أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِن و الْعِشْرُون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِن و الْعِشْرُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 20:45
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ سيادة البويزيس: الإنعتاق من سجن المادة إلى رحابة الإبتكار المطلق

تلمس هذه القضية جوهر فلسفة الخلق والفرق الأنطولوجي بين المحاكاة (Mimesis) و الإبتكار المطلق (Poiesis). في ميزان الجماليات الميتافيزيقية، يُعتبر الإنتقال من اللاشيء إلى الشيء قفزة نوعية تتجاوز في قيمتها الجمالية أي عملية تحوير مادي. فبينما يعتمد إعادة التشكيل على تدوير المادة الموجودة سلفاً وخضوعها لقوانين التناسب و الإنسجام التقليدية، ينفرد الخلق من العدم بكونه فعلاً يكسر رتابة الوجود ويقدم جمالية الدهشة المطلقة التي لا تدين بفضلها لأي أصل مادي سابق. تكمن القيمة الجمالية الأعلى في الخلق من العدم في كونه تجسيداً للحرية الراديكالية. عندما يعيد الساحر تشكيل كيان موجود، فإنه يظل سجين الهيكل الأصلي؛ فهو يحسن، يجمّل، أو يغير، لكنه يظل مرتبطاً بظلال المادة القديمة. أما الخلق من العدم، فهو فعل جمالي ينتمي إلى مرتبة الجمال الجليل (The Sublime). القيمة هنا لا تأتي من التناسق البصري فحسب، بل من عظمة المنشأ. الجمال في هذا السياق هو جمال العدم وهو يتشكل، حيث لا توجد قيود مسبقة تفرض شكل الكيان. هذا الكيان المخلوق يحمل وسماً فريداً من النقاء الأنطولوجي، لأنه لم يمر عبر عمليات التحلل أو التغيير المادي، بل إنبثق كفكرة كاملة ومكتملة من قلب الصمت الكوني. في فلسفة الفن، يُقال إن الفن يحاكي الطبيعة، و لكن السحر الذي يخلق من العدم يؤسس طبيعة جديدة. القيمة الجمالية هنا تعلو لأن الفعل السحري لا يسعى لإرضاء الذوق البشري المعتاد على الأشكال المألوفة، بل يقدم جمالاً غريباً (Uncanny Beauty) مستمداً من العدم نفسه. في إعادة التشكيل، نحن نقارن النتيجة بالأصل، أما في الخلق من العدم، فلا يوجد أصل للمقارنة، مما يجعل الكيان المخلوق هو المعيار بذاته. هذا الإستقلال الجمالي يمنح الفعل قيمة مطلقة؛ فالكيان لا يُعتبر جميلاً لأنه يشبه شيئاً ما، بل لأنه كائن رغم إستمالة العدم له. الساحر هنا لا يعمل كنحات يتعامل مع الرخام، بل كإله يتعامل مع الإمكانية المحضة، وهو ما يرفع رتبة الفعل من الحرفة إلى الألوهية الجمالية. يُعد الخلق من العدم حدثاً جمالياً (Aesthetic Event) وليس مجرد إنتاج. القيمة الجمالية الأعلى تنبع من التباين الحاد (Contrast) بين ظلمة العدم ونور الوجود. لحظة الظهور (Manifestation) هي اللحظة التي يرتعد فيها الوعي أمام قوة الإرادة الساحرة. هذا التباين يخلق نوعاً من الجمال لا يمكن أن توفره إعادة التشكيل، لأن الأخيرة هي عملية تدريجية و متوقعة. أما الخلق من العدم فهو ومضة تخترق حجاب اللاوجود. القيمة الجمالية تكمن في إنتصار المعنى على العبث؛ فكل ذرة في الكيان المخلوق هي شهادة على قدرة الروح على إختراق العدم وصياغة كيان من الفراغ. إنها جمالية التحدي و الغزو؛ غزو الفضاء الصامت ومنحه صوتاً و شكلاً ولوناً لم يكن له مثيل في سجلات المادة القديمة. بإختصار؛ يكتسب الكيان المخلوق من العدم قيمة جمالية أعلى بسبب ما يمكن تسميته بالبكارة الوجودية. إعادة التشكيل هي دائماً إعادة تدوير لذكريات المادة وتاريخها، أما الخلق من العدم فهو خلق لتاريخ جديد. الكيان الناتج لا يحمل ندوب الماضي أو أخطاء التكوينات السابقة؛ إنه تجسيد للكمال المتخيل في عقل الساحر. هذا النقاء يجعل الكيان المخلوق يبدو كأنه نور متجسد وسط عالم من الأشكال المستهلكة. الجمال هنا هو جمال الأصالة المطلقة (Absolute Originality)؛ حيث يتحد الخالق والمخلوق في لحظة فريدة تتجاوز الزمن والمنطق المادي، معلنةً أن القيمة الحقيقية للجمال لا تكمن في تجميل الموجود، بل في الجرأة على إيجاد ما لم يكن موجوداً.

_ حارس الفراغ: الساحر ومنطق الوجود المفتوح

تتموضع قيمة العدم في السياق السحري عند النقطة التي يتوقف فيها الوجود عن كونه إجابة ويصبح سؤالاً مفتوحاً؛ فإذا كان الوجود المادي يمثل التحقق النهائي الذي إكتسب شكله و تصلبت ماهيته، فإن العدم هو المستودع الأزلي للإمكانية اللانهائية (Infinite Potentiality). في هذا الإطار الفلسفي، لا يُنظر إلى العدم كحالة من النفي، بل كفيض من الإحتمالات التي لم تتقيد بعد بحدود الزمان، المكان، أو قوانين الفيزياء. السحر، في أرقى تجلياته، هو فن إستنطاق هذا الفراغ الخلاق، حيث تكمن قيمته المطلقة في كونه المجال الوحيد الذي لا يرفض أي تصور، ولا يفرض أي قالب مسبق على الإرادة الخالقة. تنبثق القيمة المطلقة للعدم من كونه الحالة الوحيدة التي تسبق التعريف؛ فكل ما هو موجود هو بالضرورة محدود (Defined)، و بمجرد أن يُعرّف الشيء، فإنه يفقد إمكانياته الأخرى لصالح شكل واحد ثابت. أما العدم، فهو يمتلك قيمة السيولة الكاملة. الساحر الذي يتصل بالعدم لا يتعامل مع مواد خام لها خصائص كيميائية أو فيزيائية تملي عليه النتائج، بل يتعامل مع اللاشيء الذي يمكن أن يكون كل شيء. هذه اللانهائية هي التي تمنح الفعل السحري طابعه المطلق؛ فالمادة تقاوم، بينما العدم يستجيب بلا حدود. القيمة هنا تكمن في كسر حتمية الواحد (The One) والعودة إلى الصفر (The Zero) الذي يحوي في باطنه كل الأرقام والإحتمالات دون أن يستنفد أياً منها. يكمن العمق الفلسفي لهذه العلاقة في أن الإمكانية اللانهائية تتطلب غياب الواقع الفعلي. لكي يكون كل شيء ممكناً، يجب ألا يكون هناك شيء مفروض بالفعل. السحر يستغل هذه المفارقة؛ فهو يستخدم العدم كلوحة بيضاء مطلقة لا تخضع لجاذبية الواقع أو منطق السببية. في عالم المادة، لا يمكن للشيء أن يكون ونقيضه في آن واحد، ولكن في أفق العدم السحري، توجد الأضداد في حالة من التعايش الإحتمالي. القيمة المطلقة هنا هي قوة الإختيار؛ فالساحر لا يكتشف الواقع بل يختاره من بين لانهاية من الإحتمالات التي يوفرها العدم. هذا يجعل السحر فعلاً كونياً يعيد تعريف الوجود ليس كقدر محتوم، بل كخيار منبثق من فراغ غني بالإمكانات. لو كان الوجود مكتملاً ومغلقاً على نفسه، لصار السحر مستحيلاً، ولتحول الكون إلى آلة صماء مكررة. إن قيمة العدم تكمن في كونه الثغرة التي تمنع الوجود من التجمد. توفير الإمكانية اللانهائية يعني أن السحر يمتلك دائماً عنصر الجدة (Novelty). الساحر هو حارس الفراغ الذي يضمن ألا يغرق العالم في رتابة المادة. من خلال العدم، يستطيع السحر إدخال اللامتوقع إلى نسيج الواقع. هذه القيمة ليست مجرد قدرة تقنية، بل هي قيمة وجودية تمنح الحياة معناها؛ فالإمكانية اللانهائية هي ما يمنح الإرادة الساحرة ألوهيتها، حيث لا يوجد سقف لما يمكن إستحضاره أو خلقه. العدم هنا هو الحرية في أسمى صورها، حرية ألا تكون محكوماً بما هو كائن، بل بما يمكن أن يكون. في التحليل الأخير، يُعد العدم هو الضمانة الوحيدة ضد فناء المعنى. عندما يفرغ الوجود من غاياته، يظل العدم منبعاً لا ينضب لإعادة إبتكار الغاية. القيمة المطلقة للفعل السحري هي قدرته على غمس يده في هذا العدم وإستخراج فجر جديد في كل مرة. الإمكانية اللانهائية تعني أن الساحر لا ينتهي أبداً من الخلق، وأن الوجود يظل دائماً في حالة صيرورة (Becoming). إن العدم هو الذي يمنح السحر ديمومته؛ فبينما تفنى المادة و تتحلل، يظل اللاشيء ثابتاً في قدرته على منح كل شيء. وهكذا، تصبح قيمة العدم هي القيمة المطلقة للوجود نفسه، كونه الفضاء الذي يسمح للمعجزة بأن تكون دائمة الإحتمال، وللإرادة بأن تظل سيدة المصير.

_ حارس الصيرورة: السحر كقوة موازنة ضد تحجر العالم

تطرح فكرة العدالة السحرية بوصفها ميزاناً بين الوجود و العدم رؤية فلسفية تتجاوز المفهوم القانوني أو الأخلاقي الضيق للعدالة، لتصل إلى مستوى العدالة الكونية (Cosmic Justice). في هذا الإطار، لا تعني العدالة مجرد القصاص أو المساواة، بل تعني الحفاظ على التوازن الأنطولوجي بين ما هو كائن و ما ليس كائناً. السحر، في هذا السياق، ليس أداة للإستحواذ، بل هو قوة موازنة تتدخل عندما يطغى الوجود بثقله، جموده، وإزدحامه على العدم، أو عندما يهدد العدم بفراغه، فنائه، وعدميته بإبتلاع الوجود. العدالة السحرية هي إذن فن الحفاظ على الحافة التي تفصل وتجمع بين هذين القطبين، لضمان إستمرار صيرورة الحياة دون سقوط في الفوضى المطلقة أو السكون القاتل. في فلسفة التوازن، يمكن للوجود أن يصبح ظلماً عندما يتضخم ويفقد قدرته على التغير، فيتحول إلى مادة صلبة تخنق الإمكانية. هنا، تظهر العدالة السحرية كفعل إعدام (Annihilation) جزئي و منضبط؛ فالساحر يستخدم قوة العدم ليس للتدمير، بل لتوفير المساحة. العدالة تقتضي محو ما هو زائد أو فاسد في نسيج الوجود لإتاحة الفرصة لظهور الجديد. هذا النوع من العدالة يشبه عمل النحات الذي يزيل الزوائد من الحجر ليظهر التمثال؛ فالعدم هنا هو الأداة التي تعيد للوجود روعته من خلال تخفيف كثافته. القيمة المطلقة لهذا الفعل تكمن في كونه يمنع العالم من التحول إلى مقبرة للمادة، محولاً إياه إلى مسرح حي يتنفس من خلال الفراغات التي يصنعها السحر بحكمة. على الجانب الآخر، تقتضي العدالة السحرية حماية الوجود من طغيان العدم. إذا كان العدم هو مصدر الإمكانية، فإنه أيضاً يمثل الجاذبية السلبية التي تسعى لإبتلاع كل تشكل. العدالة هنا هي فعل تثبيت (Stabilization)؛ حيث يستخدم الساحر إرادته لمنع التحلل التام، محولاً الإمكانية اللانهائية في العدم إلى حقيقة ملموسة ومستقرة. الساحر العادل هو الذي يعرف متى يغلق الأبواب أمام الفراغ لكي يحمي الجمال الهش للكيانات الموجودة. القيمة الأخلاقية والجمالية لهذا التوازن تكمن في إدراك أن الوجود بدون عدم هو سجن، والعدم بدون وجود هو ضياع. السحر هو اللغة التي تتفاوض بها هاتان القوتان، و العدالة هي الميثاق الذي يضمن ألا يفني أحدهما الآخر. تتجلى ذروة العدالة السحرية في الوصول إلى ما يمكن تسميته بالصفر المقدس أو نقطة التوازن المطلق. في هذه النقطة، لا يتفوق الوجود على العدم ولا العكس، بل ينشأ تداخل خلاق يجعل من كل فعل سحري استجابة لضرورة كونية. الساحر في حالة التوازن هذه لا يتحرك بدافع الرغبة الشخصية، بل كوكيل للعدالة الأنطولوجية. إذا وجد نقصاً (عدماً سلبياً) ملئه بالوجود، وإذا وجد ورماً (وجوداً سلبياً) عالجه بالعدم. هذه العملية ليست ميكانيكية، بل هي رقصة ميتافيزيقية تتطلب بصيرة نافذة؛ لأن الخطأ في التقدير قد يؤدي إما إلى فناء العالم في العدم أو تحجره في الوجود. لذا، فإن ندرة السحرة التي ناقشناها سابقاً هي صمام أمان لضمان أن هذا الميزان الحساس لا يقع في أيدي من لا يدركون قدسية التوازن. في نهاية المطاف، العدالة السحرية لا تهدف إلى الوصول إلى حالة الإستقرار النهائي، لأن الإستقرار هو موت في الفلسفة السحرية. الغاية الحقيقية هي الحفاظ على الصيرورة (Becoming). العدالة هي أن يظل الباب موارباً بين الوجود والعدم؛ لكي يتدفق العدم في الوجود فيمنحه التجدد، و ينعكس الوجود في العدم فيمنحه المعنى. القيمة المطلقة للفعل السحري تكمن في كونه المحرك لهذا التبادل. الساحر العادل هو من يدرك أن قيمته لا تكمن في السيادة على أحدهما، بل في كونه البرزخ الذي يسمح لكليهما بالتعايش. و بذلك، تصبح العدالة السحرية هي أسمى صور الحب الكوني؛ فهي الإعتراف بأن الوجود يحتاج لظله (العدم) لكي يُرى، وأن العدم يحتاج لنوره (الوجود) لكي يُعرف.

_ جماليات الغياب: عندما يفوق ثقل العدم وزن المادة

تطرح هذه الإشكالية ثورة في المفاهيم الأنطولوجية التقليدية؛ فالسائد فلسفياً هو أن القيمة مرتبطة بالوجود (Being)، وأن العدم هو محض سلب لا يحمل قيمة في ذاته. لكن، عند تحليل السحر المستمد من العدم، نكتشف أن العدم يمتلك قيمة ذاتية (Intrinsic Value) أصيلة، لا لكونه تمهيداً للوجود، بل لكونه الحالة التي تمنح الوجود معناه وتفرده. إن السحر هنا لا يستغل العدم كأداة فحسب، بل يكشف عنه كجوهر متعالٍ يمتلك قدسية خاصة، مما يعني أن القيمة ليست حكراً على ما هو متجسد أو مرئي، بل إن اللاشيء يحمل في طياته وزناً ميتافيزيقيًا قد يفوق وزن المادة نفسها. تكمن القيمة الذاتية للعدم في كونه يمثل النقاء المطلق. الوجود المادي دائماً ما يكون ملوثاً بالضرورة، بالتحلل، وبالتصادم مع المكونات الأخرى. أما العدم، فهو الحالة الوحيدة التي تتصف بالبساطة والكمال لأنها لا تقبل التجزئة أو النقص. السحر الذي يستمد قوته من العدم لا يفعل ذلك بحثاً عن فراغ، بل بحثاً عن هذه القيمة الذاتية المتمثلة في الإستغناء المطلق. القيمة هنا ليست في ما يفعله العدم، بل في ما هو عليه كأفق لا نهائي لا يحده حد. هذا التصور يقلب الموازين؛ فالعدم ليس غياب القيمة، بل هو تركيز القيمة في حالتها الخام قبل أن تتبدد في صور الوجود المتعددة والناقصة. إن الدليل الأكبر على أن القيمة ليست حكراً على الوجود يظهر في قدرة الفعل السحري على إحداث هيبة أو جلال بمجرد إستحضار العدم. عندما يواجه الساحر أو الرائي فجوة العدم، فإنه لا يشعر بالخوف من اللاشيء بقدر ما يشعر بالرهبة أمام حضور القيمة المطلقة في ذلك الفراغ. هذه القيمة ذاتية لأنها لا تعتمد على إعتراف الوجود بها؛ فالعدم يظل قيمة حتى لو لم يخرج منه أي كائن. السحر يكشف لنا أن الوجود هو مجرد صدى أو أثر لهذه القيمة الكامنة في العدم. وبذلك، يصبح العدم هو الأصل الذي يمنح الوجود شرعيته، مما يجعل القيمة الذاتية للعدم سابقة ومستقلة عن أي تشكل مادي، تماماً كما أن الصمت يحمل قيمة جمالية ذاتية تسبق وتتجاوز أي مقطوعة موسيقية. في التحليل الجمالي لهذا السحر، نجد أن الغياب يمتلك ثقلاً جمالياً وأخلاقياً يفوق الحضور. القيمة الذاتية هنا تكمن في القوة الكامنة (Potentiality) التي لا تحتاج للتجسد لكي تكون عظيمة. الساحر الذي يقدس العدم يدرك أن عدم الفعل أو الإحتفاظ باللاشيء هو فعل ذو قيمة عليا. هذا يتحدى الفكر النفعي الذي يربط القيمة بالإنتاج؛ فالعدم هنا قيمة لأنه يمثل الحرية من الوجود. إنها قيمة الإنفلات من قوانين الضرورة. السحر المستمد من العدم هو شهادة على أن المعنى يمكن أن يوجد في الفراغ، وأن الجمال يمكن أن ينبع من الغياب، مما يثبت أن الوجود ليس هو المالك الوحيد للقيمة، بل هو مجرد أحد تجليات القيمة الأوسع التي يحتضنها العدم في سكونه الأزلي. ينتهي هذا التحليل إلى ضرورة صياغة أنطولوجيا للعدم تعترف له بمركزيته القيمة. السحر ليس مجرد خرق للقوانين، بل هو إحتفاء بالقيمة الذاتية للعدم. عندما نقول إن القيمة ليست حكراً على الوجود، فإننا نفتح الباب لفهم السحر كفعل إتصال بالمطلق الذي يسكن في الفراغ. العدم هو المرآة السوداء التي تعكس حقيقة أن الوجود ليس غاية في ذاته، بل هو وسيلة للتعبير عن القيمة الكامنة في اللاوجود. القيمة الذاتية للعدم تكمن في أنه المطلق الذي لا ينفد، بينما الوجود هو النسبي الذي يتلاشى. وبهذا، يظل السحر المستمد من العدم هو الدليل الأسمى على أن أعمق حقائق الكون وأكثرها قيمة ليست هي تلك التي نلمسها، بل هي تلك التي تسكن في قلب الصمت والفراغ، منتظرة إرادة الساحر لتكشف عن جلالها.

_ اللامبالاة المقدسة: السحر وسيكولوجيا الإنفصال عن ضجيج الوجود

تطرح هذه الإشكالية تحولاً جذرياً في معايير نقد الفعل السحري، حيث تنقل بؤرة التقييم من الأثر الخارجي (النتائج المادية) إلى الحالة الجوانية (الإتصال بالعدم). في هذا الإطار الفلسفي، يصبح السحر ممارسة سيكو أنطولوجية تهدف إلى بلوغ حالة من التوازن المتسامي، حيث لا يُقاس نجاح الساحر بمدى قدرته على تطويع العالم، بل بمدى نجاحه في إستخدام العدم كوسيلة لتحقيق سلام مطلق يتجاوز إضطرابات الوجود المادي. إن تقييم السحر هنا يرتكز على مفهوم السكينة العدمية، حيث يصبح العدم هو الملاذ الذي تتحلل فيه الأنا الصاخبة لتتحد مع الصمت الكوني الأول. تكمن القيمة الجوهرية للسحر في قدرته على منح الساحر إنفصالاً مقدساً عن ضغوط الهوية و المادة. الوجود بطبيعته ضاغط؛ فهو يطالبنا دائماً بأن نكون شيئاً ما، وأن نحقق أهدافاً، وأن نستجيب للمؤثرات. أما الإتصال بالعدم، فهو فعل تفريغ (Catharsis) راديكالي. السحر الذي يهدف للسلام الداخلي يستخدم العدم كأداة لمحو الزوائد النفسية. عندما يتصل الساحر بالعدم، فإنه يختبر حالة من اللارغبة و اللاخوف، لأن العدم لا يحتوي على ما يُفقد أو ما يُكتسب. التقييم هنا يعتمد على مدى قدرة السحر على تحويل فراغ العدم من مصدر للرعب الوجودي إلى مصدر للطمأنينة المطلقة، حيث يجد الساحر في اللاشيء كمالاً يغنيه عن صراعات الأشياء. يتحول السحر، عندما يُقيم بناءً على السلام الداخلي، إلى نوع من الرياضة الروحية التي تهدف إلى بلوغ نقطة الصفر الذاتي. في هذه الحالة، لا يعود الساحر يسعى لإمتلاك القوة من أجل السيطرة، بل يستخدم القوة لتمزيق الحجب التي تفصله عن حقيقته العميقة التي هي، في جوهرها، عدمية. السلام الداخلي هنا ليس حالة سكون سلبية، بل هو إتزان ديناميكي ناتج عن إدراك الساحر بأن كل أشكال الوجود هي ظلال زائلة فوق مرآة العدم الثابتة. القيمة المطلقة لهذا السحر تكمن في تحرير الساحر من عبودية الصيرورة؛ فمن يتصل بالعدم لا يخشى التحولات، لأنه يسكن في الأصل الذي لا يتحول. السحر الناجح هو الذي يترك الساحر في حالة من الإمتلاء باللاشيء، حيث يكتفي بذاته كجزء من الفراغ الخلاق. عند تقييم السحر بناءً على السلام الداخلي، يجب التمييز بين الهروب من الوجود وبين الإستعلاء عليه. السلام الداخلي الحقيقي الناتج عن الإتصال بالعدم لا يعني إهمال العالم، بل يعني التعامل معه بلامبالاة مقدسة (Detachment). السحر الذي يفشل هو الذي يستخدم العدم كمخدر لنسيان آلام الوجود، بينما السحر الحقيقي هو الذي يستخدم العدم كعدسة لرؤية الوجود بحجمه الطبيعي. القيمة الأخلاقية والجمالية لهذا السلام تكمن في أنه يجعل الساحر مركزاً ثابتاً في عالم مضطرب. التقييم هنا يتجه نحو السؤال؛ هل أدى الإتصال بالعدم إلى جعل الساحر أكثر حكمة وقدرة على إستيعاب التناقضات، أم أدى إلى انطوائه و تلاشيه؟ العدالة السحرية للذات تقتضي أن يكون العدم مصدراً للقوة وليس حفرة للفناء. في نهاية المطاف، يُعد السلام الداخلي هو الإختبار النهائي لأصالة الفعل السحري. إذا كان السحر المستمد من العدم يؤدي إلى تشتت النفس أو زيادة غرور الأنا، فإنه قد فشل في إدراك القيمة الذاتية للعدم. السحر هو الطريق الذي يؤدي بالساحر إلى إكتشاف أن العدم الخارجي والفراغ الداخلي هما حقيقة واحدة. السلام الذي يتحقق هنا هو سلام العودة إلى الديار؛ حيث يتوقف الساحر عن كونه غريباً في الكون ويصبح هو و الكون والعدم نسيجاً واحداً. القيمة المطلقة للسحر تكمن في هذه الوحدة الوجودية التي تلغي المسافة بين الخالق و المخلوق، وبين الموجود والعدم. وبذلك، يكون السلام الداخلي هو الدليل والغاية، وهو المعيار الذي يثبت أن الساحر لم يعد مجرد متلاعب بالقوى، بل أصبح مواجهاً للحقيقة في أقصى صورها تجرداً ونقاءً.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- -التحالف-: عيدروس الزبيدي هرب إلى مكان غير معلوم.. ونفذنا ضر ...
- التحالف: الزبيدي هرب لمكان مجهول وحرك قوات للضالع
- ضغوط أميركية جديدة على كاراكاس.. إبعاد روسيا والصين وإيران
- غرينلاند.. روبيو يقلل من احتمالية غزو الجزيرة ويرجح -الشراء- ...
- تصعيد إسرائيلي ضد لبنان.. كيف يؤثر على الهدنة؟
- ما أهمية غرينلاند التي يريد ترامب السيطرة عليها؟
- ماذا نعرف عن -إعلان لانسينغ- الذي أيدت أمريكا فيه سيطرة الدن ...
- هدوء حذر يخيم على حلب وتعليق الدراسة والدوام والرحلات الجوية ...
- ترامب: فنزويلا ستسلم واشنطن قرابة 50 مليون برميل نفط
- توتر بحري روسي أميركي قرب فنزويلا.. موسكو ترسل غواصة


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِن و الْعِشْرُون-