حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 19:00
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ بياض الخلق: اللوحة الفارغة بوصفها رحماً للعدم النشط
تُعد اللوحة الفارغة (Tabula Rasa) في الفضاء الفلسفي للفن أكثر من مجرد سطح مادي ينتظر الألوان؛ إنها تمثيل أنطولوجي صارخ للعدم بوصفه إمكانية محضة وليس غياباً مطلقاً. عندما نتأمل اللوحة البيضاء في سياق السحر، نجد تماثلاً مدهشاً بين فراغ القماش و خلاء السحر الذي يستمد منه الساحر قوته. فالسحر في جوهره هو فعل إستدعاء الوجود من غياهب اللاوجود، واللوحة الفارغة هي التجسيد البصري لهذا الفراغ الخلاق الذي يسبق كلمة التكوين أو ضربة الفرشاة. إنها الحالة البدئية التي تسبق الزمن والتشكل، وهي في ذات الوقت الرحم الذي يحوي كل الصور الممكنة قبل أن تتجسد واحدة منها وتقتل، بوجودها، بقية الإحتمالات. في هذا الإطار، يمكن إعتبار الساحر والفنان وجهين لعملة واحدة تتعامل مع العدم كخامة أساسية. الساحر لا يخلق من شيء، بل يحول اللاشيء إلى واقع عبر الإرادة والرمز، تماماً كما يقف الفنان أمام بياض اللوحة المرعب. هذا البياض ليس صمتاً، بل هو ضجيج من الإحتمالات التي لا يمكن حصرها. إن العدم هنا هو العدم الفائض (Pleroma)، وهو مفهوم غنوصي يشير إلى فراغ ممتلئ بكل شيء قبل أن يتم تحديده. اللوحة الفارغة هي المساحة التي يتجلى فيها العدم النشط، حيث لا توجد قوانين للفيزياء أو المنطق بعد، بل فقط سيادة الإرادة التي ستبدأ في رسم حدود الواقع الجديد. تتجلى العلاقة بين السحر والعدم في فكرة التحويل. فالسحر هو فن تغيير الواقع وفقاً للإرادة، واللوحة الفارغة هي الساحة التي تتم فيها هذه العملية السيميائية. عندما يضع الفنان علامته الأولى، فإنه يرتكب فعلاً سحرياً بإمتياز؛ إنه يخرق صمت العدم ليعلن عن ولادة كينونة. هذا الإنتقال من البياض المطلق إلى الشكل يماثل عملية التجسد في الطقوس السحرية، حيث يتم إستحضار كائن أو فكرة من عالم الروح الممثل بالعدم المعنوي إلى عالم المادة. اللوحة البيضاء هي المرآة السوداء للساحر، لكنها مصبوغة بالضوء، تعكس رغبة المبدع في إستنطاق المجهول وإنتزاع المعنى من قلب الفراغ. علاوة على ذلك، يفرض العدم المتمثل في اللوحة الفارغة نوعاً من الرهبة الوجودية (Horror Vacui). الساحر يخاف العدم ويقدسه في آن واحد، لأنه المصدر الوحيد للقوة، لكنه أيضاً الهاوية التي قد تبتلع هويته. الفنان يعاني من نفس الرهبة أمام القماش الأبيض؛ فالبياض يمثل تحدياً لسلطة الذات. إن إعتبار اللوحة تجسيداً للعدم يعني أنها تمثل الحالة الصفرية للكون، حيث تكون كل الأضداد، النور والظلمة، الحركة و السكون في حالة توازن تام. السحر هو التدخل الذي يكسر هذا التوازن ليخلق الحدث، واللوحة هي المسرح الذي يشهد هذا الإنفجار الإبداعي الذي يحول العدم من مفهوم سلبي إلى طاقة بصرية حية. يمكن القول إن اللوحة الفارغة ليست مجرد أداة، بل هي كيان سحري بحد ذاته. إنها تمثل العدم الذي لا ينضب، فكلما إمتلأت لوحة، ظل مفهوم البياض قائماً في لوحة أخرى، تماماً كما يظل العدم السحري مصدراً لا ينتهي مهما إستمد منه السحرة. إنها دعوة دائمة للعبور من المألوف إلى المتجاوز، و من المرئي إلى اللامرئي. الفنان الذي يقف أمام لوحته الفارغة هو كاهن يقف على عتبة الفراغ، مستعداً لإستخدام سحر الرؤية لتحويل هذا الصمت الأبيض إلى ترتيلة بصرية تجعل من العدم شاهداً على عظمة الوجود.
_ خيمياء الواقع الفائق: السريالية كطقس سحري لإستنطاق العدم التوليدي
يُعد الفن السريالي، في أعمق طبقاته الفلسفية، ليس مجرد تمرد على الواقعية البصرية، بل هو محاولة راديكالية لإعادة تشكيل الوجود عبر إستحضار منطق العدم السحري. إن السريالية، كما أسسها أندريه بريتون، لم تكن تبحث عن اللامعقول لمجرد العبث، بل كانت تهدف إلى النفاذ إلى الواقع الفائق (Surreality)، وهو فضاء يقع في منطقة البرزخ بين الوعي و اللاوعي، بين الوجود والعدم. في هذا السياق، يعمل الفنان السريالي كساحر معاصر، لا يستمد أدواته من الطبيعة المادية، بل من الفراغ الذي يسبق تشكل الصور؛ إنه يستنطق العدم ليخرج منه كيانات هجينة تتحدى قوانين الفيزياء و المنطق، تماماً كما يفعل الساحر حين يستحضر كائناً من اللاشيء. إن العدم السحري في السريالية هو ذلك الفضاء الرحب الذي تسقط فيه الهويات الثابتة للأشياء. في اللوحة السريالية، يفقد الكرسي كرسويته وتفقد الساعة صلابتها، ليدخلا في حالة من السيولة الوجودية التي تسبق التعيّن. هذا التفكيك هو فعل سحري بإمتياز، لأنه يعيد الأشياء إلى حالتها البدئية في العدم الأول، حيث لا فرق بين المادة و الروح. السريالية تعتبر أن العالم الظاهري هو مجرد قشرة رقيقة تخفي خلفها خلاءً مشحوناً بالرموز. الفنان السريالي، بوضعه لأشياء غير مترابطة في سياق واحد مثل مظلة و هاتف على طاولة تشريح، يمارس طقساً سيميائياً يهدف إلى صعق الوعي، مما يفتح ثغرة في جدار الواقع تسمح بتدفق العدم السحري، ليُعاد من خلاله بناء الوجود وفق منطق الرغبة والحلم. علاوة على ذلك، ترتبط السريالية بالعدم من خلال مفهوم الكتابة التلقائية والآليات التي تهدف إلى تغييب العقل الواعي. هذا التغييب هو في جوهره عملية تخلية (Kenosis) للمبدع، أي إفراغ الذات لتصبح قناة يمر عبرها العدم الخلاق. الساحر يفرغ ذهنه من المشتتات ليستقبل القوى الخفية، والسريالي يفرغ مرسمه من المنطق التقليدي ليستقبل صور اللاشعور. هنا، يصبح العدم هو المادة الخام التي يُصاغ منها الوجود الجديد؛ إنه ليس عدماً عدمياً (Nihilistic) يؤدي إلى الفناء، بل هو عدم توليدي يمتلك القدرة على قذف الصور إلى الوجود دون وسائط عقلانية. اللوحة السريالية هي إذن تجلي (Epiphany) لهذا العدم، حيث تظهر الأشياء لا كما هي في الواقع، بل كما هي في رحم الإمكان السحري. يمكننا أيضاً قراءة السريالية كنوع من الخيمياء الروحية التي تتعامل مع العدم كأنه الزئبق الفلسفي. الفنان السريالي يحاول تحويل رصاص الواقع اليومي الرتيب إلى ذهب التجربة الروحية المتجاوزة. هذه العملية تتطلب تحطيم البنية المستقرة للمادة التي تفرض وجوبا العودة إلى العدم ثم إعادة تركيبها. إن السحر هنا يكمن في القدرة على الجمع بين المتناقضات في حيز واحد، وهو ما لا يقبله المنطق الأرسطي لكنه يشكل جوهر منطق العدم. في العدم، يمكن للشيء أن يكون ونقيضه في آن واحد، و السريالية هي التجسيد البصري لهذه الحقيقة الميتافيزيقية. الوجود المعاد تشكيله سريالياً هو وجود مسحور لأنه لم يعد يخضع للضرورة، بل للإمكان المطلق المستمد من هذا الفراغ البدئي. إن السريالية هي التجسيد الفني لإنتصار الإرادة السحرية على جمود المادة. إنها تعلن أن العدم ليس نهاية الوجود، بل هو أفق إنطلاقه الأوسع. الفنان السريالي الذي يحدق في بياض لوحته لا يرى فراغاً، بل يرى غابة من الرموز الكامنة التي تنتظر التعويذة المناسبة لتظهر. إعادة تشكيل الوجود بناءً على هذا المنطق تعني تحويل العالم إلى قصيدة بصرية مستمرة، حيث يفقد الموت و العدم رهبتهما ليصبحا مجرد بوابات للعبور نحو أنماط أرقى وأكثر حرية من الوجود.
_ الجمال التدميري: عندما تصبح الهاوية مصدراً للجلال الميتافيزيقي
تطرح مسألة الجمال المطلق في سياق الإبداع المستمد من العدم إشكالية أنطولوجية تعيد تعريف مفهوم الجمال ذاته؛ فالجمال التقليدي غالباً ما يُربط بالنسب، والتناغم، والمحاكاة، بينما الجمال المطلق المرتبط بالسحر والعدم يكمن في النقاء من القيد. إن الجمال هنا ليس صفة للمادة، بل هو صفة للحظة الإنبثاق الأولى. عندما يستمد الساحر أو الفنان إبداعه من العدم، فإنه يتصل بمنبع لا تشوبه شوائب الواقع المسبق أو الأطر الثقافية. هذا النقاء ينبع من كونه إبداعاً غير مقيد بالضرورة الفيزيائية؛ فالعدم هو الفضاء الوحيد الذي لا توجد فيه جاذبية فكرية تفرض على الكيان شكلاً معيناً. ومن ثم، يصبح الجمال المطلق هو حالة الحرية الوجودية التي تتجسد في الشيء قبل أن يقع تحت طائلة التفسير أو الوظيفة. إن العلاقة بين السحر والجمال في رحم العدم هي علاقة توليد جوهري؛ فالسحر في جوهره هو فعل كسر التكرار، والعدم هو مخزن الجنة المطلقة. الجمال الذي ينبثق من العدم يتسم بصفة الغرابة (The Uncanny)، وهي الغرابة التي شعر بها الفلاسفة تجاه الوجود ذاته. هذا الجمال لا يسعى لإرضاء العين، بل لصعق الروح عبر كشف المستحيل وجعله مرئياً. في اللحظة التي يطوع فيها الساحر اللاشيء ليصبح شيئاً، فإنه يخلق جمالاً غير ملوث بالنماذج البدئية (Archetypes) المعتادة؛ إنه جمال بكر لم يسبق له أن وُجد في أي ذاكرة كونية. هذا الإنفصال عن الماضي الوجودي هو ما يمنح الإبداع السحري صبغته المطلقة، إذ لا يمكن قياسه بما قبله، بل هو الذي يضع مقياس نفسه. من ناحية أخرى، يكتسب هذا الجمال عظمته من كونه جمالاً ميتافيزيقياً يتجاوز الحواس. الإبداع المستمد من العدم هو محاكاة لفعل الخلق الكوني الأول. في هذا الإطار، لا يعود الجمال مسألة ذوق، بل يصبح مسألة حقيقة. السحر يكشف عن أن العدم ليس فجوة مظلمة، بل هو نور غير متجلٍ، والجمال المطلق هو أول شعاع ينبثق من هذا النور. إن تحرر الإبداع من القيود ،المكان، الزمان، السببية يجعله يحمل شحنة من اللانهائية؛ فكل عمل فني أو طقس سحري ينتمي للعدم يحمل في طياته إمكانية أن يكون أي شيء وكل شيء. هذا الفائض في المعنى هو ذروة الجمال، لأنه يمنح الرائي شعوراً بالإتصال بالمصدر الأول، حيث كانت كل الأشياء ممكنة وقبل أن يفرض الواقع تقشفه على الخيال. إضافة إلى ذلك، فإن الجمال المطلق في هذا السياق هو جمال تدميري بقدر ما هو بنائي. لكي يستمد الساحر جماله من العدم، عليه أولاً أن يعدم الواقع القائم، أو على الأقل أن يتجاوزه. هذا التوتر بين الفناء و التجلي يخلق جمالية الجلال (The Sublime) التي تحدث عنها كانط، ولكن بصيغة سحرية. إنه الجمال الذي يرتعد له الوجدان لأن مصدره الهاوية (Abyss). اللوحة الفارغة التي تحدثنا عنها سابقاً، عندما تتحول بفعل السحر إلى كيان إبداعي، فإنها لا تمحي العدم، بل تجعله شفافاً. الجمال المطلق هنا هو القدرة على رؤية العدم وهو يرقص في قلب الوجود، مما يجعل العمل الإبداعي لا مجرد جسم مادي، بل بوابة مفتوحة على المجهول المطلق. يمكن القول إن الجمال المطلق في الإبداع السحري هو جمال السيادة؛ سيادة الإرادة على الفراغ، وسيادة الخيال على المادة. إنه جمال يرفض أن يكون مرآة للواقع، ويصر على أن يكون شمساً تخلق واقعها الخاص. طالما بقي هذا الإبداع وفياً لمنبعه (العدم)، فإنه يظل عصياً على التقييد، محتفظاً بنقائه كفعل إرادي خالص. إن السحر والعدم، في تعانقهما الإبداعي، يحرران الجمال من سجن المألوف ليعيداه إلى وطنه الأصلي؛ التيه الجميل في إحتمالات اللاشيء، حيث كل صرخة إبداعية هي برهان على أن العدم ليس عدواً للوجود، بل هو شريكه الأسمى في صياغة الجمال المطلق.
_ سيمفونية الصمت: الموسيقى الصامتة بوصفها التعويذة الكونية للعدم
تُعد الموسيقى الصامتة أو جمالية الخلاء الصوتي واحدة من أكثر التجسيدات راديكالية لجمالية العدم السحري؛ فهي ليست مجرد كفٍّ عن العزف، بل هي فعل إستحضار لجوهر الوجود الذي يسبق الإهتزاز. في الفلسفة السحرية، يُعتبر الصوت (Logos) هو الأداة التي تُشكل المادة، و لكن الصمت هو العدم الذي يحتوي على ترددات كل شيء. عندما يقدم الفنان موسيقى صامتة مثل تجربة جون كيج في 334، فإنه لا يقدم فراغاً سمعياً، بل هو يضع المستمع في مواجهة مباشرة مع الرحم السحري الذي تولد منه الأصوات وتعود إليه. هذا الصمت هو التعبير الأسمى عن العدم، لكونه يرفض تحديد نغمة بعينها، مفسحاً المجال لموسيقى الإحتمالات التي لا تُسمع بالأذن بل تُدرك بالبصيرة السحرية، حيث يصبح كل صوت عارض في البيئة المحيطة جزءاً من تجلّي العدم في اللحظة الآنية. إن العلاقة بين السحر والصمت تكمن في أن السحر يبدأ وينتهي في الفراغ. الساحر العظيم هو من يمتلك القدرة على الإنصات للعدم قبل أن ينطق بتعويذته، لأن الكلمة السحرية تستمد قوتها من حجم الصمت الذي يسبقها. الموسيقى الصامتة، بهذا المعنى، هي التعويذة المطلقة؛ إنها الموسيقى التي لا تقيد العدم في سلم موسيقي أو إيقاع زمني، بل تتركه في حالته السحرية الخام؛ نقياً، كلياً، وغير مقيد. هذا الصمت هو الجمال المطلق لأنه لا يشيخ ولا يستهلك، فهو يمثل حالة الكمون الدائم. الفنان هنا يتحول إلى خيميائي للصوت، لكنه بدلاً من تحويل الرصاص إلى ذهب، يقوم بتحويل الضجيج الوجودي إلى عدم نقي، معتبراً أن غياب النغم هو قمة الإمتلاء وليس ذروة الفقد. من منظور فلسفي عميق، تعمل الموسيقى الصامتة كمرآة أنطولوجية تعكس العدم السحري داخل الذات. في الصمت التام، يضطر المستمع إلى مواجهة فراغه الداخلي، وهو الفضاء الذي يستمد منه الإنسان إرادته. هذا الفعل هو طقس سحري تطهيري؛ إذ يتم تجريد الوجود من زوائده الحسية للوصول إلى النقطة الصفر. إن العدم في الموسيقى الصامتة ليس صمتاً ميتاً، بل هو صمت حيّ مشحون بالتوتر الميتافيزيقي. إنه يشبه اللحظة التي تسبق الإنفجار العظيم أو اللحظة التي تسبق خروج الروح من الجسد؛ لحظة تتكثف فيها كل معاني الوجود في نقطة لا صوت . هذا التكثيف هو سر السحر، حيث يكمن الجمال في القدرة على إحتواء اللانهائي داخل إطار الصمت المحدود. علاوة على ذلك، تعيد الموسيقى الصامتة تعريف الزمن كبعد سحري مستمد من العدم. في الموسيقى التقليدية، يقسم النغم الزمن ويقيده، أما في الموسيقى الصامتة، فإن الزمن يذوب في العدم، ليصبح زمناً أبدياً (Aion) لا يعرف البداية أو النهاية. الساحر يسعى دائماً للخروج من زمن البشر للدخول في زمن الآلهة أو زمن العدم، والموسيقى الصامتة هي الجسر الذي يتيح هذا العبور. إنها تُعلمنا أن الجمال ليس فيما يُقال، بل فيما يظل طي الكتمان في خزانة العدم. هذا الغياب المتعمد للنغم هو حضور مكثف للمعنى، حيث يصبح الصمت هو اللغة الوحيدة القادرة على وصف المطلق دون أن تنتهك قدسيته أو تحد من رحابته. يمكن إعتبار الموسيقى الصامتة هي الأيقونة الصوتية للعدم السحري. إنها الفعل الإبداعي الذي يتخلى عن الأنا الموسيقية ليفسح المجال لهو الكوني (العدم) ليعزف لحنه الخاص. الجمال هنا يكمن في النقاء المطلق لهذا الفعل، حيث يتحرر الفن من قيد المادة والصوت ليصبح روحاً خالصة. إن من يستطيع تذوق جمالية غياب النغم، هو في الحقيقة يمارس التأمل السحري في أبهى صوره، مدركاً أن أروع الألحان هي تلك التي لم تُعزف بعد، والتي تظل محفوظة في صمت العدم كوعود أبدية بجمال لا ينتهي.
_ جماليات الإنبهار: صدمة الوعي أمام تجلي القوة السحرية للعدم
يُعد الإنبهار (Awe) الناتج عن الفعل السحري تجربة وجدانية تتجاوز مجرد الدهشة البصرية؛ إنه في جوهره صدمة أنطولوجية تحدث عندما يصطدم العقل البشري بجمالية قوة العدم المتجلية. عندما نشهد فعلاً سحرياً يخرق نواميس الطبيعة، فإن ما يبهرنا ليس الخدعة في حد ذاتها، بل تلك الفجوة التي تفتحها في جدار الواقع الصلب. هذا الإنبهار هو إعتراف لاواعي بأن الواقع الذي نعيشه ليس نهائياً، وأن هناك عدماً خلف الستار يمتلك طاقة خلق لا نهائية. إن جمالية العدم هنا تكمن في قدرته على خلخلة اليقين؛ فالساحر لا يقدم موضوعاً جميلاً فحسب، بل يقدم قوة مستمدة من الفراغ، تجعل المستحيل ممكناً، وهذا الإنبثاق المفاجئ للوجود من قلب اللاوجود هو ما يولد شعوراً بالجلال (The Sublime) الممزوج بالرهبة، وهو الدليل الأقوى على أن العدم ليس غياباً، بل هو إمتلاء مكثف ينتظر اللحظة المناسبة للفيضان. تستند جمالية قوة العدم في لحظة الإنبهار إلى مفهوم السيادة المطلقة؛ فالعدم لا يخضع للقوانين التي تحكم الأشياء الموجودة، ومن ثم فإن السحر المستمد منه يظهر كقوة متحررة من كل قيد. الإنبهار هو الحالة التي تسقط فيها أدوات القياس العقلية، حيث يجد المتفرج نفسه أمام حدث لا يفسره الماضي ولا يتنبأ به المستقبل، بل هو حاضر كلي مستمد من الآن الأبدي للعدم. هذا النوع من الجمال يسمى جمال الإنخطاف، حيث تخرج الذات من سجنها الذاتي لتتصل بمصدر القوة الأول. إن الإنبهار هو الدليل الحسي على أن العدم يمتلك سلطة جمالية؛ لأنه القوة الوحيدة القادرة على تحطيم الرتابة الكونية و إعادة سحر العالم عبر الكشف عن إحتمالات لا نهائية تكمن في ثنايا الفراغ. علاوة على ذلك، يجسد الإنبهار السحري علاقة الإنسان بالمجهول المطلق. في السحر، نحن لا ننبهر بما نراه، بل بما لا نراه والذي سمح لما نراه بالظهور. إن غيبة التفسير هي التي تمنح العدم جماليته الخاصة؛ فلو عُرف السبب بطل العجب، وبزوال العجب تزول صلة الوصل مع العدم. لذا، يحافظ الساحر على سرية طقوسه ليس لحماية تقنياته، بل لحماية قدسية العدم التي يستمد منها جماليته. الإنبهار هو صرخة الروح عند ملامستها لحافة الهاوية المبدعة، حيث تدرك الذات أن وجودها محاط بفراغ سحري هو أصل كل جمال وكل قوة. هذا الإنبهار هو في الحقيقة حنين إلى العدم الأول، حيث كانت الروح طاقة صرفة غير مقيدة بشكل أو مادة، والعمل السحري يعيدنا لحظياً إلى تلك الحالة من النقاء الكلي. إن قوة العدم تتجلى في الإنبهار كنوع من التجلي الإشراقي الذي يمحو الفوارق بين الذات والموضوع. عندما ينبهر الرائي بالعمل السحري، فإنه يتوقف عن كونه مراقباً خارجياً ويصبح جزءاً من المجال السحري المنبثق من العدم. الجمال هنا ليس في الشيء الظاهر، بل في الفعل الذي جعل هذا الشيء يظهر من العدم. إنها جمالية الصيرورة التي تتحدى الكينونة الثابتة. العدم السحري هو المحرك الذي لا يتحرك، والقوة التي تولد الحركة في الوجود دون أن تستهلك نفسها. الإنبهار، إذن، هو الشهادة الجمالية على عظمة هذا الفراغ المبدع، وهو البرهان على أن الجمال الحقيقي لا يكمن في إضاءة ما هو موجود، بل في إستحضار ما هو غير موجود وجعله يهيمن على الحواس والروح. يمكن القول إن الإنبهار هو اللغة الوجدانية التي نترجم بها قوة العدم. إنه الحالة التي نعترف فيها بأن العالم أوسع من إدراكنا، و أن اللاشيء هو المصدر الحقيقي لكل شيء. السحر، بكونه فن التعامل مع العدم، يجعل من هذا الإنبهار جسراً يعيد للإنسان إحساسه بالدهشة الكونية. إن جمالية قوة العدم ليست في صمتها أو برودتها، بل في قدرتها على توليد شرارة الإنبهار التي تضيء عتمة الوجود المادي، مؤكدة أن الجمال المطلق هو ذلك الذي ينبثق فجأة من عمق الفراغ ليعيد صياغة الواقع بلمسة من المستحيل.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟