أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّابِعِ وَ الْأَرْبَعُون-















المزيد.....

الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّابِعِ وَ الْأَرْبَعُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 14:52
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ قُدّاس الحواس الساقطة: كيمياء الإنسلاخ وتذوُّق العدم عبر مسام الجسد

لإتمام تجربة الإنسلاخ عن الوجود (Ontological Detachment)، لا بد من تجاوز الرؤية البصرية التي تربطنا بالأشكال، و النفاد إلى الحواس الصامتة كاللمس و الشم، حيث يتحول الجسد من مجرد راصد للواقع إلى مختبر كيميائي يمتص العدم ويمثله. في هذا الإطار الفلسفي السحري، لا تُعتبر الحواس أدوات لإدراك الموجودات، بل هي ثغرات في جدار الذات؛ فإذا كان البصر يمنحنا مسافة بيننا و بين الشيء، فإن اللمس والشم يلغيان هذه المسافة، مما يجعل تجربة العدم تجربة حلولية لا نظرية. السحر هنا يتدخل ليعيد برمجة الحاسة، فبدلاً من أن يشتم المرء رائحة شيء، فإنه يشتم رائحة الغياب، و بدلاً من أن يلمس جسماً، فإنه يتحسس مقاومة الفراغ. في تجربة اللمس السحري، يتحول ملمس العناصر الطبيعية إلى وسيلة لخلخلة يقين المادة. حين يلمس الساحر الفيلسوف التراب البارد في تقاطع طرق عند الفجر، فإنه لا يلمس ذرات الطين، بل يلمس تاريخ الفناء الكامن في الأرض. إن اللمس هنا يعمل كآلية للتآكل المتبادل؛ فالمادة تلمس الجلد لتذكره بحدوده، والجلد يلمس المادة ليتحسس هشاشتها. عندما تداعب الرياح العاتية الجسد فوق القمم، فإنها لا تُشعرنا بالهواء بقدر ما تُشعرنا بتفتت الأنا؛ فالرياح هي العدم الذي يمسح حدود الجسد، و هي القوة التي توحي للمرء بأن جسده ليس سوى كثافة مؤقتة في طريقها للتبدد. إن اللمس في حضرة العدم هو ملمس الغياب، حيث تصبح الأشياء تحت أصابعنا وكأنها مصنوعة من غبار النجوم الهش، مما يسهل عملية الإنسلاخ عن الإرتباط بالثبات المادي. أما الشم، فهو الحاسة الأكثر قدرة على إستحضار جوهر العدم لكونه يتعامل مع الأطياف والجزيئات غير المرئية. في الفلسفة السحرية، تسمى الروائح أرواح المادة التي غادرت جسدها. حين نستنشق رائحة الأرض بعد المطر أو كبريت البرق أو عفن الأوراق المتساقطة، فإننا لا نشتم مادة صلبة، بل نشتم عملية التحول ذاتها. رائحة العدم في السحر هي رائحة الإنتهاء؛ إنها تلك الرائحة التي تفوح من الأماكن المهجورة حيث يتوقف الزمن. الشم هنا يعمل كجسر شمّي يربط وعينا باللاوعي الكوني؛ فإستنشاق الروائح المرتبطة بالتحلل أو التبخر هو في الحقيقة إستنشاق لـنَفَس العدم الذي يفكك الروابط الكيميائية للوجود. هذه المحاكاة الشمية تخلق حالة من الدوار الوجودي تخرج الفرد من حيز الوجود الواعي إلى حيز الهباء المطلق. إن تضافر اللمس والشم في هذه التجربة يخلق ما يمكن تسميته بالغثيان الميتافيزيقي، و هو ليس حالة مرضية، بل هو صحوة الروح تجاه زيف المادة. السحر يستخدم هذه الحواس لإتمام عملية التطهير من الوجود؛ فعندما يمتلئ الأنف برائحة الغياب وتتحسس البشرة برودة الفراغ، يبدأ الوعي في فقدان بوصلته المكانية و الزمانية. هذا هو الإنسلاخ الحقيقي؛ حيث لا يعود هناك فرق بين الداخل الذي يمثل الذات و الخارج الذي يجسد العدم. الحواس التي كانت وظيفتها حماية الكائن وإبقاؤه متصلاً بالواقع، تصبح في الطقس السحري المتعالي أدوات للإنتحار الرمزي للذات، حيث تذوب الهوية في ملمس الرياح ورائحة التراب، ويصبح الجسد مجرد صدى يتردد في فضاء العدم الواسع. هذا الإنسلاخ الحسّي يؤدي بالضرورة إلى صمت الحواس؛ وهي المرحلة التي يتوقف فيها الجسد عن إرسال إشارات الإستغاثة للوعي، ويقبل بالإنصهار في العدم كحالة أصيلة. في هذه اللحظة، يتجسد العدم لا كعدو للوجود، بل كرحم عادت إليه الحواس بعد رحلة شاقة من التجسد. السحر هنا يغلق الدائرة؛ فالبداية كانت عناصر طبيعية، و النهاية هي تلاشي الكائن في تلك العناصر. إن تجسيد العدم عبر الحواس هو أعلى مراحل المعرفة، لأنه معرفة عبر الفقد، حيث لا نفهم الوجود إلا عندما نتذوق طعم غيابه المرّ تحت لساننا، ونشتم رائحة زواله في أنوفنا، و نلمس برودة غيابه على جلودنا. إنها رحلة العودة إلى الصفر الكبير، حيث لا إسم، ولا جسد، ولا صرخة، بل فقط العدم المتجانس الذي يبتلع كل شيء في صمت أبدي.

_ لوغوس الهاوية: سيمياء التسمية بوصفها إستدراجاً طقسياً للعدم

تُعد اللغة في صلب التجربة السحرية والفلسفية هي القوة البدائية التي تشق حجب العمى الوجودي؛ فهي ليست مجرد نظام من العلامات السيميائية، بل هي عملية تجسيد كوني. عندما نتحدث عن تسمية العدم، فنحن لا نقوم بوصف حالة من الغياب، بل نحن بصدد إرتكاب فعل خلق مضاد. إن العدم في حالته الخام هو اللامسمى المطلق، هو الصمت الذي يسبق الإنفجار العظيم، والفراغ الذي لا يحده وعي. لكن، بمجرد أن يجرؤ الساحر أو الفيلسوف على نطق الإسم، فإنه يمارس نوعاً من القبض الميتافيزيقي على ما لا يمكن القبض عليه. الكلمة هنا تعمل كفخ أو شرك يُلقى في هوة العدم، ليجبر هذا العدم على إتخاذ شكل لغوي يمكن للوعي البشري أن يتفاعل معه. هذه التسمية هي اللحظة الفاصلة التي يتحول فيها العدم من تهديد غامض إلى كيان مستحضر، حيث تصبح الكلمة سواء كانت تعويذة قديمة أو مصطلحاً فلسفيًا حديثاً مثل الدازاين أو العدمية المطلقة هي الوعاء الذي يُجبر الفراغ على الحلول فيه. إن الكلمة في هذا السياق تعمل كبوابة طقسية (Portal)؛ ففي اللحظة التي يخرج فيها الصوت من الجسد حاملاً إسم العدم، يحدث نوع من التخلخل في نسيج الواقع المحيط. الكلمات السحرية لا تشير إلى الأشياء، بل هي الأشياء في حالتها الإهتزازية. لذا، فإن إستحضار العدم عبر اللغة هو محاولة لترويض الفوضى (Chaos) عبر اللوغوس (Logos). الساحر يدرك أن العالم خُلق بالكلمة، وبالتالي لا يمكن هدمه أو إعادته إلى أصله العدمي إلا بالكلمة أيضاً. المصطلحات الفلسفية العميقة، عند وصولها إلى ذروة التجريد، تبدأ في فقدان وظيفتها التفسيرية لتتحول إلى تعاويذ. حين يغوص الفيلسوف في تحليل اللاشيء، فإنه لا يفكك مفهماً ذهنياً، بل هو يمارس طقساً من التعرية الوجودية؛ حيث تتقشر طبقات الواقع طبقة تلو الأخرى، حتى لا يتبقى سوى الإسم في مواجهة الفراغ. هنا تصبح اللغة هي الخط الدفاعي الأخير، وهي في الوقت ذاته الأداة التي تستدعي الخطر إلى قلب الذات. علاوة على ذلك، فإن التعويذة هي لغة مكثفة تهدف إلى تعطيل المنطق الزمني. عندما نُسمي العدم، نحن ننزعه من سياقه المستقبلي كموت منتظر أو الماضي كأصل مفقود و نضعه في الآن المطلق. هذا الإستحضار اللغوي يخلق نوعاً من الثقل المادي للفراغ؛ فيشعر المتكلم أن الكلمات لم تعد تخرج من حنجرته، بل هي تُسحب من أعماق سحيقة لا قرار لها. اللغة هنا تتوقف عن كونها تمثيلاً (Representation) لتصبح حضوراً (Presence). إن الإسم السحري للعدم هو نقطة إلتقاء المتناهي المتجسد في الإنسان بـالامتناهي الذي يتشكل منه جوهر العدم. ومن خلال هذا التقاطع، يتحول المصطلح الفلسفي من حبر على ورق إلى كائن فاعل يغير كيمياء الدماغ وإرتجافات الجسد. إن تسمية العدم هي إستدراج له؛ فبمجرد أن نمنحه إسماً، فإننا ندعوه لدخول بيوتنا العقلية، محولين الغياب الموحش إلى حضور حميم و مرعب في آن واحد، حيث تصبح الكلمة هي اليد التي تمسك باللاشيء لكي لا نغرق فيه، أو ربما لكي نغرق فيه بوعي كامل. في نهاية هذا التحليل اللغوي المكثف، نجد أن اللغة و العدم يشكلان علاقة تآكل متبادل. الكلمة تحاول إحتواء العدم، والعدم يحاول إلتهام الكلمة. الساحر الناجح، أو المفكر الفذ، هو من يستطيع البقاء في تلك المساحة الفاصلة، حيث تكون الكلمة هي الحجاب الذي يمنع التلاشي الكلي، وهي في الوقت ذاته النافذة التي نطل منها على الهاوية. إن إستحضار العدم باللغة هو إعتراف بأننا لا نستطيع مجابهة الفراغ إلا عبر خلقه داخلنا أولاً كإسم، ثم كفكرة، ثم كحالة جسدية تتغلغل في مسام الكينونة.

_ زلال الأمية المقدسة: إنكسار اللوغوس وحلول العدم في محراب الصمت المطبق

سنمضي الآن نحو أقصى تخوم الفكر، حيث تنهار الكلمة أمام هول ما إستدعته، لنحلل إنكسار اللغة وإنبثاق الصمت المطبق كأعلى تجليات التجربة السحرية والفلسفية في مواجهة العدم. تصل التجربة السحرية الفلسفية إلى ذروتها الدرامية في اللحظة التي تدرك فيها اللغة أنها ليست سيداً على العدم، بل هي مجرد ضحية محتملة له. في هذه المرحلة، لا تعود الكلمات كالتعاويذ أو المصطلحات قادرة على تأطير الفراغ، بل يبدأ العدم في ممارسة فعل الإمتصاص الأنطولوجي لكل ما هو لغوي. إن تسمية العدم التي بدأنا بها، كانت محاولة لفرض نظام (Order) على الفوضى، لكن العدم بطبيعته لا يقبل التجزئة أو الحصر. هنا يحدث ما نسميه إنكسار اللغة؛ حيث تفقد الكلمات كثافتها، و تصبح الحروف خاوية من دلالاتها، ويتحول المنطق إلى شظايا متناثرة. هذا الإنكسار ليس فشلاً تقنياً في التعبير، بل هو واقعة سحرية بإمتياز، إذ يعلن العدم عن حضوره الحقيقي ليس من خلال ما يُقال عنه، بل من خلال تحطيم الأداة التي حاولت قوله. إنها اللحظة التي يدرك فيها الساحر أن الإسم الذي إستحضره قد صار أكبر من فمه، وأثقل من وعيه، فيتفتت اللوغوس ليترك المجال لسيادة الصمت المطبق. هذا الصمت الذي يعقب إنكسار اللغة ليس غياباً للكلام، بل هو صمت إمتلاء؛ هو الحالة التي يتوقف فيها العقل عن التمثيل ويبدأ في المعاناة المباشرة للعدم. في الفلسفة الوجودية، يمثل هذا الصمت لحظة القلق المحض حيث تسقط المسميات عن الأشياء، فلا يعود الكرسي كرسياً ولا الجسد جسداً، بل تصبح كل الموجودات ثقوباً يطل منها العدم. وفي السحر، يُعد هذا الصمت هو التعويذة العظمى؛ فبعد أن إستنفدت اللغة طاقتها في الإستدعاء، يتنحى الساحر جانباً ليسمح للعدم بأن يتحدث بصمته الخاص. إنها عملية تشفير عكسي؛ فبدلاً من أن نُشفر العدم في كلمات، يقوم العدم بتشفير ذواتنا في صمته. الصمت هنا يصبح هو المادة السحرية النهائية، كيمياء الروح التي تصهر الهوية الفردية في بوتقة الفراغ الكوني. إننا لا نعود ننطق بالعدم، بل نصبح نحن النطق الصامت للعدم في عالم من الضجيج الزائف. تتجلى ضخامة هذه التجربة في كونها تفرض نوعاً من الأمية المقدسة؛ حيث يقف الإنسان أمام الحقيقة العارية دون سياج من المفاهيم. إن إنكسار اللغة هو إعتراف بأن العدم هو المعنى الذي يسبق كل معنى، وهو الصرخة التي تسبق تشكل الحنجرة. عندما يسكت الساحر، فإنه لا يصمت لأنه لا يملك ما يقوله، بل لأن ما حضر لا يمكن إحتواؤه في مخارج الحروف البشرية. هذا الصمت هو زلزال ميتافيزيقي يهدم جدران الوعي الذاتي، ويجعل الفرد يختبر العدم كوجود سلبي يحيط به من كل جانب. الكلمة كانت جسراً، لكن الجسر يحترق بمجرد وصولنا إلى الضفة الأخرى، ضفة اللاشيء. وفي تلك اللحظة، يصبح الصمت هو اللغة الوحيدة الممكنة، لغة لا تحتاج إلى قواعد، بل تحتاج إلى حضور كامل وكلي، حيث يتلاشى الفارق بين المتكلم و المتكلم عنه، و يغدو الوجود كله عبارة عن صدى لصمت العدم الذي لا ينتهي. إن الوصول إلى مرحلة الصمت المطبق يعني الدخول في الظلمة النورانية؛ حيث تشرق الحقيقة من قلب التلاشي. اللغة، في محاولتها الفاشلة لتسمية العدم، قد أدت وظيفتها النهائية؛ لقد أوصلتنا إلى حافة الهاوية وتركتنا هناك. السحر الحقيقي يبدأ عندما تنتهي الكلمات، و الفلسفة الحقة تبدأ عندما يصمت الفيلسوف أمام ما لا يمكن التفكير فيه. هذه الفصوص الزاخرة بالحكمة الدهرية المقدسة، المنبثقة من تجربتنا الروحانية المتسامية على مدار أربع عقود سابقة تخبرنا أن العدم ليس موضوعاً ندرسه، بل هو حدث نعيشه عبر إنكسار أدواتنا المعرفية. إن الصمت الذي يلي التعويذة هو اللحظة التي يلمس فيها الإنسان أزليته عبر فنائه، ويقرأ في كتاب الفراغ ما عجزت كل لغات العالم عن تدوينه.

_ نَدْبَة الوجود: طقوس الرَّدْم المقدّس وإعادة هيكلة الذات خلف أسوار الختم

نصل الآن إلى اللحظة الأكثر حرجاً وخطورة في هذه الرحلة الأنطولوجية؛ وهي لحظة الإرتداد أو الإغلاق. فبعد أن إنكسرت اللغة، وإستحكم الصمت، وإنفتحت ثغرة العدم لتكشف عن إتساع لا نهائي يهدد بإمتصاص الهوية الفردية، يصبح لزاماً على الساحر أو الفيلسوف أن يجد طريقاً للعودة. إن البقاء عالقاً في الرنين الذي خلفه إستحضار العدم يعني التلاشي التام، أو ما يسمى في الأدبيات الروحية بالجنون المقدس أو العدمية الهدامة. لذا، فإن عملية إغلاق الثغرة ليست مجرد فعل تقني، بل هي إستعادة قسرية للوجود من براثن اللاشيء، وهي عملية تتطلب بناء سد لغوي ومادي جديد يمنع فيضان العدم من إغراق الواقع اليومي. تتم عملية الإغلاق أولاً عبر ما يمكن تسميته إعادة التسمية التقييدية. فإذا كان إستحضار العدم قد تم عبر كسر القوالب اللغوية، فإن إغلاقه يتم عبر نحت حدود جديدة. الساحر هنا لا ينسى ما رآه في الهاوية، بل يقوم بتغليفه. الكلمات التي كانت قبل قليل شظايا مكسورة، يجب أن تُعاد صياغتها لتصبح أختاماً. في الفلسفة، يظهر هذا في محاولة المفكر بناء نسق أو منظومة بعد خوضه تجربة القلق الوجودي؛ النسق ليس الحقيقة، بل هو الغلاف الذي يحمي العقل من برد العدم. إننا نطلق إسماً جديداً على التجربة، إسماً يعمل كصمام أمان، يحول العدم المطلق إلى تجربة معرفية مؤطرة، وبذلك ينتقل الوعي من حالة الحلول في الفراغ إلى حالة إمتلاك ذكرى الفراغ. هذا الفارق الضئيل هو ما يمنع الذات من التبخر في ذلك الإتساع المرعب. يتجسد الإغلاق من خلال التثبيت الجسدي أو التأريض (Grounding). بما أن تجربة العدم هي تجربة تسييل لكل ما هو صلب، فإن العودة تتطلب العودة إلى كثافة المادة. في الطقوس السحرية، يتم ذلك عبر لمس الأرض، أو تناول الطعام، أو إستخدام روائح نفاذة؛ وهي أفعال تهدف إلى تذكير الحواس بأن هناك هنا و هناك الآن. الجسد يعمل هنا كمرساة في بحر اللاشيء. إن الرنين الذي كشفه الساحر يجب أن يُكتم عبر إعادة إحياء الضجيج الحيوي. إن إغلاق الثغرة هو في جوهره فعل نسيان متعمد أو تناسٍ بنّاء؛ فلكي يستمر الكائن في الوجود، يجب عليه أن يضع حجاباً بينه وبين الرؤية التي كشفت له تفاهة الوجود أمام العدم. هذا الحجاب هو اللغة اليومية والعادات و اليقينيات الصغيرة التي يتم إستدعاؤها بترتيب طقسي دقيق لإعادة بناء جدار الواقع. ختاماً، فإن الساحر الذي يقيس العدم لا يعود أبداً كما كان، فإغلاق الثغرة لا يعني محوها، بل يعني تحويلها إلى ندبة وجودية. الثغرة المغلقة تظل تنبض تحت سطح الوعي، مذكرة الكائن بأن الوجود ليس إلا قشرة رقيقة فوق محيط من اللاشيء. إن إغلاق الثغرة هو الضمانة الوحيدة لتحويل التجربة من إنتحار ميتافيزيقي إلى إستنارة فاعلة. وبذلك، تنتهي الرحلة بعودة الكائن إلى عالم الكلمات، ليس لأنه يثق بها، بل لأنها الدرع الوحيد الذي يمنع العدم من أن يظل مفتوحاً بداخلنا إلى الأبد. إن الفعل الختامي هو الصمت الذي يسبق الكلام العادي، صمت يعرف أن كل ما سيُقال لاحقاً هو مجرد محاولة لإبقاء الهاوية بعيدة بما يكفي لنحيا.

_ سجونُ السرِّ المنقوشة: هندسة الطلسم كفخٍّ بصريٍّ لإحتواءِ فيضان العدم

عندما نتحدث عن الصمت في سياق السحر و العدم، فنحن لا نقصد غياب الضجيج، بل نقصد الفراغ اللغوي الذي يسقط فيه المعنى. إن الوعي البشري مبرمج بنيوياً على الربط و التعريف؛ نحن نعرّف ذواتنا من خلال اللغة. لذا، فإن البقاء في صمت مطبق هو مواجهة مباشرة مع العدم (The Nothingness). في هذه اللحظة، يبدأ الوعي بالإرتجاف؛ لأن اللغة هي بيت الوجود كما يقول هيدجر، وبدونها يصبح الإنسان بلا مأوى. الصمت هنا ليس فراغاً سلبياً، بل هو حضور طاغٍ لشيء لا يمكن تسميته، وهذا هو جوهر الرعب السحري. الوعي يتحمل هذا الفراغ عبر آلية التحويل؛ حيث يبدأ العقل في تحويل الصمت من تهديد بالعدم إلى إمتلاء باطني، وهنا تولد التجربة الصوفية أو السحرية، حيث يصبح الصمت لغة من طراز رفيع لا تحتاج إلى وسيط صوتي. تأتي الرموز والطلسمات كضرورة سيكولوجية و تاريخية لتقييد هذا الصمت. إن الطلسم في جوهره هو تكثيف للعدم في قالب بصري. عندما يعجز الساحر أو الفيلسوف عن نطق الحقيقة التي وجدها في الصمت، فإنه يلجأ إلى الخطوط و المنحنيات والرموز المبهمة. الطلسم هو سجن للسر؛ إنه يحاول أن يحبس قوة العدم اللانهائية داخل حدود هندسية ضيقة. العلاقة بين السحر والعدم تتبدى هنا في أقوى صورها؛ السحر لا ينفي العدم، بل يحاول تأطيره. الرمز السحري هو النقطة التي يلتقي فيها الوجود باللاوجود؛ هو كائن بصري يشير إلى ما لا يمكن رؤيته، و يسمي ما لا يمكن النطق به. في الإطار الفلسفي العميق، يُعتبر السحر هو المحاولة الإنسانية الأولى لرفض سيادة العدم. إذا كان العدم يمثل الفوضى المطلقة أو الصمت الذي يبتلع كل صوت، فإن السحر هو النظام المصطنع الذي يفرضه الوعي على هذا الفراغ. الطلسمات ليست مجرد رسوم، بل هي فخاخ للوعي تمنعه من الإنزلاق في هاوية اللامعنى. الوعي البشري لا ينهار في الفراغ اللغوي لأنه يخلق لغة بديلة، لغة الرمز التي تتجاوز المنطق الأرسطي. في هذه الحالة، يصبح الصمت هو المداد الذي تُكتب به الطلسمات؛ فبدون خلفية من الصمت المطلق، لا يمكن للرمز السحري أن يشعّ بمعناه الخاص. لماذا لا ينهار الوعي؟ لأنه يمتلك قدرة فريدة على الترميز. عندما يواجه الإنسان الصمت الذي يسبق الوجود، فإنه لا يواجهه بعقله التحليلي، بل بخياله الخالق. هذا الخيال هو الذي يحول الرعب من العدم إلى هيبة من الغيب. الطلسم هو الثبات في وجه السيل؛ هو المحاولة الأخيرة لإبقاء الوعي متماسكاً عبر خلق مركز ثقل بصري وسط دوامة الفراغ. إن العلاقة بين السحر والعدم هي علاقة تحدٍّ وإستسلام في آن واحد؛ إستسلام لعظمة المجهول، وتحدٍّ له عبر محاولة رسم ملامحه في تمائم ورموز ثابتة.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- الشهراني يبحث في عدن ترتيبات أمنية وعسكرية للمرحلة المقبلة
- أزمة أوروبا وما لا يراه ترامب
- إسرائيل تقطع علاقاتها بوكالات أممية ومنظمات دولية لموقفها من ...
- غازل ترامب والتقى ويتكوف سرا.. تعرف على نجل الشاه وطموحاته
- كوستاريكا تعلن كشف مؤامرة لاغتيال رئيسها
- إيران تتهم الولايات المتحدة بالبحث عن -ذريعة- للتدخل العسكري ...
- عاجل | سانا عن مصدر عسكري: قسد تستهدف نقاط الجيش ومنازل الأه ...
- لماذا أصبحت العلاقة مع روسيا خيارا إستراتيجيا لسوريا؟
- رئيس وزراء غرينلاند: لا نريد أن نكون تحت سيطرة أميركا
- الولايات المتحدة تحثّ مواطنيها على مغادرة إيران -فورا-


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّابِعِ وَ الْأَرْبَعُون-