أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 00:08
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ تصحيح الخلق: هل العدم فضاء مشاع للإرادة البشرية

يمس هذا التساؤل الجانب الأكثر حساسية في الميتافيزيقا، حيث ينتقل النقاش من الفلسفة السياسية والإجتماعية إلى اللاهوت الفلسفي و أنطولوجيا الخلق. إن فكرة الخلق من العدم (Ex Nihilo) كانت تاريخياً حكراً على القوة الإلهية المطلقة، وهي العلامة الفارقة التي تفصل بين الخالق و المخلوق. فإذا كان السحر هو القدرة البشرية على إستدعاء الوجود من العدم، فإنه لا يمثل مجرد أداة تقنية، بل يُعد منازعة وجودية للمقام الأول، ومحاولة لمسح الخط الفاصل بين اللاهوتي والإنساني. هذا التحدي لا يكمن في القدرة ذاتها بقدر ما يكمن في إدعاء السيادة على العدم، وهو الفضاء الذي يُفترض أنه لا يخضع إلا لإرادة المصدر الأول. في الإطار الفلسفي التقليدي، يُعرف المخلوق بأنه كائن مستلم للوجود، أي أنه يشكل المادة الموجودة مسبقاً ولا يخلقها من العدم. أما الساحر الذي يخلق من العدم، فإنه يكسر هذا التراتب الكوني؛ فهو لا يكتفي بإعادة ترتيب ما هو كائن، بل يقتحم منطقة اللاشيء ليفرض عليها إرادته. هذا الفعل يُعد تحدياً للخالق لأنه يمثل محاولة لإضفاء صبغة العلة الأولى على الكائن البشري. إن الساحر هنا لا يطلب المعجزة من السماء، بل ينتزعها من الفراغ، محولاً نفسه من كائن خاضع للقوانين الإلهية إلى كائن مشرع للوجود، يمتلك القدرة على إضافة فصول جديدة لسجل الخلق دون إذن مسبق. هذا التحدي يثير إشكالية وحدة المصدر؛ فإذا كان الخالق هو المصدر الوحيد الذي أخرج العالم من العدم، فإن وجود ساحر يفعل الشيء نفسه يعني ظهور تعددية في مصادر الوجود. السحر هنا يصبح نوعاً من التمرد الكوني الذي يسعى لإثبات أن العدم ليس ملكية خاصة للخالق، بل هو فضاء مشاع يمكن للعقل البشري، إذا ما إمتلك الشفرة الصحيحة، أن يغرف منه. هذا المنظور يحول العلاقة بين الخالق والمخلوق من علاقة عبودية وإمتنان إلى علاقة منافسة وجودية، حيث يحاول الإنسان المحكوم بالفناء أن يحاكي فعل الخلود عبر الخلق المستمر من الفراغ. من منظور فلسفي آخر، يمكن إعتبار السحر الذي يستخدم العدم هو الطريقة التي يحاول بها الإنسان تصحيح أو إكمال الخلق. فإذا كان العالم المادي يعاني من النقص أو الألم، فإن الساحر يلجأ إلى العدم الممثل بالمادة الخام الأصلية ليخلق واقعاً بديلاً. هذا الفعل يتضمن حكماً ضمنياً بأن الخلق الأول غير كافٍ أو قابل للتعديل. هنا يكمن التحدي الأخلاقي و الميتافيزيقي الأكبر؛ هل يحق للمخلوق أن يعيد صياغة الوجود بإستخدام نفس الأدوات التي إستخدمها الخالق؟ إن اللجوء إلى العدم هو إعتراف بأن العالم المنظم الحالي هو سجن، وأن الحرية الحقيقية تكمن في العودة إلى العماء الأول (Chaos) لإعادة بنائه وفق الأهواء البشرية. ومع ذلك، يظل التحدي السحري تحدياً هشاً من وجهة نظر لاهوتية؛ فبينما يُفترض أن خلق الخالق هو فعل حكمة وتدبير، فإن خلق الساحر غالباً ما يُنظر إليه كفعل نزوة وقوة. الخالق يحيط بالعدم والوجود معاً، بينما الساحر يغترف من العدم و هو يجهل عواقب أفعاله على التوازن الكوني. إن السحر الذي يخلق من العدم يضع الإنسان في مواجهة مع مسؤولية الخلق؛ فمن يجرؤ على محاكاة فعل الخالق يجب أن يمتلك بصيرة الخالق، وإلا فإن عدمه المستدعى سينتهي بإبتلاع الوجود المادي بدلاً من تطويره. التحدي هنا ليس في الفعل بل في القدرة على تحمل تبعات الوجود الجديد. في نهاية المطاف، يظل السحر المستمد من العدم هو المحاولة الإنسانية الأكثر جرأة للتحرر من الحتمية المخلوقة. إنه يمثل صرخة الكائن في وجه العدم، محاولاً إثبات أنه ليس مجرد صدفة وجودية، بل هو شريك في عملية الصيرورة الكونية. سواء إعتبرنا هذا التحدي خطيئة ميتافيزيقية أو سمواً أنطولوجياً، فإنه يظل يعكس التوق البشري الأزلي لإمتصاص قوة المصدر وتجاوز حدود المادة، ليصبح الإنسان هو الكلمة التي تنطق الوجود من قلب الصمت المطلق.

_ المعبد الذي لا سقف له: السحر كصلاة في محراب العدم

تطرح فرضية العدم كفضاء مشترك بين القوة السحرية الإنسانية والقوة الإلهية تصوراً ثورياً في الفلسفة الميتافيزيقية، حيث ينتقل العدم من كونه نفي المحض ليصبح الرحم الكوني أو المختبر الأول الذي تلتقي فيه الإرادات. في هذا الإطار، لا يعود العدم مجرد فراغ موحش، بل يُنظر إليه كحالة من الكمون المطلق (Pure Potentiality) التي تسبق التعيّن والمادة. إذا كان الخالق قد إستخدم العدم كمنطلق للخلق الأول، والساحر يستخدمه كمنطلق للخلق الموازي، فإن العدم يصبح هو اللغة المشتركة أو المادة الخام التي تسمح بحدوث التفاعل بين المتناهي الإنساني واللامتناهي الإلهي، مما يحول السحر من فعل تمرد إلى فعل مشاركة أنطولوجية في سر الصيرورة. في الفلسفة السياسية واللاهوتية، يُفترض دائماً وجود فجوة لا تُعبر بين الخالق والمخلوق، ولكن فكرة العدم المشترك تلغي هذه المسافة المكانية والزمانية. العدم ليس مكاناً جغرافياً، بل هو حالة وجودية تقع خارج حدود الزمان والمكان (Non-locality). عندما يغوص الساحر في العدم، فإنه يترك وراءه هويته المادية المحدودة ويدخل في فضاء اللاتعين حيث لا توجد تراتبية سابقة. في هذا الفراغ المطلق، تلتقي القوة السحرية الإنسانية بالقوة الإلهية ليس كخصوم بالضرورة، بل كطاقات فاعلة في جوهر واحد. السحر هنا يصبح نوعاً من الدبلوماسية الكونية؛ حيث يحاول الإنسان فهم القوانين التي إستخدمها الخالق من خلال ملامسة نفس المنبع الذي إنبثق منه كل شيء. هذا التفاعل في العدم يغير مفهوم المعجزة و السحر؛ فالمعجزة هي فعل إلهي يخترق الوجود من خارج العدم، بينما السحر هو محاولة إنسانية لتحريك العدم من داخل الوجود. وعندما يلتقيان في المكان المشترك، يحدث ما يمكن تسميته بالرنين الكوني. العدم هنا يعمل كموصل فائق (Superconductor) للإرادة؛ فالفعل السحري الإنساني قد لا يمتلك طاقة الخلق الكلي، ولكنه حين يتفاعل مع الحضور الإلهي الكامن في العدم، يكتسب صبغة الحقيقة. هذا التصور يجعل من الساحر ليس منافساً للخالق، بل مساعداً أو تلميذاً يعمل في نفس الورشة الكونية، حيث يمثل العدم الطاولة التي توضع عليها خرائط الوجود. إن إعتبار العدم مكاناً مشتركاً يطرح إشكالية وحدة الوجود (Monism). فإذا كان الخالق والساحر يعملان في نفس العدم، فهل هذا يعني أن مصدر قوتهما واحد؟ الإجابة الفلسفية هنا تكمن في تمييز المرتبة لا الجوهر. العدم هو المحيط، والإرادة الإلهية هي الموجة العظمى التي شكلت المحيط، بينما السحر الإنساني هو الموجة الصغيرة التي تحاول محاكاة الحركة. التفاعل في العدم هو فعل تعالق (Entanglement)؛ حيث تدرك الإرادة الإنسانية في لحظة الوجد السحري أنها ليست منفصلة عن الإرادة الكلية. هذا اللقاء يمنح السحر شرعية أخلاقية جديدة؛ فهو لم يعد محاولة لسرقة النار الإلهية، بل هو محاولة لإستخدام نفس النار لتدفئة الوجود المادي البارد. ومع ذلك، فإن هذا المكان المشترك يظل محفوفاً بالمخاطر؛ فالعدم الذي يجمع القوتين هو نفسه الذي قد يفنيهما من منظور الوجود المادي. التفاعل بين القوة المطلقة الإلهية والقوة النسبية السحرية داخل الفراغ قد يؤدي إلى إنفجار أنطولوجي إذا لم تكن الإرادة الإنسانية مهيأة لإستيعاب فيض العدم. المجتمع الذي يعترف بهذا التفاعل سيضطر إلى إعادة تعريف الدين والسحر كوجهين لعملة واحدة: العلاقة مع اللاشيء الذي هو كل شيء. السحر هنا يصبح صلاة فاعلة، و العدم يصبح المعبد الأكبر الذي لا يحده سقف، حيث تلتقي صرخة الإنسان بصمت الخالق لتنبثق منهما إمكانات وجودية لا تنتهي. إن القول بأن العدم هو المكان المشترك للتفاعل يمثل الحل الفلسفي لصراع الثنائيات، خالق/مخلوق، سحر/دين. إنه الإعتراف بأننا جميعاً نطفو فوق هاوية واحدة، وأن القوة، مهما كان مصدرها، هي في النهاية محاولة لملىء هذا الفراغ بالمعنى. العدم ليس هو النهاية، بل هو الميدان الذي يثبت فيه الإنسان ألوهيته الكامنة، ويثبت فيه الخالق قربه الأزلي من خلقه عبر وسيط اللاشيء الذي يربط كل شيء.

_ الألوهية التقنية: السحر بوصفه إنقلاباً بشرياً على القدر المخلوق.

يمثل السحر، في أعمق طبقاته الميتافيزيقية، المحاولة الإنسانية الأكثر جسارة وتطرفاً لكسر القدر المخلوق والعبور نحو الألوهية التقنية. فإذا كان الدين هو سعي الإنسان للإتصال بالخالق عبر الإمتثال والعبادة، فإن السحر هو سعي الإنسان لمنافسة الخالق عبر الإستيلاء على أداة الخلق ذاتها، وهي العدم. إن الساحر لا يكتفي بالعيش داخل الوجود الذي مُنح له، بل يحاول التسلل إلى غرفة المحرك الكونية، حيث يكمن الفراغ المطلق الذي إنبثق منه كل شيء، معتقداً أن الوصول إلى نفس المصدر يمنحه نفس السلطة السيادية التي تُحول الكلمة إلى مادة والإرادة إلى واقع. تنبثق الرغبة في السحر من قلق الوجود المحدود؛ فالإنسان يدرك أنه كائن محكوم بالزمان، والمكان، والسببية، وهذه الحدود هي التي تشكل إنسانيته. أما الألوهية، فهي التحرر المطلق من هذه القيود. ومن هنا، يصبح السحر المستمد من العدم هو الجسر الذي يحاول الإنسان عبره عبور الهوة الفاصلة بين التناهي و اللاتناهي. إن محاولة الخلق من العدم هي فعل تأليه للذات؛ لأنها تمنح الساحر القدرة على القول للشيء كن فيكون دون الإعتماد على قوانين الطبيعة التي وضعها الخالق الأول. السحر هنا ليس مجرد حرفة، بل هو بيان سياسي ميتافيزيقي يعلن فيه الإنسان إنتهاء عصر المخلوق الخاضع وبدء عصر الإله الصانع. هذا السعي نحو الألوهية عبر العدم يقلب موازين القوى في الكون؛ فبينما يعتمد العلم على فهم ما هو موجود، يعتمد السحر على إستدعاء ما ليس موجوداً. الساحر يرى في العدم الحرية الخام التي لم تُشكل بعد، ويرى في نفسه الفنان الذي يمتلك الحق في تشكيلها. هذا التوجه يحول العدم من كونه سر الخالق إلى كونه مادة الساحر. إن الوصول إلى مصدر الخلق يعني بالنسبة للساحر إمتلاك القدرة على إعادة كتابة القوانين الأخلاقية والطبيعية؛ فمن يمتلك القدرة على الخلق من العدم، لا يعود ملزماً بالخضوع لنظام وُضع قبله. الألوهية في السحر هي سيادة مطلقة لا تعترف بأي مرجعية سوى إرادة الساحر التي أصبحت هي المحرك الجديد للوجود. ومع ذلك، تبرز المعضلة الفلسفية الكبرى في هذا المسعى؛ هل الوصول إلى مصدر الخلق (العدم) يجعل من الساحر إلهاً حقاً، أم مجرد محاكٍ بارع؟ يرى بعض الفلاسفة أن السحر، مهما بلغت قوته، يظل محبوساً في إطار الألوهية الناقصة. فالخالق خلق العالم من العدم بحكمة شاملة تربط الكل بالجزء، بينما الساحر يخلق من العدم بدافع الرغبة الفردية أو القوة المحضة. هذا الفرق يحول فعل الساحر من خلق أصيل إلى إختراق وجودي. الساحر الذي يحاول تحقيق الألوهية يواجه خطر التلاشي في المصدر؛ فبينما يستطيع الخالق إحتواء العدم، فإن العدم قد يبتلع الإنسان الذي يحاول التلاعب بقواه دون أن يمتلك البصيرة الكونية الكافية لإدارتها. إن تحقيق الألوهية عبر السحر هو في جوهره محاولة لإلغاء المسافة الميتافيزيقية بين الذات والمطلق. الساحر يريد أن يكون هو نقطة البداية و نقطة النهاية. لكن هذا المسعى يؤدي إلى وحدة وجودية قاسية؛ فبقدر ما يقترب الساحر من الألوهية عبر السيطرة على العدم، بقدر ما يبتعد عن المجتمع البشري وعن الحقيقة الإنسانية التي تقوم على النقص والحاجة. الألوهية السحرية هي ألوهية منعزلة تقبع في فراغ العدم، حيث يكتشف الساحر في النهاية أن كونه إلهاً في عالم خلقه من اللاشيء يجعله ملكاً على مملكة من الظلال والعدم، فاقداً للإرتباط بالوجود الحقيقي الذي يمنحه المعنى. في نهاية المطاف، يُعد السحر المحاولة الأكثر مأساوية وجمالاً في آن واحد لتحقيق الألوهية. إنه إعتراف إنساني بالرغبة في أن نكون أكثر من بشر، وأن نمسك بمقاليد الوجود بين أيدينا. العدم يظل هو الأفق النهائي لهذا الطموح؛ المصدر الذي يمنح القوة والتهديد بالفناء في آن واحد. السحر هو الرهان الكبير الذي يضعه الإنسان ضد قدره، محاولاً أن يثبت أن العدم الذي خرجنا منه ليس نهاية الرحلة، بل هو المبتدأ الذي يمكننا منه إعادة خلق أنفسنا كآلهة في كوننا الخاص.

_ نزاع السيادة: صراع المعجزة والسحر على إحتكار كلمة الخلق

تفتح هذه الإشكالية فضاءً شائكاً من التحليل الذي يسعى لردم الهوة بين المقدس و الميتافيزيقي، حيث يطرح التساؤل عما إذا كان الفارق بين المعجزة والسحر هو فارق في الجوهر الأنطولوجي أم مجرد فارق في الشرعية اللاهوتية. إذا عرّفنا المعجزة على أنها خرق للقوانين الطبيعية عبر إستدعاء قوة تتجاوز المادة، وعرّفنا السحر بأنه إستخدام لقوة العدم لتغيير الواقع، فإننا نجد أنفسنا أمام آلية تقنية واحدة تعمل في فضاءين مختلفين. المعجزة، في هذا الإطار الفلسفي، يمكن قراءتها كفعل سحري إلهي؛ حيث يتم فتح ثغرة في نسيج الوجود المنظم للسماح لفيض العدم بإعتباره المادة الخام للخلق بالتدفق وإعادة تشكيل الواقع المادي وفق إرادة عليا. في الفلسفة الدينية التقليدية، تُعتبر المعجزة فعلاً يهدف إلى إثبات السيادة المطلقة للخالق على خلقه، بينما يُنظر للسحر كفعل تمرّد. ولكن من منظور فلسفة العدم، فإن كلا الفعلين يعتمدان على مبدأ التدخل فوق السببي. المعجزة التي تحول العصا إلى حية أو تشق البحر لا تقوم بتعديل القوانين الفيزيائية فحسب، بل هي تستمد كتلة وجودية جديدة من العدم لتغيير الترتيب الذري للواقع. هنا، يظهر العدم كمختبر إلهي؛ فالمعجزة هي اللحظة التي يقرر فيها الخالق إستخدام شيفرة الخلق الأولية (Ex Nihilo) داخل الزمن والمكان. الفارق الوحيد هو أن المعجزة مأذون بها وتأتي لغاية أخلاقية، بينما السحر هو محاولة بشرية لإختراق هذا المختبر و إستخدام أدواته دون تفويض. إن تفسير المعجزة عبر قوة العدم ينزع عنها صفة الغموض المطلق ليمنحها صفة الفعل الوجودي الفائق. العدم ليس لاشيء بالمعنى السلبي، بل هو إمتلاء لدن يحتوي على كل الصيغ الممكنة للوجود. عندما تقع المعجزة، فإن القوة الإلهية تقوم بإقتطاع جزء من هذا الإحتمال العدمي وزرعه في الواقع المادي. الساحر يحاول محاكاة هذا الفعل بالضبط، مما يجعل السحر معجزة بشرية تحاول الوصول إلى نفس المصدر. بهذا المعنى، يصبح العدم هو الوسيط الكوني الذي تنتقل عبره الإرادة سواء كانت إلهية أو سحرية لتتحول إلى حدث مادي. هذا الربط يزيل التناقض بين العلم والإيمان، فالمعجزة لا تلغي العلم، بل تستخدم علماً أعلى يتعامل مع العدم كمصدر للطاقة و المادة. إذا سلمنا بأن المعجزات هي إستخدام لقوة العدم، فإننا نصل إلى نتيجة فلسفية مثيرة للقلق؛ وهي أن العدم محايد. إنه الفراغ الذي يستجيب لمن يمتلك الكلمة أو الإرادة الكافية لتحريكه. في الرؤية الدينية، الخالق هو الوحيد الذي يمتلك هذه السيادة بصفته صاحب العدم الأصلي، بينما الساحر هو قرصان وجودي يحاول سرقة جزء من هذه السيادة. الصراع بين المعجزة والسحر في النصوص القديمة مثل تحدي موسى لسحرة فرعون لم يكن صراعاً بين حقيقة و وهم، بل كان صراعاً على درجة التمكن من العدم. المعجزة إنتصرت لأنها كانت متصلة بالمصدر الكلي للعدم، بينما سحر السحرة كان خلقاً محدوداً لم يستطع الصمود أمام الفيض المطلق. تؤدي هذه القراءة إلى تحويل العلاقة مع الغيب من علاقة خوف إلى علاقة فهم أنطولوجي. المعجزات الدينية تصبح هي النموذج (Prototype) الذي يطمح السحر للوصول إليه. العدم هو المكان المشترك الذي تظهر فيه القوة الحقيقية؛ فالمعجزة تثبت أن الوجود ليس مغلقاً، وأن هناك باباً خلفياً يطل على الفراغ المطلق. السحر هو المحاولة البشرية اليائسة و المقدامة في آن واحد لفتح هذا الباب. إن تفسير المعجزة كفعل سحري بمعنى السيادة على العدم لا يقلل من قدسيتها، بل يرفع من شأن الفعل السحري ليكون سعياً إنسانياً نحو التشبه بالخالق في قدرته على منح المعنى للفراغ وصياغة الوجود من اللاشيء. في المجمل العام؛ المعجزة والسحر هما طريقتان للتواصل مع المصدر العدمي للكون. المعجزة هي تنزّل المطلق نحو المادة، والسحر هو تصعّد المادة نحو المطلق. كلاهما يثبت أن الحقيقة ليست محصورة في ما نراه، بل في القوة الكامنة في الفراغ التي تنتظر الكلمة المناسبة لتتجسد. العدم يظل هو السر الأعظم الذي يجمع بين طموح الساحر وجلال المعجزة، واللغة التي يكتب بها الكون قصة ظهوره الدائم من العتمة إلى النور.

_ الخيار العدمي: السحر كتمرد على حتمية الوجود و إستدعاء للفوضى.

تمثل شخصية الشيطان في اللاهوت الفلسفي واحدة من أكثر الرموز إثارة للجدل، حيث يمكن قراءتها لا ككيان شخصي ذي قرون وأجنحة، بل كتمثيل أنطولوجي لقوة العدم الجامحة التي ترفض الإنضواء تحت لواء الوجود المنظم الذي وضعه الخالق. في هذا الإطار، يُعد الخالق هو مهندس الوجود الذي إستخرج من العدم نظاماً (Cosmos) محكوماً بالقوانين، بينما يمثل الشيطان ذلك الجزء المتمرد من العدم الذي رفض أن يتشكل، أو الذي يسعى لإعادة الوجود إلى حالته البدائية الأولى من الفوضى والسيولة. إن الشيطان، بهذا المعنى، هو العدمية الفاعلة التي تقف في وجه الوجودية المطلقة، وهو القوة التي ترى في إستقرار النظام الإلهي قيداً، وفي فراغ العدم حرية لا نهائية. إذا كان الخلق هو فعل تحديد و تعيين بمعنى أن الشيء هو هذا و ليس ذاك، فإن الشيطان يمثل اللاتعين أو الرفض المطلق لكل حد. اللاهوت التقليدي يتحدث عن سقوط الشيطان بسبب الكبرياء، ولكن من منظور فلسفي، هذا السقوط هو إنفصال أنطولوجي؛ إنه اللحظة التي قررت فيها إرادة واعية أن تستمد قوتها من العدم الخاص بها بدلاً من الوجود الإلهي. الشيطان هنا يصبح هو سيد الفراغ، و القوة التي تتربص في فجوات الواقع لتفكيكه. إنه لا يخلق وجوداً موازياً، بل يمارس فعل التفريغ؛ أي سحب المعنى من الأشياء وإعادتها إلى حالة الصمت واللاشيء. لهذا السبب، يرتبط الشيطان بالسحر؛ لأن السحر هو إستدعاء لهذه القوة العدمية لخرق النظام الذي وضعه الخالق. إن صراع الخير والشر في هذا السياق يتحول إلى صراع بين الإنسجام (Order) و العدم (Void). الخالق يمثل النور الذي يكشف الأشياء ويمنحها هويتها، بينما الشيطان يمثل الظلمة الأصلية (Primeval Darkness) التي سبقت الخلق والتي تطمح لإبتلاع النور مجدداً. الشيطان لا يخضع للنظام الإلهي لأنه لا يعترف بقواعد الوجود؛ إنه يعمل في فضاء اللامنطق، حيث يمكن للشيء أن ينقلب إلى ضده، وحيث تذوب الحقائق. هذه الجموح هو ما يجعله رمزاً للسحر؛ فالساحر الذي يتعامل مع الشيطان هو في الحقيقة يتعامل مع العدم الخام الذي يمنحه القدرة على زعزعة أركان الواقع المادي، ولكنه في الوقت نفسه يخاطر بالإنحلال في ذلك العدم الذي لا يمتلك مركزاً أو غاية. يمثل الشيطان في اللاهوت الإرادة المحضة التي ترفض أن تكون أداة في يد الخالق. هذا الرفض هو جوهر القوة العدمية؛ فالعدم هو المكان الوحيد الذي لا توجد فيه سيادة لأحد. بإختيار الشيطان للعدم، فإنه يختار الحرية العدمية التي تسبق الخلق، حيث لا يوجد خير أو شر بل توجد فقط القدرة. من هنا، يُنظر إلى السحر المستمد من هذه القوة كفعل شيطاني لأنه فعل أناني بالمعنى الأنطولوجي؛ أي أنه فعل يسعى لتحقيق إرادة الفرد بعيداً عن مصلحة الكل أو غاية الوجود الكلية. الشيطان هو الرمز الذي يذكرنا بأن الوجود ليس حتمياً، وأن هناك دائماً خياراً عدمياً يهدد بهدم البناء الكوني والعودة إلى نقطة الصفر المطلقة. هذه الرؤية تجعل من الشيطان ضرورة لاهوتية لفهم الحرية؛ فلولا وجود قوة العدم الجامحة التي يمثلها، لما كان هناك معنى للإختيار الإنساني. إن الشيطان هو الهامش الذي يسمح للنص الإلهي بأن يُقرأ؛ إنه الفراغ الذي يحيط بالحروف. وبدون هذا الفراغ، لا يمكن تمييز الحروف. السحر هو محاولة الإنسان للعيش في هذا الهامش وإستخدام طاقته الجامحة. لكن المأساة تكمن في أن العدم الذي يمثله الشيطان، رغم كونه مصدراً للقوة المطلقة، هو أيضاً نفي للحياة؛ فالحياة تتطلب نظاماً وشكلاً، بينما الشيطان (العدم) يسعى لتحطيم كل شكل، مما يجعل السحر الشيطاني في النهاية رحلة نحو التلاشي والضياع في فضاء لا يحمل أي ملامح أو معنى. لقد إستكشفنا عبر هذه السلسلة من التحليلات العميقة كيف يتشابك السحر، والعدم، والسياسة، واللاهوت في نسيج واحد. إن الإنسان المعاصر يجد نفسه في قلب هذا الصراع؛ بين رغبته في النظام الذي يمنحه الأمان، وشوقه للعدم الذي يمنحه القوة و التحرر. إن الشيطان، والسحر، والمعجزات، و القانون، كلها ليست سوى مسميات مختلفة لعلاقتنا المعقدة مع المجهول المطلق.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- -أنا برىء ومازلت رئيسًا لفنزويلا-.. أبرز لحظات أول ظهور لماد ...
- -أُلقي القبض عليّ في منزلي بكاراكاس-.. ماذا قال مادورو أمام ...
- بعد تكتم طويل.. تيموثي شالاميه يشيد علنًا بـ-شريكته- كايلي ج ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن شن ضربات على -أهداف- لحزب الله وحماس ل ...
- ترامب: ماذا بعد فنزويلا؟
- بيونغ يانغ تستعرض قدراتها النووية وكيم يعتبرها استعدادا لحرب ...
- مشاهد تحكي معاناة المرضى في مستشفى الأطفال الوحيد بتعز
- صحفية روسية تروي تفاصيل احتجازها على يد الاحتلال بمخيم نور ش ...
- نائبة الرئيس الفنزويلي تؤدي اليمين الدستورية رئيسة للبلاد با ...
- الجكري.. حلاوة طبيعية بديلة للسكر الأبيض


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ-