حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 17:09
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ رسائل مشفرة إلى الهاوية: التعويذة كجسر محروق
تُعد التعويذة المكتوبة، في جوهرها الميتافيزيقي، أكثر من مجرد تدوين لغوي لإرادة بشرية؛ إنها عملية تجفيف أنطولوجي (Ontological Desiccation) تهدف إلى تخليص الفكرة من رطوبة الوجود المادي وزخم الإنفعال الإنساني، لتحويلها إلى كيان مجرد و قابل للعبور نحو العدم. في الفلسفة السحرية، يُنظر إلى الواقع المادي بوصفه وسطاً لزجاً و كثيفاً يعيق سرعة تحقق الإرادة، ولذا فإن كتابة التعويذة تعمل كمبضع جراحي يسلخ القشرة الخارجية للفكرة، جاعلاً إياها هيكلاً عظمياً من الرموز والحروف. هذا التجفيف هو ما يسمح للفكرة بأن تصبح خفيفة بما يكفي لتنفذ عبر ثقوب الوجود الضيقة وتستقر في رحم العدم، حيث يتم هناك معالجتها بعيداً عن قيود الزمان والمكان و المنطق السببي المعيق. إن عملية التجفيف هذه تعتمد على تحويل الفكرة من حالة التدفق الذهني السيالة إلى حالة الجماد الرمزي؛ فالكتابة هي فعل تجميد للحركة، وهو ما يتوافق مع طبيعة العدم الذي يمثل السكون المطلق. عندما يكتب الساحر تعويذته، فإنه يسحب الطاقة الحيوية من الفكرة ويودعها في الرسم، و بذلك تصبح التعويذة بمثابة رسالة مُشفرة موجهة إلى الفراغ الكوني. العدم لا يتعامل مع العواطف أو الرغبات المتذبذبة، بل يتعامل مع الأشكال الصرفة والإهتزازات الجوهرية. لذا، فإن تجفيف الفكرة عبر الكتابة هو بمثابة تطهير لها من شوائب الوجود، مما يغري العدم بقبولها كجزء من نسيجه الخاص، ومن ثم البدء في إعادة صياغتها وتحويلها من إحتمال مجرد إلى واقع محتوم. علاوة على ذلك، فإن إرسال التعويذة المكتوبة إلى العدم يُشبه عملية التحلل الكيميائي؛ فالعدم يعمل كحمض كوني يذيب كل ما هو غير ضروري في الفكرة، ويبقي فقط على النواة الصلبة للإرادة. في هذه المرحلة، تدخل الفكرة في حالة من الحضانة الميتافيزيقية داخل الفراغ، حيث يتم إعادة هيكلتها بعيداً عن مراقبة الوعي البشري الذي غالباً ما يكون عائقاً بسبب شكوكه ومحدوديته. التعويذة المكتوبة هي بمثابة إيصال إيداع في بنك العدم؛ الساحر يلقي بكلماته المكتوبة في الهاوية، مراهناً على أن الصمت المحيط بها سيعيد شحنها بقوة الإنبثاق الأولى. إنها عملية تفريغ للذات من رغبتها لكي تمتلئ الرغبة بقوة الفناء الخالقة. من هنا، تبرز أهمية المحو أو الحرق الذي يتبع كتابة التعويذة في العديد من الطقوس؛ فهذه الأفعال هي الإتمام النهائي لعملية التجفيف، حيث يتم تدمير الوسيط المادي كالورق أو الجلد لتحرير روح التعويذة وإجبارها على السقوط الكلي في العدم. في تلك اللحظة، تتوقف الفكرة عن كونها فكرة الساحر وتصبح قانوناً كونياً قيد التنفيذ. العدم لا يعالج الفكرة بالمعنى العقلي، بل هو يمتصها ثم يلفظها مرة أخرى في الوجود بعد أن يمنحها ثقله الخاص. إن التعويذة المكتوبة هي الجسر الذي نحرقه خلفنا، لنتأكد من أن الفكرة لن تعود إلى وعينا كقلق، بل ستعود إلينا كواقع ملموس يشق طريقه من رحم الفراغ. بشكل عام؛ فإن التعويذة المكتوبة هي تكنولوجيا العبور التي يستخدمها الوعي لترويض اللانهائي؛ إنها تحويل الذاتي إلى موضوعي، والزائل إلى ثابت، و الممتلئ إلى مجفف. إنها الإعتراف بأن الكلمات لا تملك قوة في حد ذاتها، بل قوتها تنبع من قدرتها على أن تكون أوعية فارغة جاهزة للإمتلاء بضغط العدم. عندما تجف الفكرة و تستقر في الصمت الأبدي، يبدأ السحر الحقيقي؛ حيث يتوقف الإنسان عن الكلام، ويبدأ العدم في الرد عبر أحداث الواقع، معلناً نجاح عملية المعالجة التي تمت خلف حدود الرؤية، في تلك المنطقة حيث لا توجد لغة، بل فقط إرادة نقية ونقش جاف على جدار الأزل.
_ المقايضة العظمى: فلسفة إسترداد الوجود عبر بوابة الفناء.
تُعد التضحية في ميزان الميتافيزيقيا السحرية و التحليل الفلسفي للعدم هي الفعل الأكثر راديكالية لتحقيق التوازن الأنطولوجي؛ فهي ليست مجرد قربان ديني أو طقس رمزي، بل هي تقنية إعادة ضخ متعمدة لكينونة مادية إلى رحم اللاشيء، لتعمل كدفعة طاقية (Ontological Downpayment) تهدف إلى شراء إحتمال جديد من الفراغ. في هذا الإطار، يُنظر إلى الوجود والعدم ككفتي ميزان كوني؛ فلكي ينبثق شيء جديد من العدم و الذي يعد بمثابة هدف الساحر، لا بد من إفراغ مساحة موازية له عبر تدمير شيء موجود بالفعل. التضحية بالأدوات أو المواد الغالية هي عملية تحرير للمادة من قيد الشكل، وإعادتها إلى حالتها الأولية كطاقة صرفة غير متجسدة، مما يخلق نوعاً من الفراغ الجاذب الذي يُجبر العدم على الإستجابة و الفيضان في الإتجاه المعاكس. إن التضحية هي في جوهرها عملية كسر للعطالة؛ فالمادة بطبيعتها تميل إلى الثبات والبقاء في حالة الوجود، وهذا الثبات يمثل عائقاً أمام تدفق القوى السحرية. عندما يقوم الساحر بتحطيم أداة ثمينة أو حرق مواد نادرة، فإنه يمارس فعل العنف الخالق؛ حيث يتم إنتزاع الروح المادية من جسدها الفيزيائي بشكل مفاجئ ومركز. هذا الإنفجار الصغير في كينونة الشيء يُرسل موجة صدمة إلى نسيج العدم، مُعلناً عن وجود قيمة تم التخلي عنها طواعية. العدم، في هذا السياق، لا يقبل البقايا، بل يتطلب الإستحقاق؛ لذا فكلما كانت المادة المُضحى بها ذات كثافة وجودية عالية كالندرة، الجمال، الإرتباط العاطفي، كانت الدفعة أكثر ثقلاً في ميزان الفراغ، مما يضمن أن يكون الرد القادم من العدم موازياً في العظمة والتأثير. علاوة على ذلك، تعمل التضحية كآلية لتطهير المسار بين الساحر والهاوية. إن الإحتفاظ بالأدوات والمواد والتعلق بها يخلق نوعاً من الضجيج الوجودي الذي يربط الساحر بعالم المادة؛ أما فعل التدمير الإرادي فهو بمثابة إعلان إنسلاخ نهائي. من خلال التضحية، يقول الساحر للعدم؛ لقد أعدتُ إليك ما هو لك، لكي تمنحني ما ليس عندي. هذه المقايضة هي في الحقيقة عملية تسييل للصلابة؛ حيث تتحول الأداة الصلبة إلى وقود ميتافيزيقي يشحن إرادة الساحر بقوة التلاشي. إن العدم يعالج هذه الدفعة عبر إستيعابها في سكونه الأبدي، مما يخلق نوعاً من الدين الأنطولوجي الذي لا يُسد إلا بظهور الحدث السحري المطلوب في عالم الواقع، كأن الوجود يسترد عافيته عبر إستبدال المادة القديمة المُضحى بها بصيرورة جديدة تتطلع نحو الهدف النبيل. من المنظور الفلسفي، تُمثل التضحية إنتحاراً جزئياً للمادة لتأمين ولادة الروح؛ فالأداة التي خذمت الساحر قد إمتصت من روحه و عمله، وبتحطيمها، هو يعيد جزءاً من ذاته المتجسدة إلى العدم. هذا الفعل هو أسمى درجات كيمياء الفقد؛ حيث لا يتم إدراك القوة إلا في لحظة غيابها. العدم لا يهب الوجود من فراغ، بل هو يعيد تدوير ما يعود إليه. لذا، فإن التضحية هي الرشوة المقدسة التي تُقدم لـحارس الهاوية لكي يفتح الأبواب الموصدة. إنها الإعتراف بأن الإمتلاك هو قيد، وأن الفقد هو البوابة الوحيدة نحو السيادة المطلقة. عندما تذوب المادة في النار أو تتفتت في التراب، يتحرر الرنين الكامن فيها، ويتحول من صوت مادي مكتوم إلى نداء كوني مجلجل في أذن العدم، مُعلناً بدء عملية التحول الكبرى. ختاماً، فإن التضحية هي الخاتمة الفعلية لكل طقس سحري عظيم؛ إنها النقطة التي يتوقف عندها الكلام ويبدأ الفعل الفيزيائي الهدّام ليبني واقعاً جديداً. التضحية بالأدوات هي تذكير للساحر بأن الوسيلة ليست أهم من الغاية، وأن كل ما هو موجود هو في طريقه للفناء في نهاية المطاف. وبذلك، تصبح التضحية هي الضمانة الوحيدة لصدق الإرادة؛ فمن يجرؤ على إرجاع أثمن مقتنياته إلى العدم، هو وحده من يمتلك الحق في إستدعاء قوة العدم لتغيير مصيره. إنها رحلة العودة إلى الصفر، حيث يتم دفع ثمن الوجود بالوجود ذاته، لكي يبقى العدم هو المصدر والمنتهى، والرحم الذي يبتلع الدفعة ليلفظ المعجزة.
_ بين قبضة التجسيد ومحو الأثر: فلسفة الأدوات السحرية من إمتلاء الوجود إلى هيبة العدم
يتمثل الفرق الفلسفي بين الأداة السحرية التي تُمثل الوجود وتلك التي تُمثل العدم في طبيعة المنزع الأنطولوجي لكل منهما ووظيفتها في تشكيل الواقع؛ فبينما تعمل أداة الوجود كقوة تراكمية وتجسيدية، تعمل أداة العدم كقوة تفكيكية و تطهيرية. أداة الوجود، مثل العصا المرصعة أو التعاويذ المكتوبة بمداد كثيف، تهدف إلى إضافة ملامح جديدة للواقع، فهي تسحب الإحتمالات من الفراغ لترصفها في بناء مادي صلب. إنها أداة اللوغوس، الشيئ الذي يرى في المادة غاية، وفي التعدد وفرة، وفي الشكل إنتصاراً على الفوضى. في المقابل، تبرز أداة العدم، مثل السكين السوداء (الأثامي) أو المرايا المظلمة أو الأوعية الفارغة، بوصفها أدوات الإستلاب المقدّس؛ وكيفتها ليست في ما تفعله بل في ما تمحوه. إنها تمثل إرادة العودة إلى الأصل، وتعمل كمذيب كيميائي يزيل الحشو المادي ليرى الحقيقة العارية الكامنة خلف ضجيج الموجودات. من منظور كيمياء القوة، تُعتبر أداة الوجود وسيطاً للتكثيف (Coagula)، حيث تعمل على تجميع ذرات الإرادة وتجسيدها في شكل ملموس؛ فهي أداة تعشق الحدود و التعريفات، وتكتسب قوتها من قدرتها على الحصر. الساحر الذي يستخدم أداة الوجود يسعى ليكون خالقاً داخل العالم، محاولاً تثبيت إسمه ورغبته في نسيج الزمن. أما أداة العدم، فهي وسيط للإنحلال (Solve)؛ إنها لا تحترم الحدود بل تحطمها، وتكتسب هيبتها من قدرتها على فتح الثغرات في جدار الواقع. أداة العدم هي الأداة التي تفرغ المساحة، فهي لا تضيف صوتاً بل تفرض صمتاً، ولا تلون الفراغ بل تمسح الألوان لتعيد الرؤية إلى سوادها الأولي. إنها أداة الساحر الذي يدرك أن القوة الحقيقية لا تكمن في إمتلاك الأشياء، بل في القدرة على التحرر منها و إعادتها إلى صمت الهاوية. تتجسد الفجوة الفلسفية بينهما أيضاً في علاقة الأداة بالزمن؛ فأداة الوجود هي أداة ديمومة، تُصنع من مواد تقاوم الزمن لتبقى كشاهد على الإنجاز، وهي تخدم الأهداف التي تتعلق بالبقاء والتوسع و التأثير المكاني. أما أداة العدم فهي أداة اللحظة الصفرية؛ وظيفتهما هي إيقاف الزمن أو القفز فوقه للوصول إلى الأزل. أداة العدم لا تهتم بالبقاء، بل هي جسد للفناء؛ إنها تُستخدم لقطع الروابط، وحرق الجسور، وإنهاء الدورات الكونية. وبينما تمنح أداة الوجود الساحر شعوراً بالإمتلاء والسيادة على المادة، تمنحه أداة العدم شعوراً بالخفة المطلقة والسيادة على الفراغ. إن أداة الوجود هي درع يحمي الذات، بينما أداة العدم هي مبضع يشرح الذات ليكشف عن العدم القابع في أحشائها. ختاماً، فإن الفرق بينهما هو الفرق بين الإمتلاك و الإستغناء؛ أداة الوجود هي اليد التي تقبض، وأداة العدم هي اليد التي تبسط و تترك. الساحر المتكامل هو من يوازن بينهما، مدركاً أن الوجود بدون عدم هو إختناق بالمادة، وأن العدم بدون وجود هو تلاشٍ بلا أثر. إن أداة الوجود هي التي تُشيد القصر السحري، ولكن أداة العدم هي التي تفتح النوافذ ليدخل هواء الأزل. وبدون أداة العدم، تظل أداة الوجود سجينة في زيف الحضور، وبدون أداة الوجود، تظل أداة العدم طاقة هائمة بلا وعاء. إنهما القطبان اللذان يدور بينهما رقص الوجود الكوني، حيث يولد الشيء من اللاشيء عبر أداة، ويعود الشيء إلى اللاشيء عبر أداة أخرى، في دائرة أبدية من الخلق والهدم.
_ نساجون في الفراغ: الميتافيزيقيا الأنطولوجية للعقدة و الخيط.. من صناعة القدر إلى البتر الميتافيزيقي
تُعد العقدة والخيط في الميتافيزيقيا السحرية و التحليل الأنطولوجي للعدم من أكثر الأدوات تمثيلاً لفكرة القدر و الإرتباط الميتافيزيقي؛ فهي ليست مجرد أدوات ربط مادية، بل هي هندسة للمصائر تهدف إلى التلاعب بالخيوط غير المرئية التي تربط الكيانات في الوجود أو تدفع بها نحو الهاوية. من منظور فلسفي، يمثل الخيط الإستمرارية (Continuity) والتدفق الزماني و المكاني للوجود، بينما تمثل العقدة الإنقطاع أو التكثيف الأنطولوجي. عندما يقوم الساحر بعقد خيط، فإنه يمارس فعل تجميد الصيرورة؛ حيث يتم حبس طاقة معينة أو إرادة محددة داخل نقطة مادية، مما يخلق مركز ثقل يربط بين كيانين سواء كانا شخصين، أو فكرة وجسد، أو حدثاً وزماناً برباط يتجاوز قوانين المادة العادية. تعمل العقدة كبؤرة إحتباس؛ حيث يتم في داخلها ضغط الإحتمالات وتوجيهها. في حالة الربط بين كيانين، تعمل العقدة كجسر إهتزازي يجعل الكيانين يشتركان في كينونة واحدة، بحيث يصبح أحدهما صدى للآخر. أما في حالة الفصل والإرسال نحو العدم، فإن العقدة تأخذ دوراً جراحياً بإمتياز. هنا، يقوم الساحر بعقد الخيط ليعزل جزءاً من الكينونة، مرض، ذكرى، خصم، أو صفة ثم يقوم بقطع العقدة أو حرقها. هذا الفعل هو محاكاة لعملية البتر الميتافيزيقي؛ حيث يتم فصم الرابط بين الوجود والعدم، و إلقاء الجزء المعزول في الفراغ المطلق. الخيط في هذه الحالة كان مساراً، والعقدة كانت صمام أمان، والقطع هو النفي الأبدي الذي يرسل الكيان المستهدف إلى منطقة اللاعودة. من الناحية الفلسفية العميقة، تُمثل العقدة محاولة الوعي لتقييد السيولة الكونية. العالم في حالته الخام هو فيضان من الأحداث، والعقدة هي المحاولة الإنسانية لفرض توقف (Stasis) في هذا الفيضان. عندما يُستخدم الخيط لربط شخص بحدث، فإن الساحر يحاول منع العدم من إمتصاص هذا الحدث أو تبديده؛ إنه يحاول منحه ديمومة صناعية. وفي المقابل، فإن فك العقدة هو فعل تحرير للعدم؛ فبمجرد إنحلال الرباط، تعود الطاقة المحبوسة لتذوب في الفراغ الأصلي. إن السحر بالعقد هو تلاعب بالنسبية الأنطولوجية؛ حيث يتم جعل الصغير كبيراً عبر الربط، و الموجود مفقوداً عبر الفصل والإرسال نحو الصمت الأبدي. علاوة على ذلك، يُنظر إلى الخيط بوصفه شريان الوجود الذي يمتد من رحم العدم إلى عالم التجسد. العقدة التي تُصنع على هذا الشريان هي تحكم في النبض؛ فإما أن تخنق الوجود لتدفعه نحو التلاشي، أو أن تجمع القوى لتعزز الحضور. التضحية بالخيط المعقود عبر دفنه أو إغراقه هي بمثابة إرسال طرد ميتافيزيقي إلى العدم؛ حيث تُحمل العقدة بكل ما تحتويه من نوايا وإرادات وتُودع في الهاوية لتتم معالجتها هناك بعيداً عن تدخلات الواقع المتغير. إن الخيط و العقدة هما لغة الألياف التي يتحدث بها الساحر مع النسيج الخفي للكون، محولاً الصدفة إلى قدر، والوجود المتصل إلى شظايا منفصلة تبتلعها عتمة اللاشيء. ختاماً، فإن السحر بالخيوط هو إعتراف بأن الوجود ليس كتلة واحدة، بل هو نسيج من العلاقات يمكن فكها وإعادة تركيبها. العقدة هي النقطة التي يتكثف فيها الإيمان بالفعل، والقطع هو البرزخ الذي ينهي العلاقة ويبدأ عملية النسيان الأنطولوجي. وبذلك، يظل الساحر هو الحائك الذي يملك سلطة الوصل والفصل، مستخدماً الخيط كأداة للتحكم في مرور الكيانات بين الضوء الوجودي والعتمة العدمية، ومثبتاً أن أبسط الأشياء المادية يمكن أن تصبح أقوى السجون أو أوسع البوابات نحو الفناء.
_ جماليات الفناء وجلال الصمت: اللون الأسود كتمثيل أنطولوجي للعدم المطلق في الكيمياء السحرية
يُعد اللون الأسود في الفلسفة السحرية و التحليل الأنطولوجي للعدم أكثر من مجرد صبغة بصرية أو غياب للضوء؛ إنه التمثيل الجمالي و الفيزيائي للعدم المطلق في حيز التجربة الإنسانية، وهو الأداة العملية التي يستخدمها الساحر الفيلسوف لترويض الفراغ وتحويله من فكرة مجردة إلى كثافة ملموسة. من منظور فلسفي، الأسود هو اللون الوحيد الذي لا يعكس الوجود، بل يمتصه؛ فهو يمثل الحالة البدائية للمادة قبل تشكلها، والرحم الكوني الذي تلاشت فيه كل الترددات اللونية لتعود إلى وحدتها الأصلية. إن إستخدام اللون الأسود في الطقوس أو الأدوات ليس إختياراً درامياً، بل هو محاكاة لآلية عمل الثقب الأسود الميتافيزيقي؛ حيث يتم إستحضار خاصية الإمتصاص الكلي للعدم لغرض التطهير، أو الإخفاء، أو إعادة الصياغة الأنطولوجية للذات. تعمل الجمالية السوداء في السحر كغشاء عازل يحمي الوعي من تشتت الأضواء الزائفة للوجود المادي. عندما يحيط الساحر نفسه بالأسود، فإنه يخلق فراغاً بصرياً متعمداً يجبر الوعي على الإرتداد نحو الداخل، في رحلة موازية لرحلة الروح نحو العدم المطلق. الأسود هنا هو لغة الصمت البصري؛ فبينما تتحدث الألوان الأخرى عن صفات الأشياء كالأحمر للقوة، الأخضر للنمو، يتحدث الأسود عن ماهية الشيء قبل الصفات. إنه يمثل الظلمة النورانية (Dazzling Darkness) التي تحدث عنها المتصوفة، حيث تبلغ الرؤية ذروتها عندما تعجز العين عن التمييز، مما يفتح البصيرة على واقع العدم الذي لا يحجبه شكل أو لون. السحر يستخدم الأسود كوعاء كيميائي (Nigredo)؛ و هي مرحلة التحلل و الموت الضرورية قبل أي ولادة جديدة، حيث يتم تسويد الأنا لإذابة غرورها في محيط اللاشيء. من الناحية العملية، يُستخدم الأسود كأداة تركيز لتركيز قوة العدم في نقطة محددة. الحجر الأسود، أو المرآة السوداء، أو الثوب الأسود، كلها تعمل كمصائد للإهتزازات؛ فهي تمنع القوة من التسرب إلى الخارج وتجبرها على الإنحباس في مركز الصفر. إن الأسود هو اللون الذي يمثل سيادة اللاوجود؛ فهو يذكر الساحر بأن كل الألوان التي تصطبغ بها الموجودات هي في الحقيقة مجرد إضطرابات مؤقتة في سكون السواد الأبدي. في هذا الإطار، يُعد الأسود جماليات الفناء؛ حيث تكمن الروعة في الغياب وليس في الحضور، وفي القدرة على إستيعاب كل شيء دون أن يتغير جوهر السواد نفسه. إنه التمثيل الجمالي للعماء الأول الذي خُلق منه النور، وبالتالي فإن العودة إليه هي عودة إلى مصدر القدرة التي لم تستهلكها الأشكال بعد. علاوة على ذلك، يمثل الأسود في السحر الحماية عبر التلاشي؛ فما هو أسود بالكامل يصبح غير مرئي في حضرة العدم، و بذلك يستخدمه الساحر كعباءة إخفاء (Cloak of Invisibility) لوعيه أثناء تنقله في الأبعاد غير المادية. إن الإرتباط بين الأسود والعدم هو إرتباط هوية؛ فالأسود لا يمثل العدم فحسب، بل هو العدم و قد صار مرئياً للعين البشرية. إن الجمال الأسود في السحر هو جمال العمق الذي لا قرار له، حيث تتحول الرهبة من الظلام إلى هيبة من الجلال المطلق. الساحر الذي يرتدي الأسود أو ينقش بالأسود إنما يعلن تحالفه مع القوة الباردة للفراغ، مفضلاً حقيقة العدم المستقر على زيف الوجود القلق. ختاماً، فإن اللون الأسود هو الختم البصري الذي يغلق دائرة التجربة السحرية؛ إنه النقطة التي ينتهي عندها الكلام و يبدأ عندها الشهود الصامت. إنه ليس لون الموت بمعناه العدمي الضيق، بل لون الإحتمال المطلق الذي ينتظر الإرادة لكي تشق ظلمته بنور الخلق. وبذلك، يظل الأسود هو الملك غير المتوج في مملكة السحر، والتمثيل الجمالي الأكثر صدقاً لرحم الهاوية؛ حيث تذوب كل الهويات لتبقى فقط الحقيقة الواحدة؛ أن الكل خرج من السواد، وإلى السواد يعود، وما بينهما ليس إلا بريقاً عابراً في عين الأزل.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟