حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 15:50
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ خيوط العنكبوت في مواجهة الطوفان: جدلية الساحر و الفراغ المطلق
يطرح فشل الإرادة الساحرة تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة العدم (The Void)؛ هل هو مادة خام طيعة تنتظر من يشكلها، أم أنه قوة ممانعة تمتلك نوعاً من العطالة الميتافيزيقية؟ لكي نحلل هذا الفشل، يجب أن نبتعد عن التفسيرات السطحية التي تعزوه لقلة التركيز أو ضعف الأدوات، لننظر إليه كصراع أنطولوجي بين إرادة التحديد و بين لانهائية اللاتحديد. إن فشل السحر ليس مجرد خطأ تقني، بل هو لحظة تجلٍّ لقوة العدم ككيان يرفض أن يُسجن في صورة أو ماهية يفرضها الوعي البشري. في الفلسفة العميقة، العدم ليس فراغاً سلبياً ينتظر الإمتلاء، بل هو حالة من الحرية المطلقة والشرسة. عندما توجه الإرادة الساحرة قوتها نحو العدم لتستخلص منه ثغرة أو تشكل منه واقعاً، فإنها في جوهرها تحاول فرض قيد على ما لا يُقيد. العدم هو اللاصورة، والسحر هو محاولة التصوير. لذا، فإن فشل الإرادة قد يكون دليلاً على أن العدم قد مارس مقاومة وجودية. هذه المقاومة ليست ناتجة عن إرادة مضادة لأن العدم لا يمتلك شخصية، بل هي ناتجة عن طبيعته التي تأبى التموضع. العدم هنا يظهر كمحيط أسود يبتلع بذور الإرادة قبل أن تنبت؛ فإذا لم تكن الإرادة حادة بما يكفي لشق هذا المحيط، فإن العدم يغلق نفسه، معيداً حالة التلاشي التي تسبق الفعل السحري. من منظور آخر، يمكن إعتبار فشل الإرادة دليلاً على عدم قدرة الساحر على الحفاظ على الثغرة مفتوحة. الوجود يمتلك قوة إندفاع ذاتية لسد الفراغات (Horror Vacui). عندما تفشل الإرادة، فإن ما يحدث هو أن الوجود قد إنتصر على العدم، أو أن العدم قد إستعاد إستقلاليته ورفض أن يكون قناة. في هذه الحالة، لا يقاوم العدم الساحر بحد ذاته، بل يقاوم الصيرورة التي يحاول الساحر فرضها. العدم يميل إلى البقاء كعدم، وأي محاولة لتحويله إلى شيء هي عملية قسرية. الفشل هنا هو لحظة إستعادة العدم لسيادته وتملصه من قبضة الإرادة التي حاولت تجميده في قالب مادي أو حدثي. إنه هروب المادة الخام من يد النحات قبل أن تتشكل. قد لا يكون الفشل دليلاً على مقاومة العدم بقدر ما هو دليل على أن العدم قد عكس ضعف الإرادة. العدم يعمل كمرآة مطلقة؛ فإذا كانت الإرادة تحمل في طياتها ذرة من الشك أو الإرتباط بالمادة، فإن العدم يضخم هذا الشك ويحوله إلى قوة هدم ذاتية. في هذا الإطار، مقاومة العدم هي في الحقيقة رد فعل على عدم نقاء النية. العدم لا يقاوم بل لا يستجيب إلا لمن صار يشبهه في تجرده. الفشل هنا هو صمت العدم؛ وهو صمت أشد وطأة من المقاومة الفعلية. إنه يعني أن الإرادة لم تكن عدمية بما يكفي لتلمس جوهر الفراغ، فبقيت تطفو على سطح الوجود المادي دون أن تترك أثراً في العمق الميتافيزيقي. في الحالات الأكثر خطورة، يكون الفشل دليلاً على أن الساحر قد فتح ثغرة أكبر مما تستطيع إرادته إحتواءه. هنا، يتدفق العدم ليس كأداة للتشكيل، بل كقوة إفناء تكتسح الإرادة نفسها. هذا النوع من الفشل يثبت أن العدم ليس خادماً، بل هو مصدر يمتلك ضغطاً أنطولوجياً هائلاً. عندما تفشل الإرادة في توجيه هذا التدفق، فإنها تنكسر تحت وطأة اللانهائي. المقاومة هنا تتخذ شكل الطغيان؛ حيث يرفض العدم أن يكون جزءاً من تجربة سحرية، ويصر على أن يظل هو الكل الذي يبتلع الجزء. الساحر الفاشل هنا هو من حاول إصطياد المحيط بشبكة من خيوط العنكبوت، فكان الفشل هو دليل عظمة المحيط لا عيب الشبكة فقط. إن فشل الإرادة الساحرة هو الوثيقة الأسمى على أولية العدم. إنه يثبت أن العلاقة بين السحر والعدم ليست علاقة سيطرة أحادية الجانب، بل هي جدلية خطيرة. الفشل هو اللحظة التي يذكر فيها العدم الوجودَ بأنه هو الأصل، وأن محاولات التشكيل هي إستثناءات نادرة تتطلب إرادة تضاهي العدم في قوته و تجرده. لذا، نعم؛ الفشل هو البرهان على أن للعدم ثقلاً ميتافيزيقياً قادراً على تحطيم أعنف النوايا إذا لم تكن متناغمة مع قوانين الفراغ المطلق.
_ سينوغرافيا الفراغ: الإرادة الساحرة من مطرقة الوجود إلى مرآة العدم
تطرح فكرة الإرادة كمرآة تحولاً جذرياً في فهمنا للميتافيزيقا السحرية، حيث تنتقل السيادة هنا من الساحر كمصدر للفعل إلى الساحر كمنصة للتجلي. في هذا النموذج الفلسفي، لا تعود الإرادة الساحرة هي القوة التي تخترق أو تثقب أو توجه، بل تصبح حالة من الشفافية الأنطولوجية القصوى؛ إنها السطح الصقيل الذي يسمح لقوة العدم بأن تنعكس من خلاله إلى عالم الوجود. هذا التحليل يذهب بنا إلى أن السحر الحقيقي ليس صناعة الواقع، بل هو السماح للعدم بأن يعيد صياغة الواقع عبر مرآة الوعي البشري. في المنظور التقليدي، يُنظر إلى الإرادة كسهم ينطلق من الذات نحو الموضوع. أما في فلسفة المرآة الساحرة، فإن الإرادة تعمل بآلية معاكسة تماماً. إنها تمارس فعلاً من أفعال النفي الذاتي (Self-Negation) لتمحو كل أثر للأنا و الشخصية والرغبة، لكي تتحول إلى سطح خالٍ تماماً. القوة هنا لا تكمن في ما تفعله الإرادة، بل في ما تكف عن فعله. عندما تصبح الإرادة مرآة، فإنها تعكس اللاشيء الكامن في جوهر الوجود. العدم بطبيعته غير مرئي وغير فاعل في عالم المادة لأنه لا يمتلك واجهة؛ الساحر بمرآته الإرادية يمنح العدم هذه الواجهة. إنه لا يوجه قوة العدم لأن اللانهائي لا يُوجه، بل يستقبلها و يعكس تردداتها في نقطة محددة من الواقع المادي. إذا إعتبرنا العدم هو النور المطلق الذي لا تستطيع العيون المادية رؤيته، فإن الإرادة الساحرة تعمل كعدسة عاكسة تجمع هذا النور المشتت في بؤرة واحدة. الفشل في السحر، وفق هذا المنظور، ليس ضعفاً في القوة، بل هو تضرس أو عكارة في سطح المرآة. الوعي المليء بالرغبات المادية يشبه المرآة المتسخة التي تشتت الضوء بدلاً من عكسه. لكي تعكس الإرادة قوة العدم، يجب أن تكون باردة و محايدة كالمعدن الصقيل. في هذه الحالة، التدفق الذي نراه في الواقع ليس تدفقاً من داخل الساحر، بل هو إنعكاس لقوة العدم التي كانت موجودة دائماً، ولكنها وجدت الآن فقط سطحاً يسمح لها بالظهور والتشكل في هيئة فعل سحري. عندما تصبح الإرادة مرآة، تذوب الحدود بين الساحر بإعتباره الفاعل والعدم كونه المصدر. الساحر لا يسيطر على العدم، والعدم لا يبتلع الساحر؛ بل يحدث نوع من التطابق الإنعكاسي. القوة التي يمارسها الساحر هي في الحقيقة قوة العدم مُفلترة عبر وعيه. هذا يفسر لماذا يشعر السحرة العظام في لحظات العمل السحري بأنهم مشاهدون لما يحدث أكثر من كونهم فاعلين. إنهم يراقبون قوة العدم وهي تنعكس في مرآة إرادتهم وتغير الواقع. هنا تصبح الإرادة الساحرة هي نقطة إلتقاء بين ما هو كائن وما هو غير كائن؛ إنها المنطقة التي يتجسد فيها اللاشيء ليصبح شيئاً، فقط لأنه وجد مرآة تعترف بوجوده وتعطيه شكلاً. إن قدرة المرآة على العكس ليست فعلاً سلبياً كما قد يبدو؛ بل هي إستجابة كونية. العدم يستجيب لمرآة الإرادة لأنه يجد فيها شبيهاً له في الفراغ والنقاء. السحر هنا هو عملية محاكاة؛ الساحر يحاكي العدم في صمته وخفائه، فيرد العدم بأن يحل في مرآة الساحر. القوة التي يراها العالم متجسدة في المعجزة أو التغيير هي الصورة المنعكسة للعدم في عالم المادة. وكلما كانت مرآة الإرادة أكثر صفاءً وإتساعاً، كان الإنعكاس أكثر دقة وقوة. السحر الحقيقي إذن هو فن الصقل الذهني لإنتاج مرآة لا تشوبها شائبة، قادرة على إستحضار جلال العدم وتنزيله في تفاصيل الوجود الصغير. إن الإرادة الساحرة ليست مطرقة تحطم الوجود، بل هي مرآة تكشف عن الفراغات الكامنة فيه. القوة لا تنبع من الإرادة، بل تمر عبرها. الساحر ليس خالقاً، بل هو عكسٌ مبدع لقدرات العدم اللانهائية. في هذه الحالة، تصبح الإرادة هي الأداة التي تحول صمت العدم إلى صوت الوجود، من خلال عملية إنعكاس ميتافيزيقية مذهلة تعيد تعريف الواقع في كل لحظة.
_ جراحة الخلاء: تضييق الوجود وإستدرار العدم عبر نصل التركيز المطلق
تُعد فكرة التركيز المطلق في الميتافيزيقا السحرية أكثر من مجرد تمرين ذهني؛ إنها عملية جراحة كونيّة تهدف إلى إعادة هيكلة الواقع حول نقطة مركزية. في هذا الإطار الفلسفي، لا يُنظر إلى التركيز كأداة لتقوية الإنتباه، بل كآلية لخنق الوجود في مساحة ضيقة جداً، مما يؤدي بالضرورة إلى إستدعاء العدم كقوة تعويضية أو كمادة خام تملأ الفجوات التي خلفها هذا التضييق. إن الساحر، من خلال التركيز، لا يرى الشيء بوضوح أكبر فحسب، بل هو يعزل الشيء عن شبكة علاقاته الوجودية، محولاً إياه إلى جزيرة محاطة بمحيط من اللاوجود. في الحالة الطبيعية، يتوزع ثقل الوجود على مدركاتنا الحسية المتعددة؛ نحن نرى، و نسمع، ونشعر بالزمن والمكان ككل متصل. هذا التوزع يحمي إستقرار الواقع. أما التركيز المطلق، فهو فعل عدواني ضد هذا الإستقرار؛ حيث يقوم الساحر بسحب وعيه من كل أبعاد الوجود المترامية و حشره في نقطة واحدة (Singularity). هذا التضييق يؤدي إلى ما يمكن تسميته بالإستنزاف الوجودي للمحيط. عندما يتلاشى العالم الخارجي من وعي الساحر، فإنه يتلاشى أنطولوجياً بالنسبة لتلك اللحظة السحرية. هذا الغياب المفاجئ للواقع المحيط يخلق فراغاً ضاغطاً حول النقطة المركزة. هنا يتدفق العدم، ليس لأنه إستُدعي بالإسم، بل لأن الوجود قد إنسحب من تلك المناطق، تاركاً خلفه ثقباً لا يمكن لغير العدم أن يشغله. عندما يضيق الوجود حول النقطة المرجوة، تصبح هذه النقطة هي الواقع الوحيد المتبقي. ولكن، لأن هذه النقطة قد عُزلت عن سياقها المحكوم بالسببية، الزمن، المكان، فإنها تبدأ في فقدان خواصها المادية الصلبة. التركيز المطلق يحول الشيء إلى كائن برزخي؛ فهو لا يزال موجوداً كصورة، لكنه أصبح خفيفاً كفاية ليسبح في بحر العدم الذي يحيط به الآن. في هذه اللحظة، يعمل التركيز كعدسة مكبرة تحرق نسيج الواقع في تلك النقطة تحديداً. العدم الذي يتاح من خلال هذا التضييق هو الذي يمنح الساحر القدرة على التغيير. بما أن المحيط أصبح عدماً، وبما أن المركز أصبح مرناً، فإن الإرادة الساحرة تستطيع الآن إعادة صياغة النقطة المرجوة دون مقاومة من القوانين الكونية، لأن القوانين تسكن في الكل الذي تم إلغاؤه، ولا تسكن في الجزء الذي تم عزله. تكمن المفارقة الكبرى في أن التركيز المطلق هو حالة من الإمتلاء الذهني الأقصى بموضوع واحد، ولكنه يؤدي إلى فراغ كوني أقصى في كل ما عداه. الساحر يملأ وعيه بالهدف لدرجة أنه لا يعود هناك مكان لأي شيء آخر. هذا الإمتلاء بالواحد هو الطريقة الوحيدة للإتصال باللاشيء. فلسفياً، عندما يصبح الواحد هو الكل، ينهار النظام الثنائي للوجود، ويبرز العدم كخلفية ضرورية لهذا الإنهيار. التدفق الذي نتحدث عنه هو تدفق الإمكانية المطلقة. العدم المتاح عبر التركيز هو المادة الأولية (Prima Materia) التي تسمح للشيء بأن يتجاوز ذاته. التركيز إذن ليس هدفاً في حد ذاته، بل هو وسيلة لتطهير مسرح العمليات من ضجيج الوجود المادي، لإفساح المجال أمام صمت العدم ليعمل عمله. إن تضييق الوجود هو عملية خطرة؛ فإذا نجح الساحر في إلغاء الوجود من حول النقطة، فإنه يخاطر بإلغاء نفسه أيضاً، لأن الساحر جزء من ذلك الوجود الذي يتم تضييقه. السيادة السحرية تكمن في القدرة على الوقوف على حافة النقطة دون السقوط فيها. الساحر يستخدم التركيز كنصل لشق حجاب الواقع، ومعرفة أن العدم الذي يتدفق من الشق هو الذي سيحقق الإرادة. القوة الساحرة هنا هي قوة الإنتقاء الأنطولوجي؛ أي القدرة على إختيار ما يبقى موجوداً وما يذوب في العدم. هذا هو التفسير الفلسفي لفعالية التركيز؛ إنه لا يقوي الإرادة فحسب، بل هو يخلق بيئة لا وجود فيها لغير الإرادة وموضوعها، مغمورين في سائل العدم الخلاّق. إن التركيز المطلق هو التقنية الفلسفية الأسمى لعزل و تضييق الكينونة. إنه الفعل الذي يحول الوجود من شبكة مترابطة إلى نقطة معزولة، مما يجعل الوجود ضعيفاً والعدم متاحاً. من خلال هذا التضييق، يفرض الساحر سلطانه؛ ففي غياب العالم المادي الشاسع، تصبح النقطة الصغيرة المتبقية خاضعة تماماً لقوة الإرادة التي تعيد تشكيلها بمداد من العدم الذي تم إستحضاره عبر الفراغ المحيط.
_ من الرعب إلى الرهبة: كيمياء تحويل الخوف إلى طاقة تشكيل كوني
تطرح إشكالية الخوف في مواجهة العدم واحدة من أكثر القضايا عمقاً في فينوتروبيا السحر؛ فهل الخوف هو عجز في الإرادة، أم أنه إستجابة أنطولوجية طبيعية تعكس إدراك الوعي لحجم المخاطرة عند الوقوف على حافة الفناء؟ في التحليل الفلسفي المعمق، نجد أن الخوف ليس مجرد إنفعال نفسي عابر، بل هو رادار وجودي يشير إلى أن الساحر قد لمس بالفعل حدود اللاشيء. لذا، فإن الخوف لا يُعد بالضرورة دليلاً على ضعف الإرادة، بل قد يكون دليلاً على يقظتها، إلا أن التحدي السحري يكمن في كيفية عبور هذا الخوف دون السماح له بكسر المرآة التي تعكس قوة العدم. في الفلسفة الوجودية، و تحديداً عند كيركغور و هايدغر، يُعتبر القلق أو الخوف الوجودي هو الحالة التي يواجه فيها الإنسان العدم وجهاً لوجه. بالنسبة للساحر، الخوف هو رد فعل الأنا (Ego) تجاه إحتمالية تلاشيها. الإرادة الساحرة تسعى لخلق ثغرات في الوجود، لكنها تدرك غريزياً أن العدم الذي يتدفق من هذه الثغرات لا يفرق بين الواقع الذي يريد الساحر تغييره وبين ذات الساحر نفسها. الخوف هنا هو صرخة الوجود داخل الساحر ضد خطر اللاوجود. لذا، فإن غياب الخوف تماماً قد لا يكون دليلاً على القوة، بل قد يكون دليلاً على الجهل بالخطر أو غياب الحساسية الميتافيزيقية. الإرادة العظيمة هي التي تشعر بالخوف وتدرك الخطر ثم تختار المضي قدماً في عملية التشكيل رغم ذلك. على الرغم من أن الخوف علامة على ملامسة العدم، إلا أنه من الناحية التقنية يمثل عائقاً أمام تدفق الإرادة. عندما يخاف الساحر، فإنه يبدأ في التمسك بالواقع المادي وبالهوية الشخصية كنوع من الدفاع. هذا التمسك هو نقيض عملية التخلية المطلوبة للتفاعل مع العدم. الخوف يخلق إهتزازاً في تركيز الإرادة؛ فبدلاً من أن تكون الإرادة نصلًا حادًا يثقب الوجود، تصبح إرادة مرتعشة تشتت القوة العائدة من العدم. في هذا السياق، يُعتبر الخوف دليلاً على عدم نضج الإرادة الساحرة، لا ضعفها الجوهري. الضعف هنا يكمن في عدم قدرة الإرادة على الحفاظ على ثباتها الأنطولوجي في منطقة السيولة المطلقة. الساحر الذي يغلبه الخوف هو من يغلق الثغرة قبل أوانها، خوفاً من أن يبتلعه الظلام الذي إستحضره. هناك تمييز فلسفي دقيق بين الخوف المشلّ وبين الرهبة المقدسة (Awe). الرهبة هي الإعتراف بجلال العدم وقوته دون الرغبة في الهروب منه. الإرادة الساحرة القوية هي التي تحول الخوف من طاقة نفور إلى طاقة إحترام و تركيز. إذا فشل الساحر في هذا التحويل، فإن العدم يشعر بهذا التردد؛ فالعدم، كما حللنا سابقاً، يعكس حالة الوعي. إذا إنعكس الخوف في مرآة العدم، فإن النتيجة ستكون فوضى مدمرة بدلاً من تشكيل مبدع. الخوف بهذا المعنى هو دليل على أن الساحر لا يزال يرى نفسه منفصلاً عن العدم، وأنه يراه كعدو أو كقوة خارجية، بينما السيادة السحرية تتطلب التماهي مع العدم لدرجة لا يبقى فيها خائف ولا مخيف. إن كل إرادة ساحرة تمر بما يسمى عبور الهاوية. الخوف هو الحارس الواقف على باب هذه الهاوية. الفشل في العبور بسبب الخوف هو دليل على أن الإرادة لا تزال بشرية، بشرية جداً، ومرتبطة بغريزة البقاء المادي. أما النجاح في العبور رغم الخوف، فهو ما يحول الساحر إلى وسيط كونِي. القوة الحقيقية للإرادة تتجلى في لحظة التسليم الواعي للعدم؛ حيث يقرر الساحر أن إرادته و العدم هما وجهان لعملة واحدة. في تلك اللحظة، يتبخر الخوف، ليس لأن الخطر زال، بل لأن الذات التي كانت تخاف قد توسعت لتشمل العدم نفسه. الخوف إذن هو المحك؛ إنه الإختبار الذي يفرز الإرادة التي تريد اللعب بالسحر، من الإرادة التي خُلقت لممارسته كفعل كوني. الخوف ليس وصمة عار في مسيرة الإرادة الساحرة، بل هو نقطة التحول الجوهرية. إنه الدليل على أن الساحر قد وصل إلى المنطقة الصفرية حيث يلتقي الوجود بالعدم. ضعف الإرادة لا يكمن في الشعور بالخوف، بل في الإنكسار أمامه. الساحر الحق هو من يحمل خوفه كمصباح يضيء له عظمة الفراغ، مستخدماً إرادته كحبل مشدود فوق هاوية العدم، مدركاً أن القوة التي تجعله يرتعد هي نفسها القوة التي ستعيد خلق عالمه.
_ اللمسة الرقيقة: فن زعزعة الوجود بأقل قدر من الإرادة الصافية
إن السؤال عن الحد الأدنى من الإرادة اللازم لإستحضار كيان من العدم يفتح باباً ميتافيزيقياً حول كمية الوعي مقابل نوعية الوجود. في الفلسفة الأنطولوجية للسحر، لا يُقاس فعل الجلب بالجهد العضلي أو الضجيج الذهني، بل يُقاس بمدى قدرة الإرادة على تحقيق نقطة التكافؤ مع العدم. إن إستحضار كيان بسيط سواء كان فكرة مجسدة، صورة ذهنية ذات أثر، أو مظهراً طاقياً يتطلب حداً أدنى لا يمكن التنازل عنه من التموضع المركز، وهو ما نسميه بالحد الأدنى الذي يفصل بين التمني وبين التكوين. الحد الأدنى من الإرادة ليس قوة ضاغطة، بل هو تردد توافقي. لكي ينفصل كيان ما عن سديم العدم ويدخل في حيز الوجود، يجب أن تمنحه الإرادة هوية أولية (Proto-Identity). الوجود هو نظام من القيود، والعدم هو إطلاق مطلق. لذا، فإن الحد الأدنى المطلوب هو القدرة على عقد العزم غير المهتز للحظة زمنية واحدة تسمى اللحظة الصفرية. في هذه اللحظة، يجب أن تكون الإرادة كافية لرسم حدود حول منطقة من العدم. إذا كانت الإرادة أقل من هذه العتبة، فإن الكيان يظل إمكاناً غارقاً؛ يبرز قليلاً ثم يبتلعه العدم مرة أخرى لعدم وجود غلاف إرادي يمسك به. الحد الأدنى هنا هو القدرة على فرض الإستمرارية على ما هو غير مستمر بطبعه. لكي ينجح هذا الجلب، يجب أن تحقق الإرادة الحد الأدنى من النقاء من الشوائب الوجودية. إذا كانت الإرادة مشوبة بالشك أو بإلتفات الذهن نحو المادة المحيطة، فإنها تتشتت، مما يجعل القوة الموجهة نحو العدم أقل من كتلة الواقع المادي الذي يقاوم دخول الكيان الجديد. الحد الأدنى المطلوب هو حالة من الوحدة القصدية؛ حيث يتحد الساحر بالكيان المراد جلبه لدرجة التماهي. في هذه الحالة، لا تعود الإرادة تبحث عن الكيان في العدم، بل تسمح له بالبزوغ من خلالها. هذا الحد الأدنى يتطلب إيقاف كافة العمليات الذهنية الأخرى، و تحويل كامل ثقل الوعي إلى ثقب إبري واحد. هذا الثقب هو الذي يحدد حجم الكيان البسيط؛ فكلما صغر الكيان، زادت الحاجة إلى حدة التركيز لا إلى حجمه. في سياق التفاعل مع العدم، غالباً ما يكون الحد الأدنى من الإرادة هو الإرادة في أصفى صورها، والتي قد تبدو للناظر كأنها لا إرادة. القوة الغاشمة تحرك المادة، لكن اللمسة الرقيقة هي التي تفتح الثغرات. الجلب من العدم يشبه صيد سمكة في ماء عكر؛ التحرك بعنف يهرب السمكة، لكن الثبات المطلق مع توجيه دقيق هو ما يحقق الغرض. الحد الأدنى المطلوب هو القرار الأنطولوجي؛ وهو قرار يصدر من مركز الكيان لا من العقل التحليلي. هذا القرار يخبر العدم بأن؛ هذا الشيء يجب أن يكون. و بمجرد صدور هذا القرار بصدق وتجرد كاملين، يبدأ العدم في التدفق عبر القالب الذي رسمته الإرادة. الفشل في تحقيق هذا الحد الأدنى يعني أن الساحر لم يقرر بعد، بل هو يقترح فقط، و العدم لا يستجيب للمقترحات. بمجرد عبور الكيان من العدم إلى الوجود، تظهر حاجة الإرادة إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الدعم (Vital Support). الكيان البسيط المستجلب حديثاً يكون هشاً، ويميل بطبيعته للعودة إلى حالة السكون وإحتضان العدم مرة أخرى. الحد الأدنى المطلوب هنا هو الإعتراف المستمر بوجوده. الإرادة تعمل كمرساة؛ فإذا غفل الساحر عن الكيان أو فقد تركيزه عليه قبل أن يكتسب الكيان زخماً وجودياً ذاتياً، فإنه سيتلاشى. لذا، الحد الأدنى ليس مجرد لحظة الجلب، بل هو نفس ميتافيزيقي طويل يمد الكيان بالحرارة اللازمة ليتصلب في نسيج الواقع المادي. الحد الأدنى من الإرادة لجلب كيان بسيط ليس كمية من الطاقة، بل هو جودة من الوعي قادرة على رسم دائرة حول اللاشيء وتحويله إلى شيء. إنه يتطلب الوصول إلى حالة من السكينة القاطعة التي تخترق ضجيج الوجود لتصل إلى صمت العدم. السحر في جوهره هو إقتصاد في القوة؛ فبأقل قدر من الإرادة الصافية، يمكن زعزعة أعظم أركان الوجود، شريطة أن تكون هذه الإرادة قد بلغت درجة الشفافية التي تجعلها مرآة صادقة لقوة العدم الخلاقة.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟