حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 21:35
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ سونار العدم: الرنين كبوصلة في محيط اللاشيء
في الفلسفة السحرية العليا، لا يُستخدم الصوت أو الرنين مثل رنين الأجراس أو التراتيل الرتيبة كأداة لملىء الفراغ أو طرد الصمت، بل يُوظف كرادار أنطولوجي ووسيلة لقياس عمق وإتساع العدم داخل الدائرة المقدسة. عندما يقرع الساحر الجرس، فإن الموجة الصوتية المنبعثة لا تتحرك في هواء عادي، بل تصطدم بكثافة العدم التي إستحضرتها الطقوس السابقة. إن الطريقة التي يخبو بها الصوت أو ينعكس بها الرنين داخل الدائرة تعطي الساحر مؤشراً حسياً على مدى نجاحه في ترقيق الحاجز الوجودي. فإذا كان الرنين جافاً وقصيراً، فإن الواقع المادي لا يزال مهيمناً؛ أما إذا إستمر الرنين في التموج بشكل غير طبيعي أو بدا وكأنه يغوص في بئر لا قاع لها، فإن ذلك يعني أن العدم قد بدأ فعلياً في إبتلاع أبعاد المكان، محولاً الدائرة إلى فجوة لانهائية. الصوت هنا يعمل كمسار صوتي (Sonar) يستكشف حدود اللاشيء، حيث يصبح الصدى هو المقياس الوحيد للمسافة في مكان لم تعد فيه المسافات المادية قائمة. يعمل الرنين كآلية لتحديد إحداثيات الفراغ من خلال مبدأ التداخل الإهتزازي؛ فكل جرس أو ترتيلة تطلق تردداً محدداً يمثل الوجود، وعندما يتقاطع هذا التردد مع العدم الذي هو السكون المطلق، ينشأ ما يمكن تسميته بالكسور الصوتية. هذه الكسور تسمح للساحر بإدراك حجم العدم المحتوي داخل الدائرة. إن التراتيل، بتكرارها الهندسي، لا تهدف إلى خلق معنى لغوي بقدر ما تهدف إلى خلق شبكة إهتزازية ترسم معالم الفراغ. إذا كان العدم هو المحيط المظلم، فإن الصوت هو الحجر الذي يُلقى فيه؛ ومن خلال مراقبة الإهتزازات التي تتخذ أشكالًا من الدوائر المنبعثة، يستطيع الساحر تقدير مدى سيولة الواقع في تلك اللحظة. إن الصوت هنا لا يحتل المساحة، بل يحددها، محولاً العدم من حالة من الغموض المطلق إلى حالة من الفراغ القابل للقياس. هذا القياس ضروري لأن الساحر لا يمكنه التحكم فيما لا يدرك أبعاده؛ لذا فإن الرنين يمنح العدم شبحاً من الشكل، مما يسمح للإرادة بأن تضرب ضربتها في النقطة الأكثر هشاشة داخل هذا الإتساع. بتحليل أعمق، نجد أن الرنين في الطقس السحري يعمل كحوار بين الوجود و العدم؛ حيث يمثل الصوت السؤال ويمثل صمت العدم الجواب. عندما ينطق الساحر بترتيلة معينة، فإنه يراقب كيف يقوم العدم بإمتصاص هذا الصوت. في الفيزياء التقليدية، يتبدد الصوت في المادة، ولكن في الفيزياء السحرية، يتم إستهلاك الصوت من قبل العدم داخل الدائرة. إن سرعة هذا الإمتصاص ونوعية التردد الباقي (Overtones) تكشف عن درجة رقة الحجاب في ذلك الموقع السحري. إذا بدا الصوت وكأنه يرتد من جهات متعددة في آن واحد، فهذا يعني أن المكان قد فقد مركزيته وأن الساحر يقف الآن في نقطة التقاطع المطلقة حيث يتداخل العدم مع كل الأبعاد. الرنين هنا لا يملأ الفراغ، بل يعمل كمرشح (Filter) يزيل الشوائب المادية من الوعي، تاركاً فقط الصدى الأنطولوجي الذي يربط الساحر بجوهر الوجود ما قبل الكلمة. إن قياس إتساع العدم بالصوت هو في الحقيقة قياس لمدى تحرر الساحر نفسه من قيود المادة. في ذروة الطقس، تصل العلاقة بين الصوت والعدم إلى مرحلة من التناقض الصارخ؛ حيث يبدأ الصمت نفسه بالإهتزاز نتيجة الرنين المتراكم. هذا هو صوت العدم الذي لا يُسمع بالأذنين، بل يُدرك عبر الجسد الأثيري. الأجراس والتراتيل هنا تعمل كمحفزات (Catalysts) لدفع العدم إلى النطق. عندما يصل الرنين إلى درجة معينة من الكثافة، فإنه يتوقف عن كونه صوتاً ويتحول إلى ضغط وجودي. هذا الضغط هو المقياس النهائي لإتساع العدم؛ فكلما كان العدم أوسع، كان الضغط الناتج عن الرنين أكثر خفة و تسامياً. إن الساحر يستخدم الرنين لجس نبض الفراغ، متأكداً من أن القوة التي يستحضرها ليست محبوسة في شكل ضيق، بل هي منفتحة على اللانهائي. إن التكامل بين رنين الأجراس و ظلام المكان يخلق حالة من السينستيزيا (تراسل الحواس)، حيث يصبح الصوت هو المسافة ويصبح الظلام هو التردد، مما يتيح للساحر الإبحار في محيط العدم دون أن يفقد إتجاهه، مستخدماً كل رنة جرس كفنار يهدي إرادته وسط ليل اللاشيء المطلق.
_ ندبة الفراغ على وجه الزمن: فلسفة الأثر السحري كشهيق كوني
يحدث إنتقال الأثر السحري من منطقة العدم إلى الواقع المادي عبر عملية تُعرف فلسفياً بالتكثيف الأنطولوجي (Ontological Condensation)؛ وهي اللحظة الحرجة التي تلي إغلاق البوابة مباشرة، حيث ينسحب اللاشيء تاركاً خلفه بصمة أو ندبة في نسيج الوجود. عندما يتم إغلاق الثغرة الوجودية، لا يتلاشى ما حدث داخل الدائرة، بل يُطرد بقوة نحو الخارج نتيجة العودة المفاجئة للضغط الوجودي المعتاد. العدم، الذي كان يسكن الدائرة بفضل الصمت و الرنين، يُضغط فجأة داخل قالب الإرادة الذي صاغه الساحر. هذا الإنتقال يشبه تحول البخار إلى قطرات ماء عند ملامسته لسطح بارد؛ فالفكرة السحرية التي كانت تهيم في الفراغ كإحتمال محض، تضطر عند إغلاق البوابة إلى التجسد لكي تجد لنفسها مكاناً في عالم المادة الذي لا يقبل الفراغ. إن الأثر السحري هو في الحقيقة بقايا العدم التي تم ترويضها و إجبارها على إتخاذ هيئة مادية، وهو ما يجعل السحر يبدو و كأنه خلق من عدم، بينما هو في الواقع إزاحة للعدم ليحل محله تجلٍ جديد. تعتمد آلية الإنتقال على مبدأ القصور الذاتي للوعي. ففي اللحظة التي يُغلق فيها الساحر الدائرة و يقطع الإتصال بالعدم، يظل الوعي محتفظاً بالتردد الذي كان يعمل به داخل الفراغ. هذا التردد يعمل كمغناطيس سببي يقوم بترتيب جزيئات الواقع المادي حول النواة التي زُرعت أثناء الطقس. إن إغلاق البوابة هو فعل حصر (Confinement)؛ فبعد أن كان العدم متسعاً و لا نهائياً، يتم حشر قوته في هدف محدد و محصور. هذا الحصر يولد حرارة وجودية هائلة تؤدي إلى ما يسميه البعض بالمعجزة أو التغيير السحري. إن الواقع المادي يزحف ليملاً الفراغ الذي خلفته البوابة، ولكنه لا يعود إلى حالته الأصلية، بل يتشكل وفقاً للهندسة الروحية التي رسمها الساحر بالسيف والعصا. و هكذا، يصبح الأثر السحري هو الترجمة المادية للعدم، حيث تتحول القوة الخام من حالة اللاشيء الفعال إلى حالة الشيء المنجز. بتحليل فلسفي أعمق، نجد أن إنتقال الأثر يتبع قانون الإستبدال الجوهري. فعندما تنغلق الثغرة، يحدث نوع من الشهيق الكوني؛ حيث يمتص الواقع المادي أثر العدم المنضبط ليملأ به الثقوب التي خلفتها الإرادة السحرية. الأثر السحري ليس شيئاً يُضاف إلى العالم من الخارج، بل هو إعادة ترتيب لمكونات العالم من الداخل عبر بوابة العدم. الرنين الذي أستُخدم لقياس إتساع العدم يتحول الآن إلى تردد مستقر يحافظ على بقاء الأثر السحري في عالمنا. إن الصمت الذي ساد الطقس يصبح هو المادة الحاملة التي تمنح الأثر ثباته؛ فالسحر القوي هو الذي يحمل في جوهره صمت العدم، مما يجعله عصياً على التحلل أو الزوال السريع. الإنتقال إذن ليس حركة مكانية، بل هو تحول طوري (Phase Transition) في طبيعة الوجود نفسه، حيث تنقلب القوانين للحظة واحدة لتسمح لغير الممكن بأن يصبح ممكناً، و للمعدوم بأن يصبح موجوداً. في اللحظة التي تعقب الإغلاق، يشعر الساحر بثقل الوجود مجدداً، ولكن هذا الثقل يكون مشحوناً ببصمة العدم. الأثر السحري هو الندبة التي تتركها المواجهة مع الفراغ على وجه الزمن. هذه الندبة هي التي تضمن أن التغيير الذي حدث في اللاشيء سينعكس بالضرورة في الشيء. إنتقال الأثر هو العملية التي يتم فيها تحويل المعلومة الروحية التي تتقمص التعويذة والرمز إلى واقعة فيزيائية. إن العدم يعمل كوسيط ناقل فائق السرعة؛ و بمجرد إغلاق البوابة، تُطبع هذه المعلومة في ذاكرة المادة. هذا هو السبب في أن النتائج السحرية غالباً ما تظهر عبر سلسلة من المصادفات في الواقع المادي؛ فالعدم قد أعاد ترتيب خيوط السببية خلف الستار، وعند إغلاق البوابة، تبدأ هذه الخيوط بالتحرك في عالمنا لتنتج الأثر المطلوب. إنها اللحظة التي يتوقف فيها السحر عن كونه طقساً ليبدأ كونه تاريخاً.
_ فينومينولوجيا العبق: كيف يمنح البخور شكلاً لتضاريس العدم
تُعد الرائحة والبخور في الفلسفة السحرية التجاوزية هي المادة الأثيرية التي تحتل المنطقة الرمادية بين التجريد المطلق للصمت وتجسد الإرادة في المادة الصلبة. إذا كان الصمت يمثل تردد العدم والظلام يمثل حجمه، فإن الدخان المنبعث من البخور يمثل البلازما الوجودية التي تمنح العدم قواماً مرئياً وهشاً في آن واحد. الرائحة، بطبيعتها، هي المادة في أكثر حالاتها تسيّباً وإنتشاراً، وهي العنصر الحسي الوحيد الذي يخترق الحدود دون أن يكسرها؛ لذا فهي تعمل كغشاء أسموزي يربط بين الفراغ الذي خلفه الصمت وبين كثافة الواقع المادي. عندما يمتزج صمت الطقس برائحة البخور، يحدث نوع من التجسير الشمي، حيث يعمل الجزيء العطري كحامل (Carrier) للإرادة المحبوسة في العدم، وينقلها من حيز الفكرة المجردة إلى حيز التجربة الحسية. البخور هنا ليس مجرد قربان، بل هو خيمياء الهواء التي تحول الفراغ من حالة اللاشيء إلى حالة الشيء الذي يُستنشق، مما يجعله الجسر المادي الأخير الذي يربط بين عالم الظلال وعالم الحقائق المادية. يعمل الدخان المتصاعد ككاشف بصري لتيارات الطاقة غير المرئية التي تجتاح الدائرة نتيجة إستحضار العدم. في حالة الصمت المطبق، يمنح الدخان جسداً لهذا الصمت؛ فالحركات اللولبية و الإهتزازات التي تظهر في أعمدة البخور تكشف عن تضاريس الفراغ وتحدد مسارات القوة. فلسفياً، يُعتبر البخور هو الوسيط اللطيف (Subtle Medium) الذي يسمح للعدم بأن يتشكل دون أن يفقد سيولته. إن الرائحة تخاطب الجهاز الحوفي في الدماغ، وهو الجزء الأقدم والمسؤول عن الغرائز واللاشعور، وبذلك يربط البخور بين عدم الكون و عدم النفس. هذا الربط هو ما يسمح للإرادة بأن تخرج من سجن الوعي الفردي لتصبح قوة كونية. إن الدخان هو المادة الهيولية الأولى التي يقبل العدم أن يحل فيها؛ فهو لا يملك شكلاً ثابتاً، تماماً كالعدم، ولكنه يملك حضوراً مادياً، تماماً كالواقع، مما يجعله الأداة المثالية لعملية العبور الأنطولوجي التي تسبق تجسد الأثر السحري النهائي. من الناحية الفينومينولوجية، تُعتبر الرائحة هي الحاسة الوحيدة التي لا يمكن إغلاقها أو الهروب منها داخل الطقس، وهي بذلك تفرض وحدة الوجود بين الساحر والعدم. الصمت قد يثير الرعب، و الظلام قد يثير الضياع، لكن الرائحة تمنح هوية لهذا الفراغ. عندما يمتلئ المكان المقدس برائحة معينة مثل المر أو اللبان، فإن العدم داخل الدائرة يتوقف عن كونه فراغاً محايداً ويصبح فراغاً مشخصاً. الرائحة تعمل كمرساة حسية تمنع الوعي من التشتت الكلي في العدم، بينما تسمح للإرادة بالإنتقال عبر جزيئات الهواء لتطبع أثرها في الواقع. إنها عملية تلقيح كوني، حيث تحمل الرائحة بذور الإرادة من منطقة الصمت التي يتسيدها العدم وتزرعها في تربة المادة حيث يتجلى الواقع. وبهذا، يكون البخور هو الأنفاس التي يتنفسها العدم لكي يعلن عن حضوره في عالمنا، محولاً الصمت من غياب للصوت إلى إمتلاء بالمعنى والقدرة. في اللحظة التي تلي إغلاق البوابة، يظل عبق البخور عالقاً في الهواء كشاهد مادي على ما حدث في منطقة العدم. هذا العبق هو الخيط الرفيع الذي يمنع الأثر السحري من التلاشي الفوري؛ فهو يمنح الواقع المادي تذكيراً حسياً بالتردد الذي تم ضبطه داخل الدائرة. الرائحة هنا تعمل كغراء كوني يثبت النتائج السحرية في نسيج الزمن. إن إنتقال الأثر من العدم إلى المادة يمر عبر بوابة الشم أولاً، حيث يتم قبول الفكرة السحرية كرائحة حقيقة فيزيائية خفيفة قبل أن تتحول إلى حدث يجسد حقيقة فيزيائية ثقيلة. وبذلك، يكتمل الطقس بتحول الصمت المطلق إلى رائحة نفاذة، ثم إلى تجسد ملموس. إن البخور هو الذي يختم العملية السحرية، محولاً إرادة الساحر من موجة إهتزازية في الفراغ إلى بصمة مادية لا يمكن إنكارها، مما يجعل من الرائحة والبخور الحارس الأمين لصيرورة الوجود من العدم.
_ الجراحة الأنطولوجية: هندسة الشق والتوجيه وتطويع العدم عبر الأدوات السحرية
تُعامل الأدوات السحرية في الفلسفة الباطنية ليس كرموز شكلية، بل كأدوات جراحية أنطولوجية مصممة بدقة للتعامل مع نسيج الواقع الهش الذي يتركه التطهير خلفه. التطهير، بصفته عملية إخلاء للمكان من الطاقات المختلطة والشوائب المادية، يخلق حالة من الفراغ المصطنع أو الجرح الوجودي في مكان الطقس. هنا، يأتي دور الخنجر أو السيف كأداة شق حادة؛ فهو يمثل مبدأ التدفق الموجّه و القدرة على فصل الكينونة عن اللاكينونة. عندما يشق الساحر الهواء بخنجره، فإنه لا يقطع فراغاً فيزيائياً، بل يخرق الغشاء الكوني الذي يفصل عالم الظواهر عن عالم العدم. الخنجر يعمل هنا كمبضع ميتافيزيقي يقوم بتوسيع الشقوق التي صنعها التطهير، محولاً الفراغ السلبي إلى قناة مفتوحة. إن حدة النصل تمثل حدة الإرادة التي ترفض الفوضى، فتجبر العدم على الإنكشاف و التدفق عبر مسار هندسي دقيق، مما يمنع هذا العدم من الفيضان العشوائي الذي قد يبتلع الوعي، ويحصره في مسار جراحي مسيطر عليه تماماً. بمجرد أن يقوم الخنجر بالشق، تتدخل العصا لتمثل الوظيفة الجراحية الثانية، وهي التوجيه والحقن. إذا كان الخنجر هو المبضع، فإن العصا هي القسطرة أو القناة التي تربط بين مخزن العدم الذي إنفتح و بين الهدف المراد تحقيقه في الواقع. العصا، بكونها أداة خشبية أو عضوية غالباً، تمثل الحياة التي تروض الموت (العدم). إنها تعمل كموصل فائق (Superconductor) يقوم بسحب طاقة العدم من خلال الشق الجراحي وتوجيهها نحو نقطة تركيز محددة. فلسفياً، العدم لا يملك إتجاهاً، فهو سكون مطلق في كل مكان؛ لكن العصا تمنحه ناقلاً إرادياً، محولةً طاقة الفراغ إلى شعاع من الإمكانية المحضة. هذا العمل الجراحي المشترك بين الخنجر الذي يفتح والعصا التي توجه يضمن أن العدم لن يظل ساكناً أو مدمراً، بل سيصبح مادة خاماً تتدفق عبر الأدوات لتصيغ واقعاً جديداً، تماماً كما يوجه الجراح تدفق الدم أو السوائل الحيوية لترميم جسد مريض. تساهم هذه الأدوات في ضبط العدم من خلال عملية التأطير الحسي؛ فالساحر الذي يمسك بمقبض الخنجر يشعر بمقاومة الواقع لهذا الشق، وهو ما يمنحه اليقين الأنطولوجي بوجود حدود. الأدوات السحرية هي نوافذ التحكم في العدم؛ فبدونها، يكون التعامل مع الفراغ مواجهة مباشرة ومنحلة للذات. إن الفعل الجراحي للأدوات يحول العدم من كونه تهديداً وجودياً إلى كونه موضوعاً للعمل. الخنجر يقطع في العدم ليفصله عن الكل، والعصا تجمعه لتعيد بناءه. هذا التوجيه هو الذي يمنع الأثر السحري من التلاشي؛ لأن الطاقة التي تم إستخراجها من الثغرة لم تترك هائمة، بل تم حقنها في قالب الرمز أو التعويذة عبر رأس العصا. إن الأدوات هي التي تمنح الساحر السلطة الجراحية على الفراغ، حيث يصبح قادراً على إستئصال أجزاء من الواقع المعتاد و إستبدالها بحقائق مستمدة من العدم، مما يجعل من الطقس عملية ترميم كوني تعيد تشكيل الوجود وفقاً لمخطط الإرادة. في اللحظة التي يكتمل فيها الشق والتوجيه، تعمل الأدوات ككلابات جراحية تثبت حدود الثغرة مفتوحة لأطول فترة ممكنة للسماح للأثر بالعبور. إن العدم يميل بطبيعته إلى الإنغلاق أو العودة إلى السكون، لكن الأدوات، بكونها إمتدادات فيزيائية صلبة، تفرض على اللاشيء البقاء في حالة تجلٍ. هذا التوجيه الجراحي للعدم هو الذي يضاعف رقة الحاجز الوجودي؛ لأن الأدوات تعمل كأوتاد تشد نسيج الواقع بعيداً عن مركز الدائرة، مما يجعل الفراغ الداخلي نقياً ومركزاً. الأثر السحري الذي ينتقل لاحقاً إلى الواقع لا يمر عبر الأبواب العادية، بل يمر عبر هذا الشق الجراحي الذي صنعته الأدوات، حاملاً معه قوة البدء التي لا توجد إلا في العدم. و هكذا، يكتمل التكامل بين التطهير كفعل إخلاء، و الأدوات كفعل إختراق، لينتج في النهاية واقعاً تم تشكيله في قلب اللاشيء ثم سحبه جراحياً إلى ضوء الوجود المادي.
_ نَفَس الفراغ وغبار النسيان: تجسيد اللاشيء فوق القمم و عند التقاطعات
إنَّ الغوص في فلسفة العدم لا يعني البحث في الفراغ الفيزيائي، بل في تلك الحالة التي تسبق الوجود وتتجاوزه، و حين نقرن هذا المفهوم بـ السحر كفعل إرادي لتغيير الواقع، فإننا ننتقل من التنظير المجرد إلى الكيمياء الميتافيزيقية. هنا، لا تعود العناصر الطبيعية الممثلة في الرياح، التراب، الماء، النار مجرد مكونات مادية، بل تصبح مواد وسيطة (Media) قادرة على حبس نَفَس العدم وتجسيده في صور مرئية. إنَّ العلاقة بين السحر والعدم علاقة قائمة على الإستحضار من الغياب؛ فالسحر هو الفن الذي يستخدم الموجود لفتح ثغرة نحو اللاموجود، والعناصر الطبيعية هي الأوتار التي يعزف عليها الساحر الفيلسوف لتردد صدى ذلك الفراغ الكوني السحيق. في ذرى القمم العالية، حيث تسود الرياح، يتجسد العدم في أبهى صوره الحركية. الرياح ليست هواءً متحركاً فحسب، بل هي صوت الفراغ الذي لا يُرى و لكنه يُشعر. في المنظور السحري الفلسفي، تُستخدم الرياح كمادة وسيطة لتجسيد سيولة العدم؛ فكما أن العدم لا يحده حيز، فإن الرياح تخترق كل حيز دون أن تستقر فيه. إنَّ الممارس الذي يسعى لتجسيد العدم فوق القمم لا يهدف إلى الإمساك بالهواء، بل إلى محاكاة الإضطراب الذي يحدثه العدم في الوجود. الرياح هنا هي النَفَس الكوني الذي يمحو الآثار، وهي المادة التي تجسد مفهوم الزوال؛ فكل ما تلمسه الرياح العاتية في القمم يؤول إلى التآكل، وهذا التآكل هو التجسيد المادي لعودة المادة إلى أصلها العدمي، حيث الصمت المطلق الذي يعقب العاصفة هو التمظهر الحقيقي للعدم. أما التراب في تقاطعات الطرق، فيمثل الجانب الترسيبي للعدم. تقاطع الطرق في الميتافيزيقيا هو نقطة اللامكان، حيث تلتقي الإتجاهات لتلغي بعضها البعض، مما يخلق فجوة زمانية ومكانية. التراب المستخلص من هذه النقاط ليس مجرد حفنة من الأرض، بل هو مادة مشبعة بإحتمالات الضياع. في الفلسفة السحرية، يُستخدم هذا التراب لتجسيد ثقل العدم؛ فالعدم ليس خفيفاً بالضرورة، بل هو الثقل الذي يبتلع الأشكال. حين يُنثر تراب التقاطعات في طقس سحري، فإنه يمثل تفكك الهوية؛ فكل حبة رمل تحمل أثراً من عابر سبيل مضى ولم يعد، وإجتماع هذه الآثار الممحوة يخلق مادة وسيطة تُجسد النسيان المطلق. التراب هنا هو العدم وقد صار ملموساً، هو النهاية التي تعود إليها الأجساد والأفكار، وهو الوسيط الذي يربط بين الوجود الصلب وبين الفناء الهش. إنَّ الربط بين العناصر الطبيعية و تجسيد العدم يقودنا إلى فهم الوساطة (Mediation) كفعل تجسير. السحر يستخدم الرياح لتمثيل الجانب الروحاني المتسامي للعدم، ويستخدم التراب لتمثيل جانبه المادي المنحل. هذا الإنشطار بين العلو على مشارف القمم و العمق حيث تبرز التقاطعات يعكس بنية العدم ذاته؛ فهو موجود في كل مكان لأنه لا مكان. العناصر هنا تعمل كأقنعة يرتديها العدم ليصبح قابلاً للإدراك البشري. فالبشر لا يمكنهم مواجهة العدم المحض دون وسيط، تماماً كما لا يمكنهم النظر إلى الشمس دون مرشح. لذا، تصبح الرياح هي حجاب العدم المتحرك، ويصبح التراب هو كفن العدم الساكن. في هذا الإطار، لا يعود السحر شعوذة، بل يصبح فن المعرفة بالعدم عن طريق آثاره في المادة. ختاماً، فإنَّ إستخدام هذه العناصر كفعل تجسيد يحول الطبيعة من موضوع للدراسة إلى مرآة للغيب. إنَّ القمم و التقاطعات ليست مجرد جغرافيا، بل هي نقاط ضعف في نسيج الواقع، تبرز منها العناصر الطبيعية لتخبرنا أن الوجود ليس سوى قشرة رقيقة فوق محيط هائل من العدم. السحر، في أرقى تجلياته الفلسفية، هو المحاولة المستمرة لجمع زفير الرياح و غبار الطرق لصياغة لغة يمكنها وصف ذلك الفراغ الذي لا يوصف. إن تجسيد العدم عبر المادة هو الإعتراف النهائي بأن كل ما نلمسه ونراه هو في الحقيقة عدم متشكل، وأن العناصر الطبيعية هي مجرد حروف في جملة طويلة تنتهي دائماً بنقطة الصمت المطلق.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟