|
|
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الرَّابِعُ و الْأَرْبَعُون-
حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 22:00
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ إفتراس الكينونة: كيف يبتلع الظلامُ الطقسيُّ العالمَ ليحررَ إرادةَ الساحر
تُعد مسألة الإضاءة والظلام في الفضاء الطقسي واحدة من أعمق التمظهرات السيميائية للعلاقة بين الكينونة والعدم. فالفلسفة التي تكمن خلف تفضيل الظلام أو النور الشحيح في الممارسة السحرية لا تتعلق بمجرد خلق أجواء درامية أو نفسية، بل هي محاولة أنطولوجية واعية لمحاكاة غياب الوجود المادي. إن النور في الفكر الفلسفي يرتبط بالظهور (Phenomenality) و بالتحديد والوضوح، بينما يمثل الظلام حالة الكمون المطلق واللاتعين، وهو ما يجعل من العتمة الطقسية جسراً ممتداً نحو العدم المطلق. في معظم الأساطير التكوينية (Cosmogonies)، يسبق الظلامُ النورَ، ويسبق العدمُ الوجود. لذا، فإن إطفاء الأنوار في الطقس السحري هو فعل نكوص زمني (Ontological Regression) يهدف إلى العودة بالمكان إلى حالته البدئية؛ أي الحالة التي سبقت صدور الأمر الإلهي أو الكوني بالظهور. الظلام هنا ليس مجرد غياب للضوء، بل هو حضور لمادة العدم الخام. عندما يغرق الحيز الطقسي في العتمة، فإن الحدود بين الأشياء تبدأ في التلاشي؛ فالكرسي لا يعود كرسياً، والجدران تفقد صلابتها البصرية، والممارس نفسه يفقد تمايزه الجسدي عن الفراغ المحيط به. هذا التلاشي للحدود هو المحاكاة المثالية للعدم، حيث تذوب الأشكال (Forms) لتعود إلى الهيولى أو الفوضى الأولى، مما يسهل على الإرادة السحرية إعادة صياغة الواقع بعيداً عن قيود الصور المادية الثابتة. يرتبط النور بالعقلانية والمنطق و التمييز؛ فنحن نرى لكي نصنف ونعزل الأشياء عن بعضها. أما الظلام، فهو القوة التي تعطل سلطة العين التي تثبّت العالم المادي في مكانه. من خلال الإضاءة الخافتة، يمارس الساحر عملية تعمية مقصودة للوعي الحسي، لكي يفسح المجال لما يمكن تسميته بالبصيرة العدمية. في غياب الضوء، يضطر الوعي إلى التخلي عن الإعتماد على المادة المرئية ويبدأ في التفاعل مع الفراغ. هذا الفراغ هو الثقب الذي يتسلل منه العدم؛ حيث يصبح الخيال في العتمة قادراً على تجسيد ما هو غير موجود. إن الظلام في الطقس يعمل كوعاء مظلم (Black Box) يتم فيه التفاعل بين إرادة الساحر وقوة العدم بعيداً عن رقابة القوانين الفيزيائية التي يفرضها النور والوضوح. عندما يُستخدم نور الشموع الضعيف بدلاً من الظلام الدامس، فإننا نكون أمام حالة فلسفية أكثر تعقيداً؛ حالة الوجود المترنح. إن النور الضئيل الذي يصارع العتمة يمثل الشرارة الأولى للوجود وهي لا تزال غارقة في رحم العدم. هذا التوازن الدقيق يهدف إلى خلق مساحة تكون فيها المادة في حالة سيولة؛ فهي ليست موجودة تماماً بسبب العتمة وليست معدومة تماماً بسبب بصيص النور. هذا البرزخ الضوئي هو المكان الأمثل للسحر، لأنه يسمح للممارس بإمساك العدم من طرفه دون أن يبتلعه بالكامل. إنها محاكاة للحظة الخلق ولكن في إتجاه عكسي أو تجريبي، حيث يتم التلاعب بالنسب بين الضوء والظلام للتحكم في مدى رقة أو كثافة نسيج الواقع في تلك اللحظة. تمثل الشمعة الوحيدة في الظلام الطقسي الأنا أو الإرادة التي ترفض التلاشي الكلي في العدم، ولكنها في الوقت نفسه تستخدم ذلك العدم كخلفية لبروزها. فلسفياً، لا يمكن إدراك النور إلا من خلال الظلمة، ولا يمكن إدراك الوجود إلا على خلفية العدم. إن محاكاة غياب الوجود عبر الظلام تهدف إلى جعل الفعل السحري يبرز كإنبثاق وحيد ومسيطر. في الغرفة المظلمة، يصبح كل ما يفعله الساحر هو كل ما هو موجود، بينما يبتلع العدم (الظلام) بقية العالم الخارجي وقوانينه. الظلام هنا هو الممحاة الكونية التي تمسح العالم المادي لكي تترك للساحر سبورة سوداء فارغة تماماً، ليكتب عليها واقعاً جديداً بإرادته المحضة. إن الظلام في الطقس ليس غياباً سلبياً، بل هو إستحضار إيجابي لقوة العدم. إنه الفعل الفلسفي الذي يحول المكان من حيز مادي مزدحم بالأشياء إلى فراغ وجودي بكر. من خلال محاكاة غياب الوجود، يتحرر الساحر من حتمية المادة، ويصبح قادراً على التعامل مع جوهر الأشياء قبل أن تتجسد في صورها الضوئية المرئية، مما يجعل من العتمة الرحم الحقيقي الذي يولد منه الفعل السحري.
_ هندسة العدم: المعبد الذي لا تبنيه الحجارة بل يهدمه الفراغ
تطرح هذه الفرضية قلباً للمفاهيم التقليدية حول القدسية؛ فبينما يرى التفكير السائد أن القدسية تأتي من الإمتلاء بالروح أو البركة، فإن التحليل الفلسفي العميق للمكان السحري يشير إلى أن قدسيته تنبع من قدرته الفريدة على تجسيد فراغ العدم داخله. إن المكان السحري ليس مكاناً ممتلئاً، بل هو مكان تم تفريغه من كثافة الوجود المادي ليكون وعاءً للهباء الأول. في هذا التحليل، سنفكك كيف يصبح الفراغ هو جوهر القيمة المطلقة في الجغرافيا السحرية. إن القدسية في سياقها الميتافيزيقي تعني الإنفصال أو التمييز عن كل ما هو دنيوي ومبتذل. وبما أن الوجود المادي يتسم بالإزدحام، والضجيج، و القوانين الفيزيائية الصارمة، فإن المكان الذي ينجح في تمثيل العدم يصبح بالضرورة مكاناً مقدساً. القدسية هنا هي حالة من النقاء الوجودي الذي لا يتحقق إلا عندما يتم إفراغ الحيز من غاياته المادية. عندما يدخل الممارس إلى مساحة طقسية، فإنه لا يبحث عن جدران أو أثاث، بل يبحث عن نقطة الصفر. إن قدرة المكان على تجسيد فراغ العدم تعني أنه نجح في تحويل نفسه إلى فراغ أنطولوجي (Ontological Vacuum)، حيث تتوقف هناك كل التعريفات المسبقة للأشياء. هذا الفراغ هو الذي يمنح المكان هيبته، لأنه يضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع المطلق الذي لا يُحد ولا يُوصف، وهو العدم الذي يسبق الوجود. تستمد الأماكن السحرية قدسيتها من قدرتها على ممارسة فعل التجريد القصوي. فالمكان المقدس هو المكان الذي تسقط فيه الأقنعة المادية؛ حيث لا يعود الحجر حجراً ولا الخشب خشباً، بل تصبح عناصر رمزية تشير إلى الفراغ الكامن خلفها. هذا التجسيد لفراغ العدم يعمل كآلية لخلخلة اليقين المادي. فالمكان الذي يجسد العدم يفرض على الحاضرين صمتاً وجودياً؛ لأنه يذكرهم بأن الوجود المادي ما هو إلا قشرة رقيقة فوق محيط لا متناهٍ من اللاشيء. إن قدسية المكان السحري تكمن في كونه بوابة؛ والبوابة بطبيعتها يجب أن تكون فارغة لكي تسمح بالعبور. إذا كان المكان ممتلئاً بالوجود، فإنه يصبح جداراً، أما إذا تجسد فيه العدم، فإنه يصبح ممرًا نحو القوة الكونية الخالصة التي لم تتشكل بعد. فلسفياً، العدم داخل المكان السحري ليس غياباً بسيطاً، بل هو ما يمكن تسميته بالإمتلاء السالب (Negative Fullness). إن القدسية تنشأ من هذا التوتر: كيف يمكن للاشيء أن يكون ذا أثر قوي إلى هذا الحد؟ عندما ينجح الطقس في تجسيد فراغ العدم داخل الدائرة أو المعبد، فإنه يخلق منطقة ذات ضغط وجودي منخفض. هذا الإنخفاض يجذب بقوة كل الإحتمالات الكونية لتتجسد فيه. لذا، فإن المكان المقدس يُحترم و يُهاب لأنه يحتوي على قوة البدايات. إن تجسيد العدم هو في الحقيقة إستحضار للفوضى (Chaos) المنظمة التي ولدت منها النجوم. القوة السحرية لا تسكن في المادة الصلبة للمكان، بل تسكن في الفجوات التي تركها الوجود المادي خلفه، مما يجعل من الفراغ هو المادة المقدسة الحقيقية التي يُبنى منها المعبد السحري. تكتمل قدسية المكان السحري بقدر ما ينجح في محو الأثر الإنساني المعتاد ليحل محله فراغ العدم. الأماكن المادية العادية ملوثة بالإستعمالات اليومية والذكريات الحسية، مما يجعلها ثقيلة بالوجود. أما المكان السحري، فيتم تطهيره طقسياً، وهذا التطهير هو في جوهره عملية إعدام (Annihilation) لكل ما هو عارض و زائل. القدسية تزداد كلما إقترب المكان من حالة الخلاء المطلق؛ لأن الخلاء هو اللغة الوحيدة التي يفهمها المطلق. في هذا الفراغ المتجسد، لا يتبقى سوى الإرادة في مواجهة العدم. هذا التماس المباشر هو أسمى درجات القدسية، حيث يدرك الممارس أن المكان ليس مقدساً لذاته، بل لكونه إستطاع أن يقتطع جزءاً من العالم المادي و يحوله إلى مختبر للعدم، حيث يمكن إعادة صياغة الوجود من نقطة التلاشي. إن قدسية المكان السحري هي التعبير المادي عن نجاح عملية الإستبعاد الوجودي. إنها القدرة على خلق حيز لا ينتمي لهذا العالم، حيز يجسد صمت و فراغ العدم المطلق في قلب الضجيج المادي. هذا التجسيد هو الذي يمنح المكان سلطته الميتافيزيقية، محولاً إياه من مجرد إحداثيات جغرافية إلى مركز كوني للفراغ، منه ينطلق الخلق وفيه ينتهي الوجود.
_ المرور من تحت إبط المطلق: هندسة الهروب من فخ البوابات المفتوحة
تُمثل لحظة إنهاء الطقس في الممارسة السحرية الذروة الأنطولوجية لعملية السيطرة على الواقع؛ فهي ليست مجرد توقف عن الفعل، بل هي عملية إغلاق ميتفايزيقية حاسمة تهدف إلى إعادة ترميم الغشاء الفاصل بين العدم والوجود. إذا كان بدء الطقس هو فعل ثقب لنسيج المادة ، فإن إنهاءه هو فعل رتق (Suturing) يمنع الوجود المادي من الإنسياب الكلي نحو الفراغ، ويمنع العدم من إستمراء الحلول في المكان. في هذا التحليل، نغوص في فلسفة الخروج كضرورة للحفاظ على تماسك الكينونة. في نهاية الطقس، يواجه الممارس ضرورة إعادة الصلابة لعالمه المحيط. فخلال الممارسة، يكون الواقع قد فَقَدَ كثافته وأصبح شفافاً أو لدناً بسبب التماس مع العدم. إن إنهاء الطقس هو عملية طرد للسيولة و إعادة إستدعاء لقوانين الفيزياء والحتمية. فلسفياً، يُعد هذا الإغلاق نوعاً من الإسترداد الوجودي؛ حيث يجب على الساحر أن يسحب خيوط وعيه من الفراغ المطلق و يعيد غزلها في نسيج الزمن الخطي والمكان المحدود. بدون هذا الإغلاق، يظل المكان مفتوحاً على المجهول، مما قد يؤدي إلى حالة من التسرب الطاقي حيث تستمر قوانين العدم الممثلة بالفوضى و اللاتعين في العمل داخل العالم المادي، وهو ما يفسر ضرورة صرف الأرواح أو إبطال الدائرة كفعل لترسيم الحدود النهائية وإعادة فرض سلطة الوجود على اللاشيء. يُعد إنهاء الطقس صمام أمان يمنع ما يمكن تسميته بالإنحلال الأنطولوجي. فلو بقيت البوابة بين العدم و الوجود مفتوحة، فإن العدم بإعتباره قوة ذات ضغط سلبي هائل سيبدأ بإمتصاص المعاني و الأشكال من العالم المادي. إغلاق البوابة هو فعل حجر صحي يحمي الممارس وبيئته من التلاشي. في هذه اللحظة، يعمل الساحر كمهندس للحدود؛ فهو يتأكد من أن البذرة التي إستمدها من العدم سواء كانت طاقة، فكرة، أو تغييراً في الواقع قد أستقرت داخل الوجود المادي، ثم يقوم بإغلاق الطريق خلفها. هذا الإغلاق يضمن أن يظل التغيير السحري موجوداً كجزء من المادة، بينما يظل مصدره العدمي معزولاً وبعيداً. إنها عملية تجميد لنتائج الطقس ومنعها من العودة إلى حالة السيولة الأولى. تتضمن طقوس النهاية دائماً حركات أو كلمات تُعرف بالصرف (Banishing/Dismissal). من منظور فلسفي عميق، هذا الصرف ليس موجهاً لكيانات بالضرورة، بل هو موجه لفكرة اللاتعين ذاتها. إنه إعلان رسمي عن إنتهاء حالة الإستثناء والعودة إلى حالة القاعدة. من خلال إنهاء الطقس، يعلن الوعي البشري عن إستعادة سيادته على المكان؛ فبعد أن سمح للعدم بالحضور، يقوم الآن بنفيه مجدداً إلى ما وراء الحُجب. هذا النفي هو الذي يمنح الفعل السحري شرعيته داخل الواقع؛ فالسحر الذي لا ينتهي بإغلاق هو سحر فاشل، لأنه يتحول من فعل إرادي إلى حالة من الفوضى الدائمة التي تبتلع الفاعل والمفعول به. الإغلاق هو الذي يحول الفوضى الخلاقة إلى نظام جديد. أخيراً، يمثل إنهاء الطقس عودة الوعي من اللانهاية إلى اللحظة. خلال الطقس، يتمدد وعي الممارس ليرتبط بالعدم المطلق، وهو تمدد مجهد و خطير قد يؤدي إلى فقدان الهوية (Ego Dissolution). إن إغلاق البوابة هو فعل إستعادة الذات؛ هو اللحظة التي يضع فيها الممارس حداً فاصلاً بين الأنا وبين المطلق. هذا الإنفصال ضروري لكي يتمكن الساحر من عيش النتائج التي حققها. فإذا لم تُغلق البوابة، يظل الوعي معلقاً في البرزخ، غير قادر على التفاعل مع المادة بشكل سوي. لذا، فإن إنهاء الطقس هو في جوهره إعادة تأكيد على الحياة وعلى الوجود المادي كساحة نهائية للفعل الإنساني، مع الإحتفاظ بسر العدم مخبأً خلف أبواب الوعي المغلقة بإحكام. إن إنهاء الطقس هو الفعل القانوني والميتافيزيقي الذي يختم المعاهدة المؤقتة بين الوجود والعدم. إنه التأكيد على أن البوابة كانت وسيلة وليست غاية، وأن الهدف من السحر ليس الهروب إلى العدم، بل إستقدام قوته لتطوير الوجود. بإغلاق البوابة، يحفظ الساحر توازن الكون، ويضمن أن يظل اللاشيء في مكانه خلف حجاب الغيب، بينما يزدهر الشيء بقوة الإرادة التي تم إستحضارها من قلب ذلك الفراغ.
_ إغتيال المادة: حين يصبح الصمت فخاً لإستدراج المطلق
تُعد ثنائية الضوضاء الصاخبة والصمت المطلق في الممارسة الطقسية من أدق الأدوات الميتافيزيقية للتلاعب بنسيج الواقع؛ فهما ليسا مجرد خلفيات صوتية، بل هما مطارق ترددية تُستخدم لزعزعة إستقرار المادة وتحفيز ظهور العدم. من الناحية الفلسفية، يمثل الضجيج المتطرف والصمت العميق حالتين من تجاوز المعنى، حيث يلتقي النقيضان عند نقطة واحدة وهي إبطال قدرة العقل على التمييز والتعين، مما يفتح ثغرة مباشرة لتدفق اللاشيء إلى حيز الشيء. في هذا التحليل، نكشف كيف يعمل الصوت والسكوت كآليتين لهدم الحواجز الأنطولوجية بين الوجود والعدم. تعمل الضوضاء الطقسية كالطبول السريعة، الصراخ، أو الرنين المعدني المتواصل كعملية قصف إهتزازي لبنية الواقع الصلبة. في الحالة العادية، يتميز الوجود المادي بنظام معين وإتساق في الترددات، لكن الضوضاء العشوائية والمكثفة تخلق حالة من الفوضى الصوتية التي تحاكي حالة الهيولى الأولى. فلسفياً، الضوضاء هي إمتلاء مفرط يؤدي إلى العماء؛ فعندما يمتلئ المكان بالصوت إلى درجة العجز عن التمييز، يفقد الصوت وظيفته كإشارة ويتحول إلى جدار من التردد. هذا الجدار يعمل على تسييل الحدود بين الذات والموضوع، ويقوض تماسك المادة في وعي الممارس. إن الضوضاء هنا هي محاكاة لإنفجار الوجود الذي يسبق العودة إلى العدم، فهي تُرهق الحواس وتدفعها إلى نقطة الإنهيار، حيث لا يجد الوعي مفراً من الهروب نحو الفراغ المطلق الكامن خلف هذا الضجيج. على النقيض تماماً، يمثل الصمت المطلق في الطقس الحالة الأنطولوجية الأنقى للعدم. إذا كانت الضوضاء هي محاولة لهدم الوجود بالقوة، فإن الصمت هو سحب البساط من تحت الوجود بالكلية. الصمت ليس مجرد غياب للصوت، بل هو حضور للفراغ؛ إنه اللحظة التي يتوقف فيها الوجود عن التعبير عن نفسه. فلسفياً، ترتبط الكلمة (Logos) بالخلق والتعين، بينما يرتبط الصمت بما قبل الكلمة (The Pre-Verbal Void). عندما يفرض الطقس صمتاً مطبقاً، فإنه يقوم بتفريغ المكان من الزمن؛ لأن الزمن يُقاس بالتغير والحركة و الصوت حركة، فإذا إنعدم الصوت، تجمد الزمن مؤقتاً. هذا التجمد هو المغناطيس الذي يجذب العدم؛ فالعدم يسكن في الفجوات التي يصنعها الصمت، و كلما طال أمد الصمت وعمق، أصبح العدم ملموساً وكأنه مادة باردة تملأ أركان الدائرة السحرية. يحدث التحفيز الحقيقي للعدم عند الإنتقال المفاجئ بين هذين النقيضين، فيما يعرف بالديناميكا الترددية للطقس. فبعد ضوضاء عارمة، يأتي صمت مفاجئ ليخلق صدمة وجودية (Ontological Shock). في هذه اللحظة من السكون الذي يتبع الضجيج، يظهر العدم ليس كغياب، بل كصدى لللاشيء. الضوضاء قامت بتفتيت الدفاعات المادية للمكان، والصمت اللاحق جاء لإستضافة العدم في تلك الشقوق. إن الدور الفلسفي لهذا التبادل هو خلق حالة من الخلاء المستثار؛ حيث يصبح الوعي البشري مرآة عاكسة للفراغ الكوني. إن العدم يُحفز هنا لأن التوتر بين الإمتلاء الصوتي الذي تثيره الضوضاء والفراغ الصوتي الذي يفرضه الصمت يمزق غشاء الواقع اليومي المعتاد، تاركاً الممارس في حالة من العري الوجودي أمام المطلق. في نهاية المطاف، يُعتبر الصمت في الطقس هو الأداة التي تسمح للإرادة بالهمس في أذن العدم. فبينما تعمل الضوضاء على فتح البوابة عبر تدمير النظام، يعمل الصمت على توجيه التدفق. في الصمت المطلق، تصبح الإرادة السحرية هي الإهتزاز الوحيد الموجود في عالم من اللاشيء، مما يمنحها قوة هائلة للتأثير. إن تحفيز العدم عبر الصمت هو دعوة للقوة الخام لكي تتشكل وفقاً لنية الساحر. لذا، فإن الصمت ليس سكوناً سلبياً، بل هو ترقب كوني؛ هو اللحظة التي يصمت فيها الوجود المادي لكي يستمع إلى ما سيمليه عليه العدم عبر وعي الممارس. إن القدسية التي يشعر بها المرء في الصمت الطقسي هي في الحقيقة هيبة العدم الذي وجد أخيراً مكاناً ليتجلى فيه دون عوائق من ضجيج المادة. إن الضوضاء والصمت هما القطبان اللذان يولدان الشرارة السحرية من خلال التلاعب بكثافة الوجود. الضوضاء تخلخل الثبات، والصمت يكرس الفراغ، وكلاهما يعملان معاً لتحويل الحيز الطقسي إلى مختبر للعدم. من خلالهما، يتحول المكان من كونه مجرد إحداثيات فيزيائية إلى كونه فجوة ترددية تسمح للممارس بملامسة جوهر اللاشيء و صياغة واقع جديد من ذرات الفراغ المطلق.
_ مذبحة الصور: التطهير السحري كفعل إغتيال لهوية المادة
يُعد مفهوم تطهير المكان في الفلسفة السحرية العميقة أبعد بكثير من كونه مجرد تنظيف مادي أو إزالة لطاقات سلبية بالمعنى السطحي؛ إنه في جوهره فعل محو أنطولوجي يهدف إلى تجريد الحيز من كينونته المادية المعتادة. إن الفرضية التي تشير إلى أن التطهير هو تقنية لإفراغه من الوجود الزائف تضعنا أمام رؤية ترى في الواقع اليومي تراكمات من الضجيج الوجودي الذي يحجب الحقيقة المطلقة. في هذا التحليل، سنفكك كيف يعمل التطهير كعملية إعدام للصور الذهنية والمادية المسبقة لتهيئة المكان لإستقبال العدم الخالص كقوة تأسيسية. في الفلسفة الوجودية، يكتسب المكان هويته من خلال ما يُلقى فيه من غايات وأدوات وذكريات؛ فالغرفة هي غرفة لأنها تحتوي على أثاث ولأن لها وظيفة إجتماعية أو فيزيائية محددة. هذا هو ما يمكن تسميته بالوجود الزائف أو الوجود المشروط. يعمل التطهير السحري سواء عبر البخور، أو الماء، أو الملح، أو الإرادة المحضة كعملية سحب للهوية؛ إنه يفكك الإرتباط بين الحيز المكاني و وظيفته الدنيوية. عندما يتم تطهير المكان، فإنه يُنتزع من سياق العالم المألوف ليصبح خلاءً غير منتمٍ لأي نظام. هذا الفعل هو في الحقيقة تقشير لطبقات الوجود؛ حيث يتم كشط كل الزوائد الوجودية التي تمنح المكان ثقله المادي، ليبقى الحيز في حالة من العري الكوني. التطهير هنا لا يضيف قدسية، بل يزيل المادة لكي لا يتبقى سوى الفراغ، وهو ما يجعله التقنية الأساسية لتحويل المكان من موضع (Place) إلى فضاء (Space) مفتوح على العدم. تحمل الجدران و الأماكن ما يسميه الميتافيزيقيون البقايا الأنطولوجية أو ذاكرة المادة، وهي آثار الأحداث والمشاعر و القيود الزمنية التي حدثت في هذا المكان. هذا التراكم هو ما يثبّت المكان في الوجود الزائف ويجعله مقاوماً للتغيير السحري. لذا، فإن التطهير هو عملية تصفير للذاكرة الكونية داخل الحيز. من خلال التطهير، يمارس الساحر فعل النسيان المطلق للمكان؛ إنه يمحو تاريخ الذرات لكي تعود إلى حالتها البكر كإحتمالات غير متحققة. هذا الإفراغ هو تهيئة للعدم الخالص؛ لأن العدم لا يمكن أن يحل في مكان ممتلئ بالحكايات والقيود المادية. لكي يستدعي الساحر قوة الخلق من العدم، يجب أولاً أن يخلق عدماً محلياً عبر التطهير. المكان المطهّر هو مكان بلا ماضٍ، وبدون ماضٍ لا توجد قوانين حتمية، مما يجعله رحماً مثالياً لإنبثاق واقع جديد كلياً من قلب الفراغ المستحدث. يرتبط التطهير فلسفياً بمفهوم الخلاء السيادي؛ وهو الحيز الذي لا يملكه الوجود العام، بل تملكه إرادة الممارس. الوجود الزائف هو وجود مُشاع يخضع لقوانين الطبيعة والمجتمع، بينما المكان المطهّر هو مساحة تم عزلها عن الكل لتصبح لامكان (Utopos). في هذا اللامكان، يتجلى العدم بوصفه النقاء المطلق. التطهير هو الضمانة بأن ما سيحدث داخل الطقس لن يتلوث بالضرورات المادية الخارجية. إنه خلق لفجوة في السيادة الوجودية؛ حيث يتراجع العالم الخارجي بضجيجه وقوانينه إلى الوراء، تاركاً فراغاً مهيباً خلفه. هذا الفراغ هو الذي يمنح السحر قوته؛ لأن الطاقة السحرية لا تجد مكاناً للتدفق في وسط مزدحم، بل تبحث دائماً عن أقل المسالك مقاومة، وهو الفراغ الذي صنعه التطهير. إن العدم الخالص الذي يتهيأ له المكان هو الحرية المطلقة من شكل المادة، مما يسمح للإرادة بأن تكون هي القانون الوحيد السائد. تكمن المفارقة في أن الطهارة في هذا السياق ليست مرادفة للنور، بل هي مرادفة للشفافية تجاه العدم. المكان المطهّر هو المكان الذي أصبح شفافاً بما يكفي لكي لا يحجب العدم الكامن خلف نسيج الواقع. التطهير هو عملية تفتيت للكثافة؛ فالمادة الكثيفة معتمة، والعدم شفاف ولانهائي. عندما يُطهر الساحر دائرته، فإنه يقلل من كثافة الوجود فيها حتى تصل إلى نقطة الصفر الوجودي. في هذه اللحظة، يصبح المكان مقدساً ليس لأنه إمتلأ بشيء جديد، بل لأنه فرغ من كل شيء قديم. هذا الفراغ هو العدم في أجمل وأخطر تجلياته؛ إنه الحالة التي يواجه فيها الممارس اللاشيء وجهاً لوجه، مدركاً أن هذا الصمت والفراغ هما المصدر الحقيقي لكل ما هو موجود. إن تطهير المكان هو الفعل التمهيدي للإستعادة الأنطولوجية؛ إنه التجريد الذي يحول الحيز من سجن للمادة إلى نافذة على العدم. من خلال إفراغ المكان من وجوده الزائف والمشروط، يهيئ الساحر المسرح للقوة الكونية الخام لكي تتجلى. التطهير هو إعلان عن أن هذا المكان لم يعد ينتمي للعالم المادي، بل أصبح ملكية خاصة للعدم، حيث يمكن للإرادة أن تخلق من الفراغ ما تعجز المادة عن تحقيقه.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
المزيد.....
-
شاهد.. محتج ينزع العلم الإيراني ويرفع علم ما قبل الثورة بمبن
...
-
هذه تفاصيلها.. ترامب يصدر أمرا لإعداد خطة -غزو غرينلاند-
-
-كنت أظنّ أنني الأم الوحيدة التي تبحث عن صغيرها، حتى أدركتُ
...
-
مع سعي ترامب لاستثمارات بـ 100 مليار دولار، رئيس -إكسون- يصف
...
-
ترامب: -إيران تتطلع للحرية... نحن متأهبون للمساعدة-
-
بنغلاديش تسعى للانضمام إلى القوة الدولية المقترح نشرها في غز
...
-
نيويورك تايمز: لهذا التزم بوتين الصمت عندما تحداه ترامب بالت
...
-
خروج آخر مقاتلي قسد من حلب وعبدي يتحدث عن وساطة دولية
-
تقرير: هكذا ستضرب أميركا إيران -إذا لزم الأمر-
-
إدارة جائزة نوبل ترد بعد اقتراح الفائزة بمنحها إلى ترامب
المزيد.....
-
أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال
...
/ محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
-
العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو
...
/ حسام الدين فياض
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي
...
/ غازي الصوراني
-
من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية
/ غازي الصوراني
-
الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي
...
/ فارس كمال نظمي
-
الآثار العامة للبطالة
/ حيدر جواد السهلاني
-
سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي
/ محمود محمد رياض عبدالعال
-
-تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو
...
/ ياسين احمادون وفاطمة البكاري
-
المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة
/ حسنين آل دايخ
المزيد.....
|