أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِع و الْعِشْرُون-















المزيد.....

الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِع و الْعِشْرُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 15:10
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ ديكتاتورية الميتافيزيقا: الساحر كملك فيلسوف متجاوز

تطرح هذه الإشكالية تساؤلاً جوهرياً يتجاوز مجرد الترف الفكري، ليدخل في صلب الفلسفة السياسية والميتافيزيقا. إذا سلمنا جدلاً بأن السحر هو القوة المطلقة المستمدة من العدم، فنحن هنا لا نتحدث عن مجرد أداة تقنية أو مهارة مكتسبة، بل نتحدث عن السيادة الوجودية التي تكسر القوانين الطبيعية والمنطقية. في هذا الإطار، لا يُعرف السحر كفعل مادي، بل كقدرة على إستحضار الوجود من اللاشيء. إن إستمداد القوة من العدم يعني أن الساحر يمتلك مفاتيح الصيرورة؛ فهو لا يخضع لمبدأ الأسباب والنتائج التقليدي، بل هو السبب الأول في محيطه. هنا تبرز المعضلة الفلسفية؛ إذا كانت السياسة في جوهرها هي فن إدارة الممكن، فإن السحر هو فن تحقيق المستحيل. فهل يمكن لمن يمتلك المستحيل أن يخضع لقوانين الممكن؟ إن العلاقة بين السحر والعدم تمنح الساحر صبغة الألوهية السياسية بمفهوم كارل شميت، حيث تصبح إرادة الساحر هي القانون، ليس لأنها عادلة، بل لأنها قادرة على الخلق من العدم. في هذه الحالة، تصبح السلطة السياسية نتيجة حتمية للقوة الميتافيزيقية؛ فمن يسيطر على الوجود والعدم، يسيطر بالضرورة على الكيانات القائمة بينهما. يرى أنصار حكم السحرة أن السلطة يجب أن تؤول لمن يمتلك الفهم الأعمق للواقع. فإذا كان الواقع مجرد قشرة رقيقة تخفي خلفها هاوية من العدم، فإن الساحر هو الرائي الوحيد وسط العميان. في هذا السياق، تصبح السلطة السياسية تكليفاً وجودياً وليست مجرد رغبة في التسلط. الساحر هنا هو الملك الفيلسوف عند أفلاطون، لكنه مزود بقدرات تتجاوز الجدل العقلي إلى الفعل الكوني. ومع ذلك، تظهر هنا إشكالية الإغتراب عن الإنسانية. إن السلطة السياسية تقوم على العقد الإجتماعي، وهو إتفاق بين أنداد أو أشباه أنداد لضمان البقاء. لكن الساحر الذي يستمد قوته من العدم لا يشبه محكوميه في شيء. فكيف يمكن لمن لا يحده قانون طبيعي مثل الموت، أو الحاجة، أو الزمن أن يفهم إحتياجات من تحكمهم تلك القوانين؟ هنا تتحول السلطة من إدارة إلى تجلٍّ، ويصبح المحكومون مجرد أدوات في لوحة الساحر الكونية. عندما ترتبط السلطة بالعدم، فإننا نواجه خطر السياسة العدمية. بما أن الساحر يستمد قوته من الفراغ المطلق، فقد ينظر إلى العالم المادي والمنظومات السياسية كأشياء تافهة أو عابرة. إن السلطة المطلقة المستمدة من العدم قد تؤدي بالضرورة إلى إستبداد لا يمكن معارضته لأن المعارضة تقتضي وجود أرضية مشتركة، بينما الساحر يعمل في فضاء لا تدركه الحواس. لا يمكن محاسبة من يستطيع محو أثر الفعل من الذاكرة أو الواقع. يصبح القانون نصاً ميتاً أمام إرادة الساحر التي تخلق واقعاً جديداً في كل لحظة. يشعر الفرد في ظل حكم الساحر بأنه مجرد ظلال في عالم وهمي، مما يؤدي إلى موت المبادرة الفردية. من منظور نفعي، قد يبدو حكم الساحر مثالياً لأنه قادر على توفير الموارد من العدم، إنهاء الأمراض، الحماية المطلقة. لكن من منظور حرية الإرادة، فإن وضع السلطة في يد من يمتلك القوة المطلقة المستمدة من العدم هو إنتحار للسياسة بمعناها الإنساني. السياسة هي صراع الإرادات البشرية المحدودة، بينما حكم الساحر هو فرض إرادة واحدة مطلقة. لذا، فإن الإجابة الفلسفية تميل إلى أن السلطة يجب أن تظل بشرية و محدودة، لأن القوة المطلقة لا تفسد صاحبها فحسب، بل تمحو الموضوع الذي تُمارس عليه السلطة، وهو الإنسان.

_ الثقب الأسود في نسيج الدولة: الساحر كمصدر لتهديد الحقيقة السياسية

تعد هذه الرؤية من أكثر المقاربات الفلسفية عمقاً، حيث تضع القانون السياسي ليس فقط كأداة لتنظيم العلاقات البشرية، بل كدرع وجودي يحمي الهوية الكونية من الإنهيار في هاوية العدم. فإذا كان السحر هو تجلي الفوضى الخلاقة أو المدمرة التي تستمد طاقتها من اللاشيء، فإن القانون هو المعمار الذي يحاول تثبيت أركان الوجود داخل إطار من القدرة على التنبؤ والإستقرار. ينطلق التحليل من فكرة أن العدم ليس مجرد خلاء، بل هو حالة من السيولة المطلقة حيث لا ثبات للمادة أو المعنى. السحر، في هذا السياق، هو عملية تسريب لهذه السيولة إلى عالمنا؛ فهو يكسر السببية، و يجعل الشيء و نقيضه ممكنين في آن واحد. هنا يأتي القانون السياسي ليلعب دور المثبت الكوني. إن وظيفة القانون ليست مجرد فض النزاعات، بل هي خلق بيئة منطقية تحارب اللامنطق السحري. عندما يسن المشرع قانوناً، فإنه في الحقيقة يضع حدوداً للعدم. القانون يقول؛ هذا الفعل سيؤدي حتماً إلى هذه النتيجة، وهو بذلك يطرد فوضى السحر التي تدعي أن النتيجة يمكن أن تحدث دون سبب. إن الإلتزام بالقانون السياسي هو في جوهره إنحياز للوجود المنظم ضد العدمية السحرية التي تهدد بتفكيك البناء المادي و الإجتماعي. هناك صراع لغوي وجودي بين السحر والقانون. الكلمة في السحر (التعويذة) تهدف إلى تغيير الواقع المادي مباشرة من خلال إستدعاء قوة العدم، بينما الكلمة في القانون (النص التشريعي) تهدف إلى تثبيت الواقع ومنع إنزلاقه. القانون يسعى لجعل العالم قابلاً للقراءة و مستداماً، بينما السحر يجعل العالم متقلباً و غامضاً. إن السلطة السياسية، عبر التاريخ، كانت تخشى السحرة ليس فقط بسبب قوتهم البدنية، بل لأنهم يمثلون ثقباً أسود في نسيج الدولة. الساحر يكسر إحتكار الدولة للحقيقة والواقع؛ فإذا كانت الدولة تقوم على مبدأ العقلانية، فإن السحر يقوم على مبدأ الخرق. لذا، يمكن إعتبار التاريخ السياسي للبشرية محاولة مستمرة لتحويل سحر العدم إلى قانون الوجود، أي تحويل الإرادة المطلقة غير المنضبطة إلى مؤسسات وقواعد عامة ومجردة. الفلسفة السياسية العميقة تدرك أن البشر لا يخشون السحر لذاته، بل يخشون العدم الذي يتسرب منه. إن غياب القانون يعني العودة إلى الحالة الطبيعية التي وصفها هوبز، وهي حالة من السيولة حيث لا يأمن الإنسان على نفسه. لكن في منظورنا هذا، الحالة الطبيعية هي حالة سحرية بإمتياز، حيث القوة غاشمة ومستمدة من فراغ المعايير. القانون السياسي هو محاولة لإقامة سد ضد طوفان اللامعنى. نحن نقدس القانون ونمنحه الهيبة لأننا ندرك ضمناً أنه لولا هذه النصوص لآنتصر العدم على الوجود. فالسحر، رغم جاذبيته كقوة مطلقة، هو قوة تفكيكية في جوهرها؛ إنه يهدم الحدود بين الذات والموضوع، وبين الممكن و المستحيل. أما القانون فهو القوة البنائية التي تمنح الإنسان مكاناً آمناً داخل الوجود، بعيداً عن رياح العدم العاتية. في نهاية المطاف، يمكن القول إن القانون السياسي هو التعويذة المضادة التي يلقيها العقل البشري ضد فوضى الكون. إنه الإعتراف بأننا، ككائنات محدودة، لا يمكننا العيش في العدم السحري مهما كان مغرياً، بل نحتاج إلى سجن الوجود المنظم لكي نكون أحراراً حقاً. الحرية في ظل القانون هي حرية داخل الوجود، بينما الحرية في ظل السحر هي ضياع في العدم.

_ عميل الفراغ المطلق: الساحر كخرق في جدار الدولة العقلانية.

يمكن قراءة تاريخ الإضطهاد السياسي و المجتمعي لما يُصطلح عليه بالسحر كفعل دفاعي وجودي يتجاوز الرغبة في السيطرة المادية، ليصبح محاولة يائسة لحماية بنية الواقع من التآكل. إن الساحر، في المتخيل الجمعي وفي الفلسفة الوجودية، ليس مجرد فرد يمتلك مهارات محظورة، بل هو عميل للعدم، أي ثغرة في جدار الوجود المنظم تسمح بتسرب الفراغ المطلق الذي يهدد إستقرار المؤسسات الإنسانية وقوانين الطبيعة على حد سواء. عندما تطارد السلطة السياسية السحرة، فهي لا تطارد مجرمين بالمعنى التقليدي الذين ينتهكون قوانين الملك أو الدولة، بل تطارد كيانات عدائية تهدد مفهوم الضرورة. الوجود السياسي يقوم على اليقين؛ اليقين بأن الشمس ستشرق، وأن العمل يؤدي إلى الربح، وأن القوانين المادية ثابتة. أما السحر، بما هو إستمداد للقوة من العدم، فإنه يطرح إمكانية الصدفة المطلقة و التحول الفجائي. هذا الخوف هو في جوهره رعب من السيولة الوجودية التي يمثلها الساحر. إن الإضطهاد هنا هو محاولة لترميم الثقوب التي يفتحها السحر في وعي المجتمع. السلطة تخشى الساحر لأنه يثبت أن الواقع هش، و أن العدم الذي يسبق الوجود لا يزال حاضراً ومتاحاً لمن يعرف كيف يستدعيه. لذا، فإن حرق الساحرة في العصور الوسطى أو تهميشها سياسياً ليس فعلاً من أفعال الجهل فحسب، بل هو طقس سياسي لإعادة توكيد سلطة الوجود المادي على العدم السحري. تستمد السلطة السياسية شرعيتها من قدرتها على تسمية الأشياء و تصنيفها. العدم، بطبيعته، هو ما لا يمكن تسميته أو تصنيفه؛ إنه اللاشيء الذي يحتوي كل شيء. الساحر الذي يستقي قوته من هذا المنبع يمتلك قوة خارجة عن اللغة وخارجة عن العقد الإجتماعي. الإضطهاد السياسي هنا هو فعل إقصاء لما لا يمكن إستيعابه داخل المنظومة القانونية. إن الخوف الجماعي من السحر هو خوف من المجهول المطلق الذي يمثله العدم. المجتمع البشري يشعر بالأمان عندما تكون القوة مرئية و مفسرة مثل قوة الجيش أو المال. لكن القوة المستمدة من العدم هي قوة مستترة تضرب من الداخل، مما يخلق حالة من البارانويا الوجودية. السلطة السياسية تستغل هذا الرعب الجماعي لتعزيز قبضتها، مصورةً نفسها على أنها الحصن الوحيد الذي يمنع الفوضى الميتافيزيقية من إكتساح العالم المنظّم. في عمق التحليل الفلسفي، نجد أن إضطهاد السحرة هو عملية تضحية تهدف إلى طرد القلق الوجودي. الساحر يجسد العدمية الفعالة، أي القدرة على هدم ما هو قائم لبناء ما هو غير متوقع. وهذا يمثل كابوساً لأي نظام سياسي يسعى للإستمرار. عبر التاريخ، كان السحرة هم كبش الفداء الذي يُحمل بآثام الفوضى الكونية. إن القضاء على الساحر هو، رمزيًا، محاولة لإغلاق البوابات المؤدية إلى العدم. المجتمع يقتل الساحر لكي يقنع نفسه بأن العدم لا وجود له، أو على الأقل لا سلطة له علينا. إنها محاولة لفرض ديكتاتورية الوجود ضد ديمقراطية العدم التي تسمح بحدوث أي شيء في أي وقت. الإضطهاد السياسي بهذا المعنى هو أسمى درجات الدفاع عن الواقع ضد التلاشي. إن الإضطهاد السياسي للسحر هو التعبير الأقصى عن رغبة الإنسان في أن يكون سيداً في عالم محكوم بالقواعد، لا في عالم تحكمه الإرادة المحضة المستمدة من الفراغ. السحر يظل التهديد الأكبر للسياسة لأنه يذكرنا بأن أساس وجودنا هو العدم، وأن كل قوانيننا هي مجرد خيوط عنكبوت واهية أمام القوة المطلقة التي تكمن في اللاشيء.

_ الدبلوماسية الميتافيزيقية: ميثاق الوجود في مواجهة فوضى العدم

تطرح فكرة صياغة مواثيق دولية لتنظيم السحر المستمد من العدم إشكالية فلسفية وقانونية معقدة، تضع العقل البشري المنظم في مواجهة مباشرة مع اللانهائي وغير المتوقع. إن الحاجة إلى هذه المواثيق لا تنبع فقط من الرغبة في منع النزاعات المسلحة أو الكوارث البيئية، بل تنبع من ضرورة ترويض العدم وإخضاعه لمنطق الدولة و السيادة. فالسحر، بصفته قوة تنتهك قوانين الطبيعة والسببية، يمثل تهديداً وجودياً لمفهوم الحدود و المسؤولية القانونية؛ إذ كيف يمكن محاسبة دولة أو فرد على فعل إستُمدت طاقته من فراغ لا يخضع لأي ولاية قضائية؟ من منظور فلسفي، تهدف المواثيق الدولية عادةً إلى تنظيم الموارد، الأرض، الماء، الفضاء. لكن العدم ليس مورداً، بل هو نفي الوجود؛ وبالتالي فإن محاولة تنظيمه قانونياً هي محاولة لفرض السيادة على ما لا يمكن حيازته. إن صياغة مواثيق للسحر تعني إعترافاً دولياً بأن العدم قد أصبح فاعلاً سياسياً. هنا يبرز مفهوم الدبلوماسية الميتافيزيقية، حيث تسعى الدول لضمان ألا يتم إستخدام فجوات العدم لتقويض إستقرار الواقع المشترك. إن الميثاق الدولي في هذا الصدد سيعمل كغلاف واقٍ للواقع الهش. فالقلق ليس من السحر في حد ذاته، بل من التلوث الوجودي الذي قد ينتج عن إستدعاء العدم في بيئة مادية محددة. إذا قامت دولة ما بسحب طاقة هائلة من العدم لتغيير مناخها أو تعزيز إقتصادها، فإنها بذلك تخلق ثقباً في نسيج الإحتمالات قد يؤدي إلى إنهيار المعنى لدى جيرانها. لذا، تصبح المواثيق الدولية ضرورة لضمان التوازن الأنطولوجي بين الأمم، تماماً كما تضمن المعاهدات النووية التوازن العسكري. تكمن الصعوبة الكبرى في أي ميثاق دولي للسحر في مشكلة التعريف الإجرائي. القانون يقوم على الوضوح، بينما السحر المستمد من العدم يقوم على الغموض والتحول. كيف يمكن للمراقبين الدوليين التمييز بين فعل طبيعي و فعل سحري إذا كان السحر يعيد صياغة قوانين الطبيعة نفسها؟ إن الساحر الذي يستمد قوته من العدم يمكنه محو أدلة الجريمة من خلال إعادة كتابة التاريخ أو تغيير الذاكرة الجمعية، مما يجعل النظام القانوني الدولي يقف عاجزاً أمام قوة تسبق الواقعة القانونية. علاوة على ذلك، فإن العقوبات الدولية التقليدية مثل الحصار الإقتصادي أو التدخل العسكري قد تصبح عديمة الجدوى أمام كيان يستمد إحتياجاته من اللاشيء. فالدولة التي تمتلك سيادة سحرية مطلقة هي دولة مكتفية وجودياً، لا تحتاج إلى تجارة أو إعتراف دولي. ومن هنا، فإن المواثيق الدولية يجب أن تتحول من تنظيم السلوك إلى تنظيم الوعي؛ أي أنها يجب أن تضع حدوداً أخلاقية وفلسفية تمنع الإنغماس الكامل في العدم، خوفاً من ضياع الهوية الإنسانية المشتركة التي تجمع هذه الدول. في نهاية المطاف، إن الدعوة لمواثيق دولية لتنظيم السحر هي صرخة دفاعية من أجل البقاء. إنها إعتراف بأن القوة المطلقة المستمدة من العدم هي قوة مدمرة للكل (Omnicidal)، ولا يمكن تركها للنزوات القومية أو الفردية. هذه المواثيق لن تكون مجرد نصوص قانونية، بل ستكون صلاة جماعية للعقل البشري، تهدف إلى إبقاء العدم خلف الأبواب المغلقة، و منع تحويل الكوكب إلى ساحة للتجارب الميتافيزيقية التي قد تنتهي بمحو الوجود ذاته.

_ الأناركية العدمية: حين يصبح السحر فعلاً ثورياً ضد قوانين الفيزياء

يُمكن النظر إلى السحر المستمد من العدم كأقصى درجات المقاومة الراديكالية التي لا تكتفي بمناهضة النظام السياسي فحسب، بل تمتد لتعلن التمرد على النظام الوجودي برمته. في الفلسفة السياسية التقليدية، تهدف المقاومة عادةً إلى إستبدال هيكل سلطوي بآخر، أو إنتزاع حقوق داخل إطار الواقع المادي. أما المقاومة السحرية العدمية، فهي ترفض قواعد اللعبة من أساسها؛ إنها لا تسعى لإصلاح العالم، بل تسعى لإثبات أن العالم ليس حتمياً وأن العدم هو الأصل الذي يمكن من خلاله إعادة صياغة كل شيء. تعتبر المنظومات السياسية القائمة أن المادة و المنطق و القانون هي الثوابت التي لا يمكن تجاوزها، ومن هنا تستمد سلطتها؛ فهي تخبر المحكومين أن هذا هو الواقع الممكن الوحيد. هنا يبرز السحر المستمد من العدم كأداة للمقاومة من خلال كسر هذا الحصار الوجودي. الساحر، بإستدعائه للعدم، يمارس فعل إلغاء التشيؤ؛ أي أنه يحول الأشياء الصلبة التي تبدو دائمية مثل السجون، الحدود، العملات إلى إحتمالات سائلة. إن المقاومة هنا ليست مجرد احتجاج، بل هي فعل خلق موازي. عندما يستمد المقاوم قوته من العدم، فإنه يتجاوز ندرة الموارد التي تستخدمها الأنظمة للسيطرة على الشعوب. النظام القائم يسيطر لأن لديه إحتكاراً للغذاء و الطاقة والمكان، ولكن السحر يطرح إمكانية إستدعاء هذه الموارد من اللاشيء، مما يؤدي إلى إنهيار كامل للمنطق الرأسمالي والسلطوي الذي يقوم على التحكم في الإحتياجات المادية. في سياق المقاومة، يُعد السحر المستمد من العدم نفيًا لمبدأ السببية الذي يرتكز عليه الإستبداد. السلطة السياسية تعتمد على التنبؤ والتحكم؛ فهي تعرف أنه إذا فُعل (أ) فسينتج (ب). المقاومة السحرية تكسر هذا المسار، حيث تخلق نتائج بلا أسباب مادية ملموسة، مما يجعل جهاز الدولة يقف عاجزاً أمام عدو لا يتحرك وفق قوانين الفيزياء أو الإجتماع. تصبح هذه المقاومة سياسية في جوهرها لأنها ترفض اللغة التي تفرضها السلطة. إذا كانت السلطة هي القدرة على فرض تعريف معين للواقع، فإن الساحر هو المقاوم الذي يرفض هذا التعريف من خلال اللجوء إلى العدم، حيث لا توجد تعريفات مسبقة. إنه نوع من الأناركية الوجودية حيث لا يتم الهجوم على الملك أو الرئيس، بل يتم الهجوم على الفكرة التي تجعل منه ملكاً، عبر إثبات أن النسيج الذي يدعمه هو نسيج واهٍ يمكن تمزيقه للعودة إلى الفراغ الأول. ومع ذلك، تبرز معضلة فلسفية عميقة في هذا النوع من المقاومة؛ هل يمكن للمقاوم أن يحافظ على هويته الإنسانية وهو يستمد قوته من العدم؟ إن النظام السياسي، رغم جوره، يمنح الإنسان شكلاً وحدوداً. المقاومة بالسحر قد تنتهي بمحو المقاوم نفسه؛ لأن العدم لا يميز بين الظالم و المظلوم، فهو يبتلع كل الكيانات. لذا، فإن السحر كفعل مقاومة هو خيار شمشون الوجودي؛ إنه تهديد بهدم المعبد على رؤوس الجميع لإثبات أن القوة الحقيقية لا تكمن في الوجود المنظم للسلطة، بل في العدم المطلق الذي يسبقها. إنها صرخة الكائن الذي يفضل الفناء في اللاشيء على العبودية في الشيء المنظم قسراً.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- آلاف اليمنيين يحتشدون في عدن دعمًا للمجلس الانتقالي الجنوبي ...
- تراجع كبير لعدد طلبات اللجوء في الاتحاد الأوروبي في 2025
- إيران: محطات الاحتجاجات الكبرى منذ عام 1999
- لحظة الكان وسؤال الشباب: ما الذي تخفيه الفرجة؟
- مصر: أحزاب موالية للسيسي تفوز بأغلبية المقاعد في البرلمان
- براك يلتقي الشرع ويدعو إلى عودة الحوار بين دمشق وقسد
- محافظ عدن الجديد يؤدي اليمين الدستورية
- عاجل | القناة 14 الإسرائيلية: اشتباه بعملية دهس استهدفت جنود ...
- قتلوهم أمامه.. أب سوداني يروي اللحظات الأخيرة في حياة أبنائه ...
- تحديثات وأرباح عبر المشاهدات.. ما الذي تخطط له -لينكد إن-؟


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِع و الْعِشْرُون-