أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 18:52
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ عالم بلا قواعد: العودة إلى ما قبل الوعي في أحضان السكون العدمي

تمثل فكرة إنهاء التاريخ عبر السحر المستمد من العدم الذروة الدراماتيكية في الصراع بين اللوغوس الذي يفرض النظام و الكاووس الذي يعيد الوجود نحو الفوضى البدئية؛ فالتاريخ في جوهره هو سلسلة من السببيات المتصلة، حيث يولد الحاضر من رحم الماضي ويمهد للمستقبل عبر قوانين الفعل ورد الفعل. أما السحر، عندما يُستقى مباشرة من العدم، فإنه يعمل كقاطع للدائرة الكونية؛ إذ يتجاوز التدرج الزمني و المنطق السببي ليفرض نتائج بلا مقدمات. هذا القفز الميتافيزيقي هو الذي يهدد بإنهاء التاريخ، لأن التاريخ لا يمكن أن يستمر في بيئة لا تحترم السببية؛ فإذا أصبح بإمكان الإرادة السحرية خلق واقع من الفراغ دون الحاجة إلى تراكم مادي أو زمني، فإن الزمن يفقد غايته، ويتحول التاريخ من مسار هادف إلى رقعة شطرنج مهشمة حيث تتحرك القطع دون قوانين، مما يعني في النهاية تلاشي مفهوم الحدث التاريخي وتحوله إلى مجرد ومضات عدمية عابرة. إن السحر المستمد من العدم لا يكتفي بإلغاء السببية، بل يسعى لفرض الآنية المطلقة، وهي الحالة التي يلتقي فيها البدء بالنهاية في نقطة واحدة، مما يؤدي إلى تجميد الصيرورة. التاريخ يحتاج إلى المقاومة؛ مقاومة المادة، و مقاومة الزمن، و مقاومة الجهل، لكي ينمو ويتطور، بينما السحر العدمي يقدم السهولة المطلقة عبر تحطيم كل العوائق المنطقية. عندما يسود هذا النوع من السحر، تنتهي الدراما البشرية التي هي جوهر التاريخ؛ فلا تعود هناك حاجة للعمل، أو الكفاح، أو التعلم، لأن العدم يوفر كل شيء مقابل لا شيء. هذه الحالة من الإمتلاء الوهمي هي في الحقيقة إفراغ للتاريخ من محتواه القيمي؛ إذ يصبح الوجود الإنساني مجرد صدى لإرادات سحرية متضاربة لا يربط بينها رابط منطقي، مما يحول الواقع إلى سديم لا يمكن تدوينه أو فهمه، وهو ما نطلق عليه فلسفياً موت التاريخ في أحضان السكون العدمي. علاوة على ذلك، فإن إلغاء السببية التقليدية بواسطة السحر العدمي يؤدي إلى إنهيار الهوية الزمنية للشعوب والحضارات. التاريخ هو ذاكرة السببية، وعندما يُستبدل الفعل السببي بالوثبة السحرية، تنقطع الروابط التي تربط الإنسان بأسلافه وبأهدافه المستقبلية. السحر المستمد من العدم هو قوة تفكيكية بإمتياز؛ فهو يفكك نسيج الواقع ليعيده إلى حالته الأولية من اللاتعين. في هذه اللحظة، يصبح التاريخ عبئاً يتم التخلص منه لصالح الحلم السحري، ولكن بما أن هذا الحلم يستمد قوته من العدم، فإنه سرعان ما ينهار ليترك وراءه فراغاً لا يمكن ملؤه مجدداً بالوسائل التاريخية التقليدية. إن الهيمنة السحرية في هذه الحالة هي بمثابة ثقب أسود في قلب الزمن، يمتص كل إحتمالات التطور ويحولها إلى تكرار للعدم، حيث لا يوجد جديد تحت الشمس لأن الجديد نفسه أصبح يُخلق بلا جذور وبلا ثمن، مما يجعله بلا معنى. إن السحر والعدم يشكلان تحالفاً ضد العقل التاريخي. إن التاريخ هو محاولة الوجود لتنظيم نفسه عبر الزمن، بينما السحر المستمد من العدم هو محاولة اللاوجود لإسترداد الوجود عبر الفوضى. إن إنهاء التاريخ بهذا المعنى ليس مجرد توقف للأحداث، بل هو عودة البشرية إلى حالة ما قبل الوعي، حيث لا توجد علاقة بين السبب والنتيجة، وحيث يعيش الإنسان في عالم مسحور لكنه مخيف، لأنه عالم بلا قواعد وبلا أمان. إن السببية هي الخيط الذي ينظم لآلئ الأحداث في عقد التاريخ، والسحر العدمي هو السكين التي تقطع هذا الخيط. وبناءً عليه، فإن الصراع من أجل الحفاظ على المنطق والسببية هو في جوهره صراع من أجل بقاء التاريخ نفسه، ومن أجل إستمرار الوجود في مواجهة إغراءات الفناء السحري التي تعد بالقدرة المطلقة لكنها لا تمنح في النهاية إلا الفراغ المطلق.

_ إعدام الذاكرة: طقوس التطهير السحرية وبتر أجزاء من الزمن

يُعد النسيان التاريخي من أكثر الظواهر غموضاً في سيكولوجية الأمم، ويمكن قراءته فلسفياً كأحد أرقى أشكال السحر العدمي؛ إذ إنه يمارس عملية محو وجودي تتجاوز مجرد فقدان المعلومات. في هذا السياق، لا يُعتبر النسيان حالة سلبية أو عجزاً في الذاكرة، بل هو فعل سحري نشط يقوم بنقل الأحداث، والشخصيات، والحضارات من حيز الحضور المتعين في الوجود التاريخي إلى غياهب العدم المطلق. إن هذا التحويل ليس فيزيائياً، بل هو تحويل في ماهية الحقيقة؛ فما يُنسى تاريخياً يتوقف عن التأثير، ويفقد قدرته على صياغة الحاضر، وكأنه لم يمر عبر نسيج الزمن قط. إن السحر هنا يكمن في القدرة على جعل الواقع يتلاشى دون ترك أثر، وهو ما يمثل ذروة هيمنة العدم على الوجود؛ حيث يُستبدل الإمتلاء التاريخي بفراغ صامت، و يصبح العدم هو الصيغة الوحيدة المتبقية لما كان يوماً ضجيجاً وحياة. تتجلى العلاقة بين السحر والعدم في النسيان من خلال ما يمكن تسميته التعويذة الإجتماعية للصمت؛ فعندما تقرر سلطة ما أو ثقافة ما نسيان حدث معين، فإنها تمارس نوعاً من السحر التحويلي الذي يعيد صياغة الواقع عبر بتر أجزاء منه. هذا البتر ليس مجرد حذف، بل هو إلقاء بالحدث في هاوية العدم لضمان عدم عودته لتهديد البناء الحالي للوجود. النسيان التاريخي بهذا المعنى هو أداة تطهير سحرية تهدف إلى خلق واقع نقي من الشوائب أو التناقضات، ولكنه نقاء زائف لأنه يقوم على أنقاض أجزاء من الوجود تم قمعها و تحويلها إلى لاوجود. إن العدم هنا يعمل كمخزن أبدي لكل ما نخشاه أو نرفضه، والسحر هو المفتاح الذي نغلق به أبواب هذا المخزن؛ فكلما زاد حجم المنسي، زادت كثافة العدم المحيط بالحضارة، وزاد خطر الإنهيار المفاجئ في تلك الفجوات التي خلفها النسيان في جدار الزمن. علاوة على ذلك، يمثل النسيان التاريخي صراعاً أنطولوجياً بين الأثر و المحو؛ فالوجود التاريخي يثبت نفسه عبر الآثار كالكتابة، العمارة، الفن، بينما يسعى السحر العدمي للنسيان إلى تفكيك هذه الآثار وإعادتها إلى مادتها الأولية الصماء. إن هذا الفعل هو تمرد على خلود الوجود، ومحاولة لفرض سلطة الفناء قبل أوانها الطبيعي. في الفترات المظلمة، نجد أن النسيان يصبح القوة الحاكمة؛ حيث تُحرق الكتب وتُهدم النصب لا لمجرد التخريب، بل لممارسة طقس إعدام الذاكرة الذي يحول الشعوب إلى كيانات هلامية بلا جذور، أي كيانات تقترب في خصائصها من العدم. إن الإنسان بلا تاريخ هو إنسان خارج الوجود، و السحر الذي يمارسه النسيان هو الذي يخرجه من دائرة الضوء ويدفعه نحو العتمة التاريخية، حيث تفقد الأفعال معناها وتصبح الصيرورة مجرد دوران عبثي في فراغ لا ينتهي. إن النسيان التاريخي هو الثقب الأسود في قلب الوعي البشري؛ إنه المنطقة التي يتوقف فيها السحر عن كونه أداة للبناء ليصبح أداة للفناء. إننا ننسى لكي نعيش، و هذا هو الجانب السحري الوقائي، ولكن عندما يصبح النسيان سياسة وجودية، فإنه يتحول إلى قوة تدميرية تعيد الحضارة إلى نقطة الصفر العدمية. التاريخ هو معركة ضد هذا السحر؛ فكل فعل تدوين، وكل محاولة إستذكار، هي رُقية مضادة تهدف إلى إسترجاع الأجزاء المفقودة من الوجود من بين براثن العدم. إن وعينا بالتاريخ هو الذي يحفظنا من التحلل في الفراغ، بينما يظل النسيان هو الإغواء السحري الدائم الذي يعدنا بالراحة من عبىء الماضي، مقابل التنازل عن حقنا في الوجود الحقيقي. وبناءً عليه، فإن النسيان ليس غياباً للذكرى، بل هو حضور طاغٍ للعدم في صلب الزمن الإنساني.

_ الرقصة الجنائزية: حينما يراقص التاريخ ظل العدم

تُعد فلسفة التاريخ الدوري (Cyclical History) واحدة من أكثر التفسيرات إثارة للقلق في الفكر الإنساني، إذ يمكن قراءتها من منظور ميتافيزيقي بوصفها إعترافاً ضمنياً بإنتصار العدم السحري على إرادة الصيرورة. في هذا الإطار، لا يمثل تكرار الأحداث، من صعود و سقوط للحضارات، نمطاً طبيعياً للنمو، بل هو حبسٌ وجودي داخل دائرة مفرغة يفرضها العدم لمنع الوجود من التحقق الكامل. إن التاريخ الخطي (Linear History) يمثل طموح الوجود للهروب نحو اللانهائي و المستقبل، بينما يمثل التكرار الدوري سحراً أسود يعيد الوجود دائماً إلى نقطة الصفر، كأن كل إنجاز بشري هو مجرد نقش على رمال يبتلعها مد العدم في نهاية كل دورة. هذا التكرار هو في جوهره عجزٌ عن الإضافة، حيث ينجح العدم في إيهام الوجود بالحركة بينما هو في الحقيقة يراوح مكانه، محكوماً بقيد أزلي يمنعه من كسر الرتابة الكونية. إن هذا الفشل في تجاوز العدم السحري يتجلى في مفهوم العود الأبدي؛ حيث يُجبر الوجود على تكرار أخطائه و نجاحاته دون تراكم جوهري للحكمة. في كل دورة تاريخية، يبرز السحر كقوة تخريبية تعيد تفكيك ما بناه العقل، وكأن هناك ثقباً في ذاكرة الوجود يجعل البشرية تبدأ من جديد في كل مرة. هذا التكرار هو الأداة التي يستخدمها العدم لإمتصاص المعنى؛ فالمعنى يتولد من الفرادة والجدة، وعندما تتكرر الأحداث، تفقد فرادتها وتتحول إلى مجرد آلية ميكانيكية خالية من الروح. إن الهيمنة السحرية للعدم هنا تكمن في قدرته على تزييف التقدم؛ فنحن نظن أننا نبني حضارة جديدة، بينما نحن في الواقع نعيد إنتاج نموذج بدئي (Archetype) محكوم عليه سلفاً بالفناء. التاريخ الدوري هو سجن الزمان، حيث يظل الإنسان عبداً لدورات فلكية ومادية لا يملك حيالها سلطة، مما يجعل العدم هو السيد الحقيقي الذي يراقب تفتت الوجود وإعادة تشكيله دون أن يسمح له أبداً بالخروج من شرنقته. علاوة على ذلك، يمكن إعتبار التكرار الدوري بمثابة إنتروبيا سحرية؛ حيث تفقد الإرادة البشرية زخمها بمرور الدورات، وتستسلم لفكرة الحتمية. عندما تؤمن حضارة ما بأن نهايتها مكتوبة في دورة القدر، فإنها تتخلى عن سحر الخلق لصالح سحر التسليم، و هو ما يفتح الباب على مصراعيه للعدم ليتغلغل في مفاصلها. إن الفشل في إختراق الدائرة والتحول إلى الخط الصاعد هو الهزيمة الكبرى للوعي؛ لأن الوعي بطبيعته يسعى للتحرر من القيود، بينما الدورية هي القيد الميتافيزيقي الأسمى. في هذا السياق، تظهر الفترات المظلمة ليس كحوادث عارضة، بل كنقاط إلتقاء حتمية في محيط الدائرة، حيث يستعيد العدم السحري عافيته ويمحو آثار الدورة السابقة ليفسح المجال لدورة جديدة محكومة بنفس المصير. إن التاريخ في صورته الدورية هو رقصة جنائزية حول مركز العدم، حيث يظن الراقصون أنهم يتقدمون، بينما هم يدورون في فلك الفراغ الذي يبتلع خطواتهم واحدة تلو الأخرى. إن التكرار الدوري للأحداث هو التجلي الأكبر لقصور السحر الوجودي عن مواجهة أصالة العدم. إذا كان التقدم هو محاولة سحرية للإبتعاد عن العدم، فإن التكرار هو إقرار بأن هذا الإبتعاد مستحيل، وأن الوجود محكوم بجاذبية اللاشيء. إن كسر الدائرة التاريخية يتطلب نوعاً من السحر المتجاوز (Transcendent Magic) الذي يرفض القوانين الدائرية ويؤسس لوعي جديد تماماً، وعي لا يستمد شرعيته من الماضي المكرر، بل من المستقبل المبتكر. وبدون هذا الإختراق، سيبقى التاريخ مجرد صدى لصوت العدم، يتردد عبر العصور بصور مختلفة ولكن بجوهر واحد؛ و هو أن كل ما وُجد سيعود حتماً إلى اللاوجود، و أن البداية هي النهاية، في مفارقة سحرية حزينة تُلخص فشل الإنسان في أن يكون سيد زمنه المطلق.

_ تدجين العدم: كيف يحول التأريخ السحر إلى هوية وجودية

يمثل تأريخ السحر مفارقة فلسفية كبرى؛ إذ كيف يمكن تدوين تاريخ لما هو في جوهره لا تاريخي ومرتبط بالعدم؟ إن هذه المحاولة ليست مجرد توثيق لطقوس أو معتقدات قديمة، بل هي فعل إستدعاء أنطولوجي يهدف إلى منح العدم هوية زمنية وإدخاله قسراً في سجل الوجود. عندما نقوم بتأريخ السحر، فنحن نقوم بتجسيد الفراغ وتحويل تلك القوى التي كانت تعمل في الخفاء، خارج حدود السببية والزمن، إلى مادة قابلة للقراءة والتحليل. إن السحر يستمد قوته من كونه ثغرة في جدار الواقع، وعندما يسعى المؤرخ لردم هذه الثغرة بالكلمات والتواريخ، فإنه في الواقع يفتح بوابة يتسرب منها العدم إلى صلب الوعي التاريخي. التأريخ هنا يعمل كجسر يربط بين الوجود المنظم و العدم السحري، محولاً اللامعنى إلى جزء من بنية المعنى البشري، وكأننا نحاول تدجين الهاوية عبر وضعها داخل إطار زمني. تتجلى خطورة وعمق هذه العملية في أن تأريخ السحر يؤدي إلى شرعنة الغياب؛ فالتاريخ عادةً هو سجل الأفعال التي تركت أثراً، أما السحر فهو إرادة المحو والتحويل من العدم. لذا، فإن كتابة تاريخ السحر هي محاولة لكتابة تاريخ الظل الذي يرافق جسد الحضارة. إن العدم السحري الذي كان يهدد الوجود من الخارج، يصبح عبر التأريخ عدماً داخلياً يسكن في ذاكرتنا الجمعية. هذا الفعل يشبه عملية التسمية التي ناقشناها في الأساطير؛ فنحن عندما نؤرخ للسحر، نطلق أسماءً على تجليات العدم، مما يمنحها ثقلاً وجودياً لم تكن تمتلكه. إن السجل التاريخي يصبح في هذه الحالة مرآة مشروخة، تعكس ليس فقط ما حدث، بل ما لم يحدث أو ما أُريد له أن يُمحى. إن إدخال السحر في التاريخ هو إعتراف رسمي من الوجود بأن العدم ليس مجرد خصم خارجي، بل هو شريك في صياغة الصيرورة الإنسانية، وهو ما يجعل التاريخ نفسه يكتسب صبغة سحرية حيث تتداخل فيه الحقائق الصلبة بالأوهام العدمية. علاوة على ذلك، يمكن إعتبار تأريخ السحر بمثابة مفارقة التثبيت؛ فالسحر هو السيولة التي ترفض التجميد، والتاريخ هو التثبيت الذي يرفض السيولة. عندما نؤرخ للسحر، فإننا نحاول حبس العدم النشط داخل قالب زمني، وهو فعل سحري مضاد يهدف إلى السيطرة على القوى المجهولة عبر فهم تسلسلها. لكن النتيجة غالباً ما تكون عكسية؛ إذ إن إدخال العدم في سجل الوجود يؤدي إلى عدم إستقرار السجل نفسه. إن التاريخ الذي يحتوي على السحر هو تاريخ مسكون، حيث لا تعود الأحداث تخضع للمنطق الوضعي وحده، بل تصبح قابلة للتأويل وفقاً لقوى اللاوجود. إن المؤرخ الذي يتناول السحر هو في الواقع كاهن يمارس طقساً لإستحضار أرواح الأفكار العدمية التي حاولت يوماً تقويض العالم. بهذا المعنى، يصبح كتاب التاريخ طلسماً كبيراً يربطنا بجذورنا العدمية، مذكراً إيانا بأن الوجود الذي نفخر به ليس سوى جزيرة صغيرة محاطة بمحيط من السحر الذي لا يمكن تدوينه بالكامل. بشكل عام؛ يظهر تأريخ السحر كمحاولة أخيرة للسيطرة على الفناء. إننا نؤرخ للسحر لكي لا ننساه، ولكي لا يباغتنا العدم بزيّ جديد في المستقبل. ولكن، في سعينا هذا، نحن نمنح العدم خلوداً لم يكن ليحلم به؛ إذ نجعله جزءاً من الأبدية التاريخية. إن السحر المستمد من العدم يظل يقاوم الإستيعاب التاريخي، مخلّفاً وراءه فجوات في النص، وصمتاً في الصفحات، وهي الفجوات التي يطل منها العدم الحقيقي ليذكرنا بأن التاريخ، مهما إتسع، لا يمكنه أبداً إحتواء الهاوية بالكامل. إن تأريخ السحر هو إعتراف الوجود بضعفه أمام سحر العدم، ومحاولته اليائسة لتحويل هذا الضعف إلى معرفة قد تحميه من التلاشي في الفترات المظلمة القادمة.

_ العدم التاريخي: مستودع الكينونات وظلالها المستعادة

يطرح هذا التساؤل إشكالية الإستحضار (Invocation) بوصفها عملية عبور عكسية من العدم إلى الوجود، حيث يُنظر إلى السحر ليس كأداة للتلاعب بالمادة، بل كـرواق ميتافيزيقي يصل بين الزمان والمكان وبين اللازمان الذي آلت إليه الكيانات التاريخية. إن الكيانات التي كانت موجودة ثم بادت، لم ترحل إلى غياب محايد، بل إستقرت في ما يمكن تسميته العدم التاريخي؛ و هو مستودع الكينونات التي فقدت جسدها المادي وظلت تحتفظ بظلها الأنطولوجي. السحر، في هذا السياق، هو الآلية الوحيدة التي لا تعترف بنهائية الموت أو حتمية النسيان، بل يسعى لإختراق حجاب العدم لإستعادة تلك الكيانات، ليس في صورتها الفيزيائية السابقة، بل كأطياف وجودية قادرة على التأثير في الحاضر. إن الإستحضار السحري هو تمرد على سهم الزمن؛ إنه محاولة لإجبار العدم على التخلي عن مقتنياته وإعادة إظهار ما قرر التاريخ طمسه. تتجلى هيمنة العدم السحري في عملية الإستحضار من خلال صراع الإرادات بين الذاكرة الحية و الفراغ الممتص. الكيانات التاريخية التي عادت للعدم أصبحت جزءاً من النسيان المطلق، وإستحضارها يتطلب ممارسة سحر النطق الذي يعيد لهذه الكيانات أسماءها وهوياتها. إن الساحر، في هذه الحالة، لا يخلق شيئاً من لا شيء، بل يقوم بإستقطار الوجود من قلب العدم. هذا الفعل يمثل خطورة ميتافيزيقية كبرى؛ لأن إستحضار كيان من العدم يعني بالضرورة فتح ثغرة يتسرب منها هواء العدم البارد إلى عالمنا. الكيانات المستحضرة تحمل معها رائحة الفناء، و هي لا تعود للوجود بشكل كامل، بل تظل معلقة في منطقة برزخية بين الكينونة واللاشيء. إن السحر هو الآلية التي تسمح بهذا التجاور المستحيل، حيث يلتقي الحي بالميت، والحدث بالذكرى، والوجود بالعدم، في لحظة واحدة تكسر تسلسل التاريخ وتلغي سيادة الفناء. بالإضافة إلى ذلك، يمكن قراءة إستحضار الكيانات التاريخية كعملية تدجين للعدم؛ فالبشرية، عبر طقوسها السحرية، تحاول أن تؤكد أن ما وجد ذات يوم لا يمكن أن يتلاشى تماماً. السحر هو ضمانة الوجود ضد الإمحاء الكلي؛ فبواسطته يمكن إستدعاء روح حضارة بائدة أو فكر غابر ليعمل كقوة ملهمة أو محذرة في الحاضر. هذا الإستحضار يحول التاريخ من مقبرة صامتة إلى مختبر حي للقوى الميتافيزيقية. غير أن هذا الفعل السحري يظل محكوماً بقانون التبادل الوعر؛ فكل إستحضار للكيانات من العدم يتطلب قرباناً وجودياً من الحاضر، أي تنازلاً عن جزء من وضوح الواقع لصالح ضبابية الغيب. إن الكيانات التي تعود من العدم لا تأتي وحدها، بل تأتي محملة بثقل الغياب، مما يجعل الوجود الحالي يبدو هشاً و فانياً مقارنة بأبدية العدم التي إستُحضرت منه تلك الكيانات. إن السحر هنا هو لعبة المرايا التي تجعل الغائب حاضراً و الحاضر غائباً، محولة التاريخ إلى مسرح من الأشباح التي تتراقص على حافة الهاوية. إن السحر هو الآلية التي تحمي الكيانات التاريخية من العدم النهائي عبر تحويلها إلى رموز سحرية عابرة للأزمان. إن إستحضار هذه الكيانات ليس مجرد تذكّر، بل هو إعادة تحيين (Re-actualization) لقوة كانت كامنة في العدم. التاريخ، بدون هذه الآلية السحرية، سيكون مجرد سجل للجثث والركام، و لكن بفضل السحر، يصبح التاريخ منجماً للكيانات التي تنتظر كلمة السر لتعود و تؤثر في مسار العالم. إن الصراع بين الوجود والعدم يتلخص في هذه النقطة؛ هل ينجح العدم في إبتلاع الكيانات التاريخية للأبد، أم ينجح السحر في إبقائها في حالة إستعداد وجودي دائم؟ إن الإستحضار هو شهادة على أن العدم ليس سدّاً منيعاً، بل هو غشاء رقيق يمكن للوعي السحري إختراقه لإستعادة كنوز الوجود المفقودة، مما يجعل التاريخ عملية خلق مستمر لا تنتهي أبداً بالعدم، بل تعود إليه فقط لتتجدد وتنتظر إستحضاراً جديداً.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- أمريكية تنتقل للعيش في بلدة إيطالية.. كيف أثر ذلك على صحة اب ...
- شاهد.. ترامب يكشف عن كمية وقيمة النفط التي تسلمتها أمريكا من ...
- اليمن.. المجلس الانتقالي الجنوبي ينفي -إعلان حله- ويؤكد مواص ...
- غرينلاند وأخواتها: ما هي الكيانات الثلاثة التي تشكّل مملكة ا ...
- كيف يمكن للقيادة الإيرانية التعامل مع الاحتجاجات التي تشهدها ...
- ماذا تريد الحكومة السورية في حلب؟
- عاجل | وول ستريت جورنال عن مسؤولين إسرائيليين: عملية جديدة ق ...
- هرمونات الرجل عبر اليوم.. متى يكون أكثر تركيزا أو أكثر توترا ...
- جزيرة القراصنة.. كيف تمكن السلطان سليمان القانوني من فتحها؟ ...
- فرق الإنقاذ تواصل البحث عن عشرات المفقودين تحت أكوام النفايا ...


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ-