حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 14:13
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ هندسة الظلال: كيف يُعيد العدم صياغة قوانين المادة
تعدّ العلاقة بين العدم و القانون الطبيعي واحدة من أكثر المناطق غموضاً وجرأة في التفكير الفلسفي والميتافيزيقي، إذ تتطلب منا أولاً إعادة تعريف السحر لا بوصفه خديعة بصرية، بل بإعتباره القوة الكامنة في الفجوات الوجودية. لكي نتصور وجود قانون طبيعي سحري مستمد من طبيعة العدم، علينا أن نتجاوز المنطق الأرسطي الذي يرى أن لا شيء يخرج من لا شيء؛ ففي الفلسفة السحرية الوجودية، لا يُنظر إلى العدم بوصفه غياباً محضاً، بل هو الإمتلاء السالب، أي الحالة التي تسبق التشكل، حيث تتوفر الإحتمالات المطلقة دون أن يتقيد أي منها بصورة مادية محددة. هنا، يصبح القانون السحري هو تكنولوجيا الإرادة التي تستطيع سحب الإحتمال من بئر العدم وتحويله إلى واقع مشروط، مما يجعل السحر في جوهره هو فن التوسط بين ما هو كائن وما هو غير كائن. إن البحث في طبيعة العدم كمصدر للقانون يفرض علينا مواجهة مفهوم العدم الخلّاق. إذا كان القانون الطبيعي التقليدي كالجاذبية أو الديناميكا الحرارية يحكم المادة الموجودة بالفعل، فإن القانون السحري المستمد من العدم يحكم عملية الصيرورة نفسها. هذا القانون يفترض أن العدم ليس فراغاً، بل هو حقل من التماثل المطلق الذي إنكسر لينتج الوجود. السحر هنا يمثل إستعادة لحظية لهذا التماثل؛ إنه القدرة على إستدعاء القوانين التي كانت سائدة قبل وجود المادة. وبما أن العدم لا يمتلك أبعاداً زمانية أو مكانية، فإن القانون المستمد منه يكون لا مكانياً و لا زمانياً، وهو ما يفسر في الميتافيزيقيا قدرة السحر المزعومة على التأثير عن بعد أو التنبؤ بالمستقبل، حيث تنهار المسافات في حضرة الأصل العدمي. علاوة على ذلك، يبرز التساؤل حول كيفية إستمداد القواعد من اللاقاعدة. يكمن الجواب في فكرة الضرورة الكامنة. فالعدم، لكي يظل عدماً في مواجهة الوجود، يجب أن يمارس ضغطاً وجودياً ثابتاً. هذا الضغط هو ما يمكن تسميته بالجاذبية الميتافيزيقية. القانون السحري هنا يعمل وفق مبدأ الإنعكاس؛ فكل قاعدة في عالم الوجود لها ظل في عالم العدم. إذا كان الوجود يقوم على التمايز والكثرة، فإن العدم يقوم على الوحدة و المحو. الساحر، بهذا المعنى، هو مهندس الظلال الذي لا يغير المادة بمادة أخرى، بل يغير تعريف المادة من خلال ربطها بجذرها العدمي، مما يؤدي إلى تغيير خصائصها الفيزيائية وكأنها سحر. هذا يقلب الطاولة على الفهم التقليدي، فالسحر ليس خرقاً للطبيعة، بل هو إمتثال لقانون طبيعي أعمّ، قانون يشمل العدم والوجود في معادلة واحدة. يمكن القول إن القانون الطبيعي السحري المستمد من العدم هو التعبير الأسمى عن حرية الوجود. فبينما تقيدنا القوانين الفيزيائية داخل حدود ما هو موجود، يفتح القانون العدمي الباب أمام ما هو ممكن. إنه يمثل الجانب المظلم و المضيء في آن واحد من الحقيقة الكونية؛ حيث يذكرنا بأن الوجود ليس سوى قشرة رقيقة تطفو فوق محيط شاسع من العدم. السحر هو محاولة العقل البشري لفك شفرة ذلك المحيط، وتحويل العدم من كونه تهديداً بالفناء إلى كونه مصدراً للقوة و التشكيل. إن هذا التحليل يضعنا أمام رؤية كونية تكون فيها المعجزة هي مجرد فيزياء لم نفهم قوانينها العدمية بعد، مما يجعل الفلسفة هي الجسر الذي يربط بين صمت العدم و ضجيج الوجود.
_ كيمياء البراءة: تحويل الصفر القانوني إلى وجود أخلاقي
تطرح فكرة إعتبار البراءة القانونية حالة من العدم الأخلاقي إشكالاً فلسفياً يدمج بين فلسفة القانون، الأخلاق، و الميتافيزيقيا السحرية. لكي نحلل هذا المفهوم، يجب أن ننظر إلى البراءة لا بصفتها إمتيازاً أو فعل خير، بل بصفتها حالة الصفر الوجودي. في المنطق القانوني، البراءة هي الأصل، وهي تعني غياب الجرم؛ أي أنها عدم وجود فعل مدان. هنا يلتقي القانون بالعدم؛ البراءة هي المساحة البيضاء التي لم يُكتب عليها شيء بعد. ومن وجهة نظر سحرية، يمثل هذا العدم المادة الخام التي يسعى الساحر أو المشرّع، المفكر لتحويلها إلى وجود أخلاقي مشحون بالمعنى و المسؤولية. إن البراءة في جوهرها هي حالة من الإستغراق في الطبيعة قبل بزوغ الوعي بالأضداد (الخير والشر). هي عدم أخلاقي ليس بمعنى الفجور أو غياب القيم، بل بمعنى الكمون. فالبريء ليس خيراً بالضرورة، بل هو كائن لم يتحدد بعد. السحر هنا يتدخل بصفته فعل التكوين؛ فالساحر في التقاليد الفلسفية القديمة هو الذي يمنح الأسماء للأشياء، و بمنح الإسم، يخرج الشيء من حالة العدم حيث تكمن البراءة المجهولة إلى حالة الوجود حيث الهوية الأخلاقية. إذاً، السحر هو العملية التي تحول العدم القانوني الصامت إلى صوت أخلاقي فاعل، وهو ما يجعل الساحر وسيطاً بين الفراغ المطلق والإلتزام الوجودي. عندما نتحدث عن إعادة البراءة إلى الوجود، فإننا نتحدث عن عملية تظهير (Manifestation). البراءة كعدم هي حالة من التوازن الهش؛ فهي تفتقر إلى الفعل، والفعل هو جوهر الوجود. الساحر، من خلال إرادة القوة، يرى أن البراءة القانونية هي سجن من الفراغ يحتاج إلى إختراق. القانون يقول؛ أنت بريء لأنك لم تفعل شيئاً، بينما السحر يقول؛ أنت لا توجد حقاً إلا إذا فعلت. لذا، فإن دور السحر هنا هو إستحضار الروح في جسد البراءة البارد. السحر يحول العدم الأخلاقي الذي هو مجرد غياب للمحاكمة إلى كينونة أخلاقية و هي إختيار الفعل رغم معرفة العواقب. هذا التحول هو إنتقال من القانون الساكن إلى الحياة المتحركة. علاوة على ذلك، يمكن إعتبار البراءة عدماً لأنها تمثل تلاشي الأثر. في الكيمياء القديمة، كان الهدف هو العودة إلى المادة الأولى، و هي حالة من العدم الذي يحمل كل الإحتمالات. البراءة القانونية هي هذه المادة الأولى. الساحر لا يكتفي بالوقوف عند حدود البراءة، بل يستخدمها كمنصة للقفز نحو الخلق. إن إعادة البراءة إلى الوجود تعني تحويل التبرئة من مجرد صك قانوني على شكل ورقة فارغة إلى تجربة وجودية متجسدة في فعل خلق. هنا يصبح القانون سحراً، لأن كلاهما يسعى لتعريف ما هو كائن إنطلاقاً من ما ليس كائناً. العدم في هذه الحالة ليس عدواً، بل هو الرحم الذي يولد منه المعنى الأخلاقي المتجدد. إن العلاقة بين البراءة والعدم هي علاقة المرآة بالصورة. البراءة هي المرآة الصافية (العدم)، و السحر هو الضوء الذي يسقط عليها ليعكس صورة الوجود الأخلاقي. بدون هذا السحر الوجودي، تظل البراءة مجرد فراغ قانوني موحش، لا يحمل قيمة في حد ذاته. إن مهمة الساحر الفلسفي هي أن ينفخ الروح في هذا العدم، ليجعل من البراءة فعلاً إيجابياً وتأسيسياً، وليس مجرد غياب للعقوبة. إنها محاولة لتحويل اللاشيء القانوني إلى كل شيء أخلاقي، حيث تلتقي قواعد الطبيعة السحرية بضرورات العدالة الإنسانية في نقطة التلاشي بين الوجود والعدم.
_ محاكمة الظل: هل يُعاقب الساحر على النية المشحونة أم على الفعل المتجسد
تضعنا إشكالية معاقبة الساحر أمام معضلة أنطولوجية كبرى؛ أين تبدأ الجريمة؟ هل تبدأ في اللحظة التي تتكثف فيها الإرادة داخل رحم العدم الذهني، أم في اللحظة التي تنفجر فيها تلك الإرادة لتتحول إلى أثر مادي في عالم الوجود؟ لكي نجيب على هذا التساؤل، يجب أن نفهم أولاً أن السحر، في جوهره الفلسفي، هو فن عبور الحدود بين العدم والوجود. الساحر لا يخلق شيئاً من لا شيء بالمعنى الفيزيائي، بل هو يستدعي الإمكانات من العدم ويمنحها ثوباً وجودياً. لذا، فإن معاقبته على الفعل فقط تعني الجهل بطبيعة سلطته، ومعاقبته على النية فقط تعني محاكمة العدم نفسه، وهو أمر يتجاوز سلطة القانون البشري. إن النية في السياق السحري ليست مجرد خاطر عابر، بل هي العدم المشحون. في الفلسفة الميتافيزيقية، تُعتبر النية هي المحرك الأول الذي يكسر تماثل العدم ليبدأ عملية الخلق. إذا كان العدم هو حالة من الإمكانيات اللانهائية، فإن النية هي الإختيار الذي يقيد تلك اللانهائية ويوجهها نحو هدف محدد. هنا يكمن الخطر؛ فالنية السحرية هي فعل تدمير للعدم لصالح وجود مشوه أو ضار. لذا، يرى بعض الفلاسفة أن العقاب يجب أن ينصب على النية، لأنها اللحظة الوحيدة التي يكون فيها الساحر حراً تماماً قبل أن تقيده قوانين المادة والسببية عند خروج الفعل إلى الوجود. فالفعل في الوجود هو مجرد صدى باهت لتلك القوة الجبارة التي ولدت في الصمت العدمي للوعي. من ناحية أخرى، يبرز الدفاع عن الفعل كمعيار وحيد للعقاب إستناداً إلى فكرة حرمة العدم. العدم هو المنطقة الوحيدة التي تظل بمنأى عن تدجين القانون؛ إنه الحصن الأخير للحرية المطلقة. إذا سمحنا للقانون بمعاقبة الساحر على نية نشأت في العدم، فإننا بذلك نمنح الوجود، السلطة، المجتمع، المادة، حق السيادة على ما ليس موجوداً بعد، وهذا تناقض منطقي. الفعل هو شهادة الميلاد للجريمة؛ بدونه، تظل النية حبيسة فضاء لا ينطبق عليه الزمان أو المكان. السحر، بوصفه قانوناً طبيعياً كما أسلفنا، لا يصبح شراً أو خيراً إلا عندما يصطدم بالآخرين في عالم الوجود. الفعل هو النقطة التي يتحول فيها السحر من إحتمال ميتافيزيقي إلى مسؤولية قانونية. بين هذين القطبين، يمكن إقتراح رؤية ثالثة تقوم على مفهوم التجلي التدريجي. فالسحر لا يحدث كقفزة فجائية من العدم المطلق إلى الوجود الكامل، بل هو سلسلة من التكثيفات. تبدأ بالنية (العدم)، ثم تمر عبر الكلمة أو الطقس (البرزخ)، وتنتهي بالأثر المادي (الوجود). العقاب الفلسفي العادل هنا لا يجب أن يفصل بين النية والفعل، بل يجب أن يدرك أن السحر هو النية حينما تبدأ في إكتساب ثقل وجودي. الساحر يُعاقب لأنه لوّث طهارة العدم بنية الآذى، ولأنه إستهلك طاقة الوجود لتحقيق ذلك الآذى. العقاب ليس على الفعل بحد ذاته، بل على خيانة الأمانة الوجودية؛ أي إستخدام سر العدم لتخريب نظام الوجود. إن محاكمة الساحر هي في الواقع محاكمة للصلة بين الفكر و المادة. إذا إعتبرنا أن النية هي الفعل في حالته الجنينية، يصبح التمييز بينهما تمييزاً في الدرجة لا في النوع. غير أن خطورة معاقبة النية تكمن في أنها تفتح الباب لتجريم الفراغ، بينما يظل الإقتصار على الفعل قاصراً عن إدراك جوهر الجريمة السحرية التي تبدأ وتنتهي في الوعي. لذا، يظل الساحر كائناً إشكالياً أمام القانون؛ لأنه يسكن في تلك الفجوة القلقة بين ما هو كائن وما هو ليس كائناً، مما يجعل عقابه بحد ذاته نوعاً من السحر القانوني الذي يحاول الإمساك بظل العدم.
_ شهادة الفراغ: كيف يصبح الصمت الكوني دليلاً قضائياً
تطرح فكرة إستخدام السحر المستمد من العدم كدليل قضائي معضلة إبستيمولوجية تزلزل أركان النظام القانوني الوضعي، إذ تنقل مفهوم الإثبات من عالم الشهادة المادية إلى عالم الغيب الوجودي. لكي يكون السحر دليلاً، يجب أولاً الإعتراف بأن العدم ليس فراغاً من المعلومات، بل هو أرشيف كوني يُسجل فيه كل ما لم يحدث وما سيحدث وما حدث دون ترك أثر مادي. في هذا السياق، يصبح السحر هو أداة الإسترجاع التي تخرق صمت العدم لتستنطق الحقيقة الكامنة فيه. هنا، لا نعود نبحث عن بصمة إصبع أو أداة جريمة، بل نبحث عن الإضطراب في حقل العدم الذي سببه فعل الجريمة، وهو ما يجعل الدليل السحري دليلاً جوهرياً يسبق المادة ويتجاوزها. إن الدليل القضائي التقليدي يعتمد على الأثر، أي ما يتبقى من الوجود بعد زواله. أما الدليل السحري المستمد من العدم، فهو يعتمد على الصدى الميتافيزيقي. فكل فعل إنساني، مهما كان خفياً، يمثل خرقاً في نسيج العدم؛ هذا الخرق يترك نوعاً من الندبة الوجودية التي لا يراها إلا من يمتلك بصيرة العدم. إذا إعتبرنا القانون نظاماً يهدف للوصول إلى الحقيقة المطلقة، فإن إستبعاد العدم من دائرة الإثبات يجعل الحقيقة مبتورة. السحر هنا يعمل كمجهر للعدم، حيث يسلط الضوء على النوايا و الماهيات التي لم تتجسد في صور مادية ملموسة، مما يجعل العدم في المحكمة ليس غياباً للدليل، بل هو أكثف أنواع الأدلة إذا ما تم فك شفرته. ومع ذلك، تبرز إشكالية الذاتية و الموضوعية؛ فكيف يمكن للقاضي أن يثق في ترجمة الساحر لصمت العدم؟ هنا يتقاطع السحر مع الرياضيات البحتة. فكما أن الرياضيات تتعامل مع مفاهيم مجردة كالصفر والمالانهاية وتصل من خلالها إلى نتائج مادية دقيقة، يمكن للسحر المستمد من العدم أن يعمل وفق منطق التناظر. الساحر لا يقدم رأياً، بل يقدم معادلة وجودية تربط بين الفراغ الذي تركه الجاني والإمتلاء الذي فقده المجني عليه. الدليل السحري في هذه الحالة هو البرهان بالخلف؛ حيث يُثبت الساحر وقوع الجريمة من خلال إظهار إستحالة بقاء العدم طاهراً في ظل النية الإجرامية التي إخترقته. هذا يحول قاعة المحكمة من فضاء للفصل في الوقائع إلى فضاء للفصل في التوازنات الكونية. علاوة على ذلك، يمثل إستخدام السحر كدليل قضائي إنتقالاً من عدالة العقاب إلى عدالة التوازن. الأدلة المادية غالباً ما تفشل في تفسير لماذا حدثت الجريمة، مكتفية بكيف. أما السحر المستمد من العدم، فهو ينفذ إلى السبب الأول الذي نبت في الفراغ قبل أن ينمو في الواقع. إن إعتبار العدم مصدراً للدليل يعني القبول بأن الغياب هو شكل من أشكال الحضور المكثف. الجريمة الكاملة في عالم الوجود هي جريمة مكشوفة في عالم العدم، لأن الجاني لا يمكنه مسح أثره من ذاكرة الفراغ. السحر هو اللغة التي تترجم هذا الحضور الغائب إلى يقين قانوني، مما يجعل العدالة عملية تطهير للعدم من الشوائب التي علقت به نتيجة الفعل البشري. إن إستخدام السحر المستمد من العدم كدليل قضائي يتطلب ثورة في فلسفة اليقين. يجب أن ننتقل من اليقين المبني على ما تراه العين إلى اليقين المبني على ما يقتضيه العدم. الدليل السحري ليس خرافة" تُضاف إلى القضية، بل هو إكتمال للنقص الوجودي في الأدلة المادية. إنه يذكرنا بأن القانون، في أسمى تجلياته، ليس مجرد نصوص وضعية، بل هو إنعكاس للنظام الكوني الذي يربط بين الوجود والعدم. عندما يتحدث العدم عبر السحر في قاعة المحكمة، فإننا لا نصل فقط إلى الجاني، بل نصل إلى الحقيقة في صورتها العارية والمطلقة، حيث لا حجاب بين الفعل وأصله، ولا فاصل بين الحقيقة وصمتها الأبدي.
_ مذبح الإحتمالات: المحاكمة بوصفها طقساً سحرياً لتجميد الفوضى
يُعتبر الخلاف القانوني، في أعمق تجلياته الفلسفية، ليس مجرد صدام بين إرادتين أو تفسيرين، بل هو حالة من التشقق الوجودي التي تعيد الواقع إلى مربع العدم. عندما يتنازع طرفان على حقيقة واحدة، فإن هذه الحقيقة تفقد ثباتها وتدخل في منطقة اللاحسم، وهي منطقة تشبه تماماً حالة العدم الميتافيزيقي حيث تتلاشى القواعد الصلبة و تصبح الإحتمالات كلها متساوية ومتصارعة. في هذه اللحظة، يسقط القانون الوضعي في فجوة الفراغ المعياري، حيث لا تستطيع النصوص الجامدة تقديم إجابة نهائية تعيد الوحدة للوجود الممزق. هنا، يتحول الحكم القضائي من مجرد إجراء إداري إلى فعل سحري تأسيسي، مهمته ليست إختيار أحد الإحتمالات، بل خلق واقع جديد من قلب ذلك الفراغ، تماماً كما يستدعي الساحر الكينونة من رحم العدم. إن الخلاف القانوني يمثل حالة السيولة التي تسبق التبلور؛ فهو عدم لأنه يمحو اليقين ويترك الأطراف في حالة من إنعدام الوزن القانوني. القاضي، في هذا السياق، يعمل كخيميائي للمعنى. لكي يملأ هذا الفراغ، لا يكفيه إستحضار النصوص، بل يحتاج إلى ممارسة سحر الإرادة لفرض نظام على الفوضى. الحكم القضائي هو كلمة القوة التي تقطع دابر الشك؛ إنه الفعل الذي يحول العدم الإجرائي حيث لا حق معلوم إلى وجود حقوقي حيث يُحدد صاحب الحق. هذا الإنتقال هو جوهر السحر؛ تحويل ما ليس كائناً الممثل في الحق المتنازع عليه والمخفي في العدم إلى ما هو كائن أي المتجسد في الحق المعلن والمحمي بقوة الدولة. وبذلك، فإن منصة القضاء ليست إلا مذبحاً ميتافيزيقياً يُضحى فيه بكافة الإحتمالات العدمية ليبقى إحتمال واحد هو الحكم. علاوة على ذلك، يبرز الحكم السحري كضرورة لأن العدم بطبيعته يمتلك قوة جاذبة نحو الفوضى. إذا تُرِك الخلاف القانوني دون حسم، فإنه يتوسع ليبتلع إستقرار المجتمع، محولاً البنية القانونية إلى فراغ أسود. السحر القضائي هنا يكمن في قدرة الحكم على تجميد الزمن وإيقاف سيل الإحتمالات. عندما ينطق القاضي بالحكم، فإنه يمارس نوعاً من التعزيم الذي يعيد تعريف المادة والواقع؛ فالملك المتنازع عليه يصبح ملكاً لفلان ليس لأنه كان كذلك بالضرورة في العدم، بل لأن إرادة الحكم أخرجته من عدم الخلاف إلى وجود اليقين. هذا هو التفسير الفلسفي لقوة الشيء المقضي به؛ فهي ليست قوة مادية فحسب، بل هي قوة سحرية تمنع العودة إلى حالة العدم مرة أخرى، وتغلق الفجوة التي فتحها النزاع. بشكل عام؛ إن الخلاف القانوني هو الرحم العدمي الذي يولد منه القانون نفسه متجدداً في كل مرة. لولا هذا الفراغ، لظل القانون مادة ميتة لا روح فيها. إن الحكم السحري هو النفخة التي تعيد الحياة للعدالة، محولةً الصمت الموحش بين الخصوم إلى لغة مفهومة ومنظمة. القاضي ليس مجرد مطبق للقواعد، بل هو حارس للحدود بين الوجود والعدم، يتأكد من أن كل فراغ قانوني يُملأ بجوهر أخلاقي يمنع الوجود من الإنهيار في بئر اللامعنى. وهكذا، يصبح القضاء هو الممارسة السحرية الأسمى في المجتمع الحديث، حيث يتم إستنطاق العدم لصياغة قوانين الوجود، و يتحول الفراغ من تهديد بالعدمية إلى فرصة لإعادة تأسيس الحق والجمال الوجودي.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟