أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 17:08
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ رحم العدم: أين تتحد الحياة بالموت في نقطة السحر

تطرح مسألة اللاتناقض في القانون السحري المستمد من العدم واحدة من أعقد القضايا في الميتافيزيقيا؛ إذ تفرض علينا التساؤل؛ هل تخضع وحدة العدم لقوانين المنطق الصوري الأرسطي، أم أنها تتجاوزها؟ لكي نفهم هذا، يجب أن ندرك أن العدم، في جوهره الفلسفي، هو حالة من الجمع بين الأضداد. في العدم، لا يوجد أ ولا لا أ، بل يوجد الكمون المطلق لكليهما معاً. لذا، فإن القانون السحري الذي يستمد قواعده من هذا المصدر لا يجب أن يكون لا متناقضاً بالمعنى المنطقي الضيق، بل يجب أن يكون قانوناً شمولياً يستوعب التناقض كجزء من نسيجه. السحر هو القوة الوحيدة التي تسمح للشيء بأن يكون موجوداً و غير موجود في آن واحد، لأنه يستمد شرعيته من وحدة العدم التي لا تعرف الإنفصال أو التمايز بين الهويات. إن وحدة العدم ليست وحدة بسيطة أو جامدة، بل هي وحدة الذوبان الكلي. في هذا الفراغ البدئي، تنهار مبادئ الهوية حيث أن الشيء هو نفسه وعدم التناقض حيث أن الشيء لا يمكن أن يكون ونقيضه في وقت واحد. القانون السحري، عندما يخرج من هذا الرحم، يحمل معه هذه السمة المتناقضة ظاهرياً. الساحر لا يرى في التناقض خطأً منطقياً، بل يراه بوابة طاقية. إذا كان القانون الطبيعي المادي يقوم على الفصل والتمييز، فإن القانون السحري يقوم على الوصل العدمي. هذا يعني أن السحر يمكنه أن يجمع بين الحياة والموت، أو بين البداية والنهاية في نقطة واحدة، لأن مصدره العدم الذي هو النقطة التي تلاشت فيها كل الفوارق. بالتالي، فإن اللاتناقض هو قيد ينتمي لعالم المادة، أما عالم العدم فهو عالم الحرية من التناقض من خلال إحتضانه. من زاوية أخرى، يمكن القول إن القانون السحري يجب أن يكون متسقاً داخلياً دون أن يكون بالضرورة لا متناقضاً. الإتساق هنا يعني الوفاء لطبيعة العدم. إذا كان العدم هو المصدر، فإن القاعدة السحرية هي التي تمنح المتناقضات نظاماً يتيح لها العمل معاً دون أن ينفي أحدهما الآخر. في الفيزياء الحديثة، نجد تشابهاً في مبدأ التراكب في ميكانيكا الكم، حيث يمكن للجسيم أن يتواجد في حالتين متناقضتين حتى لحظة القياس. السحر هو فعل القياس الذي يقوم به الساحر في حقل العدم؛ هو الذي يختار أي وجه من أوجه التناقض سيظهر في الوجود، مع بقاء الوجه الآخر كامناً في الظل. لذا، فإن القانون السحري هو قانون التوازن بين الأضداد، وليس قانون نفي أحدهما لصالح الآخر. علاوة على ذلك، فإن الإصرار على اللاتناقض في القانون السحري قد يفرغه من جوهره. فالسحر يهدف إلى إختراق حدود الممكن، والممكن محدد بقوانين المنطق المادي. إذا خضع السحر للمنطق المادي، فقدَ صفته كقوة نابعة من العدم وتحول إلى مجرد علم مادي آخر. إن القوة الشفائية أو التدميرية للسحر تكمن تحديداً في قدرته على إستحضار لا منطق العدم وفرضه على منطق الوجود. العدم هو الحقل الذي لا يسري عليه قانون الثالث المرفوع؛ فهو المنطقة التي تسمح بوجود إحتمالات لا نهائية بين النعم و اللا. السحر هو فن التلاعب بهذه الإحتمالات الوسيطة، مما يجعله قانوناً فوق منطقي يرى في التناقض وحدة عليا لم يدركها العقل البشري المتقيد بحدود الوجود الحسي. إن القانون السحري المستمد من العدم هو قانون الوحدة المتجاوزة. إنه لا يحارب التناقض، بل يستثمره كوقود للصيرورة. العدم هو الصمت الذي يسبق كل الكلمات، وفي الصمت تجتمع كل اللغات وكل المعاني المتضادة دون صراع. الساحر الذي يستقي قانونه من هذا الصمت يدرك أن الحقيقة ليست خطاً مستقيماً يهرب من التناقض، بل هي دائرة تعود دائماً إلى نقطة الأصل حيث يتحد النور بالظلمة والوجود بالعدم. إن قبول التناقض في القانون السحري هو إعتراف بعظمة العدم وإتساعه، وهو ما يجعل السحر تجربة وجودية عميقة تعيد صياغة مفهومنا عن الحقيقة والمنطق والكون.

_ بئر النسيان المطلق: العدالة التي تقتل القانون مرتين

تطرح فكرة العدالة السحرية بوصفها أداة للإلغاء والرد إلى العدم رؤية راديكالية للتشريع الكوني، حيث لا تكتفي العدالة هنا بإصلاح القوانين الجائرة، بل تسعى إلى محوها من سجل الوجود وكأنها لم تكن. في المنطق التقليدي، يتم إلغاء القانون بقانون آخر، مما يترك أثراً تاريخياً و جرحاً في الذاكرة الجمعية؛ أما في العدالة السحرية المستمدة من طبيعة العدم، فإن الفعل القضائي يهدف إلى التفكيك الأنطولوجي. هذا يعني أن القانون غير العادل يُعامل كورم وجودي أو تشويه في نسيج الفراغ، والساحر أو القاضي الميتافيزيقي يستخدم قوة العدم لإعادة إمتصاص هذا التشوه، معيداً الواقع إلى حالته البكر قبل حدوث الظلم. إنها عدالة لا تنظر إلى الوراء، بل تمحو الوراء نفسه لتفتح أفقاً جديداً من الإحتمالات المطلقة. إن القوانين غير العادلة هي في جوهرها كيانات صلبة تحاول تقييد سيولة الوجود و فرض إرادة جزئية على الكل. العدم، بطبيعته، هو حالة من المساواة المطلقة حيث لا توجد تراتبية أو تفضيل. لذا، فإن العدالة السحرية هي إستدعاء لخاصية المحو الكامنة في العدم لتسليطها على الهياكل القانونية الجائرة. السحر هنا يعمل كمذيب كوني؛ إنه يفكك الروابط المنطقية والسياسية التي تمنح القانون الظالم قوته، ويعيد عناصره الأولية إلى رحم العدم. في هذه اللحظة، لا يعود القانون ملغى فحسب، بل يصبح غير موجود تاريخياً و ميتافيزيقياً، مما يسمح للعدالة بأن تبدأ من نقطة الصفر دون أن تكون مقيدة بأغلال الماضي. علاوة على ذلك، يبرز مفهوم التطهير بالعدم. القوانين غير العادلة تترك رواسب في الوعي البشري وفي بنية الواقع؛ والعدالة السحرية ترى أن العقوبة أو الإلغاء الشكلي لا يكفيان لتطهير هذه الرواسب. لكي تتحقق العدالة الكاملة، يجب إستعادة طهارة الفراغ. الساحر المشرع يدرك أن العدم هو الحالة الوحيدة التي لا يشوبها إنحياز، لذا فإن الرد إلى العدم هو أعلى درجات الإنصاف. إنه الإسترداد الوجودي للحق، حيث يُسحب الظلم من عالم الشهادة ويُلقى في بئر النسيان المطلق. هذا النوع من العدالة يتجاوز الإنتقام أو التعويض، ليصل إلى إعادة الضبط الكوني، حيث يتم محو أثر الظلم من نسيج الزمان والمكان، و كأن العدالة السحرية هي ممسحة إلهية تمر فوق لوح الوجود لتمسح الخطوط الخاطئة. بيد أن هذه السلطة السحرية لإلغاء القوانين وردّها إلى العدم تحمل في طياتها مسؤولية مرعبة؛ فمن يمتلك القدرة على إعدام القانون يمتلك القدرة على إعدام الوجود نفسه. هنا تتدخل قاعدة التوازن العدمي؛ فالعدالة السحرية لا تُلغي القانون لأنه غير مرغوب، بل لأنه متناقض مع حقيقة العدم. الظلم هو إدعاء بالبقاء والتميز يطلقه جزء من الوجود ضد الكل، وهو ما يتناقض مع وحدة العدم. السحر، إذن، هو الأداة التي تعيد المتكبر الظالم إلى حجمه الطبيعي حيث العدم. إنها ممارسة للتواضع الميتافيزيقي حيث يُجبر القانون الذي نصب نفسه إلهاً على العودة إلى الفراغ الذي نبت منه، مما يجعل العدالة السحرية هي الحارس الأمين لسيولة الكون وحركته الدائمة ضد التجمد والظلم. وفي الأخير، فإن العدالة السحرية هي فن التلاشي الهادف. إنها لا تبني صروحاً قانونية فوق أنقاض قديمة، بل تخلق فضاءً مقدساً من العدم يسمح للحق بأن يتجلى بصورة تلقائية وطبيعية. إن إعادة القوانين الجائرة إلى العدم ليست فعلاً تخريبياً، بل هي فعل خلاصي يحرر الوجود من ثقل الأخطاء التراكمية. في قاعة المحكمة السحرية، لا يُحكم على القانون بالموت، بل يُحكم عليه بالعودة إلى الأصل، حيث تلتقي الحقيقة بالصمت، وحيث يذوب الظلم في المحيط اللانهائي للعدم، لتولد من جديد قوانين أكثر نقاءً، مستمدة من طهارة الفراغ وجلال الوحدة الأولى.

_ ثقب الروح الأسود: السحر وحراسة الفجوة بين الكينونة و التلاشي

تطرح فكرة العقاب الأبدي بوصفه سجناً في حالة من العدم المحدود سحرياً رؤية مرعبة ومذهلة في آن واحد، فهي تجمع بين مطلقية الفناء و قسوة الوجود المشروط. في الفلسفة التقليدية، يُفهم العقاب إما كألم جسدي مستمر أو كحرمان من الوجود؛ لكن العدم المحدود سحرياً يخلق حالة ثالثة تتجاوز الموت والحياة. إنه العدم المحبوس، حيث يتم عزل الكيان عن تدفق الزمن وعن رحابة العدم الكلي، ليُلقى في فجوة وجودية لا هي شيء يمكن التفاعل معه، ولا هي لاشيء يمنح راحة الفناء. السحر هنا يتدخل لكسر طبيعة العدم اللانهائية، محولاً إياها إلى زنزانة ميتافيزيقية ذات جدران من الفراغ المطلق، حيث يصبح العقاب هو مواجهة الذات لنفسها في مرآة العدم الصغير الذي لا ينتهي ولا يتغير. إن جوهر هذا العقاب يكمن في مفارقة تجسيد اللاوجود. فالعدم بطبيعته هو التحرر من الحدود، ولكن من خلال القانون الطبيعي السحري، يتم تسييج قطعة من هذا العدم لتصبح حيزاً للعقاب. السجين في هذا الفراغ لا يعاني من وجود شيء مؤلم، بل يعاني من غياب كل شيء إلا وعيه الخاص. إنه سجن أنطولوجي حيث يتم تجريد الكيان من كل الحواس و المدخلات، ويُترك وحيداً في مواجهة الفراغ المشخصن. هذا العدم المحدود يعمل كثقب أسود للروح؛ فهو يمتص كل محاولة للصيرورة أو التغيير، ويبقي الكيان في حالة تجميد وجودي أبدية. هنا، لا يكون الزمن عدواً لأنه قد توقف بالفعل، بل يصبح السكون هو الأداة التعذيبية الأسمى، حيث يضطر الوعي لإبتلاع نفسه مراراً وتكراراً في صمت العدم المطبق. علاوة على ذلك، يمثل هذا النوع من العقاب الإستلاب من وحدة العدم الكبرى. في الحالة الطبيعية، الموت هو عودة الجزء إلى الكل في رحابة العدم الكلي، وهو نوع من السلام الميتافيزيقي. لكن السحر يمنع السجين من الوصول إلى هذا السلام؛ فهو يبقيه في برزخ إصطناعي. العدالة السحرية هنا تمارس نوعاً من النفي المزدوج؛ نفي الكيان من عالم الوجود، ونفيه أيضاً من عالم العدم الحقيقي. هذا السجن هو العدم الذي له شكل، وهو قمة التناقض السحري؛ فالجدران ليست مادية بل هي حدود الإمكان. السجين لا يستطيع الخروج ليس لأن هناك باباً مغلقاً، بل لأن خارج هذا السجن بالنسبة له هو العدم المطلق الذي لا يملك مفتاحه، و داخله هو وعيه المحاصر الذي لا يملك مهرباً منه. وبالتالي؛ فإن العقاب الأبدي في العدم المحدود هو تحويل الكيان إلى نقطة ساكنة في محيط من اللامعنى. السحر الذي يستمد قواعده من العدم يُستخدم هنا لا للخلق، بل لفرض ثبات أبدي على ما كان يجب أن يتغير. إن خطورة هذا العقاب تكمن في أنه عقاب صامت؛ فلا يوجد فيه صراخ ولا حريق، بل همس اللاشيء الذي ينخر في كينونة السجين حتى يتمنى الوجود بكل آلامه أو العدم بكل فنائه، لكنه لا يجد أياً منهما. إنه الإنتظار الذي لا ينتظر شيئاً، والوجود الذي يدرك عدميته دون أن يستطيع التلاشي فيها، مما يجعل السحر هو السجان الأبدي الذي يحرس الفجوة بين ما كان و ما لن يكون أبداً.

_ السيادة المسحورة: إحتكار الفراغ في مخازن الدولة

يُمكن قراءة ميثاق العقد الإجتماعي في ضوء الفلسفة الميتافيزيقية ليس كترتيب سياسي فحسب، بل كعملية ترويض كوني تهدف إلى وضع سياج حول قوة العدم السحرية الكامنة في الفرد. في حالة الطبيعة التي سبقت العقد، كان الفرد يتمتع بصلة مباشرة مع العدم؛ وهي صلة تمنحه قدرة مطلقة لا يحدها قانون، حيث كانت إرادته هي الأداة السحرية التي تشكل واقعه و تصطدم بإرادات الآخرين. هذا العدم الفردي كان مصدراً لحرية وحشية، لكنه كان أيضاً مصدر الفناء المتبادل. لذا، جاء العقد الإجتماعي ليكون طقساً جماعياً للتنازل، حيث وافق الأفراد على تقييد سحرهم الخاص المعبر عنه بحريتهم المطلقة المستمدة من العدم مقابل أمان الوجود المنظم، محولين بذلك العدم الفوضوي إلى نظام قانوني مستقر. إن العقد الإجتماعي هو في جوهره عملية نقل للسيادة السحرية. الأفراد لا يتنازلون عن قوتهم للعدم، بل يودعونها في كيان إعتباري هو الدولة أو الليفايثان (Leviathan). هذا الكيان الجديد يصبح هو الساحر الأوحد الذي يمتلك الحق الحصري في إستدعاء قوة العدم لتشريع القوانين أو ممارسة العنف الشرعي. العقد الإجتماعي، بهذا المعنى، هو محاولة لتأميم العدم؛ أي سحب الإحتمالات الخطيرة من أيدي الأفراد ووضعها في مخزن مركزي محكم. القانون الذي ينتج عن هذا العقد هو أداة تحديد (Definition)؛ فهو يحدد ما هو ممكن وما هو مستحيل، محولاً سيولة العدم التي كان يمتلكها الفرد إلى صلابة المادة القانونية التي تضمن إستمرار الوجود المشترك. علاوة على ذلك، يبرز العقد الإجتماعي كدرع ضد الإنهيار العدمي. بدون هذا الميثاق، تظل قوة العدم المتاحة للأفراد قوة تفكيكية تهدد بإبتلاع المجتمع في أي لحظة. السحر الفردي في حالة الطبيعة هو سحر النقض؛ القدرة على محو أثر الآخر. العقد الإجتماعي يحول هذا السحر من فعل محو إلى فعل بناء، من خلال خلق وهم مقدس وهو السلطة. هذه السلطة هي في الحقيقة تجسيد لسحر الجماعة الذي يغطي فجوات العدم الفردية. إننا نلتزم بالعقد لا لأننا نؤمن بصحته المنطقية فحسب، بل لأننا نخشى العودة إلى عرينا الميتافيزيقي أمام العدم المطلق. العقد هو الثوب الذي نرتديه لستر فقرنا الوجودي، وهو الذي يحول وحش العدم الكامن في كل إنسان إلى مواطن خاضع لقواعد الإشتباك الاجتماعي. بيد أن هذا التحديد لقوة العدم يولد توتراً أبدياً بين الفرد و الميثاق. فداخل كل إنسان يظل هناك بقايا من العدم السحري لا يمكن للعقد إستيعابها أو ترويضها تماماً؛ و هي المساحة التي تولد منها الثورات و الإبتكارات والتمردات. العدالة في العقد الإجتماعي هي الميزان الذي يحدد مقدار العدم الذي يجب أن يحتفظ به الفرد في نطاق الحرية الشخصية مقابل المقدار الذي يجب أن يمنحه للمجموع داخل إطار النظام. إذا إستولى العقد على كل قوة العدم، تحولت الدولة إلى سجن مادي يخنق الروح؛ وإذا إسترد الأفراد كل قوتهم، إنهار الوجود في عدمية الفوضى. السحر الحقيقي للميثاق الإجتماعي يكمن في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، حيث يظل العدم مصدراً للحياة وليس مجرد هاوية للفناء. بإختصار؛ يُعد ميثاق العقد الإجتماعي هو الهندسة السحرية للفراغ. إنه المحاولة البشرية الأرقى لتنظيم القوة اللامتناهية التي نستمدها من أصلنا العدمي، و وضعها في قوالب لغوية و أخلاقية تتيح لنا العيش معاً. العقد ليس مجرد ورقة، بل هو طلسم (Talisman) جماعي يحمينا من أنفسنا ومن حريتنا التي تفوق طاقتنا على الإحتمال. ومن خلال هذا الميثاق، نتحول من كائنات عدمية تصارع من أجل البقاء إلى كائنات قانونية تسعى نحو المعنى، محولين بذلك سحر العدم من قوة مدمرة إلى طاقة تأسيسية تبني الحضارة وتصون كرامة الوجود.

_ العدالة العارية: السحر حين يلغي المسافة بين الجريمة و العقاب.

تطرح فرضية السحر كوسيلة لتحقيق العدالة المطلقة إشكالية فلسفية تتجاوز مفهوم القانون الوضعي لتدخل في صلب الميتافيزيقيا، حيث تُقدَّم العدالة هنا لا كعملية إجرائية بل كعملية جوهرية قادرة على إختراق حجب المادة. القانون المادي، بطبيعته، هو نظام مقيد؛ فهو يعتمد على الأدلة المنظورة، والشهادات القابلة للتزوير، واللغة التي تحتمل التأويل، مما يجعل العدالة الناتجة عنه دائماً عدالة نسبية أو إحتمالية. في المقابل، يمثل السحر المستمد من العدم الفعل المباشر الذي لا يحتاج إلى وسيط مادي؛ إنه القوة التي تذهب مباشرة إلى الحقيقة العارية الكامنة في العدم، متجاوزةً كل العوائق الفيزيائية والزمنية. بهذا المعنى، يكون السحر هو الأداة الوحيدة القادرة على تحقيق العدالة المطلقة لأنه لا يحاكم الفعل في صورته المادية فحسب، بل يحاكم الوجود في أصله العدمي. إن القدرة السحرية على تجاوز القيود المادية تعني أن العدالة لم تعد مرتبطة بالقدرة على الإثبات، بل بحقيقة الكينونة. في عالم المادة، قد ينجو الجاني لأن الأداة إختفت أو لأن الزمن طمس الأثر، ولكن في قانون العدم السحري، لا يوجد شيء يضيع. العدم هو الأرشيف الذي يحتفظ ببصمة الإرادة؛ والسحر هو الوسيلة التي تستحضر تلك الإرادة وتعيد تجسيدها للقصاص أو التعويض. العدالة المطلقة تتطلب معرفة مطلقة، والمادة بطبعها تحجب المعرفة، بينما العدم هو الشفافية المطلقة. لذا، فإن السحر يحقق العدالة من خلال إلغاء المسافة بين الجريمة والعقاب، وبين المظلوم وحقه، جاعلاً من الفعل و نتيجته وحدة واحدة لا تنفصم، وهو ما يعجز عنه القانون المادي الذي يحتاج دائماً إلى وقت و جهد و وسائل مادية للربط بينهما. علاوة على ذلك، يبرز السحر كوسيلة للعدالة المطلقة من خلال قدرته على إعادة التوازن الذري للكون. الظلم في جوهره هو إضطراب في توزيع الطاقة الوجودية؛ حيث يأخذ الظالم ما ليس له، فيحدث فراغاً لدى المظلوم. القانون التقليدي يحاول سد هذا الفراغ بتعويض مادي، وهو تعويض خارجي لا يعيد الحالة إلى ما كانت عليه تماماً. أما السحر، فيعمل من خلال مبدأ الإسترداد العدمي؛ إنه يسحب الطاقة الفائضة من الظالم ويعيدها إلى جوهر المظلوم، محققاً نوعاً من التماثل الميتافيزيقي. السحر لا يعاقب الجاني فقط، بل يفكك أثر الجريمة في روح الضحية، وهو بُعد من أبعاد العدالة يغفل عنه القانون المادي تماماً. العدالة السحرية هي عدالة تطهيرية تهدف إلى محو ألم الظلم من العدم نفسه، وليس فقط من سجلات المحاكم. بيد أن هذا الإطلاق في القدرة السحرية يطرح تساؤلاً خطيراً؛ إذا كانت العدالة السحرية غير مقيدة بالقيود المادية، فمن الذي يقيد المحقق السحري؟ هنا تبرز فكرة أن العدالة المطلقة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كان السحر نفسه خاضعاً لقانون العدم الذاتي. هذا القانون يفترض أن أي إستخدام للسحر لغرض غير عادل سيؤدي فوراً إلى إمتصاص الساحر نفسه في العدم؛ لأن العدم هو حالة التوازن الأسمى، وأي محاولة للتلاعب به لظلم الآخرين هي خرق لتلك الوحدة. بالتالي، فإن الضمانة في العدالة السحرية ليست في النصوص، بل في الإنتقام التلقائي للكون. السحر يحقق العدالة المطلقة ليس لأنه يمنح الساحر سلطة مطلقة، بل لأنه يربط الجميع، القاضي أوالجاني والضحية بمصير واحد في رحم العدم، حيث لا يمكن للظلم أن يستمر لأن طبيعة العدم ترفض الزيادة أو النقصان. في الختام، يظل السحر هو الأمل الميتافيزيقي في الوصول إلى حقيقة لا تشوبها شائبة و عقاب لا يفلت منه أحد. إنه يمثل طموح العقل البشري لتجاوز عجز المادة وقصور الحواس، والوصول إلى نظام قضائي كوني يقرأ النوايا كما يقرأ الأفعال. العدالة المطلقة هي سحر بالضرورة، لأنها تتطلب القفز فوق شروط الزمان و المكان للقبض على جوهر الحق. وعندما يلتقي السحر بالعدم في سبيل العدالة، فإننا لا نعود أمام قانون بشر بل أمام فيزياء أخلاقية، حيث يعود كل شيء إلى أصله، ويُغلق حساب الوجود بصمت العدم الذي لا يظلم مثقال ذرة، محولاً الكون من ساحة للصراع إلى سيمفونية من التوازن المطلق.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- ما الذي حدث في مينيابوليس؟
- تعليم أطفال غزة تحت ضغط غير مسبوق: كيف أثّر الجوع والصدمات ا ...
- أضخم عرض إسقاط ضوئي على مبنى حكومة طوكيو يبهر الحشود
- ماكرون: الولايات المتحدة -تتخلى تدريجيا- عن حلفاء و-تتجاهل ا ...
- المواد المضافة للأغذية.. خطر يهدد صحتنا؟
- إيران: مقتل شرطي في مواجهات جديدة والمعارضة في الخارج تدعو ل ...
- كيف يتحدى -المسنون الخارقون- الشيخوخة؟ 5 سلوكيات لدماغ أقوى ...
- أبرز إعلانات -إنفيديا- في -سي إي إس 2026-
- برلين ترحّل سوريا مدانا إلى دمشق في ثاني عملية منذ سقوط الأس ...
- ماذا تريد إدارة ترامب من مفاوضات سوريا وإسرائيل؟


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ-