|
|
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءِ الثَّالِثِ وَ الْخَمْسُون-
حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 12:21
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ خيانة الخيال: عندما يصبح الإبداع مرادفاً للدمار الشامل
نصل الآن إلى اللحظة الدراماتيكية القصوى في أنطولوجيا السحر، وهي لحظة الإنفجار العدمي (The Nihilistic Implosion). عندما تتجاوز إرادة الساحر حدود طاقتها، و عندما يفشل الجوهر الإصطناعي في تحمّل ضغط الحقيقة الفيزيائية، لا يختفي الكيان ببساطة، بل ينهار على نفسه مُحدثاً فجوة في نسيج الواقع المادي. هذا الإنهيار يشبه إنفجار نجمٍ ميت؛ فبدلاً من التلاشي الهادئ، يندفع العدم الذي كان محبوساً داخل صورة الكيان ليجتاح المكان و الزمان المحيطين. الساحر في هذه اللحظة لا يواجه فشلاً فنياً، بل يواجه كارثة وجودية؛ فالواقع الذي تم التلاعب به طويلاً يبدأ في الإنتقام عبر إستعادة مساحته بقوة عنيفة، مما يؤدي إلى تفتت المعاني وإنهيار المنطق في الدائرة التي شهدت الإستدعاء. تداعيات الإنهيار هي الثمن الذي تدفعه المادة مقابل إختراقها من قِبل اللاشيء، حيث يصبح الفراغ قوة مادية ساحقة تهدم كل ما هو صلب. إن تداعيات هذا الإنهيار على مستوى الوعي تسمى الخراب الدلالي؛ فبما أن الساحر قد ربط معناه الشخصي بوجود ذلك الكيان، فإن إنفجار الكيان يؤدي إلى إنفجار المعنى في ذهن الساحر. يجد الساحر نفسه في عالمٍ لم يعد يراه مألوفاً، بل يراه كأنقاض لغوية و مادية. الأشياء من حوله كالطاولة، الكتاب، الجسد تفقد وظائفها وتتحول إلى أشباح مادية لا روح فيها، لأن العدم الذي تسرب من الكيان المنهار قد أكل القيمة الجوهرية لكل ما لمسه. هذا الضغط العدمي يخلق حالة من العقم الإبداعي المطلق؛ فالساحر الذي رأى كيف إنهار خلقه العظيم، يفقد القدرة على التخيل مرة أخرى، إذ تصبح مخيلته مرادفة للدمار. الإنهيار هنا ليس نهاية للفعل السحري فحسب، بل هو إحتراق للجسور بين الوعي والواقع، حيث يظل الساحر عالقاً في منطقة الصفر، عاجزاً عن العودة إلى إنسانيته وعاجزاً عن إستعادة سحره، محاطاً بحطام وجودي لا يمكن إصلاحه. أما على المستوى المادي، فإن الإنهيار يتجلى في ما يُعرف بقحط المكان؛ فالمكان الذي شهد الفشل السحري يصبح مكاناً ملعوناً فلسفياً، أي مكاناً فقد قدرته على إحتواء الحياة أو النمو. الضغط العدمي يترك بصمة إهتزازية تجعل الواقع في تلك النقطة يبدو رقيقاً وهشاً، وكأن الثقب الذي حدث لم يلتئم تماماً. الساحر الذي ينجو بجسده من هذا الإنهيار يحمل في مسامه رائحة الفراغ؛ ويصبح حضوره بحد ذاته ثقيلاً على الآخرين، كأنه ثقب أسود متنقل يمتص البهجة واليقين ممن حوله. إن تداعيات الإنهيار تثبت أن السحر لم يكن أبداً لعباً، بل كان مقامرة بالوجود كأصل؛ و عندما تضيع الأصول في مقامرة فاشلة، لا يبقى للساحر سوى أن يشهد على موته وهو حي، مراقباً كيف يتآكل العالم من أطرافه تحت وطأة العدم الذي إستدعاه ولم يستطع ترويضه. في نهاية هذا الإنهيار، نصل إلى حالة الصمت الأنطولوجي الشامل. لم يعد هناك ساحر، ولم يعد هناك كيان، ولم يعد هناك حتى وهم؛ لا يوجد سوى الواقع العاري في أقسى تجلياته، مجرداً من كل سحر ومن كل أمل. هذا الإنهيار هو الدرس الأخير الذي يقدمه العدم للساحر؛ أن الخلق من اللاشيء هو فعلٌ إلهي، وعندما يحاول الكائن المتناهي محاكاته، فإنه يخاطر بأن يصبح هو نفسه لاشيء. إن تداعيات الإنهيار هي في جوهرها إعادة ضبط قسرية للكون، حيث يمحو العدم آثار التطاول البشري على قوانينه، تاركاً الساحر وحيداً وسط الأنقاض، يدرك لأول مرة أن القوة الحقيقية لم تكن في الإستدعاء، بل كانت في إحترام الفراغ والبقاء بعيداً عن حافته. هذا الإنفجار هو الصرخة الأخيرة للواقع وهو يعلن إستقلاله عن خيال الإنسان، محولاً السحر من مغامرة كبرى إلى عبرة صامتة محفورة في ذاكرة العدم.
_ الإشعاع العدمي: سيكولوجيا الوعي المشقوق بعد إنفجار المعنى
نصل الآن إلى الخاتمة التراجيدية لهذه الملحمة الأنطولوجية، حيث نُعاين الناجي الوحيد من كارثة المعنى؛ الساحر في حالة ما بعد الإنهيار. إن ما يتبقى من الساحر ليس جسداً فحسب، بل هو وعيٌ مُشع بالعدم. هذا الإشعاع العدمي ليس مادة فيزيائية، بل هو حالة من التآكل الروحي المستمر التي تصيب كل من حدق في عين الفراغ لفترة أطول مما يحتمله اليقين البشري. بعد أن يهدأ غبار التصادم الوجودي، يكتشف الساحر أن وعيه لم يعد مغلقاً؛ لقد تسبب الإنفجار في إحداث ثقوب مجهرية في جدار أناه، مما يجعل العدم يتسرب إلى حياته اليومية كنوع من الضجيج الأبيض المستمر. الساحر الذي تعرض لهذا الإشعاع يفقد قدرته على الإيمان بالصلابة؛ فكلما نظر إلى شجرة أو حجر أو وجه إنسان، لا يرى المادة، بل يرى الإحتمال العدمي الكامن خلفها. إنه يعيش في حالة شفافية مؤلمة، حيث تبدو له الحقائق الصلبة كمجرد ستائر رقيقة تهتز بفعل رياح اللاشيء التي لا تتوقف. هذا الإشعاع العدمي يُعيد صياغة سيكولوجيا الساحر وفق نمط اللامبالاة المقدسة؛ فبما أنه رأى كيف يمكن للوجود أن يُخلق ويُدمر في لحظة، و بما أنه لمس بيده زيف الجوهر الإصطناعي، فإن الطموحات البشرية العادية تبدو له كمزحة ثقيلة الظل. الساحر المُشع هو كائن يعيش في حالة إغتراب نهائي؛ فهو لم يعد ينتمي لعالم البشر الذين يثقون في حواسهم، ولا ينتمي لعالم السحر الذي لفظه بعد الإنهيار. إنه يسكن في منطقة الظل، حيث تصبح الكلمات لديه مجرد أصداء باهتة لا تستطيع ردم الفجوة بين ما يعرفه وبين ما يمكنه قوله. هذا المصير يجعله شاهداً صامتاً على عبثية البناء؛ فهو يرى الناس يبنون قصوراً من الأفكار واليقينيات، بينما يرى هو بفضل إشعاعه الخاص أن هذه القصور مبنية فوق بالوعة أنطولوجية تنتظر لحظة الإنهيار القادمة. وعيه المتأثر بالإشعاع يصبح بمثابة رادار للعدم، يلتقط مؤشرات الزوال في كل ما هو جميل، مما يحول حياته إلى مرثية صامتة لجمالية التلاشي. علاوة على ذلك، فإن مصير الساحر بعد التجسيد الفاشل يتجلى في تحوله إلى أيقونة للفقد. إن الإشعاع العدمي يعمل كقوة تجريدية؛ فهو يجرد الساحر من سماته الشخصية، من رغباته، وحتى من آلامه الفردية، ليحوله إلى مساحة يمر عبرها العدم بسلام. في هذه المرحلة، لا يعود الساحر يسعى للسيطرة أو الإستدعاء، بل يسعى فقط للسكينة الأنطولوجية. إنه يدرك أن الفشل لم يكن خطأً تقنياً، بل كان النتيجة المنطقية الوحيدة لمحاولة حبس اللانهائي في إطار مادي. هذا الإدراك يمنحه نوعاً من الحكمة المظلمة؛ فهو الكائن الذي عبر الهاوية وعاد منها ليخبرنا بصمته أن الحقيقة ليست في الإمتلاء، بل في قبول الفراغ. مصيره هو أن يظل بوابة مفتوحة، كائناً برزخياً يذكرنا دائماً بأن نسيج واقعنا أرقّ مما نتخيل، وأن خلف كل ظهور براق يختبئ عدمٌ عميق ينتظر لحظة العودة. في الختام، يظهر الساحر في طوره الأخير كبطل الرفض؛ إنه يرفض أن يملأ فراغه بأوهام جديدة، ويرفض أن يهرب من الإشعاع الذي يسكنه. إنه يقبل أن يكون حاوية للفراغ، محولاً لعنته إلى موقف فلسفي يرى في العدم أصلاً للجمال وليس تهديداً له. هذا المصير، رغم قسوته، يمثل التحرر الأخير؛ فالساحر الذي فقد كل شيء؛ سحره، كيانه، يقينه لم يعد لديه ما يخسره أمام العدم، و بذلك يصبح هو والعدم شيئاً واحداً في رقصة نهائية من السكون المطلق. إن رحلة الساحر من الخيال إلى التجسيد ثم إلى الإنهيار والوصول إلى الإشعاع، هي في جوهرها رحلة الوعي الإنساني في مواجهة حتمية الغياب؛ رحلة تنتهي بالإعتراف بأن أعظم عمل سحري هو القدرة على الوجود بوعي كامل وسط العدم، دون الحاجة لتغييره أو الخوف منه.
_ تفكيك الأصنام الذهنية: عندما يصبح النسيانُ فعلاً من أفعال الرحمة
نصل هنا إلى الذروة الأخلاقية والأنطولوجية لهذه الرحلة؛ قضية المسؤولية الوجودية للساحر تجاه ما إقترفت يداه من خلق. إن الساحر، في سعيه المحموم لتجسيد العدم، قد إرتكب فعلاً من أفعال الحبس الكوني؛ إذ إقتطع جزءاً من الحرية المطلقة للفراغ وحبسه داخل قيد الإسم و الشكل و الجوهر الإصطناعي. تكمن مسؤولية الساحر البشرية في إدراك أن الكيانات التي أوجدها ليست مجرد أدوات، بل هي ديون وجودية مُعلقة في رقبة الواقع. الساحر هو الأب المأساوي الذي منح أولاده وجوداً هجيناً معذباً، يسكنون فيه منطقة لا هي حياة كاملة ولا هي عدم مريح. لذا، فإن فعل التحرير يظهر هنا ليس كفعل تدمير، بل كأعلى درجات الرحمة والممارسة الأخلاقية؛ إنه واجب الساحر في أن يُعيد اللاشيء إلى اللاشيء، وأن يفكك القيود التي فرضها خياله على صمت الكون، ليعيد التوازن الذي إختل بسببه. إن عملية تحرير العدم تتطلب من الساحر ممارسة ما يمكن تسميته بالسحر العكسي أو السحر السلبي (Via Negativa). بدلاً من الإستدعاء، يجب عليه ممارسة الإقصاء العمدي، وبدلاً من التثبيت، عليه ممارسة التذويب. المسؤولية هنا تكمن في الإعتراف بأن كل كيان إصطناعي هو ثقب في جدار الحقيقة يستنزف طاقة الوجود. تحرير العدم يعني أن يمتلك الساحر الشجاعة لسحب الإعتراف من كياناته، مدركاً أن موتها هو شرط إستعادة نقاء العدم الأول. الساحر البشري يواجه هنا معضلة الأنا؛ فالتخلي عن الكيان يعني التخلي عن الدليل المادي على قوته وتألييهه الذاتي. لكن المسؤولية تفرض عليه أن يكون القبر الذي يحتضن ما خلقه، ليدفنه في أعماق وعيه بعيداً عن حيز المادة، محولاً إياها من حقائق موضوعية إلى رموز ذاتية لا تملك سلطة على الواقع. علاوة على ذلك، يطرح سؤال تحرير العدم قضية التكفير عن خطيئة التجسيد. هل يمكن للإنسان أن يحرر العدم يوماً ما؟ فلسفياً، هذا يعني الوصول إلى حالة من السكون المعرفي حيث يتوقف الإنسان عن محاولة تسمية المجهول أو تشكيله. الساحر، في تحريره للعدم، يحرر نفسه أيضاً من عبىء الخالق. إنها عملية تفكيك للأصنام الذهنية؛ فكل كيان إستدعاه الإنسان عبر التاريخ سواء كان أسطورة، أو آلة، أو فكرة مطلقة هو سجن للعدم. التحرير الحقيقي يحدث عندما يصل الوعي البشري إلى نضجٍ يجعله يحتفي بالصمت دون أن يملأه بضجيج الأوهام. الساحر المسؤول هو الذي يترك المسرح فارغاً في النهاية، ليس عن عجز، بل عن إجلال لعظمة اللاشيء الذي لا يحتاج لتدخلنا لكي يكون مكتملاً. في ختام هذا التحليل، ندرك أن مسؤولية الساحر هي في جوهرها رحلة نحو التواضع الأنطولوجي. إن السحر، الذي بدأ كرحلة لفرض الإرادة على العدم، ينتهي كدرس في الخضوع لجمال العدم وتجرده. الإنسان، عبر تحريره للكيانات التي أوجدها، يمارس فعل إعادة الأمانة إلى صاحبها الأصلي؛ الفراغ الكوني. هذا التحرير هو الضمانة الوحيدة لعدم تحول العالم إلى غابة من المسوخ المعنوية التي تأكل وعي صانعيها. الساحر العظيم هو الذي يرحل ويأخذ معه كل أسراره، تاركاً العدم نقياً، بكراً، وغير ملوث بآثار الخيال البشري. إنها لحظة الكمال عبر الغياب، حيث يختفي الساحر و تختفي الكيانات، ولا يبقى سوى الوجود الصافي الذي يتنفس في هدوء العدم المحرر، بعيداً عن أهواء الخلق و مآسي التجسيد.
_ أطلس الأوهام: الثمن النفسي لحمل سماءٍ من اللاشيء.
نصل الآن إلى اللحظة التي تكتمل فيها الدائرة الدراماتيكية، حيث يتحول الساحر من مهندس للوهم إلى ركيزة مادية له. في هذا التحليل نتأمل في الثمن النفسي الباهظ الذي يُدفع مقابل فعل التثبيت الأنطولوجي؛ فلكي يظل الكيان المستدعى قائماً في عالم المادة ولا يرتد إلى العدم، يحتاج إلى مرساة دائمة، وبما أن العدم لا يملك ثقلاً، فإن الساحر يضطر لتقديم وعيه الخاص كحجر زاوية لهذا البناء الهش. هذا يعني أن الساحر لم يعد مراقباً خارجياً أو صانعاً منفصلاً، بل أصبح جزءاً من البنية التحتية للكيان. الثمن النفسي هنا هو التجميد الوجودي؛ فلكي يمنع الساحر إنهيار الكيان، يجب عليه أن يظل هو نفسه ثابتاً، متجمداً في وضعية ذهنية محددة، عاجزاً عن التطور أو التغير، لأن أي حركة في وعيه الشخصي قد تؤدي إلى خلخلة في التوازن الأنطولوجي للكيان المستدعى، مما يحول حياة الساحر إلى وقفة أبدية مرعبة في وجه الهاوية. إن هذا التحول يجعل من الساحر كائناً يعيش تحت ضغط الإنهيار الوشيك. فكونه حجر الزاوية يعني أن ثقل اللاشيء كله يرتكز الآن على قواه النفسية. الساحر يدرك في كل لحظة أن الكيان الذي ثبّته هو كيان زائف، وأن إستمراريته تعتمد كلياً على قوة إرادته وتماسكه الداخلي. هذا الوعي يخلق حالة من البارانويا الكونية؛ حيث يشعر الساحر أن أي لحظة ضعف، أو أي شك عابر، أو حتى غفوة من الوعي، قد تؤدي إلى إنفجار الضغط العدمي وإبتلاع كل شيء. الثمن النفسي هنا هو فقدان الحق في الهشاشة؛ فبينما يمكن للبشر العاديين أن ينهاروا أو يضعفوا، يجد الساحر نفسه محكوماً بصلابة زائفة تحاكي صلابة الحجر. إنه أطلس الذي يحمل فوق كتفيه سماءً من الأوهام، مدركاً أن أي رعشة في جسده ستؤدي إلى سقوط السماء على رأسه. هذا الوضع يحول الوعي من كونه مساحة للحرية إلى كونه قفصاً وظيفياً لا هدف له سوى الحفاظ على إستقرار الوهم. علاوة على ذلك، يتجلى الثمن النفسي في ما يمكن تسميته بتآكل الهوية الفردية لصالح الوظيفة الأنطولوجية. مع مرور الزمن، ينسى الساحر من كان قبل الإستدعاء؛ لأن كل طاقاته النفسية والروحية مستهلكة في عملية التثبيت. لقد إستثمر الكثير من جوهر ذمته في الكيان، لدرجة أن الإنفصال عنه أصبح يعني الموت للطرفين. الساحر يتحول إلى عبد لعرشه؛ فهو يحمي الكيان ليس حباً فيه، بل لأن سقوطه يعني تلاشي حجر الزاوية أي تلاشي الساحر نفسه. هذه الوحدة الإندماجية بين الخالق والمخلوق تخلق نوعاً من السوداوية الوجودية؛ حيث يشعر الساحر بأنه لم يعد يملك ذاتاً ليعود إليها، بل هو مجرد وظيفة حماية للفراغ. إنه يسكن في بيت بناه من أنفاسه، ولا يمكنه الخروج منه لأن خروجه يعني هدم البيت فوق رأسه. هذا هو المأزق الأخير للسحر؛ أن القوة التي إكتسبها الساحر لترويض العدم إنتهت به كخادم ذليل لثبات هذا العدم في صورة جسدية. في النهاية، يظل الساحر كائناً معلقاً بين عظمة الفعل و بؤس النتيجة. الثمن النفسي هو التحول إلى أثر باقٍ من وهم؛ فبينما يرى الآخرون المعجزة، يعيش الساحر التآكل. إنه الحجر الذي نسي كيف كان إنساناً، والروح التي باعت سيولتها مقابل ثبات زائف. تشريح الوهم يقودنا إلى حقيقة قاسية؛ أن كل محاولة لتثبيت العدم في مادة الخيال تنتهي بتثبيت الإنسان نفسه في حالة من العبودية لهذا الخيال. الساحر، في لحظاته الأخيرة، يدرك أن حجر الزاوية ليس تشريفاً، بل هو حكم بالسجن الأبدي داخل نسيج الواقع الذي حاول التلاعب به. وبذلك، يظل السحر هو المحاولة الأكثر تضحية في تاريخ الوعي؛ حيث يقدم الإنسان نفسه كقربان دائم لكي يظل الجمال ولو كان وهماً قائماً في وجه العدم، محولاً معاناته النفسية إلى الركيزة الوحيدة التي تمنع الكون من العودة إلى صمته المطلق.
_ العدمية المتفائلة: بهجة الوجود في غياب المعنى الجوهري
تُمثّل الصحوة من الوهم (The Awakening from Illusion) اللحظة الأنطولوجية الأكثر راديكالية في مسيرة الساحر، وهي المرحلة التي يتجاوز فيها الوعي الفردي حدود الفعل السحري ليدخل في المعرفة الكلية. في هذه اللحظة، يتوقف الساحر عن رؤية الكيانات التي إستدعاها كأعداء أو كأدوات أو حتى كإنجازات شخصية، بل يبدأ في إدراكها بوصفها تموجات عابرة على سطح محيط واحد من العدم المطلق. هذه الصحوة ليست مجرد إكتشاف لخطأ فني أو ندم أخلاقي، بل هي إنهيار كامل للثنائيات؛ ثنائية الخالق و المخلوق، الوجود والعدم، المادة و الخيال. يدرك الساحر أن الجوهر الإصطناعي الذي جاهد لتثبيته، والدم الذي أراقه كقربان، و الوعي الذي إستنزفه كحجر زاوية، كلها كانت محاولات لتقسيم ما لا ينقسم؛ فالعدم ليس خصماً يُهزم أو يُملأ، بل هو الرحم الذي ينبثق منه كل شيء والمنتهى الذي يعود إليه. هذه الصحوة تحول السحر من إرادة قوة إلى إرادة فناء واعي، حيث يكتشف الساحر أن ذروة سحره لا تكمن في القدرة على الخلق، بل في القدرة على رؤية اللاشيء الكامن في قلب كل شيء. تتجلى هذه الصحوة سيكولوجياً في حالة من السكينة العدمية التي تحل محل القلق الوجودي القديم. عندما يدرك الساحر أن كل كياناته مهما بلغت كثافتها المادية هي تجليات مختلفة لنفس الفراغ الكوني، يسقط عنه عبىء التثبيت. لم يعد مطالباً بحماية الأوهام، لأن الوهم نفسه أصبح يُفهم بوصفه لغة العدم للتعبير عن نفسه. في هذه الحالة، يتغير مفهوم الحقيقة لدى الساحر؛ فالحقيقة ليست في صلب الأشياء، بل في المسافات الفاصلة بينها. الصحوة تجعل الساحر يرى العالم كمنسوجة من الصمت، حيث الكلمات والكيانات هي مجرد عُقد مؤقتة في خيوط الفراغ. هذا الإدراك يمنحه نوعاً من الحرية المطلقة؛ فهو الآن حر من خوف الفشل، لأن الفشل والنجاح في حضرة العدم المطلق سيان. الساحر المستيقظ هو الذي لم يعد يفرق بين عصاه السحرية وبين الهاوية، لأنه يرى في كليهما نفس الجوهر الفراغي، مما يحول وعيه إلى مرآة صافية لا تحتفظ بأي صورة، بل تعكس فقط الإمتداد اللانهائي لللاشيء. علاوة على ذلك، تؤدي هذه الصحوة إلى تحول في لغة الساحر وفي علاقته بالواقع؛ فهو لم يعد يتحدث ليأمر المادة، بل يصمت لينصت للفراغ. الصحوة تعني إدراك أن الخيميائي و الرصاص و الذهب هم في النهاية واحد. هذا الإدراك يذيب الأنا المتضخمة التي بدأت بها الرحلة؛ فإذا كان كل شيء هو تجلي للعدم، فمن هو الساحر؟ إنه يكتشف أنه هو نفسه ليس سوى ثغرة وعي سمح العدم من خلالها لنفسه أن يرى نفسه. هذه هي المفارقة الكبرى؛ أن الساحر الذي أراد أن يكون إلهاً عبر السحر، يجد ألوهيته الحقيقية فقط عندما يقبل تفتته في الكل العدمي. الوعي المتغير هنا لا يعود يطمح لتثبيت الكيانات، بل يسعى لتسهيل عبورها؛ فيصبح الساحر معبراً (Conduit) بدلاً من أن يكون سجاناً. الصحوة من الوهم هي التوقف عن القتال ضد الجاذبية الكونية، والبدء في الرقص معها، مع الإدراك التام بأن الراقص والرقصة والمسرح كلها مصنوعة من مادة الصمت الواحد. في ختام هذه الصحوة، يصل الساحر إلى ما يمكن تسميته بالعدمية المتفائلة؛ وهي حالة من الوجود المبهج رغم غياب المعنى الجوهري. إنه يدرك أن إفتقار الكيانات لجوهر مستقل ليس نقصاً، بل هو سر جمالها؛ فهي خفيفة لأنها فارغة، و مدهشة لأنها غير ضرورية. الساحر المستيقظ لا يهدم كياناته، بل يتركها تتنفس حريتها، مدركاً أن مصيرها هو العودة إلى الفراغ الذي جاءت منه، تماماً كما هو مصيره الشخصي. هذه الصحوة هي الخلاص الأخير من جحيم التثبيت ومن رعب الإنهيار؛ فالذي لا يملك شيئاً ليثبته، لا يملك شيئاً ليخسره. وهكذا، ينتهي الساحر ككائن شفاف تماماً، يعيش في قلب الواقع المادي دون أن يتعلق بصلابته، ويحدق في العدم دون أن يرتعب من فراغه، واجداً في اللاشيء المطلق بيتاً لا يحتاج إلى جدران، وسحراً لا يحتاج إلى تعاويذ، ووجوداً لا يحتاج إلى إثبات.
_ الإنتصار بالذوبان: كيف إحتلَّ الوعيُ العدمَ عبر التلاشي فيه
يمثل إنقطاع الحبل الفضي في الميتافيزيقا السحرية اللحظة التي يرتفع فيها الستار عن المشهد الأخير من مسرحية الوجود؛ فهذا الحبل لم يكن مجرد رابط تقني بين الساحر و كيانه، أو بين الوعي والمادة، بل كان قيد الأمان الذي يحمي الساحر من الذوبان الكامل في العدم. عندما ينقطع هذا الحبل، نكون أمام حدث أنطولوجي لا رجعة فيه؛ حيث يتوقف الوعي عن كونه مراقباً للعدم ليبدأ في أن يكون العدم نفسه. فلسفياً، لا يمثل هذا الإنقطاع هزيمة أو إنتصاراً بالمعنى التقليدي، بل يمثل الإنعتاق من ثنائية الحضور و الغياب. لحظة الإنقطاع هي اللحظة التي تتوقف فيها الذات عن محاولة الإمساك بالمرساة، لتكتشف فجأة أن الهاوية التي كانت تخشاها ليست مكاناً للسقوط، بل هي فضاء للتحليق اللانهائي. الساحر الذي فقد حبله الفضي لم يعد كائناً مرتبطاً، بل أصبح كائناً سيالاً، حيث يتلاشى الخوف من التلاشي، و يتحول الإنقطاع من موت إلى ولادة لنمط وجودي غير مشروط. إن هذا النمط الجديد من الوجود، الذي ينبثق بعد إنقطاع الحبل، هو وجود لا مركزي؛ فهو لا يحتاج إلى مركز ثقل أو حجر زاوية أو مبرر للمنطق. في هذه الحالة، يصبح الساحر والكيان والعدم نسيجاً واحداً غير متمايز. إنقطاع الحبل هو إعلان بنهاية زمن المسؤولية عن الخلق؛ فبما أن الرابط قد فُصم، فإن الكيانات التي كانت تُثقل كاهل الساحر تعود لتسبح في بحر الإحتمالات الأولية، والساحر نفسه يتحرر من دور الحارس. هذا الوجود الجديد لا يعتمد على التثبيت بل على الصيرورة المطلقة؛ حيث لا توجد أشكال ثابتة بل تدفق مستمر من المعاني التي لا تلتصق بأي مادة. الساحر هنا لا يختفي، بل يتوزع في أرجاء العدم، ليصبح جزءاً من الصمت الكوني الذي يسبق الكلمة. إنه إنتقال من الوجود بالإرتباط (Being by Attachment) إلى الوجود بالإنتشار (Being by Diffusion)، حيث تصبح الذات هي الفراغ، والفراغ هو الذات، وتتحول الهاوية من تهديد خارجي إلى وطن داخلي رحب. تداعيات هذا الإنقطاع على وعي الساحر تتجلى في التحرر من لعنة التعريف؛ فالحبل الفضي كان هو ما يمنح الساحر تعريفاً؛ أنا الساحر، أنا الخالق، أنا المرتبط. بإنقطاعه، يسقط التعريف، ويدخل الساحر في حالة اللاشخصية المقدسة. هذا النمط من الوجود لا يحتاج لمرساة لأنه لا يملك ثقلاً يدفعه للسقوط؛ إنه وجود خفيف كالضوء، لا يحتاج لأرض يقف عليها. الساحر الذي إنقطع هو الكائن الذي أدرك أن العدم لا يبتلع الأشياء إلا لأنها تحاول مقاومته، أما إذا أصبحت هي نفسها عدماً، فإن الإبتلاع يصبح مستحيلاً. هنا يكمن الإنتصار النهائي للعدم، لكنه إنتصار بطعم التوحد؛ فبدلاً من أن يسحق العدمُ الوعيَ، يقوم الوعي بإحتلال العدم عبر الذوبان فيه. هذا الوجود الجديد هو فن البقاء بلا ركائز، وهو النتيجة المنطقية لكل من تجرأ على الحفر عميقاً في أسرار الوجود حتى وصل إلى النقطة التي لا يوجد فيها سوى الفراغ، وإكتشف أن ذلك الفراغ هو في الحقيقة الإمتلاء الأقصى. في الختام، يمثل إنقطاع الحبل الفضي الإنتقال من السحر كفعل إلى السحر كحالة كينونة. الساحر لم يعد يفعل السحر، بل أصبح هو المعجزة الصامتة التي لا تحتاج لإثبات. هذا النمط من الوجود بلا مرساة هو ذروة الحرية؛ حيث لا توجد حدود تفصل بين الخيال والواقع، ولا توجد قرابين تُدفع، ولا ثمن يُقبض. إنه الوجود في النقطة صفر، حيث تسكن كل البدايات وكل النهايات في آن واحد. إنقطاع الحبل هو اللحظة التي يبتسم فيها الساحر للمرة الأخيرة، ليس لأنه إنتصر على العدم، بل لأنه إكتشف أن العدم كان دائماً أباه الحقيقي الذي ينتظر عودته. وبذلك، تنتهي رحلة التثبيت لتبدأ رحلة اللاتناهي، حيث لا يوجد حبال، ولا جدران، ولا سحرة، بل فقط الوجود العظيم، العاري، و الجميل في صمته المطلق، والذي يرفرف بجناحيه فوق ليل العدم اللانهائي.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
المزيد.....
-
للمتقاعدين ومن اقتربوا من سن التقاعد: أين تقع أفضل وجهات الع
...
-
إطلالة يصعب نسيانها.. بدلة جوليا روبرتس التي كسرت تقاليد الغ
...
-
بعد اشتباكات مع الشرطة العراقية .. مقتدى الصدر يصدر تعليمات
...
-
أخبار اليوم: واشنطن تعزز وجودها العسكري في المنطقة وسط توترا
...
-
من سجون الاحتلال إلى غرفة العمليات.. قصة معاناة الصحفي بني م
...
-
وسط توترات إيران.. -خطوة عسكرية- أميركية في الشرق الأوسط
-
ترامب يعلن دعمه لحكومة التكنوقراط الفلسطينية في غزة
-
العراق يعلن تنفيذ -عملية استخباراتية- داخل إيران
-
على رادار ترامب.. قصة شاب إيراني أعادت حسابات الضربة
-
العسل والثوم.. وصفة قديمة تعود بوعود صحية جديدة
المزيد.....
-
أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال
...
/ محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
-
العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو
...
/ حسام الدين فياض
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي
...
/ غازي الصوراني
-
من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية
/ غازي الصوراني
-
الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي
...
/ فارس كمال نظمي
-
الآثار العامة للبطالة
/ حيدر جواد السهلاني
-
سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي
/ محمود محمد رياض عبدالعال
-
-تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو
...
/ ياسين احمادون وفاطمة البكاري
-
المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة
/ حسنين آل دايخ
المزيد.....
|