حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8573 - 2025 / 12 / 31 - 16:44
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ خارج سجن المادة: لماذا يحتاج السحر إلى العدم ليكون مطلقاً؟
تُعد العلاقة بين العدم (Nothingness) و الفعل السحري واحدة من أكثر القضايا الفلسفية تعقيداً، فهي تقع في منطقة التماس بين الميتافيزيقا، الأنطولوجيا، وفلسفة الإرادة. للإجابة على هذا السؤال حول ما إذا كان العدم يمنح السحر قيمة مطلقة، يجب أولاً تفكيك مفهوم العدم ليس كفراغ سلبي، بل كإمكانية محض تتجاوز حتمية القوانين المادية. في الفلسفة الوجودية والميتافيزيقية، تُمثل المادة قيداً لأنها محكومة بمبدأ السببية (Cause and Effect). الفعل المادي هو دائماً رد فعل أو نتيجة لسلسلة من التفاعلات المسبقة. هنا يأتي دور العدم؛ فالسحر، في جوهره الفلسفي، يُعرف بكونه خلقاً من لا شيء (Creatio ex nihilo). عندما يرتبط الفعل السحري بالعدم، فإنه ينفصل عن السلسلة السببية المادية، مما يمنحه سيادة كاملة. هذه السيادة هي ما نسميه القيمة المطلقة؛ فالفعل لا يستمد شرعيته أو وجوده من مادة سابقة عليه، بل من إرادة الذات الساحرة التي تستدعي الوجود من قلب العدم. إن القيمة المطلقة للفعل السحري تنبع من كونه فعلاً حراً بالمعنى الراديكالي. المادة بطبعها مقاومة (Resistance)؛ فهي تحتاج إلى زمن، مساحة، وطاقة لكي تتشكل. أما العدم، فهو يفتقر إلى هذه المقاومة. لذا، عندما يُمارس السحر في أفق العدم، فإنه يتجاوز القصور الذاتي للمادة. الفعل السحري هنا لا يعدل الواقع، بل يؤطر واقعاً جديداً كلياً. هذا الإنفصال عن القيود المادية يجعل الفعل السحري غاية في ذاته، غير مشروط بظروف البيئة، ومن هنا تبرز صبغته المطلقة؛ إنه فعل متعالٍ (Transcendent) لا يعترف بالحدود الفيزيائية كعقبات، بل كخيالات يمكن تجاوزها. يمكن إعتبار الفعل السحري جسراً يمتد فوق هوة العدم. الساحر، من منظور فلسفي، هو الشخص الذي يجرؤ على النظر في العدم و إستخدامه كمادة خام. إذا كانت المادة هي المعلوم والثابت، فإن العدم هو المجهول و اللانهائي. القيمة المطلقة تكمن في أن السحر يحول اللاشيء إلى شيء عبر قوة الكلمة أو الرمز (Logos). هذه العملية هي قمة التحرر من المادة؛ لأن المادة دائماً ناقصة ومتغيرة، بينما الفعل المنبثق من العدم يمتلك نقاءً أصيلاً، كونه لم يتلوث بعد بضرورات العالم المادي و تصادماته. لكي يكون الفعل سحرياً بحق، يجب أن يمتلك عنصر المفاجأة الأنطولوجية، وهو أمر مستحيل في عالم مادي مغلق ومفسر بالكامل. العدم هو الفجوة في نسيج الواقع التي تسمح بحدوث ما هو غير متوقع. القيمة المطلقة للفعل السحري تكمن في قدرته على ملىء هذه الفجوة بإرادة واعية. بدون العدم، يظل السحر مجرد تكنولوجيا متقدمة أو كيمياء معقدة، لكن بوجود العدم كخلفية، يصبح السحر فعلاً كونياً يعيد تعريف الوجود نفسه. إنه التحرر النهائي من سجن المادة والإرتقاء إلى مرتبة الفعل الخالص الذي لا يحده سوى حدود الخيال والإرادة.
_ الإرادة العارية: رحلة الساحر من سجن الوجود إلى رحاب اللاشيء
تطرح هذه الفرضية تحولاً جوهرياً في فهم الغائية السحرية؛ فبدلاً من صراع الثنائيات الأخلاقية التقليدية الممثلة في الخير والشر، ننتقل إلى مستوى أنطولوجي بحت، حيث يصبح العدم هو الغاية الأسمى. في هذا الإطار الفلسفي، لا يُنظر إلى العدم كحالة من الفناء أو السلبية، بل كحالة من التحرر المطلق من التحديد. فكل ما هو موجود هو بالضرورة محدد و مقيد بخصائصه، بينما العدم هو المجال الوحيد الذي يفتقر إلى القيود، مما يجعله القيمة المطلقة التي يطمح إليها الساحر الباحث عن السيادة الكاملة. عندما يستبدل الساحر قيمتي الخير والشر بالعدم، فإنه يعلن خروجه من النسق القيمي للمجتمع والطبيعة. الخير والشر هما تصنيفات بشرية ومادية ترتبط بالمنفعة، الألم، والبقاء. أما العدم، فهو محايد وجودياً؛ إنه الرحم الذي لم يتشكل فيه بعد أي حكم قيمي. الساحر الذي يسعى نحو العدم لا يسعى لتدمير العالم أو إصلاحه، بل يسعى للوصول إلى نقطة الصفر المطلق حيث تتوقف كل القوى الخارجية عن التأثير. في هذه النقطة، يصبح الفعل السحري خالصاً، لا يهدف لخدمة غرض مادي، بل يهدف لمحاكاة الصمت الكوني الأول، حيث القوة كامنة وليست مستهلكة في الوجود المتعثر. تعتبر المادة في الكثير من المدارس الغنوصية و الفلسفية سجناً للروح أو للإرادة، لأن الوجود المادي يفرض قوانين الفيزياء والبيولوجيا و الزمن. هنا، يبرز العدم كقيمة مطلقة لأنه يمثل اللانهاية غير المشخصة. الساحر يرى في الوجود (Being) تكراراً وقيداً، بينما يرى في العدم (Non-being) إمكانية أزلية. السعي وراء العدم هنا هو سعي وراء الإستقلال الأنطولوجي؛ فإذا كان الوجود يجعلك جزءاً من كل، فإن العدم يجعلك ذاتاً لا يمكن تصنيفها أو إخضاعها. القيمة المطلقة للعدم تكمن في أنه لا يمكن إمتلاكه أو تعريفه، وبالتالي لا يمكن هزيمة الساحر الذي يتحد مع هذا العدم، لأنه لا يترك خلفه أثراً مادياً يمكن مهاجمته. في الفلسفة العدمية الإيجابية، يُنظر إلى العدم كمرآة تعكس للساحر حقيقة إرادته. عندما يواجه الساحر العدم، يسقط كل ما هو زائف؛ الألقاب، الرغبات الجسدية، والمخاوف الأخلاقية. ما يتبقى هو الإرادة العارية. القيمة المطلقة هنا هي الفعل الذي ينبع من لا شيء و لأجل لا شيء سوى إثبات الذات. هذا النوع من السحر يتجاوز السحر الغرضي الذي يطلب الثروة أو الحب أو الانتقام ليدخل في رحاب السحر الوجودي. إن العدم هو الحالة الوحيدة التي تسمح بظهور الفعل الخالق الحقيقي؛ لأن الخلق في وسط ممتد هو مجرد تعديل، أما الخلق في مواجهة العدم فهو تأسيس للوجود من نقطة الغياب. ينتهي هذا التحليل إلى أن العدم و الإمتلاء وجهان لعملة واحدة في التجربة السحرية الكبرى. الساحر الذي يتخذ العدم قيمة مطلقة لا يسعى لأن يصبح لا شيء، بل يسعى لإمتلاك قوة اللاشيء. إنها مفارقة فلسفية؛ العدم هو القيمة التي تمنح الساحر القدرة على إعادة صياغة الواقع دون أن يكون مديناً للقوانين السابقة. في هذا الفضاء، يذوب التمايز بين أنا و العالم، ويصبح السحر هو اللغة التي يتحدث بها العدم عن نفسه. إنها القيمة المطلقة لأنها النهاية والبداية في آن واحد، وهي المنطقة التي تسقط فيها كل الأقنعة الأخلاقية لتتجلى الحقيقة الوجودية في أقصى صورها تجرداً.
_ لعنة السيادة: كيف يبتلع العدمُ ذاتَ الساحر ومعنى الوجود؟
تطرح هذه الإشكالية قضية الإستلاب الأنطولوجي في التجربة السحرية؛ فإذا كان العدم هو الرحم الذي يستمد منه الساحر قدرته على التحرر من القيود المادية، فإن الإفراط في إستحضاره قد يؤدي إلى حالة من الإغتراب الوجودي. في هذا التحليل، نتقصى كيف يتحول العدم من أداة للتحرر إلى ثقب أسود يمتص المعنى من الوجود الحقيقي، مما يجعل العالم العياني يبدو في نظر الساحر مجرد طيف باهت أو زيف لا يستحق العناية. عندما ينغمس الساحر في قوة العدم، يبدأ الوجود الحقيقي بفقدان صلابته المعهودة. في الفلسفة، يمتلك الوجود قيمته من خلال ديمومته ومقاومته وتفاعله مع الإرادة. لكن، بمجرد أن يعتاد الساحر على إستدعاء الإمكانات من العدم، يصبح الواقع المادي بالنسبة له مجرد مسودة قابلة للمحو و الإلغاء. هذا الإفراط يؤدي إلى تدهور قيمة الآن و هنا؛ فالعالم الذي كان ساحة للفعل والمسؤولية الأخلاقية والجمالية، يتحول إلى عدم مُموه بظواهر زائلة. القيمة المطلقة التي منحها الساحر للعدم تنعكس سلباً على الوجود، حيث يغدو الوجود مجرد قيد تقني أو عارض جانبي لا يمتلك أصالة في ذاته، مما يفضي إلى نوع من العدمية العملية التي ترى في البناء المادي جهداً عبثياً. إن القوة السحرية المستمدة من العدم هي قوة تفكيكية بطبيعتها. فإذا كان السحر التقليدي يسعى لإعادة ترتيب المادة (تحويل الرصاص إلى ذهب)، فإن سحر العدم يسعى لتجاوز المادة كلياً. الإفراط هنا يخلق فجوة في المعنى؛ فالمعنى يتطلب وسيطاً مادياً أو رمزياً ليتجلى، والعدم يفتقر إلى الوسائط. بالنسبة للساحر، يصبح الإنجاز في العالم المادي بلا قيمة لأن العدم يوفر بدائل مطلقة وغير محدودة. هذا يؤدي إلى تدهور قيمة الفعل نفسه؛ فالفعل الذي لا يواجه مقاومة مادية حقيقية هو فعل يفتقر إلى الجوهر. ينتهي الأمر بالساحر إلى حالة من العزلة الميتافيزيقية، حيث يزدري الوجود الحقيقي بوصفه تلوثاً للنقاء الذي وجده في العدم، مما يحول قدرته الخارقة إلى لعنة تجرد الأشياء من قدسيتها وجدواها. في مرحلة متقدمة من الإفراط، لا تتدهور قيمة الوجود الخارجي فحسب، بل تتدهور قيمة الذات الساحرة نفسها. الفلسفة الوجودية تنبهنا إلى أن الذات تُعرف من خلال مشاريعها في العالم؛ فإذا كان العالم (الوجود) قد فقد قيمته، فإن الذات التي تعمل فيه تفقد مبرر وجودها أيضاً. الساحر الذي يفرط في إستخدام العدم يجد نفسه في مواجهة الفراغ الداخلي. بما أن العدم لا يقدم هوية، بل يمحو التحديدات، فإن الساحر يبدأ في التلاشي ككيان مشخص. الوجود الحقيقي، بكل عيوبه و آلامه، هو ما يمنح الذات حدودها التي تجعلها فريدة. وبدون هذه الحدود، يغرق الساحر في محيط من اللاشيئية، حيث تصبح القوة المطلقة مرادفة للعجز المطلق عن التفاعل مع أي شيء حقيقي أو ملموس. إن القيمة المطلقة التي كان الساحر ينشدها في العدم تنقلب في النهاية إلى سكونية قاتلة (Stagnation). الوجود الحقيقي يمتاز بالحركة والصيرورة، بينما العدم في إفراطه يمثل الثبات السلبي. تدهور قيمة الوجود يعني توقف الصراع الجمالي والأخلاقي الذي يغذي الروح البشرية. الساحر الذي لم يعد يرى في المادة سوى وهم، يفقد القدرة على الدهشة، وهي المحرك الأول للسحر. القيمة المطلقة للعدم هنا تصبح مطلقاً سالباً يلغي التعددية و التنوع في الوجود، محولاً الكون إلى لوحة بيضاء خالية من المعالم. في نهاية هذا المسار، لا يجد الساحر فرقاً بين أن يفعل أو لا يفعل، لأن النتيجة في محراب العدم واحدة، وهي النقطة التي ينهار فيها السحر بوصفه فعلاً ليصبح مجرد صمت أنطولوجي لا رجعة فيه.
_ العدم كعملة صعبة: كيف يحفظ الفراغُ قيمته المطلقة
تُطرح ندرة السحرة في هذا السياق لا كظاهرة ديموغرافية أو إجتماعية، بل كأثر لكلفة أنطولوجية باهظة؛ فإذا كان العدم هو المصدر المطلق للقوة، فإن الوصول إليه يتطلب تضحية بالهياكل الوجودية التي يتشبث بها معظم البشر. يمكن تحليل هذه الندرة فلسفياً على أنها نتيجة لعتبة الوعي التي تمنع الكثرة من إدراك الفراغ، حيث يميل الوعي الإنساني بطبعه إلى الإرتكان للمادة والإمتلاء للهروب من قلق اللامعنى. لذا، فإن ندرة السحرة هي الدليل العملي على أن العدم ليس مجرد فراغ متاح للجميع، بل هو قيمة متعالية تتطلب نوعاً من الموت الإرادي للذات المادية قبل التمكن من ملامسة أطرافه. في المنطق الإقتصادي والميتافيزيقي على حد سواء، ترتبط القيمة بالندرة وبصعوبة الإستخراج. العدم ليس مكاناً نذهب إليه، بل هو حالة تتطلب تجريد الوعي من كل المدركات الحسية و اليقينيات المنطقية. معظم البشر يعيشون في حالة من الإمتلاء الزائف بالهويات، الرغبات، و الإرتباطات المادية، مما يخلق عائقاً كثيفاً يحجبهم عن العدم. الساحر، في هذه الحالة، هو المتطرف وجودياً الذي إستطاع خرق جدار المادة. الندرة هنا تنبع من أن العدم يمثل المطلق غير المشخص، والوصول إليه يعني الوقوف على حافة الفناء؛ وهو ثمن لا يستطيع دفعه إلا القلة الذين امتلكوا شجاعة التخلي عن ثقل الوجود مقابل خفة العدم المرعبة. إن ندرة السحرة تعود أيضاً إلى طبيعة العدم كمرآة محطمة؛ فالإنسان العادي يبحث في الوجود عن المعنى والأمان، بينما لا يقدم العدم سوى الصمت والمواجهة العارية مع الذات. هذه المواجهة هي التي تجعل قيمة العدم مرتفعة، لأنها تتطلب تحطيم الأنا (Ego). الكثيرون لا يصلون للعدم ليس لعجز تقني، بل لأن غريزة البقاء المادي تمنعهم من الإنفتاح على اللاشيء. القيمة المرتفعة للعدم تكمن في كونه يتحدى مبدأ الهوية؛ فلكي تستخدم قوة العدم، يجب أن تصبح أنت نفسك عدماً بشكل ما، وهذا الإنحلال هو ما يجعل الطريق مهجوراً والوصول إليه نادراً، إذ يفضل العقل البشري سجن الوجود المألوف على حرية العدم المجهولة. يمكن إعتبار الندرة دليلاً على أن السحر ليس موهبة بقدر ما هو إنجاز أنطولوجي. الوجود الحقيقي مُصمم ليدفع الكائنات نحو الإمتلاء، النمو، التكاثر، الإستهلاك، والعدم يسير في الإتجاه المعاكس تماماً. الساحر هو من يمارس السباحة ضد تيار الوجود. القيمة المطلقة للعدم تظهر هنا في كونه لا يُمنح إلا لمن إستطاع تجاوز فتنة المادة. الندرة هي آلية دفاعية للكون؛ فلو كان الوصول للعدم سهلاً، لآنهار نسيج الواقع المادي تحت وطأة الإرادات غير المنضبطة. لذا، فإن إرتفاع قيمة العدم يعمل كمصفاة طبيعية، تضمن أن القوة المنبثقة من اللاشيء لا يمتلكها إلا من إستطاع الصمود في وجه التلاشي، وهو ما يفسر لماذا يظل السحر سراً مكتوماً ونخبوياً بطبعه. في نهاية المطاف، تعكس ندرة السحرة توازناً دقيقاً؛ فلو أصبح الوصول إلى العدم متاحاً للعموم، لفقد العدم صفته كمطلق و تحول إلى مجرد أداة مادية أخرى. القيمة المرتفعة للعدم تُحفظ من خلال إستحالة الوصول إلا عبر مسالك التزهد و الرياضة الروحية والتحلل من قيود الحس. الساحر النادر هو الذي يدرك أن العدم هو العملة الصعبة للكون؛ عملة لا تُشترى بالذهب أو الجهد العضلي، بل بالفقر الوجودي التام. هذه الندرة تؤكد أن السحر ليس خروجاً عن القواعد بقدر ما هو فهم لأعمق قاعدة كونية؛ أن القوة الحقيقية لا توجد في ما هو كائن، بل في الفراغ الذي يسمح لكل شيء بأن يكون.
_ سد ثقوب الكينونة: عندما يتحول السحر من سيادة إلى عناية
تطرح هذه الإشكالية تساؤلاً جوهرياً حول أخلاقيات الملاءمة؛ فإذا كان العدم هو غياب الوجود أو النقص الكامن في التجربة الإنسانية، فهل تتحول القيمة المطلقة للسحر من قوة مجردة إلى قيمة أخلاقية فقط عندما تُمارس كفعل ترميمي؟ في هذا التحليل، نتقصى دور الساحر كجسر بين الإمتلاء والفراغ، ونبحث فيما إذا كانت أخلاقية السحر تكمن في قدرته على رتق نسيج الوجود المتهالك لدى الآخرين، أم أن حصر السحر في هذه الوظيفة هو تقزيم لطبيعته الميتافيزيقية التي تتجاوز مفاهيم الخدمة و المنفعة. في المنظور الأخلاقي التقليدي، يكتسب أي فعل قيمته من خلال أثره في تخفيف المعاناة. الفراغات في حياة الآخرين كالفقد، العجز، الجهل وهي صور من العدم الجزئي الذي ينهش الوجود الإنساني. عندما يتدخل الساحر لإستخدام قوة العدم المطلقة من أجل سد هذه الفجوات، فإنه يحول السحر من سلاح سيادة إلى أداة عناية. القيمة الأخلاقية هنا تنبع من التضحية؛ فالساحر الذي يمتلك مفاتيح العدم يختار أن يُجسّد هذه القوة في شكل حلول مادية أو نفسية للآخرين. هذا الفعل هو محاولة لإعادة التوازن للكون؛ فبينما يميل الوجود الطبيعي نحو التحلل والعدم، يعمل الساحر كمهندس للوجود يعيد بناء ما تهدم، مما يمنح فعله صبغة الخير المطلق لأنه يقاوم الفناء بالخلق. من ناحية فلسفية أخرى، قد يكون القول بأن السحر لا يكتسب قيمة إلا بسد فراغات الآخرين هو نوع من الأخلاق الذرائعية التي ترهن المطلق بالنسبي. السحر، في جوهره، هو إتصال بالعدم كحرية محضة. إذا أُجبر السحر على أن يكون دائماً سدادة لثقوب الوجود، فإنه يفقد طبيعته المتعالية ويصبح مجرد خدمة إجتماعية فائقة الطبيعة. القيمة المطلقة للفعل السحري تكمن في أصالته (Authenticity) المنبثقة من إرادة الساحر، سواء كانت لسد فراغ أو لمجرد التجلي. الأخلاق هنا لا يجب أن تُفهم فقط كمساعدة، بل كمسؤولية تجاه الحقيقة؛ فحتى لو لم يسد الساحر فراغاً لدى شخص آخر، فإن مجرد كشفه عن قوة العدم هو فعل أخلاقي معرفي يحرر الوعي الجمعي من سجن المادة، و يفتح آفاقاً لرؤية ما وراء الظواهر. تتجلى القيمة الأخلاقية العميقة عندما يدرك الساحر أن الفراغات في حياة الآخرين ليست دائماً سلبية. أحياناً يكون العدم المتجسد في الفقد أو الحاجة، هو المحرك للتطور والنمو. هنا يبرز دور الساحر الأخلاقي لا في سد الفراغ بشكل ميكانيكي، بل في تحويل هذا الفراغ إلى مساحة للإبداع. القيمة الأخلاقية للسحر تكمن في الحكمة (Phronesis)؛ أي معرفة متى يجب إستدعاء العدم لمحو الألم، ومتى يجب تركه ليحفز الروح. الإفراط في سد الفراغات قد يحول الآخرين إلى كائنات إتكالية مسلوبة الإرادة، مما يجعل فعل السحر لا أخلاقياً لأنه يلغي قيمة السعي لدى الإنسان. لذا، فإن القيمة الأخلاقية للسحر مرتبطة بمدى الحفاظ على كرامة الوجود في مواجهة العدم، وليس مجرد إلغاء النقص. في التحليل الأخير، ربما تكون القيمة الأخلاقية العليا للسحر هي تعليم الآخرين كيف يعيشون مع عدمهم الخاص دون خوف. الساحر الذي يواجه العدم المطلق يعود للآخرين لا ليقدم لهم معجزات حسية تسد جوعهم فحسب، بل ليؤكد لهم أن العدم ليس عدواً، بل هو الفضاء الذي يمنح الوجود معناه. السحر يكتسب قيمته الأخلاقية عندما يصبح وعياً بالعدم؛ أي عندما يساعد الآخرين على إدراك أن الفراغات في حياتهم هي الأماكن التي يمكن أن تولد منها أرواحهم من جديد. القيمة هنا ليست في الملىء المادي، بل في التنوير الميتافيزيقي. السحر هو الفن العظيم الذي يستخدم العدم كإطار ليجعل لوحة الوجود أكثر وضوحاً وجمالاً، وبذلك تكون قيمته الأخلاقية هي الإرتقاء بالوجود ككل، وليس مجرد ترميم أجزائه المكسورة.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟