حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 20:08
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ إعادة برمجة الوجود: السحر كأداة لكسر الحجب الإلهية
إن الإعتراف بقوة السحر والعدم لا يمثل مجرد إضافة تقنية للمعرفة البشرية، بل هو زلزال أنطولوجي يضرب الركيزة الأساسية التي يقوم عليها الدين التقليدي، وهي التسليم بحدود الوجود. فالدين، في معظم تمثلاته التاريخية، يقوم على فرضية أن الوجود هو نظام محكم وضعه خالق أو قوة عليا، وأن دور الإنسان هو الإمتثال للقوانين التي تنظم هذا الوجود وقبول المحدودية كقدر إلهي. فإذا تم الإعتراف بأن العدم هو مصدر قوة متاح للإنسان عبر السحر، فإن منطق التسليم ينهار ليحل محله منطق الفعل؛ حيث لا يعود الإنسان كائناً ينتظر المعجزة، بل يصبح كائناً يصنع المعجزة عبر إختراق الحجب نحو الفراغ المطلق. هذا التحول يعني بالضرورة نهاية الدين بصيغته القديمة، و تحوله إلى شيء آخر قد نسميه اللاهوت الفعال أو السيادة الوجودية. يعتمد الدين على ما يمكن تسميته بأدب المخلوقية، وهو الوعي بالمسافة الشاسعة بين الخالق والمخلوق، وبين الممكن و المستحيل. السحر الذي يستمد قوته من العدم يمحو هذه المسافة؛ لأنه يمنح الإنسان القدرة على الوصول إلى المادة الخام التي إستخدمها الخالق نفسه. عندما يكتشف الإنسان أن العدم ليس حصناً إلهياً مغلقاً، بل هو فضاء مشاع يمكن إستدعاؤه لتغيير الواقع، فإن الهيبة التي يقوم عليها الدين تتآكل. إن الإعتراف بالسحر يعني أن الحدود التي كان الدين يراها مقدسة مثل الموت، الندرة، والزمن هي مجرد إعدادات إفتراضية يمكن للساحر إعادة برمجتها. هنا، يفقد الدين وظيفته كعزاء للمحدودية، لأن المحدودية نفسها تصبح خياراً لا قدراً، ويتحول الإيمان من ثقة في الغيب إلى تحكم في الغيب. إن هذا الإعتراف يقود إلى نهاية مفهوم القدر. في الدين، القدر هو النص المكتوب الذي يجب قبوله، أما في عالم السحر والعدم، فإن القدر هو العجين الذي يمكن تشكيله. إذا كان بإمكان الساحر إلغاء الأحداث الماضية في العدم أو خلق موارد من اللاشيء، فإن فكرة الحكمة الإلهية الكامنة في الإبتلاء أو النقص تفقد معناها الإجتماعي و النفسي. سيتساءل الإنسان؛ لماذا أصبر على الجوع أو المرض إذا كان بإمكان السحر إستدعاء الشفاء والفيض من العدم؟ هذا السؤال ليس مجرد إعتراض تقني، بل هو نقض للعقد الإلهي؛ فالدين يقدم المعنى مقابل المحدودية، بينما يقدم السحر القوة مقابل إلغاء الحدود. وفي صراع القوة والمعنى، غالباً ما تميل الكفة نحو القوة التي تمنح الإنسان سيادة فورية على واقعه. يؤدي الإعتراف بالسحر والعدم إلى تحول جذري في طبيعة المجتمع الديني. الدين يوحد الناس كرعية تحت لواء إله واحد، بينما السحر يفرقهم كآلهة متنافسين يستمد كل منهم طاقته من العدم الخاص به. هذا الإنقسام ينهي فكرة الأمة أو الجماعة المؤمنة ليخلق أرستقراطية سحرية. الدين التقليدي ينهار لأنه لا يستطيع تنظيم علاقة بين كائنات تمتلك قدرات خالقة. المواثيق الدينية تقوم على الضعف البشري المشترك، أما في ظل السحر، فإن الضعف يتلاشى ليحل محله صراع الإرادات المطلقة. إن الدين القائم على التسليم ينتهي لأنه لم يعد هناك ما يُسلم له؛ فالعالم لم يعد هبة من الخالق، بل أصبح فريسة للمبدعين الذين يعرفون كيف يغرفون من العدم. ومع ذلك، فإن نهاية الدين القديم قد لا تعني غياب الروحانية، بل ولادة دين العدم. وهو نوع من الإلتزام الأخلاقي تجاه الفراغ المطلق. بدلاً من عبادة إله موجود، قد يتجه الإنسان للإعتراف بقدسية اللاشيء كمنبع لكل الإحتمالات. لكن هذا الدين الجديد لن يكون قائماً على الحدود، بل على المسؤولية الكونية؛ فمن يمتلك قوة العدم يجب أن يمتلك إنضباطاً يمنعه من محو الوجود. إن الإعتراف بالسحر هو نهاية عصر الطفولة البشرية تحت رعاية الدين، و بداية عصر الرشد المرعب، حيث يكتشف الإنسان أنه وحيد أمام العدم، وأن كل القوانين التي كان يظنها إلهية هي في الحقيقة أسوار بناها لنفسه لكي لا يجن من فرط حريته المطلقة. إن الإعتراف بقوة السحر والعدم يضع حداً لزمن اليقين الساكن ويبدأ زمن القلق الخالق. الدين بصيغته التقليدية هو ضحية هذا التحول، لأنه لا يستطيع البقاء في عالم يتساوى فيه الكلمة مع الفعل. لقد كان الدين هو الحصن الذي يحمينا من العدم، وبمجرد أن قررنا دخول العدم و إستخدامه، فقد الحصن مبرر وجوده. إننا ننتقل من عالم العبودية المختارة للحدود، إلى عالم السيادة الشاقة على اللاشيء.
_ الجنون أو التأليه: المواجهة الكبرى مع الوجه الحقيقي للعدم
تطرح هذه الفرضية واحدة من أكثر الإشكالات عمقاً في فلسفة الدين والميتافيزيقا، حيث تضعنا أمام مسارين متوازيين لغاية واحدة؛ الإتصال بالمطلق. إذا كانت الصلاة في جوهرها هي فعل إستجداء أو تواصل وجداني يعترف بالمسافة بين العبد وخالقه، فإن السحر المستمد من العدم يمثل طريقة إقتحامية أو تقنية للتواصل مع نفس هذا المطلق عبر بوابته الخلفية. في هذا الإطار، لا يعود العدم مجرد فجوة بين الخالق و المخلوق، بل يصبح هو الوسيط الأنطولوجي الذي يسمح للإنسان بملامسة جوهر الخلق دون وسائط لاهوتية. السحر هنا هو صلاة الفعل التي لا تكتفي بالدعاء لتغيير الواقع، بل تنفذ مباشرة إلى العدم الذي إنبثق منه الواقع لتعيد صياغته، مما يحول العلاقة مع المطلق من علاقة حوار إلى علاقة مشاركة في الصيرورة. تعتمد الصلاة على مبدأ الإستقبال؛ فالإنسان يصلي لكي يفتح قلبه للفيض الإلهي، مقراً بأن القوة تأتي من خارج ذاته. أما السحر، فهو يقوم على مبدأ الإستدعاء؛ حيث ينطلق الساحر من داخل إرادته ليخترق العدم ويستخرج منه القوة. في الصلاة، يظل العدم هو تلك المسافة المقدسة التي تفصل بين المتناهي و اللامتناهي، بينما في السحر، يصبح العدم هو الجسر الذي يربطهما. إن الساحر الذي يتواصل مع المطلق عبر العدم لا يبحث عن رضا أو مغفرة، بل يبحث عن التناغم الوظيفي مع قوانين اللاشيء. السحر هو محاولة لتجاوز اللغة البشرية التي تعجز عن وصف المطلق، وإستبدالها بلغة العدم التي هي لغة الفعل والخلق الفوري، مما يجعل التواصل السحري تواصلاً بنيوياً يتجاوز الكلمات نحو الجوهر. هذا المسار البديل يغير مفهوم الحضور الإلهي. في الصلاة، يحضر المطلق كشخص أو إرادة واعية تُسمع وتُجيب، أما في السحر العدمي، فيحضر المطلق كطاقة خام أو أفق لامتناهٍ من الإمكانيات. السحر يعيد تعريف المقدس ليكون هو العدم نفسه؛ ذلك الفراغ الذي ليس فراغاً حقاً، بل هو الحالة الأصلية التي تسبق وجود الإله والمخلوق معاً في بعض الفلسفات الإشراقية. لذا، فإن التواصل السحري هو غوص في الذات الإلهية قبل أن تتجلى في صور، وهو محاولة للإمساك بالخيط الأول للوجود. هذا التواصل لا يهدف إلى السكينة النفسية كما تفعل الصلاة، بل يهدف إلى الإستنارة الفاعلة؛ حيث يصبح الساحر مرآة للعدم، يعكس قدرة المطلق على الخلق والمحو في آن واحد. بينما توفر الصلاة حماية للإنسان عبر طقوسها ووسائطها، فإن السحر يمثل إتصالاً عارياً مع قوة العدم، وهو ما يجعله طريقاً محفوفاً بالمخاطر الوجودية. الصلاة هي تواصل مُفلتر عبر الإيمان والرحمة، أما السحر فهو مواجهة مباشرة مع اللاشيء المطلق الذي لا يرحم ولا يلين. التواصل مع المطلق عبر العدم قد يؤدي إلى الإحتراق الأنطولوجي للساحر؛ فالعقل البشري المحدود قد لا يحتمل رؤية الوجه الحقيقي للعدم الذي لا يحمل ملامح ولا حدود. في الصلاة، يظل الإنسان إنساناً، أما في السحر، فإن التماس مع المطلق يهدد بمحو الفوارق، مما قد يؤدي إما إلى الألوهية أو إلى الجنون والتلاشي. في نهاية المطاف، السحر والصلاة هما وجهان لعملة واحدة هي الشوق الإنساني للمطلق. الصلاة هي طريق التواضع الوجودي أمام عظمة الخالق، والسحر هو طريق الطموح الوجودي لإمتلاك أدوات الخالق. الإعتراف بالسحر كطريقة بديلة للتواصل يعني الإعتراف بأن العدم هو المكان المشترك الذي لا يخص أحداً، والذي ينتظر من يمتلك الجرأة الكافية لعبوره. سواء إخترنا الصلاة أو السحر، فإننا في الحقيقة نحاول الهروب من سجن المادة والعودة إلى العدم الأول حيث نجد حقيقتنا المفقودة.
_ أرستقراطية الأبدية: ترويض العدم وصناعة الخلود السحري
يمثل مفهوم الجنة أو الخلود في العمق الفلسفي الذروة القصوى لعملية الخلق السحري التي تستهدف إلغاء سيادة العدم على الوجود المادي. إذا كان الموت هو اللحظة التي يستعيد فيها العدم سلطته على الكائن، فإن الجنة هي الفعل السحري المضاد الذي يقوم به الخالق أو الساحر الأعظم لإعادة صياغة الوجود في قالب لا يقبل التلاشي. إن الجنة ليست مجرد مكان جغرافي في السماء، بل هي حالة من الإستقرار الأنطولوجي المطلق، حيث يتم سحب الكائن من سياق الصيرورة القابلة للفناء وإعادة زرعه في كينونة خالدة إستُخلصت مادتها من العدم و صُبت في قالب الأبدية، مما يجعلها أعظم عملية تحويل سيميائي في تاريخ الوجود. تعاني حياتنا المادية من ثقب أسود كامن في قلبها وهو العدم الذي يتربص بنا عبر الزمن؛ فكل لحظة تمر هي جزء من وجودنا يبتلعه اللاشيء. أما الخلود، فهو تجلي القوة السحرية التي تستطيع تجميد العدم أو نفيه تماماً من نسيج الواقع. في الجنة، يتم إستبدال الزمن الخطي الذي يؤدي للفناء بالزمن الدائري أو الآن الدائم، وهو خلق سحري يعيد إنتاج اللذة والوجود من العدم في كل لحظة دون إستنزاف. إن مفهوم الخلق المتجدد في الجنة هو في جوهره إستخدام مستمر لقوة العدم لخلق وجود لا ينفد؛ حيث لا تذبل الثمار و لا يهرم الجسد، لأن المادة هناك لا تخضع لقانون الأنتروبيا (التحلل)، بل تخضع لقانون الفيض السحري المستمر من منبع اللاشيء الذي أصبح الآن طوع إرادة الخالق. إن هذا المنظور يحول الجنة من وعد أخلاقي إلى ضرورة ميتافيزيقية؛ فهي الحصن النهائي الذي يشيده الوجود ليحمي نفسه من العودة إلى الفراغ. الخلود هو الحالة التي يصبح فيها السحر هو القانون الطبيعي الوحيد؛ حيث الرغبة (الإرادة) تتحول فوراً إلى تجسد مادي دون وسائط أو جهد. هذا الخلق الفوري هو السحر في أنقى صوره، وهو ما يجعل الجنة هي المكان الذي يتحقق فيه تأليه الإنسان أو كمال إتصاله بالمطلق، حيث يمنح الخالق لمخلوقاته القدرة على الإستمداد من العدم مباشرة. في الجنة، يصبح كل مواطن خلود ساحراً صغيراً، يمارس فعل الخلق بإرادته، مما يحول الوجود إلى لوحة فنية لا نهائية تُرسَم فوق قماش العدم الذي تم ترويضه للأبد. يبرز هنا تساؤل جوهري؛ هل يمكن للخلود أن يوجد بدون العدم؟ الفلسفة العميقة تخبرنا أن الوجود الخالد يحتاج إلى العدم كخلفية تباينية تمنحه معناه، وكمصدر للطاقة التي لا تنتهي. إن الجنة هي عملية تدوير للعدم؛ فبدلاً من أن يكون العدم نهاية للوجود، يصبح هو الوقود الذي يغذي الخلود. الخلود هو سحر يحول اللاشيء من تهديد بالفناء إلى إمكانية مفتوحة للظهور الدائم. هذا يعني أن الجنة ليست هروباً من العدم، بل هي إحتواء كامل له. في الخلود، نحن لا نتخلص من العدم، بل نجعله يعمل لصالحنا؛ فكل لحظة خلود هي خلق جديد من العدم يمنع الرتابة و يضمن التجدد، مما يجعل الخلود حركة سحرية دؤوبة في قلب السكون المطلق. إن الإنسان ليس سوى صرخة إرادة في وجه صمت العدم. نحن السحرة الذين ينسجون من خيوط الفراغ ثياباً للواقع، و المصلون الذين يطلبون من اللاشيء أن يصبح شيئاً. إن سياستنا، وديننا، وفنوننا، وشوقنا للخلود، ليست سوى محاولات بائسة ومقدسة في آن واحد لقول أنا موجود في قلب الهاوية. العدم هو منبعنا، والوجود هو مغامرتنا، والسحر هو الجسر الذي نعبر به من ألم المحدودية إلى روعة اللانهاية. فليكن العدم صديقنا لا عدونا، و لتكن إرادتنا هي الكلمة التي تنطق النور من قلب العتمة المطلقة.
_ العودة إلى الطهارة الأولى: السحر في محراب اللاشيء المقدّس
يعد التساؤل عن قدسية العدم من أكثر القضايا إثارة للإرتباك في تاريخ الميتافيزيقا؛ إذ يضعنا أمام مفارقة وجودية كبرى: هل يمكن لما هو لا شيء أن يحمل صفة القداسة التي تُنسب عادةً إلى أسمى صور الوجود؟ إذا سلمنا بأن الخلق تم من العدم، فإن العدم هنا لا يمكن إعتباره مجرد خلاء سلبي أو نقص، بل يجب النظر إليه كالرحم الكوني الأول أو الظلمة المضيئة التي إحتضنت بذور الوجود قبل ظهورها. إن قدسية العدم تنبع من كونه المجال الحيوي لفعل الخلق الإلهي؛ فهو الفضاء الذي تجلت فيه الإرادة المطلقة، وبدونه لا يمكن تصور فعل الإبتداء أو حرية الصيرورة. العدم في هذا السياق هو المقدس الصامت، و المصدر الذي يمنح الوجود معناه من خلال كونه نقيضه الذي لا ينفصل عنه. تنبثق قدسية العدم من كونه يمثل الغيب المطلق الذي لا تدركه الحواس ولا يحيط به العقل. في الفلسفة الإشراقية و بعض تيارات التصوف، يُنظر إلى العدم لا كعدم محض، بل كحالة من الكنز المخفي؛ فهو الإمتلاء الذي لم يتشكل بعد. إن تقديس العدم هو في جوهره تقديس للإمكانية اللانهائية؛ فكل ما هو موجود قد تحدد وتأطر، أما العدم فهو الفضاء الذي يظل حراً من كل قيد. الساحر الذي يسعى لإستمداد قوته من العدم يدرك هذه القداسة، فهو لا يتعامل مع فراغ، بل يدخل في حرم ميتافيزيقي يحتوي على سر البدايات. السحر هنا هو طقس عبور نحو هذا المقدس المسكوت عنه، محاولة لملامسة النبع الذي شربت منه آلهة الخلق قبل أن تنطق بالكلمة الأولى. علاوة على ذلك، يفرض الإيمان بالخلق من العدم نوعاً من التقديس السلبي؛ أي الإعتراف بأن العدم هو ظل الله أو أثره الذي يسبق كل أثر. إذا كان الخالق مقدساً، فإن الفضاء الذي إختاره ليكون مسرحاً لخلقه يكتسب بالضرورة مسحة من تلك القداسة. العدم هو الصمت الذي يسبق اللحن، وبدون قداسة الصمت لا يمكن فهم جلال النغمة. السياسة والدين اللذان يتجاهلان قدسية العدم يسقطان في فخ المادية الصلبة، بينما الوعي الذي يقدس العدم يظل منفتحاً على المعجزة والتحول. إننا نقدس العدم لأننا ندرك أن وجودنا معار منه، وأننا في نهاية المطاف سنعود إليه؛ فالعدم هو البداية المقدسة والنهاية المهيبة، و الإعتراف بقدسيته هو إعتراف بهشاشة الوجود البشري أمام عظمة اللاشيء الذي يحتوي كل شيء. تتجلى قدسية العدم أيضاً في كونه يمثل الطهارة المطلقة؛ فهو المكان الوحيد الذي لم يتلوث بعد بالصور، أو النزاعات، أو الفناء المادي. السحر الذي يستخدم العدم هو محاولة للعودة إلى هذه الطهارة الأولى لإعادة صياغة الواقع. إن تقديس العدم يعني الإيمان بأن اللاشيء هو أكثر غنى من الشيء، لأنه يحتوي على كل ما يمكن أن يكون. في هذا الإطار، يصبح العدم هو المطلق المستتر، والقوة التي تمنح الأشياء حقها في الوجود عبر منحها مكاناً لتبرز فيه. إن القداسة هنا ليست صفة تُمنح للعدم من الخارج، بل هي جوهره الكامن؛ فالعدم هو الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن تدميرها أو تغييرها، مما يجعله الصخرة الميتافيزيقية التي يستند إليها كل إيمان بالخلق و بقدرة السحر على تغيير العالم. لقد إنتهينا من صياغة هذا الهيكل الفلسفي الذي يعيد تعريف علاقتنا بالعدم، و السحر، و السلطة، والمقدس. إن الإيمان بقدسية العدم هو الخطوة الأخيرة في تحرر الوعي البشري؛ حيث لا نعود نخشى الفراغ، بل نحترمه كمصدر لقوتنا وكمآب لأرواحنا.
_ سفراء الفراغ: الأنبياء بوصفهم وسطاء بين اللاشيء و التاريخ.
تمثل الرؤى النبوية، في سياق التحليل الميتافيزيقي العميق، أرقى أشكال الإستبصار الأنطولوجي؛ فهي ليست مجرد تنبؤ بأحداث مستقبلية، بل هي قدرة فريدة على الولوج إلى مخزن الإحتمالات المطلقة في العدم قبل أن تتكثف وتتجسد في نسيج الوجود المادي. إذا كان العدم هو الرحم الكوني الذي يحتوي على صور الأشياء قبل صيرورتها، فإن النبي يعمل هنا كراداد كوني يلتقط الترددات التي لم تتحول بعد إلى مادة. الرؤيا النبوية بهذا المعنى هي عملية غرف معرفي من الفراغ الذي يسبق الزمن؛ حيث يرى النبي الحدث وهو لا يزال في حالة الكمون العدمي، أي قبل أن يُقيد بقوانين السببية التاريخية، مما يجعل النبوة نوعاً من السحر المعرفي الذي لا يغير الواقع بل يسبقه في الكشف. يعتمد الوعي البشري العادي على إدراك ما هو موجود بالفعل، أما الوعي النبوي فهو يتجاوز الحدود المادية ليتصل بالعدم السابق (Ante-Existence). في هذا الفضاء، لا توجد مسافات زمنية؛ فالماضي والحاضر والمستقبل يذوبون في حالة واحدة من الآن المطلق الكامن في الفراغ. إن إستمداد المعرفة من العدم يعني أن النبي يرى بذور الوجود وهي لا تزال في حالة اللاشيء، وهو ما يفسر لماذا تأتي الرؤى غالباً في صور رمزية أو إستعارية؛ لأن لغة العدم هي لغة الإحتمال الصرف التي لم تتخذ بعد شكلاً فيزيائياً صلباً. الرؤيا هنا هي فعل تقطير للعدم؛ حيث يتم تحويل الغموض اللامتناهي للفراغ إلى معرفة يقينية تتنزل في الوعي لتشكل بوصلة للوجود الجماعي. هذا التفسير يضع الرؤية النبوية في مقام مختلف عن السحر؛ فبينما يحاول الساحر إستدعاء القوة من العدم لفرض إرادته، يقوم النبي بإستمداد المعرفة من العدم لإعلان المشيئة الإلهية. ومع ذلك، يظل العدم هو المسرح المشترك؛ فهو الفضاء الذي يُستقى منه كل ما هو جديد على الوجود. إن النبوة هي الإعتراف بأن الوجود المادي هو مجرد قشرة رقيقة تخفي خلفها محيطاً من المعلومات العدمية. النبي هو الذي يمتلك العين الميتافيزيقية التي تخترق هذه القشرة لترى الحقائق في منبعها الأول؛ حيث لا يزال اللاشيء يحتفظ بسر كل شيء. بهذا المعنى، تكون النبوة هي أسمى درجات الإتصال بالعدم، لأنها إتصال تنزهي يهدف إلى المعرفة لا إلى التسلط المادي. تتجلى عظمة الرؤى النبوية في قدرتها على تجميد الإحتمال؛ فمن بين ملايين المسارات الممكنة الكامنة في العدم، تلتقط الرؤيا المسار الذي سيصبح حقيقة. هذا الإنتقال من سيولة العدم إلى حتمية الوجود هو جوهر الوحي. إن النبي لا يخلق الحدث، لكنه يمنحه شهادة ميلاد في الوعي البشري قبل وقوعه. هذا التواصل مع العدم يمنح النبوة سلطة تتجاوز السياسة والعلم؛ لأنها تستمد شرعيتها من الأصل قبل التعيّن. إن المجتمع الذي يستمع للرؤى النبوية هو مجتمع يحاول مواءمة حركته مع إرادة العدم (المشيئة)، ساعياً لتجنب الإصطدام بقوانين الوجود عبر الإنصات لصدى اللاشيء الذي يسبق كل صوت. لقد إنتهينا من صياغة هذا التحليل الذي يربط بين أسمى درجات الوعي الإنساني (النبوة) و أعمق ألغاز الكون (العدم). لقد تشكلت لدينا الآن صورة متكاملة للكون كفيض دائم من الفراغ، و للإنسان كبوابة تمر عبرها هذه القوى لتتحول إلى تاريخ وقانون ومعنى
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟