حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 14:58
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ مخاض الميتافيزيقا: إسترداد الوعي البشري من قبضة الفراغ التاريخي.
إن صياغة تحليل فلسفي يربط بين الفترات المظلمة وهيمنة العدم السحري تتطلب منا تجاوز القراءة المادية للتاريخ، و الولوج إلى ميتافيزيقا الوجود ذاتها. في هذه الأطروحة الموسعة، سنقوم بتفكيك هذه العلاقة عبر مستويات الوجود، المعرفة، والإرادة. لا يمكن فهم الفترات المظلمة في التاريخ البشري كمجرد فجوات زمنية خالية من الإنجاز المادي، بل يجب النظر إليها كحالات إستعلاء للعدم على الوجود. في الظروف الطبيعية، يميل الوجود نحو اللوغوس المعبر عنه بالنظام، العقل، الكلمة، حيث تتجلى الكينونة من خلال الوضوح والإنتاج. لكن، عندما تضعف إرادة الوجود، يبرز العدم السحري ليس كنفي مطلق، بل كقوة فاعلة تسعى لإمتصاص المعنى. السحر هنا ليس مجرد خرافة بدائية، بل هو تقنية العدم التي تستبدل القوانين الكونية الثابتة بإرادات غامضة ومتقلبة. في الفترات المظلمة، يتوقف العالم عن كونِهِ مكاناً مفهوماً، و يتحول إلى ساحة تهيمن فيها السيولة العدمية؛ حيث تفقد الأشياء هوياتها الصلبة، وتصبح الحقيقة خاضعة لسلطة الظل. هذا الإنتقال من نور العقل إلى عتمة السحر هو في جوهره إنتصار مؤقت للعدم الذي يرتدي قناع الأسرار و الطلاسم ليخفي حقيقة أنه لا شيء. إن هيمنة العدم السحري تتجلى بوضوح في إنهيار الروابط المنطقية بين الفعل والنتيجة. في العصور المظلمة، لا يُطلب من الإنسان الفهم، بل يُطلب منه الخضوع للقوى التي لا تُفسر. هذا الخضوع هو التسليم المطلق لسيادة العدم؛ فالسحر يعمل على تفتيت الوعي الجمعي، محولاً المجتمع من كتلة فاعلة تطمح للبناء إلى أفراد معزولين يرتجفون أمام قوى وهمية. إن الظلام التاريخي هو في الواقع كثافة عدمية تحجب أفق المستقبل؛ فبينما يندفع التاريخ في عصور النهضة نحو الصيرورة (Becoming)، يتجمد في الفترات المظلمة داخل السكون العدمي. السحر في هذه الحالة هو الأداة التي تضمن بقاء الإنسان في حالة من الإنتظار السلبي، حيث يُعزى كل حدث إلى إرادة غيبية بدلاً من الفعل الإنساني، مما يؤدي إلى شلل كامل في حركة الحضارة، وهو بالضبط ما يطمح إليه العدم؛ إيقاف تدفق الوجود وإعادته إلى نقطة الصفر أو الخواء الأصيل. علاوة على ذلك، يمكن قراءة الفترات المظلمة كعملية إنتروبيا روحية، حيث يتسرب السحر إلى مسامات الثقافة ليقوض اليقين. عندما يسود العدم السحري، تصبح اللغة نفسها أداة للتضليل بدلاً من الكشف؛ فتتحول الكلمات من وسائل لوصف الواقع إلى تعاويذ تهدف لخلخلة إدراكنا له. في هذه الأطوار التاريخية، نلاحظ أن الفن يميل نحو الغموض، و العلم يتراجع أمام التنجيم، والسياسة تصبح نوعاً من الكهانة. هذا التراجع ليس جهلاً بسيطاً، بل هو إرادة نكوصية يقودها السحر لتفكيك نسيج الواقع. إن العدم السحري يقتات على الخوف؛ فهو يحول العالم من بيت للإنسان إلى متاهة من الأرواح، حيث لا يعود المرء سيد مصيره، بل يصبح ريشة في مهب ريح عدمية لا تقيم وزناً للقيم الإنسانية أو العقلية. وفي العمق الفلسفي، نجد أن الفترات المظلمة تمثل لحظة إنكسار المرآة الكونية. إذا كان الوجود هو المرآة التي تعكس حكمة الخالق أو إنتظام الطبيعة، فإن السحر هو الحجر الذي يهشم هذه المرآة إلى شظايا متناثرة، كل شظية منها تعكس جزءاً مشوهاً من الحقيقة. في هذه اللحظة، يتسلل العدم عبر الشقوق؛ فالهيمنة السحرية هي حالة من الوهم الجماعي الذي يجعل اللاشيء يبدو كأنه كل شيء. إن التاريخ لا يسير في خط مستقيم، بل في دوائر، والفترات المظلمة هي المنعطفات العدمية حيث يختبر الوجود قدرته على البقاء أمام إغواء الفناء. إنها معركة وجودية كبرى، حيث يمثل السحر قوة الجذب نحو القاع، بينما يمثل العقل والروح قوة الدفع نحو العلياء. وبناءً عليه، فإن تفسير هذه الفترات كصراع بين الوجود والعدم السحري يمنحنا فهماً أعمق لسبب تكرار هذه الدورات في التاريخ الإنساني؛ فهي ليست مجرد حوادث سياسية أو إقتصادية، بل هي مخاضات ميتافيزيقية كبرى تحاول فيها البشرية إسترداد وعيها من قبضة الفراغ.
_ سيادة الفراغ: عندما يصبح الجهلُ واللامعنى مصدراً للسلطة.
إن طرح فكرة السحر كقوة لا تاريخية (Ahistorical) يستند إلى فرضية ميتافيزيقية جريئة، وهي أن السحر ليس نتاجاً لتطور إجتماعي أو فكري، بل هو ثغرة في جدار الزمن يتسرب منها العدم. في هذا التحليل الموسع، سنفكك كيف يمكن للسحر أن يكون خارج التسلسل الزمني، وكيف يتقاطع هذا العدم مع صيرورة التاريخ الإنساني. تكمن القوة اللا تاريخية للسحر في كونه لا يخضع لقانون التراكم الذي يحكم العلم والحضارة؛ فبينما ينمو العلم عبر تسلسل زمني تصاعدي يضيف فيه اللاحق إلى السابق، يظل السحر ممارسة تستمد شرعيتها من الأزلي و الأولي، أي من اللحظة التي تسبق تشكل الزمن نفسه. إن السحر هو محاولة لإستدعاء العدم الأصيل وإقحامه في الوجود المتعلق بالزمن. التاريخ، بحكم تعريفه، هو سجل الصيرورة (Becoming)، أما العدم فهو حالة السكون المطلق أو اللاوجود. عندما يمارس الساحر طقسه، فإنه يحاول كسر الخط الزمني، و الإتصال بمنطقة خارج التاريخ حيث لا توجد سببية، ولا ماضٍ، ولا مستقبل. بهذا المعنى، السحر هو عدم متجسد يرفض الإمتثال لمنطق التطور التاريخي، مما يجعله يظهر في كل العصور بنفس الملامح الجوهرية، كأنه ظاهرة عابرة للأزمنة لا تتأثر بمرور القرون. إن إرتباط السحر بالعدم يمنحه صبغة أنطولوجية غريبة؛ فالتاريخ يُبنى على الأثر، أي ما يتركه الوجود من علامات في المادة والزمن، بينما السحر يهدف في جوهره إلى المحو أو التحويل الفوري الذي يتجاوز العمليات الفيزيائية الزمنية. إن هيمنة العدم السحري في الفترات المظلمة هي في الحقيقة تعليق للتاريخ؛ فالسحر لا يساهم في بناء الزمن، بل يعمل على تآكله من الداخل. العدم هو الفراغ الذي يسبق الخلق، والسحر هو الرغبة في العودة إلى ذلك الفراغ، حيث تكون الإرادة هي الخالق الوحيد دون الحاجة إلى أدوات أو زمن. لذا، فإن السحر يمثل الفجوة الميتافيزيقية في قلب التاريخ؛ إنه اللحظة التي يتوقف فيها الوعي عن التطلع نحو الأمام حيث المستقبل التاريخي ليرتمي في أحضان الأبدية السلبية التي يمثلها العدم. هذا الإرتماء هو ما يجعل السحر يبدو كقوة مضادة للتاريخ، فهو يسحب البشرية من تيار الزمن المتدفق إلى بركة ساكنة من الخرافة التي لا تتغير بتغير العصور. وعلاوة على ذلك، فإن السحر يستمد قوته من كونه لغة العدم؛ فإذا كانت اللغة التاريخية هي لغة الإيضاح والبيان والبناء، فإن لغة السحر هي لغة الطلاسم والغموض التي تهدف إلى إخفاء الحقيقة و ليس كشفها. هذا الإخفاء هو فعل عدمي بإمتياز، لأنه يسعى لنفي وضوح الوجود و تعويضه بضبابية اللاوجود. في الفترات التي يسود فيها السحر، نلاحظ أن التاريخ يصاب بالدوار؛ حيث تفقد المجتمعات بوصلتها الزمنية وتعيش في حالة من الإنتظار السحري للمعجزات أو الكوارث. إن العدم السحري هنا يعمل كثقب أسود زمنياً، يمتص الطاقات الإبداعية التي تصنع التاريخ ويحولها إلى طقوس دائرية لا تنتج إلا الفراغ. إن القول بأن السحر قوة لا تاريخية يعني أنه ثابت وسط متغير؛ فالحضارات تسقط، و العلوم تتغير، و اللغات تندثر، لكن جوهر السحر يظل كما هو، لأنه لا يستمد قوته من الواقع المادي المتغير، بل من العدم الثابت الذي يحيط بالوجود من كل جانب. وفي التحليل النهائي، نجد أن السحر يمثل تمرد العدم على الوجود الزمني. إن الإنسان، ككائن تاريخي، يحاول دائماً سد فجوات جهله بالمعرفة، أما السحر فيقوم بالعكس تماماً؛ إنه يقدس الفجوة، ويحول الجهل إلى قوة، ويجعل من العدم مصدراً للسلطة. الفترات المظلمة في التاريخ هي اللحظات التي تتسع فيها هذه الفجوات العدمية لتغطي المشهد كاملاً، حيث يصبح اللازمن هو الحاكم الفعلي. إن السحر هو ذكرى العدم في وعي الوجود، وهو يذكرنا دائماً بأن التاريخ، مهما بدا صلباً ومنظماً، يظل محاطاً بهاوية من المجهول واللامعنى. هذه الهاوية هي التي يغرف منها السحر قوته التي تبدو لنا خارقة، لأنها ببساطة خارجة عن قوانين عالمنا الذي يحكمه الزمن و السببية. إنها هيمنة الفراغ على الإمتلاء، والظل على الضوء، في صراع أبدي لا ينتهي بإنتصار طرف على آخر، بل بإستمرار التوتر بين التاريخ كبناء للوجود و السحر كإغواء للعدم.
_ سحر التكوين: الأساطير المؤسسة بوصفها حصون الوجود ضد زحف العدم
تمثل الأساطير المؤسسة للحضارات الكبرى اللحظة الأنطولوجية التي يلتقي فيها الوعي الإنساني بالعدم المطلق، وهي ليست مجرد حكايات خيالية عن البدايات، بل هي صياغات فلسفية لعملية الإقتطاع من العدم. في هذا المنظور، لا يُفهم السحر كخديعة بصرية، بل كالفعل الميتافيزيقي الأول الذي يملك القدرة على إستدعاء الوجود من غيابات اللاوجود. إن الأسطورة المؤسسة، في جوهرها، تروي قصة السحر الكوني الذي يحول الفوضى (Chaos) و هي الوجه المقنع للعدم إلى نظام (Cosmos). هذا التحول لا يحدث عبر سيرورة فيزيائية رتيبة، بل عبر وثبة سحرية تقفز فوق العدم لترسخ كياناً ثابتاً. إن الخلق من العدم في الأساطير هو عملية سحرية بإمتياز لأنها تكسر منطق المادة لا تفنى ولا تستحدث؛ فالكلمة السحرية المتجلية في اللوغوس في نسخته البدائية هي التي تجبر العدم على التخلي عن صمته ليلفظ الوجود، ومن هنا تصبح الحضارة في أصلها بنية سحرية تحاول حماية نفسها من العودة مجدداً إلى ذلك الفراغ الأصيل. إن العلاقة بين السحر والعدم في الأساطير المؤسسة تتجلى في مفهوم الخلق عبر النطق أو الكلمة البدئية. عندما تنطق الآلهة أو الأبطال الأسطوريون بأسماء الأشياء قبل وجودها، فإنهم يمارسون فعلاً سحرياً يهدف إلى إستلاب الحقيقة من رحم العدم. العدم هنا ليس فراغاً سلبياً، بل هو إمتلاء بالقوة المحتملة التي لا يحررها إلا السحر. لذا، فإن الأساطير المؤسسة تصور الحضارة كفعل إغتصاب للوجود من يد العدم؛ فالسور الذي يحيط بالمدينة الأسطورية ليس مجرد حجارة، بل هو تعويذة مكانية تفصل بين المكان المقدس (الوجود) و الفراغ الموحش (العدم). هذا السحر التأسيسي يظل حياً في وجدان الحضارة كخوف دائم من تلاشي المعنى؛ فالحضارات التي تنسى جذورها السحرية أي قدرتها على خلق المعنى من الفراغ هي التي تسقط في الفترات المظلمة حيث يعود العدم ليسترد ما سُرق منه. إن الأسطورة هي الحارس الذي يمنع العدم من إبتلاع الزمن التاريخي، و السحر هو الطاقة التي تشحن هذا الحارس بالبقاء. علاوة على ذلك، يظهر السحر في الأساطير كقوة لا تاريخية تتوسط العلاقة بين الخالق والمخلوق؛ فالأبطال المؤسسون غالباً ما يسرقون نار المعرفة أو أسرار الخلق من منطقة تقع خارج حدود الزمان والمكان. هذا الفعل يمثل الهيمنة السحرية على العدم، حيث يتم تحويل اللاشيء إلى شيء له إسم وهوية. في أساطير التكوين ببلاد الرافدين أو مصر القديمة، نجد أن الماء البدئي أو الظلمة الأزلية هي تمثيلات للعدم الذي لا يمكن تنظيمه إلا بفعل سحري مثل كلمة رع أو تراتيل مردوك. إن فعل التأسيس الحضاري هو تكرار لهذا السحر الأولي؛ فكل بناء جديد هو صراع مع العدم، وكل قانون هو نفي للفوضى السحرية. ومن هنا، يمكننا القول إن الحضارة هي سحر مستمر؛ إنها محاولة يائسة وبطولية في آن واحد للإبقاء على شعلة الوجود متقدة في وسط محيط من العدم الذي لا ينتهي، وبدون هذا السحر المؤسس، تفقد القوانين والمؤسسات روحها وتتحول إلى هياكل خاوية تنتمي للعدم أكثر مما تنتمي للوجود. وفي تحليل أعمق، نكتشف أن الأساطير المؤسسة لا تكتفي بوصف السحر كأداة للخلق، بل تصوره كآلية للحفاظ على الوجود ضد التآكل العدمي. الطقوس التي تمارسها الشعوب القديمة لتجديد العالم هي إعادة إنتاج للسحر الأول الذي هزم العدم في البداية. إن الفترات المظلمة في هذا السياق هي اللحظات التي تفشل فيها الأساطير في أداء وظيفتها السحرية، فتنفد طاقة الوجود ويبرز العدم من جديد. السحر في الأسطورة هو الجسر الذي يربط الوعي البشري بالمنبع الأزلي للقوة؛ فالحضارة لا تقوم على العقل وحده، بل على القدرة على تخيّل الوجود وفرضه على العدم. إن هذا التخيل هو أسمى درجات السحر؛ حيث يصبح الوهم حقيقة، والعدم وجوداً، و القصة تاريخاً. وبناءً عليه، فإن الأساطير المؤسسة هي شهادة أبدية على أن الإنسان كائن سحري بإمتياز، لا لأنه يملك قوى خارقة، بل لأنه الكائن الوحيد الذي إستطاع أن يبني عالماً من المعنى في وسط صحراء العدم المطلق، مستخدماً سحر الكلمة والرمز لتشييد صروح لا تنهار إلا عندما يقرر العدم أن وقته قد حان.
_ سحر الإفناء: الحرب بوصفها طقساً عدمياً لفسخ الكينونة و تطهير الوجود
تطرح هذه الفرضية زاوية شديدة القتامة والعمق في آن واحد؛ فهي تنزع عن الحرب غطاءها السياسي والإقتصادي المعتاد، لتعيدها إلى أصلها كفعل أنطولوجي يهدف إلى التطهير العدمي. في هذا التحليل، سننظر إلى الحرب بوصفها طقساً سحرياً أسود يهدف إلى فسخ كينونة الآخر و إعادته إلى الحالة الصفرية. إن الدافع الحقيقي خلف الحروب الكبرى، عند تجريده من مبرراته البراغماتية، يتبدى كنزوع محموم نحو إلغاء الوجود؛ فالحرب ليست مجرد صراع على الموارد، بل هي محاولة لفرض سيادة العدم على وجود يراه المعتدي فائضاً عن الحاجة أو مهدداً لإنسجامه الكوني. في هذا السياق، يعمل السحر كآلية ذهنية تحول العدو من كيان إنساني ذي تاريخ وصيرورة إلى خطيئة وجودية يجب محوها. إن الرغبة في إعادة العدو إلى العدم هي رغبة في إستعادة وحدة الوجود الخاصة بالأنا عبر نفي الآخر. هنا، تصبح الحرب هي التجلي الأسمى للسحر الأسود؛ لأنها تسعى لتحقيق نتيجة ميتافيزيقية غايتها القصوى إدراك اللاشيء عبر وسائل مادية كالقتل والتدمير. إن المحو المنهجي للمدن، وحرق المكتبات، وإبادة الهويات، ليست أفعالاً عسكرية فحسب، بل هي طقوس إفراغ تهدف إلى تطهير المساحة الوجودية من أي أثر للآخر، وكأن المنتصر يحاول أن يهمس للكون بأن هذا الآخر لم يكن موجوداً قط، وهو الجوهر الحقيقي للعدم. تتجلى العلاقة بين السحر والعدم في الحرب من خلال عملية نزع السحر عن الوجود وإضفائه على الفناء. في الفترات المظلمة التي تسبق الحروب، يتم إستخدام سحر الكلمات (الدعاية) لتحويل الآخر إلى عدم قيد التنفيذ؛ فيُجرد من سماته الإنسانية ويُحول إلى رموز أو أشباح يجب تبديدها. هذا السحر التحضيري هو الذي يسمح للوعي الجمعي بالقبول بفكرة الإبادة، لأن القتل في هذه الحالة لا يُنظر إليه كإزهاق لروح، بل كتصحيح لخلل في نسيج الواقع. إن المحارب، مدفوعاً بوهم السحر التأسيسي لحضارته، يعتقد أنه يمارس دور الإله الخالق الذي يملك حق الإفناء بقدر ما يملك حق التأسيس. إن الحرب هي اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يكون هو العدم النشط، فينتزع من الزمن لحظاته ويحولها إلى ركام. هذا النزوع نحو الفراغ المطلق هو ما يجعل الحروب التاريخية تتكرر بضراوة؛ فهي تعبير عن شهوة العدم الكامنة في الروح الإنسانية، تلك التي تجد في السحر مبرراً لتدمير العالم وإعادة تشكيله وفقاً لعدميتها الخاصة. علاوة على ذلك، يمكن إعتبار الحرب محاولة لسحق الزمن التاريخي للآخر و إعادته إلى اللازمن الذي يمثله العدم السحري. عندما تُدمر حضارة ما، فإن ما يحدث ليس زوالاً للمباني، بل هو إغتيال للصيرورة؛ أي منع ذلك الوجود من أن يكون له مستقبل. هذا الإنقطاع القسري في خط الزمن هو فعل سحري بإمتياز، لأنه يدعي القدرة على التحكم في قدر الوجود و إجباره على التراجع نحو الخلف، نحو نقطة التلاشي. إن العدم السحري الذي يهيمن في أوقات الحروب يقتات على الغياب؛ فكلما زاد عدد الغائبين والممحوين، زادت سطوة العدم و تضخم شعور الأنا بالسيادة المطلقة. لكن المفارقة الفلسفية تكمن في أن المنتصر، بسعيه لإعادة الآخر إلى العدم، يجد نفسه في النهاية محاطاً بفراغ هائل؛ فالسحر الذي إستُخدم للإفناء ينقلب على صاحبه، محولاً الوجود المنتصر إلى وجود أجوف يعيش في ذكرى الدمار. إن الحرب هي إنتحار كوني بطيء، حيث يحاول الوجود أن يفهم نفسه عبر نفي ذاته في الآخر، وهي العملية التي لا تنتهي إلا بسيادة الظلام المطلق الذي حذرنا منه عند الحديث عن الفترات المظلمة. بإختصار؛ يظهر أن الدافع الخفي للحروب هو محاولة تأليه الأنا عبر ممارسة سلطة العدم. السحر في هذا المضمار هو الوهم الذي يغذي الإعتقاد بأننا يمكننا بناء وجودنا على أنقاض عدمية الآخرين. إن التاريخ ليس سوى سجل لهذا الصراع المرير بين إرادة الوجود التي تبني و تخلق، و إرادة العدم السحرية التي تهدم وتمحو. الفترات المظلمة في التاريخ ليست سوى إنتصارات مؤقتة لهذه الإرادة العدمية، حيث تتوقف عجلة الحضارة عن الدوران وتتحول الأرض إلى ساحة لطقوس الفناء. إن فهم الحرب كنزوع نحو العدم يفرض علينا إعادة النظر في مفهوم السلام؛ فالسلام ليس مجرد غياب للقتال، بل هو الإعتراف المتبادل بالوجود وحمايته من التحلل السحري في الفراغ. إن المعركة الحقيقية ليست بين الجيوش، بل في قلب الوعي البشري؛ هل نختار سحر الخلق الذي يمتد من الوجود، أم سحر الإفناء الذي يستمد قوته من الهاوية؟
_ إغواء الهاوية: التقدم البشري بوصفه تعويذة الوجود في مواجهة جاذبية العدم
يُعد مفهوم التقدم البشري في جوهره أعمق تجليات السحر الوجودي؛ إذ يمكن قراءته كعملية هروب جماعي منظم من جاذبية العدم التي تتربص بكل كينونة. فالتاريخ الإنساني، منذ شرارته الأولى، ليس مجرد تراكم للتقنيات أو المعارف، بل هو طقس إستدعاء مستمر يهدف إلى تثبيت أركان الوجود ومنعه من التحلل في الفراغ الأصيل. إننا، كبشر، نستخدم العلم و التكنولوجيا والفن كأدوات سحرية فائقة التعقيد، ليس فقط لتحسين جودة الحياة، بل لإغواء العدم و ترويضه، أو على الأقل لخلق مسافة كافية تفصلنا عن الهاوية. التقدم، بهذا المعنى، هو تعويذة حضارية كبرى، تُتلى عبر الأجيال لإقناع الكون بأننا لسنا مجرد مصادفات عابرة، بل نحن ضرورة وجودية تملك الحق في البقاء و الصيرورة، متحدين بذلك السكون المطلق الذي يمثله العدم. إن العلاقة بين التقدم والعدم السحري تتجلى في رغبة الإنسان الدائمة في خلود الأثر؛ فكل بناء نُشيده، وكل نظرية نضعها، هي محاولة لإنتزاع مساحة من اللامكان و تحويلها إلى مكان مأهول بالمعنى. العدم السحري يمثل هنا القصور الذاتي للكون، تلك القوة الصامتة التي تسعى لإعادة كل شيء إلى حالته البدائية من التفكك والضياع. أما التقدم فهو الفعل السحري المضاد الذي يكسر هذا السكون؛ إنه عملية تحويل كيميائي (Alchemical Transformation) للمادة الخام الصماء إلى حضارة ناطقة. عندما نخترع لغة، أو نؤسس مدينة، أو نكتشف قانوناً فيزيائياً، فإننا في الواقع نمارس سحر التسمية الذي يُخرج الأشياء من عتمة المجهول إلى نور المعلوم. التقدم هو الدرع الذي يحمي الوجود من التآكل بفعل الزمن، وهو المحاولة اليائسة والعبقرية في آن واحد لتحويل الزمن الخطي المؤدي إلى الفناء إلى زمن حضاري يمتد نحو اللانهائية. وعلى مستوى أعمق، يعمل التقدم البشري كآلية لتوسيع رقعة الوجود على حساب جغرافيا العدم. فكلما إزداد علمنا، ضاقت مساحة المجهول، وهو ما يعني تقليص نفوذ العدم السحري الذي يقتات على الجهل والظلام. إن الفترات المظلمة تمثل لحظات تراجع السحر الوجودي أمام هجمات العدم، بينما يمثل التقدم لحظات الهجوم الوجودي؛ حيث يسترد الإنسان سيادته على الفراغ عبر العقل و الإرادة. غير أن المفارقة الفلسفية تكمن في أن التقدم نفسه قد يحمل في طياته سحراً عدمياً مستتراً؛ ففي ذروة التطور المادي، قد يفقد الإنسان صلته بالمعنى الروحي، فيتحول التقدم إلى آلة ضخمة لإنتاج الفراغ، حيث تصبح الأشياء أكثر وفرة ولكنها أقل قيمة. هذا التقدم الفارغ هو نوع من السحر الذي يوهمنا بالحركة بينما نحن نقترب، في الواقع، من السكون العدمي بزيّ جديد. وفي المجمل العام، يظل التقدم البشري هو الرواية السحرية الكبرى التي نرويها لأنفسنا لنحتمل عبىء الوجود في مواجهة الفناء. إننا نتقدم لأننا لا نجرؤ على الوقوف، فالوقوف يعني الإستسلام للعدم الذي لا يكف عن النداء. كل قمر صناعي نطلقه، وكل علاج لمرض عضال نكتشفه، هو صرخة في وجه العدم تقول؛ نحن هنا. السحر في التقدم لا يكمن في النتائج المادية فحسب، بل في الإيمان بقدرة الكائن الهش على تغيير حتمية التلاشي. إن الحضارة البشرية هي في جوهرها واحة مسحورة شيدتها إرادة الوجود وسط صحراء العدم اللامتناهية، والتقدم هو الطاقة التي تحافظ على خضرة هذه الواحة. وبدون هذا الإندفاع السحري نحو الأمام، ستمتصنا الهاوية في لحظة، لنعود مجدداً إلى ذلك الصمت الأزلي الذي يسبق كل كلمة وكل فعل.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟