمكن الإشارة إليه. لكن الخلق من العدم يمنح الساحر قدرة على المحو أيضاً؛ فكما أوجد الشيء من اللاشيء، يمكنه إعادته إليه. هذا يجعل سندات الملكية والعقود القانونية مجرد أوراق تافهة أمام قوة تستطيع إفناء موضوع الملكية ذاته. السلطة السياسية التي تستمد شرعيتها من حماية الملكية الخاصة ستجد نفسها في حالة شلل كامل؛ إذ كيف يمكن للدولة أن تضمن حق فرد في أرض أو مال إذا كان بإمكان جاره سحرهما إلى العدم أو خلق نسخ متطابقة منهما تجعل الأصيل بلا قيمة؟ إن السحر يذيب الحدود المادية التي يفترض القانون أنها غير قابلة للإختراق. في الفلسفة السياسية، تُعد الملكية الخاصة إمتداداً للذات؛ فنحن نتملك الأشياء لكي نؤكد وجودنا في العالم المادي. لكن المواطن العدمي لا يحتاج إلى تملك العالم لكي يثبت وجوده، بل يحتاج إلى السيادة على الفراغ. هذا التحول من هوس الحيازة إلى هوس الخلق يهدد النظام الإجتماعي القائم على التنافس والطبقية. الملكية الخاصة هي سياج يضعه المجتمع حول المادة، بينما السحر هو إنفتاح على اللاشيء. الخطر هنا يكمن في أن السحر يحول المجتمع من مجتمع ملاك إلى مجتمع خالقين، وهو إنتقال لا يمكن للنظام السياسي الحالي إستيعابه دون أن ينهار بالكامل، لأن النظام يعيش على إدارة الحرمان، والسحر هو إدارة الفيض المطلق. إن الإعتراف بالسحر المستمد من العدم يعني بالضرورة إعلان وفاة الملكية الخاصة. ففي عالم السحر، تصبح الملكية الوحيدة الحقيقية هي المعرفة السحرية أو الرابط بالعدم، وهي ملكية غير مادية ولا يمكن مصادرتها أو تنظيمها بالوسائل التقليدية. هذا يخلق نوعاً جديداً من الإقطاع الميتافيزيقي، حيث لا يمتلك الأقوياء الأرض، بل يمتلكون إمكانية الوجود. المجتمع الذي يواجه الخلق الفوري سيضطر إلى إعادة تعريف الحقوق لتصبح حقوق إستخدام مؤقتة بدلاً من حقوق ملكية دائمية، مما يعني تفكيك الركيزة الأساسية التي بُنيت عليها الحضارة الإنسانية منذ العصر الحجري، والعودة إلى حالة من السيولة المشاعية التي يفرضها العدم فرضاً. وفي الأخير، تُعد الملكية الخاصة محاولة إنسانية لترويض الزمن والمادة وخلق وهم بالدوام. السحر والعدم هما القوى التي تذكرنا بأن هذا الوهم لا يصمد أمام الحقيقة الكونية للتحول المطلق. إن الخلق الفوري هو فعل تحرر من عبودية الأشياء، ولكنه في الوقت نفسه تدمير للنظام الذي يمنحنا شعوراً بالأمان والترابط. الوجود بلا ملكية هو وجود في مهب الريح، و السحر هو تلك الريح العاتية التي تهدد بإقتلاع جذورنا المادية وإلقائنا في رحابة العدم الموحشة.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- بينها شركة عربية.. أكثر شركات الطيران والمطارات التزاماً بال ...
- بقلب عملاق في الثلج.. متزلجون يحيون ذكرى ضحايا حريق الحانة ا ...
- الجيش السوري يعلن مناطق انتشار -قسد- في حلب -أهدافًا عسكرية ...
- غراهام يوجّه تحذيرًا إلى خامنئي: -ترامب سيقتلك-
- سوريا وإسرائيل تتفقان على تشكيل ?مجموعة مشتركة لتبادل المعلو ...
- العراق: ناشطون بيئيون يحذّرون من أمراض جديدة مرتبطة بالتغيّر ...
- ترامب: فنزويلا ستسلم الولايات المتحدة 50 مليون برميل نفط عال ...
- فنزويلا: -ذراع السلطة الخفية-...ما مصير مليشيات -الكولكتيفوس ...
- ممتلكات نادرة لستيف جوبز في المزاد العلني
- بالخريطة التفاعلية.. الجيش السوري يحدد أهدافا عسكرية بحلب


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّلَاثُون-