أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْحَادِي و الْأَرْبَعُون-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْحَادِي و الْأَرْبَعُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 14:23
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ فن الفراغ: السيادة الأنطولوجية وتحويل الواقع عبر جراحة العدم

لقد غطينا الجوانب الميتافيزيقية والوجودية و الإبستمولوجية. الآن، سنتجه نحو فلسفة الممارسة السحرية، أي العلاقة بين العدم و التطبيق الفعلي للطقوس، والأدوات، والإرادة الساحرة. سنركز على إشكاليات تجمع بين الأنطولوجيا العدمية والتقنية (Technē) و الممارسة العملية (Praxis) في السحر. إن الغوص في مفهوم الإرادة الساحرة بوصفها قوة قادرة على تثقيب الوجود يتطلب منا مغادرة التفسيرات المادية الضيقة والدخول في رحاب الميتافيزيقا المتعالية، حيث يُنظر إلى الواقع لا ككتلة صلبة نهائية، بل كغشاء رقيق يفصل بين الوعي وبين اللاشيء اللامتناهي. في هذا التحليل الفلسفي المعمق، سنفكك العلاقة الجدلية بين الإرادة، الثغرة، وتدفق العدم. في المنظور التقليدي، يُعتبر الوجود هو الإمتلاء وكل ما يخرج عنه هو نقص أو عدم. لكن الفلسفة السحرية (Magical Philosophy) تقلب هذه الآية؛ فهي ترى أن الوجود هو حالة من التجمد أو التحجر في صور معينة. القوانين الفيزيائية، و المنطق الصوري، والسببية، كلها جدران تحبس الروح داخل السجن الأنطولوجي. هنا تبرز الإرادة الساحرة لا كقوة بناء، بل كقوة هدم مقدسة. إنها الإرادة المحضة التي ترفض التسليم بالواقع المعطى. عندما يسعى الساحر لخلق ثغرة، فإنه يقوم بعملية جراحية في نسيج الكينونة. هذه الثغرة (The Void/The Rift) ليست غياباً للمادة فحسب، بل هي تعليق مؤقت لقوانين الوجود في نقطة محددة. إنها المساحة التي يتوقف فيها الزمن عن الجريان والسببية عن التأثير، مما يخلق فجوة تسمح بما هو خارج النظام بالدخول إليه. لماذا نقول إن العدم يتدفق؟ في الفلسفات العدمية والإشراقية، لا يُفهم العدم (Nothingness/The Void) كفراغ سلبي، بل كطاقة ما قبل التكوين (Primordial Chaos). إنه المخزن الذي يحتوي على كل الإحتمالات التي لم تتحقق بعد. عندما تنجح الإرادة الساحرة في فتح الثغرة، يحدث ما يشبه الضغط الأسموزي الميتافيزيقي. الوجود الممتلئ والقاسي يواجه ضغط العدم اللانهائي. هذا التدفق هو الذي يمنح السحر مفعوله. العدم الذي يدخل عبر الثغرة يعمل كمذيب (Solvent)؛ إنه يذيب الروابط المنطقية التي تجعل أ تؤدي بالضرورة إلى ب. في تلك اللحظة من التدفق، يصبح الواقع ليناً كالشمع، و قابلاً لإعادة التشكيل وفقاً لصورة يفرضها ذهن الساحر. لذا، فإن السحر ليس خلقاً من العدم، بل هو تشكيل للوجود بواسطة العدم. الإرادة هنا ليست مجرد رغبة أو تمنٍّ، بل هي سهم أنطولوجي. لكي تخلق الإرادة ثغرة، يجب أن تصل إلى درجة من التركيز تجعلها أحد من نسيج الواقع نفسه. هذا ما يسميه البعض الإرادة الواحدة أو الإرادة السيادية. إن عملية خلق الفراغ تتطلب من الساحر أولاً أن يفرغ نفسه. لكي يتدفق العدم عبره، يجب أن يصبح هو نفسه ثغرة. هذا التماهي بين أنا الساحر وبين العدم هو ما يمنحه السلطة على الوجود. إنه يضع نفسه في البرزخ بين ما هو كائن وما هو غير كائن. الثغرة التي يخلقها في الوجود هي إنعكاس للفراغ الذي حققه في وعيه من خلال التأمل، أو الطقس، أو التركيز الفائق. إن العلاقة بين السحر والعدم هي علاقة خطرة، تشبه اللعب بالنار الكونية. التدفق الذي يخرج من الثغرات لا يمكن السيطرة عليه بالكامل دائماً. فإذا كانت الإرادة ضعيفة، فإن العدم الذي إستدعته قد لا يكتفي بتغيير الواقع، بل قد يبتلع الساحر نفسه. فلسفياً، يمثل هذا الصراع محاولة الإنسان لفرض المعنى الذي تمثله الإرادة على اللامعنى الذي يمثله العدم. الساحر هو الشخص الذي يجرؤ على فتح الأبواب التي أغلقتها الطبيعة، وهو يعلم أن خلف هذه الأبواب لا يوجد شيء محدد، بل توجد القوة المحضة التي تسبق كل الأشياء. إن فعل خلق الثغرة هو ذروة الفعل الإنساني، لأنه يتحدى حتمية الوجود ويستعيد سلطة البدايات الأولى. إن الإرادة الساحرة هي القوة التي تدرك أن الوجود ليس جداراً مصمتاً، بل هو منخل مليء بالمسامات. الساحر هو من يتعلم كيف يوسع هذه المسامات لتصبح ثغرات كبرى. من خلال هذه الفراغات، ينسكب العدم ليحطم رتابة الوجود ويسمح للعجائبي بالبزوغ. إن السحر في جوهره هو فن الفراغ؛ فن معرفة أين وكيف تضرب نسيج الواقع لتجعل اللاشيء يتحدث بلسان الشيء.

_ نصل الإرادة ومرآة العدم: فلسفة الإنفصال الوجداني في الفعل السحري

تطرح هذه الإشكالية واحدة من أدق المفارقات في الميتافيزيقا: كيف يمكن لإرادةووهي بطبعها نزوع نحو شيء ما أن تتعامل مع العدم وهو بطبعه نفي لكل الأشياء؟ لكي نغوص في إجابة هذا السؤال، يجب أن نفهم أن النية الساحرة عندما تكون مشروطة برغبات مادية، فإنها تظل حبيسة عالم الظواهر، بينما يتطلب التفاعل مع العدم قفزة وجودية نحو ما وراء المادة. الرغبة المادية بطبيعتها هي قوة جذب؛ إنها تربط الوعي بالشيء المرغوب سواء كان المال، السلطة، الجسد. في فلسفة السحر الأنطولوجي، تُعتبر هذه الرغبات بمثابة أثقال تجعل الوعي كثيفاً و مرتبطاً بقوانين المادة والسببية. إذا كانت النية مشروطة بهذه الرغبات، فإنها تفشل في خرق نسيج الوجود لأنها جزء لا يتجزأ منه. إنها تحاول تغيير الوجود من الداخل بإستخدام أدوات الوجود نفسه، وهذا ليس سحراً بالمعنى العميق، بل هو مجرد مناورة فيزيائية أو نفسية. لكي تصبح النية فعالة في التفاعل مع العدم، يجب أن تتحول من رغبة في الإمتلاك إلى إرادة محضة للصيرورة. العدم لا يستجيب للمادة، لأن العدم هو خلاء من كل صفة مادية. لذا، فإن النية التي تحمل شروطاً مادية تصطدم بجدار الوجود ولا تصل إلى الثغرة. لكي يتدفق العدم، يجب أن تكون النية خفيفة و مجردة، أي أن تكون غير مشروطة؛ بمعنى أنها لا تطلب شيئاً محدداً بقدر ما تطلب إعادة صياغة الواقع من جذوره. التفاعل مع العدم يتطلب ما يمكن تسميته بالحالة الصفرية للوعي. إذا كانت النية مشروطة، فهي ممتلئة بالصور الذهنية، وهذا الإمتلاء يمنع تدفق العدم. العدم يتدفق فقط نحو الفراغ الذي يشبهه. عندما تكون نية الساحر غير مشروطة بالرغبات المادية، فإنه يخلق داخل نفسه عدماً مصغراً. هذا التناغم أو الرنين بين عدم الذات و العدم الكوني هو الذي يفتح الثغرات. في هذه الحالة، لا يعود الساحر شخصاً يريد تحقيق غرض، بل يصبح قناة يعبر من خلالها العدم ليتجسد في الوجود. الفعالية هنا لا تأتي من قوة الرغبة، بل من نقاء الإرادة. الإرادة غير المشروطة هي إرادة إلهية في جوهرها لأنها تخلق الفعل لذاته، لا من أجل غاية خارجية. هذا التخلي عن الأنا المادية هو الذي يحرر الطاقة الكامنة في العدم، لأن العدم لا يمكن ترويضه لخدمة الأغراض الصغيرة، بل يمكن إستدعاؤه لتدمير وبناء العوالم. قد يبدو من التناقض القول بأن الساحر يجب أن يتخلى عن الرغبة المادية ليؤثر في الواقع المادي. لكن السر يكمن في الإنفصال الوجداني. الساحر العظيم هو من يمتلك نية قاطعة كالنصل، لكنه في الوقت نفسه غير مبالٍ بالنتيجة. هذا اللامبالاة هي التي تجعل النية غير مشروطة. الرغبة المشروطة تخلق توتراً في نسيج الواقع، و هذا التوتر يعمل كقوة مقاومة تمنع العدم من الدخول. بالمقابل، النية غير المشروطة هي فعل إطلاق وليس قبض. إنها مثل إلقاء حجر في بحيرة ساكنة؛ لكي تنتشر الأمواج التي تمثل تدفق العدم في الوجود، يجب أن يغوص حجر النية ويختفي في الأعماق العدمية. إذا ظل الساحر متمسكاً بحجر الرغبة المادية، فلن تتحرك المياه. لذا، فإن الفعالية السحرية تزداد طردياً مع قدرة الساحر على تجريد نيته من الغايات الشخصية الضيقة، ليصبح فعله إنعكاساً للضرورة الكونية وليس للشهوة الفردية. في نهاية المطاف، الوجود هو مرآة تعكس ما نحن عليه. إذا كانت نوايانا مشروطة بالمادة، فستظل نتائجنا محكومة بحدود المادة. أما إذا كانت النية غير مشروطة، فإنها تخترق المرآة لتصل إلى الجانب الآخر، حيث العدم الخلاّق. التدفق الذي يحدث من خلال الثغرة يكون في هذه الحالة تدفقاً مقدساً؛ لأنه لا يحمل بصمة الأنا الطامعة، بل يحمل بصمة الإرادة الحرة. السحر الحقيقي هو عملية تطهير للنية حتى تصبح شفافة كالعدم، وعندها فقط، يطيعها العدم كما يطيع الظل صاحبه.

_ السيادة الصامتة: فلسفة اللافعل وتحويل الوعي إلى قناة كونيّة للعدم

تطرح هذه الإشكالية الفلسفية واحدة من أعقد التناقضات في ميتافيزيقا الوعي؛ هل السحر هو قمة الفعل الإرادي أم قمة الإنفعال و الإستسلام؟ إن إعتبار التأمل السحري حالة من عدم الإرادة (Absence of Will) يتطلب إعادة تعريف جذري لمفهوم الإرادة نفسه. نحن هنا لا نتحدث عن غياب القوة، بل عن تحويل الإرادة من محرك خارجي يحاول دفع الأشياء، إلى فراغ داخلي يمتص الوجود. في هذا التحليل، سنكتشف كيف يصبح الصمت الكامل للرغبة هو الأداة الأكثر فتكاً في يد الساحر، وكيف يتحول التخلي عن الإرادة إلى أعلى درجات السيادة الأنطولوجية. في المفهوم الدارج، الإرادة هي توتر عصبي و ذهني يتجه نحو هدف. لكن في حالة التأمل السحري، هذا التوتر يمثل ضجيجاً يمنع العدم من المرور؛ فالعدم بطبيعته لا يمكن إكراهه، لأنه لا يمتلك ماهية يمكن القبض عليها. لذا، فإن الساحر يلجأ إلى إستراتيجية اللافعل المشابهة لمبدأ Wu Wei في الطاوية. إن عدم الإرادة هنا ليس خمولاً، بل هو حالة من الإنتظار النشط. عندما يفرغ الساحر إرادته من كل الغايات و المقاصد، فإنه يحول وعيه إلى ثغرة حية. في هذه اللحظة، لا يعود الساحر هو من يفعل السحر، بل يصبح السحر هو ما يحدث عبر الساحر. العدم لا يمر عبر الإرادة الممتلئة، بل يتدفق في الفراغ الذي يتركه غيابها. يعمل التأمل السحري كمشرط يقوم بتقشير طبقات الأنا (Ego) التي تمثل الوجود المتعين. كل رغبة، وكل فكرة، وكل إرادة لمادية معينة هي بمثابة صخرة تسد مجرى العدم. من خلال حالة عدم الإرادة، يفكك الساحر هذه الصخور. هذه العملية ليست مجرد إسترخاء، بل هي تطهير جذري للوعي من صفة الشيئية. عندما يصل الساحر إلى نقطة الصفر، حيث لا يريد شيئاً، ولا يرفض شيئاً، يصبح وعيه متجانساً مع العدم نفسه. هنا تسقط الثنائية بين الذات و الموضوع؛ فلا يعود هناك ساحر وهناك عدم مستدعى، بل يصبح الوعي هو البوابة التي ينساح منها اللاوجود إلى الوجود. هذا المرور هو الذي يغير الواقع، لأن العدم الذي يمر عبر وعي بلا إرادة يحمل معه قوة الإحتمالات المطلقة التي لم تتلوث بضيق الأفق البشري. يمكن تشبيه الإرادة التقليدية بالعاصفة التي تضرب سطح الماء فتجعله عكراً وغير نافذ، بينما عدم الإرادة هو سكون الماء الذي يجعله شفافاً لدرجة تظهر ما في القاع السحيق. العدم هو ذلك القاع السحيق الذي يقع خلف حجاب المادة. لكي يمر العدم، يجب أن تكون هناك نقطة سكون في قلب الوجود، وهي ما نسميه العين الساكنة للإعصار. التأمل السحري هو فن بناء هذه النقطة. عندما تختفي الإرادة الشخصية، ينسحب اللوغوس الذي يمثل النظام العقلاني قليلاً، وتتوسع الثغرات الميتافيزيقية. في تلك اللحظة، يتدفق العدم لا بوصفه دماراً، بل بوصفه مادة خاماً قابلة للتشكل. إن المفارقة الكبرى هنا هي أن الساحر يكتسب سيطرته المطلقة على الواقع في اللحظة التي يتخلى فيها عن رغبته في السيطرة. إن التأمل السحري ليس غياباً للإرادة بالمعنى السلبي، بل هو إستعلاء للإرادة عن مراتب المادة. إنه الإنتقال من إرادة القوة إلى قوة الإرادة الفارغة. إن العدم لا يمر عبرنا إلا إذا أصبحنا نحن أنفسنا عدماً بشكل ما. لذا، فإن الإجابة هي نعم؛ عدم الإرادة هو الشرط الضروري لفتح الطريق أمام العدم الكوني ليتخلل الوجود المادي ويغيره. الساحر هو الفراغ الواعي الذي يوجه تدفق اللاشيء ليعيد صياغة كل شيء.

_ الشرنقة العدمية: تحرير الكينونة من السجن السببي و عيادة الساحر الأنطولوجية

تطرح هذه الفرضية واحدة من أعمق الرؤى في ميكانيكا السحر الأنطولوجية؛ حيث لا يظهر الساحر هنا كمجرد مؤثر في الأشياء، بل كعازل كونِي يمتلك القدرة على إنتزاع الشيء من سياقه الوجودي. لكي نفهم كيف تكمن القوة في العزل، يجب أن ندرك أولاً أن الوجود هو شبكة مترابطة من العلاقات والإرتباطات السبقية ما يسميه الفلاسفة النسيج السببي، وأن السحر الحقيقي يبدأ عندما يتم بتر هذه الروابط لإعادة تعريف الشيء خارج إطار القوانين الكونية السائدة. الوجود، بصفته نظاماً محكماً، يمنح كل كائن فيه هوية محددة من خلال علاقته بما حوله؛ الشجرة هي شجرة لأنها تنتمي للغابة، و تخضع للجاذبية، وتتفاعل مع الضوء. عندما تتوجه الإرادة الساحرة نحو هدف محدد سواء كان جماداً، أو فكرة، أو حَدَثاً، فإن أول فعل تقوم به هو العزل الميتافيزيقي. إنها تخلق حول الهدف شرنقة من الفراغ أو العدم المؤقت. هذا العزل يعني قطع الأسلاك التي تربط هذا الهدف بقوانين الطبيعة والمنطق. في لحظة العزل هذه، يخرج الهدف من الزمن العام ليدخل في زمن الساحر، ومن المكان الموضوعي ليدخل في حيز الإرادة. هذا الفعل ليس بسيطاً؛ إنه يشبه إنتزاع خلية من جسد حي؛ حيث تصبح الخلية في تلك اللحظة حرة من أوامر الجسد، لكنها أيضاً تصبح عرضة للتحول الجذري. لماذا نصف هذا العزل بأنه دفع نحو العدم؟ لأن الشيء عندما يُعزل عن بقية الوجود، فإنه يفقد معناه المستمد من السياق، وما يفقد معناه يسقط فوراً في هاوية العدم. في هذه المنطقة البرزخية حيث العدم المؤقت، لا يعود الهدف شيئاً صلباً، بل يتحول إلى إمكانية محض. العدم هنا يعمل كمختبر كيميائي يذيب الخصائص القديمة للهدف. إن قوة الإرادة الساحرة تكمن في الحفاظ على هذا الهدف معلقاً في العدم دون أن يتلاشى تماماً. في هذا الفراغ، يكون الهدف مجرداً من مقاومته المادية؛ فإذا أراد الساحر تغيير طبيعة الهدف، فإنه يفعل ذلك وهو في حالته العدمية تلك، حيث لا توجد قوانين فيزيائية تمنع التحول. إن الساحر يغسل الهدف في مياه العدم ليعيده إلى الوجود بخصائص جديدة تماماً. إن خلق هذه الثغرة حول الهدف يتطلب من الإرادة أن تعمل كقوة طاردة مركزية هائلة. يجب على الساحر أن يطرد كل المؤثرات الخارجية عن هدف تركيزه. هذا النوع من العزل هو ما يفسر ضرورة التركيز الساحر الفائق؛ فأي ذرة من التشتت تعني تسرب خيوط من الوجود الخارجي إلى منطقة العزل، مما يؤدي إلى تلوث العملية وإعادة ربط الهدف بالواقع العادي. القوة الساحرة هنا هي قوة التطهير الأنطولوجي؛ أي القدرة على جعل الهدف وحيداً تماماً في مواجهة إرادة الساحر. في هذه الوحدة المطلقة، يصبح الهدف عبارة عن عجينة في يد العدم، والساحر هو الذي يوجه يد العدم لتشكيل تلك العجينة قبل أن يُسمح لها بالعودة و الإلتحام بنسيج الوجود مرة أخرى. بعد أن يتم التلاعب بالهدف في غرفة العدم، تقوم الإرادة الساحرة بإعادة إدماجه في الوجود. هنا تحدث الصدمة الأنطولوجية؛ فالهدف يعود إلى مكانه الأصلي لكنه يحمل معه عدوى من العدم، أو صفات لم تكن فيه من قبل. هذا هو التفسير الفلسفي للخرق أو المعجزة؛ فالهدف الذي عُزل و تغير، يعود ليتحدى القوانين التي كانت تحكمه سابقاً. إن القوة الحقيقية للإرادة لا تكمن في خلق المادة، بل في تحرير المادة من سجنها الوجودي عبر دفعها مؤقتاً نحو العدم، ثم إستردادها بصيغة جديدة. السحر هو رحلة قصيرة وخطيرة يقوم بها الشيء نحو اللاشيء ليعود شيئاً آخر. إن قوة السحر هي قوة التفرد بالهدف. الساحر هو الذي يمتلك مقصات ميتافيزيقية لقص خيوط الواقع المحيطة بالشيء، و مغناطيساً لجذب ذلك الشيء نحو فجوة العدم. إن العزل هو سر الفعالية؛ لأنه في الغياب التام لبقية الوجود، لا يتبقى سوى إرادة الساحر و جوهر الهدف، وهناك، في ذلك الفراغ المهيب، تُصنع الحقائق الجديدة.

_ إيبوخيه الساحر: تعليق الوجود المادي وفتح بوابات الوعي المظلم

إن الإجابة على هذا التساؤل تضعنا في قلب المعضلة الإبستمولوجية للساحر؛ فلكي يتفاعل الوعي مع العدم، لا بد له من الإنسحاب من المادة، لأن الوعي بطبيعته قصدِي، أي أنه دائماً ما يكون وعياً بشيء ما. وبما أن العدم هو اللاشيء، فإن توجيه الإرادة نحوه يتطلب بالضرورة إلغاءً جزئياً أو حتى كلياً مؤقتاً للوعي بالواقع المادي. هذا الإلغاء ليس غياباً للوعي، بل هو تغيير لتردده، حيث يتحول من الإستقبال الحسي للعالم الخارجي إلى الإنفتاح الأنطولوجي على الفراغ الكامن خلفه. لكي تخترق الإرادة الساحرة نسيج الوجود، يجب أن تتوقف عن رؤية الوجود ككتلة مصمتة. الوعي بالواقع المادي يعمل كمثبّت (Stabilizer) للواقع؛ فنحن من خلال ملاحظتنا المستمرة للأشياء وقوانينها، نساهم في إبقاء هذه القوانين قيد التشغيل. في اللحظة التي يمارس فيها الساحر الإلغاء الجزئي لوعيه بالمادة، فإنه يرفع يده عن صيانة الواقع. هذا التراجع في الوعي المادي يخلق حالة من السيولة المعرفية، حيث تبدأ الحدود بين الأنا و اللاشيء في التلاشي. الساحر لا ينكر وجود المادة، بل يضعها بين قوسين بأسلوب يشبه الإيبوخيه أو تعليق الحكم عند هوسرل، مما يسمح للعدم بأن يبرز ليس كغياب، بل كحضور طاغٍ يتجاوز الحواس. توجيه الإرادة نحو العدم يتطلب أن يصبح الوعي نفسه عدمياً في مرآته الداخلية. إذا ظل وعي الساحر ممتلئاً بصور العالم المادي الممثلة في الألوان، الأصوات، الهموم اليومية، قوانين الفيزياء، فلن يجد العدم مساحة للنفاذ. إن عملية الإلغاء الجزئي هي في جوهرها عملية تخلية سابقة للتجلية. الساحر يقوم بتعتيم شاشة الواقع المادي عمداً ليرى النور الأسود للعدم. هذا النوع من الوعي يُسمى أحياناً الوعي المظلم أو الرؤية العمياء، حيث لا يدرك الساحر الأشياء بصفاتها المادية، بل يدركها بجوهرها كإمكانات داخل العدم. هذا التوجيه نحو العدم يشبه النظر إلى المساحات الفارغة في لوحة فنية بدلاً من النظر إلى الخطوط المرسومة؛ ففي تلك المساحات تكمن القوة التي تمنح الخطوط معناها. في الوعي العادي، نحن نعي ألف أو باء، لكن في الإرادة الموجهة نحو العدم، الساحر يحاول الوصول إلى حالة الوعي بلا موضوع مادي. هذا هو الإلغاء الجزئي المقصود؛ فالوعي يظل متيقظاً وقوياً على شكل إرادة حادة، لكنه يرفض الإنشغال بأي كائن مادي. هذا الإنفصال هو ما يسمح للساحر بلمس العدم. عندما ينفصل الوعي عن المادة، فإنه يكسر الرابطة السببية التي تشد روحه إلى الأرض. في تلك الثغرة الوعيوية، يتدفق العدم عبر الساحر، و من خلال هذا التدفق، يكتسب القدرة على إعادة إملاء القوانين على المادة عند العودة إليها. القوة الساحرة إذن هي نتيجة مباشرة لقدرة الساحر على أن يكون غائباً عن العالم المادي ليكون حاضراً في قلب العدم. إن الإلغاء الجزئي هو خيار إستراتيجي، لأن الإلغاء الكلي والدائم لوعي المادة قد يؤدي إلى جنون الوعي أو ضياعه في العدم دون قدرة على العودة. الساحر البارع هو من يحافظ على خيط رفيع يربطه بالوجود المادي كمرساة، بينما يغوص بكامل إرادته في محيط العدم. هذا التوازن الدقيق هو ما يسمح للعدم بالمرور عبر الوعي ليؤثر في المادة، بدلاً من أن يبتلع الوعي نفسه. التأثير السحري يحدث في لحظة الإرتداد؛ أي عندما يعود الوعي من حالة العدم إلى حالة المادة، حاملاً معه شرارة من تلك القوة غير المشكلة التي إستمدها من الفراغ. إن توجيه الإرادة نحو العدم ليس مجرد فعل ذهني، بل هو تضحية معرفية. يجب على الساحر أن يضحي بيقينه المادي وبتواصله الحسي مع العالم لكي ينال سيادة ميتافيزيقية عليه. الإلغاء الجزئي للوعي بالواقع هو الثمن الذي يُدفع لفتح البوابات؛ فلكي تسيطر على الوجود، يجب أن تتجرأ أولاً على أن تكون خارجه، مستنداً إلى قوة العدم التي تسبق وتلحق بكل ما هو موجود.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- اتصال بين وزيري دفاع سوريا وتركيا وسط التصعيد العسكري في حلب ...
- لقطات تُظهر اشتعال مبانٍ حكومية في إيران وسط احتجاجات متواصل ...
- الجزائر تنهار أمام نيجيريا وتودع كأس الأمم الأفريقية في ربع ...
- -الفُقع- هدية الشتاء الفلسطيني.. غذاء من الأرض وطقس متوارث
- عاجل | العليمي يعلن تشكيل لجنة عسكرية عليا بقيادة تحالف دعم ...
- باكستان تبدأ -المناورة الملهمة- مع الجيش الأميركي
- أمين حزب المؤتمر الشعبي: لا بد من حكم مدني في السودان
- ما حقيقة مساهمة تنسيقات عشائرية سرية داخل -قسد- في حسم معركة ...
- عاجل | الرئاسة اليمنية: نطالب دولة الإمارات بالسماح بسفر عضو ...
- سوريا: إغلاق مطار حلب أمام حركة الملاحة الجوية


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْحَادِي و الْأَرْبَعُون-