|
|
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْخَمْسُون-
حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 17:43
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ ثقوب الوجود المفتعلة: مأساة الساحر بين إرادة الإمتلاء و حتمية العدم
تتحدد ماهية الإستدعاء السحري في الفكر الفلسفي الباطني بوصفها واحدة من أكثر العمليات تعقيداً في علاقة الإنسان بالعدم. إن الزعم بأن الساحر يقوم بملىء فراغ أحدثه هو زعم يلمس جوهر الحقيقة الميتافيزيقية؛ فالفعل السحري في جوهره لا يبدأ من الإضافة، بل يبدأ من النفي. لكي يستدعي الساحر كائناً ما، عليه أولاً أن يمارس فعل الخلخلة في نسيج الواقع المستقر. هذا الواقع الذي نعيشه هو واقع ممتلئ بالظواهر والقوانين الفيزيائية الصارمة، ولكي يجد الكائن المستدعى مكاناً له، لا بد من إحداث ثقب أو فجوة في هذا الإمتلاء. هنا يبرز الفراغ ليس كحالة سلبية، بل كفعل إرادي واعٍ؛ إن الساحر يفرغ حيزاً من الزمان والمكان عبر الطقس، محولاً إياه إلى عدم مؤقت أو منطقة محايدة تقع خارج نطاق القوانين الطبيعية. هذا الفراغ هو الرحم الميتافيزيقي الذي ينتظر الإمتلاء، وهو المساحة التي يتنازل فيها الوجود المادي عن سيادته ليسمح للوجود الغيبي بالتمظهر. إن جدلية الملىء والعدم في الإستدعاء السحري تقودنا إلى تساؤل حول طبيعة الكائن الذي يملأ هذا الفراغ. هل هو كائن من العدم المحض؟ إذا إتبعنا المنطق الأنطولوجي الصارم، فإن العدم لا يولد إلا عدماً، ولكن في المنظور السحري، العدم هو الإمتلاء المستتر. الكائن الذي يظهر في دائرة الإستدعاء ليس وليد المصادفة أو العدم المنطقي (Non-being)، بل هو كائن كان يتمتع بوجود بالقوة في أبعاد متعالية، وما فعله الساحر هو توفير الممر أو الفجوة التي تسمح لهذا الكائن بالإنتقال إلى الوجود بالفعل. بالتالي، فإن عملية ملىء الفراغ هي في الحقيقة عملية تكثيف؛ فالساحر لا يأتي بشيء من لا شيء، بل يركز طاقة الوجود المتشتتة في نقطة الفراغ التي أحدثها، مما يؤدي إلى تجسد الكائن. الفراغ هنا هو المغناطيس الذي يجذب الجواهر الروحية لتأخذ شكلاً عرضياً في عالم المادة، مما يجعل الإستدعاء عملية ترجمة بين مستويات الوجود المختلفة، حيث يعمل الفراغ كوسيط ضروري لعملية التجلي. علاوة على ذلك، يجب النظر إلى هذا الفراغ الذي يحدُثه الساحر بوصفه إنقطاعاً في الوعي قبل أن يكون إنقطاعاً في المادة. إن الساحر، عبر العزلة والتركيز والتعاويذ، يقوم بتفريغ ذاته من الأنا اليومية، محدثاً فراغاً داخلياً يوازي الفراغ الخارجي في دائرة الإستدعاء. هذا الفراغ المزدوج الذاتي و الموضوعي هو الذي يخلق حالة من الضغط الوجودي؛ وكأن الطبيعة، التي تمقت الفراغ، تسارع لملىء هذه الفجوة بأي كائن يتوافق مع طبيعة الإستدعاء. هنا تبرز خطورة العملية؛ فالفراغ الذي يُحدثه الساحر هو بمثابة جوع وجودي لا يمكن إشباعه إلا بظهور الآخر. إن العلاقة بين الساحر والعدم هي علاقة رقص على الحافة؛ فالساحر يستعين بالعدم لكسر قيد المادة، لكنه يخشى أن يبتلعه هذا العدم إذا لم ينجح في ملئه بالكائن المطلوب فوراً. لذا، فإن الإسم السحري أو الكلمة هي المادة التي تُسكب في قالب الفراغ لتعطيه شكلاً وقواماً، محولةً اللاشيء إلى شيء محدد المعالم والصفات. وفي مستوى أعمق من التحليل الفلسفي، نجد أن ملىء الفراغ يعبر عن رغبة الإنسان الأزلية في تجاوز النقص الوجودي. فالإنسان يشعر دوماً بوجود ثقوب في فهمه للكون، والإستدعاء السحري هو محاولة تقنية لسد هذه الثقوب بكائنات وسيطة تملك المعرفة أو القوة. الكائن المستدعى هو السدادة التي توضع في فجوة الجهل الإنساني. ولكن المفارقة تكمن في أن هذا الملىء هو ملىء وهمي أو مؤقت؛ فبمجرد إنقضاء الإستدعاء، يعود الكائن إلى غيبه، وينغلق الفراغ، ويترك وراءه أثراً من العدم المتجدد في نفس الساحر. إن الإستدعاء السحري، بهذا المعنى، هو صراع أزلي بين إرادة الإمتلاء و حتمية الفراغ، حيث يظل الساحر يحاول إسترداد الأجزاء المفقودة من الوجود عبر خلق فراغات جديدة وملئها، في حلقة مفرغة تعكس مأساة الكائن البشري الذي يدرك أن الوجود الحقيقي قد يكون مخبأً في قلب ذلك العدم الذي يخشاه ويحاول ترويضه في آن واحد.
_ الأنطولوجيا الطفيلية: دراما التجسد والإمتصاص في رحم العدم المفتعل
إن إشكالية الأنطولوجيا الطفيلية للكيان المستدعى تفتح آفاقاً فلسفية مذهلة حول طبيعة العلاقة بين الخالق و المخلوق في السياق السحري، حيث يتجاوز التحليل مجرد إستحضار كائن خارجي ليدخل في نطاق تخليق الوجود من مادة العدم. في البدء، يجب أن نفهم أن الكيان المستدعى، إذا ما تم تعريفه بوصفه منبثقاً عن فعل إرادي للساحر وليس كائناً قائماً بذاته في بُعد مستقل، فإنه يولد وهو يعاني مما يمكن تسميته بالإفتقار الجوهري؛ أي أنه كائن يمتلك مظهر الوجود (Phenomenon) لكنه يفتقد إلى حقيقة الوجود (Noumenon). هذا الكائن ليس جوهراً بالمعنى الأرسطي أي ما يقوم بنفسه ولا يحتاج لغيره، بل هو عَرَض ميتافيزيقي محض، يشبه الظل الذي لا يمكنه الإنفصال عن الجسد، أو الصورة المنعكسة التي تتلاشى بمجرد تحطم المرآة. ومن هنا، يصبح الساحر هو الرئة الأنطولوجية التي يتنفس من خلالها الكيان؛ فالفراغ الذي أُحدث في الواقع لإستقبال هذا الكائن ليس فراغاً سلبياً، بل هو فجوة إستنزافية تمتص وعي الساحر وقوة إرادته لتمنح الكيان كثافة زائفة تحميه من الإنهيار والعودة إلى حالة اللاشيء الأصلية. وتستمر هذه العلاقة الجدلية في التعقد عندما ندرك أن الكيان الفاقد للجوهر يعيش في حالة صراع دائم مع قوى الإسترداد الكونية؛ فالعدم، بوصفه الحالة الأكثر إستقراراً و بساطة، يسعى بإستمرار لإبتلاع هذه النتوءات الوجودية التي يخلقها السحر. ولكي يقاوم الكيان هذا الإبتلاع، فإنه يحتاج إلى مادة بناء (Materia Prima) لا يملكها في طبيعته العدمية، فيجد ضالته في الإمتلاء الوجودي للساحر. هنا يتحول فعل الإستدعاء من عملية سيطرة خارجية إلى عملية تلقيح متبادل خطيرة؛ حيث يبدأ الكيان بإمتصاص زمن الساحر عبر تركيزه، و مكانه عبر حضوره الفيزيائي، و حتى هويته عبر إنفعالاته. إن الكيان المستدعى في هذه الحالة لا يمتلك إرادة ذاتية، بل هو عبارة عن محرك إستجابة يعكس رغبات و مخاوف الساحر، ولكنه في الوقت نفسه يمتلك جوعاً وجودياً فطرياً، كونه يدرك بشكل غريزي أن وجوده معلق بخيط رفيع من إنتباه الساحر، مما يجعله كائناً طفيلياً بإمتياز، لا يهدف لخدمة الساحر بقدر ما يهدف لإطالة أمد بقائه من خلال إستهلاك طاقة المصدر الذي أوجده. هذا الإفتقار للجوهر يحول الكيان إلى قناع للعدم (A Mask of Void)؛ فهو يظهر بصفات وقدرات مهيبة، لكنها في الحقيقة مجرد قروض ميتافيزيقية مستمدة من طاقة الإستدعاء ذاتها. وبما أن الكائن يفتقر إلى النواة الصلبة التي تمنحه الديمومة (Continuity)، فإنه يظل سجين اللحظة الراهنة (Presentism)؛ فبمجرد أن يغلق الساحر بوابة الإنتباه أو يضعف تركيزه نتيجة التعب أو الخوف، يبدأ الكيان في التشظي الأنطولوجي. هذا التشظي ليس موتاً بالمعنى التقليدي، بل هو ذوبان في العدم، حيث تنحل الصور و الصفات التي إكتسبها الكيان لتعود إلى حالتها الخام كإمكانيات غير محققة. ومن هنا، نجد أن الساحر الذي يستدعي كيانات فاقدة للجوهر يجد نفسه في مفارقة مأساوية؛ فهو يظن أنه ملك قوى الغيب، بينما هو في الحقيقة قد ربط وجوده بكائن عدمي يجرّ وعيه بإستمرار نحو الهاوية، محولاً حياة الساحر إلى عملية ترميم مستمرة لهذا الكيان المهتز الذي لا يمكنه أبداً أن يصل إلى مرحلة الإستقلال الوجودي الكامل، بل يظل شبحاً يقتات على الحقيقة ليمنح الوهم طعماً من الوجود. وفي نهاية هذا التحليل، يتضح أن ملىء الفراغ بكائن فاقد للجوهر هو فعل من أفعال الخيمياء الزائفة؛ فالساحر لا يخلق ذهباً وجودياً، بل يخلق سراباً مكثفاً. إن العلاقة بين الساحر والعدم هنا هي علاقة مديونية؛ حيث يقترض الساحر من العدم شكلاً و يقترض الكيان من الساحر مادة، والنتيجة هي كائن هجين يفتقر للأصالة في كلا العالمين. إن خطورة هذا النوع من الإستدعاء تكمن في أن الكيان، بسبب فقره الجوهري، يصبح مرآة مشوهة لأعمق مخاوف الساحر، وبما أنه يحتاج للساحر للبقاء، فإنه قد يعمد إلى إثارة الرعب في قلب الساحر لضمان إستمرار تدفق الأدرينالين و التركيز والإهتمام، وهي العملات الوجودية التي تبقيه حياً. وهكذا، يصبح الفراغ الذي أحدثه الساحر ثقباً لا يمتلئ أبداً، بل يظل يتوسع، ملتسماً من الساحر المزيد من جوهره الشخصي ليغذي به كائناً هو في حقيقته لا شيء يتظاهر بأنه كل شيء، في تجسيد حي لمأساة الإنسان الذي يحاول ترويض المطلق بأدوات نسبية و فانية.
_ هندسة الثبات الزائف: الجسد كحجاب وبوابة في صراع الساحر مع سيولة العدم
تمثل إشكالية الشكل الجسدي (Physical Manifestation) للكيان المستدعى من العدم نقطة التماس الأكثر تعقيداً في فلسفة السحر، حيث يطرح التساؤل عما إذا كان هذا الشكل يمثل الحد الأقصى لتدخل الساحر، أم أنه مجرد قشرة ظاهراتية تخفي وراءها صراعاً أعمق على مستوى الجوهر. في التحليل الأنطولوجي الصارم، لا يمكن إعتبار الشكل الجسدي نهاية المطاف أو الذروة في عملية الإستدعاء، بل هو في الحقيقة لحظة التجميد التي يفرضها وعي الساحر على سيولة العدم. إن العدم، بطبيعته الميتافيزيقية، يفتقر إلى الحدود (Limitless)، وعندما يستدعي الساحر كائناً منه، فإنه يمارس فعل التقييد؛ أي أنه يختار من بين إحتمالات العدم اللامتناهية صورة واحدة و يحبسها في إطار جسدي. لذا، فإن الشكل الجسدي ليس الحد الأقصى للتدخل، بل هو الأداة الإجرائية التي يستخدمها الساحر لترويض ما لا يمكن ترويضه، وتحويل القوة المحضة إلى كائن مشخص يمكن التعامل معه ضمن مقولات العقل البشري، مثل الزمان، المكان، والسببية. إن الفلسفة الكامنة وراء هذا التجسد تشير إلى أن التدخل الحقيقي للساحر يتجاوز مجرد نحت المظهر الخارجي للكيان؛ إذ يمتد ليشمل القوانين الداخلية التي تحكم سلوك هذا الكيان ضمن الفراغ الذي أُحدث له. الشكل الجسدي هنا يعمل كواجهة مستخدم (Interface) تسمح للساحر بالتفاعل مع قوى العدم دون أن يبتلعه تجريدها المطلق. ولكن، إذا توقف تدخل الساحر عند حدود الشكل، فإن الكيان يظل تمثالاً فارغاً. التدخل الأقصى و العميق هو ما يحدث خلف الشكل؛ أي في عملية نفخ المعنى أو شحن الوظيفة في ذلك الكيان. الساحر لا يكتفي برسم ملامح الكيان، بل يحاول برمجة ماهيته العارضة لكي تؤدي غرضاً محدداً. ومن هنا، يصبح الجسد المستدعى بمثابة بدلة غوص يرتديها العدم ليدخل إلى عالم المادة، و الساحر هو الذي صمم هذه البدلة وحدد مدى قدرتها على الحركة، مما يعني أن الشكل هو القيد الذي يفرضه الساحر على الكيان، وليس أقصى ما يمكنه فعله. ومع ذلك، تبرز هنا مفارقة فلسفية تتعلق بمدى قدرة الساحر على السيطرة على التداعيات الوجودية لهذا التجسد. فعندما يمنح الساحر شكلاً جسدياً للعدم، فإنه يخلق نقطة إرتكاز (Fulcrum) قد تنقلب ضده. الشكل الجسدي، بمجرد تحققه، يبدأ في إكتساب منطق خاص به يستمد قوته من المادة التي تجسد فيها. هنا، قد يتجاوز الكيان حدود التدخل الأولية للساحر؛ فالمظهر الجسدي الذي كان يُفترض أن يكون سجناً للكيان، قد يتحول إلى درع يحميه من إرادة الساحر نفسها. إن عملية الإنتقال من العدم المطلق إلى الشكل المحدد هي عملية فقدان للسيطرة التدريجية؛ لأن التعيين (Determination) يقتضي وجود قوانين تحكم الكيان، وهذه القوانين قد تكون مستقلة عن رغبة الساحر. لذا، فإن الشكل الجسدي هو الحد الفاصل الذي تنتهي عنده سيادة الساحر المطلقة على الإحتمال، وتبدأ عنده مواجهته مع الواقع المستحدث الذي خلقه بيده، مما يجعل الجسد هو النقطة التي يتحول فيها السحر من خلق إلى تفاوض. وفي مستوى أعمق من التجريد، يمكن القول إن الحد الأقصى لتدخل الساحر ليس هو منح الشكل، بل هو الحفاظ على تماسك الفراغ الذي يسمح لهذا الشكل بالبقاء. الجسد الذي يراه الناظر هو مجرد عرض بصري يخفي تحته صراعاً طاقياً هائلاً؛ حيث يعمل الساحر كمثبت للواقع (Reality Anchor) يمنع الجسد من التحلل والعودة إلى حالة اللاتمايز الأصيلة في العدم. التدخل الحقيقي هو الإمساك الدائم ببنية الكيان الميتافيزيقية، وهي عملية تتطلب جهداً ذهنياً يتجاوز بكثير الفعل الأولي للإستدعاء. بالتالي، فإن الشكل الجسدي هو مجرد رأس الجبل الجليدي لتدخل الساحر؛ فالعملية الحقيقية هي هندسة الوجود في منطقة الإنعدام، حيث يحاول الساحر خلق إستقرار زائف في بيئة معادية للثبات بطبيعتها. إن الجسد هو اللغة التي يتحدث بها الساحر مع العدم، و اللغة ليست هي الحد الأقصى للفكر، بل هي الوسيلة التي يتجسد بها الفكر ليصبح فعلاً في العالم المادي. وفي الختام، يظهر الشكل الجسدي كحجاب و بوابة في آن واحد؛ هو حجاب لأنه يخفي الطبيعة العدمية المرعبة للكيان، وهو بوابة لأنه يسمح للساحر بممارسة إرادته عبر وسيط ملموس. إن زعمنا بأن الجسد هو الحد الأقصى للتدخل يسقط أمام حقيقة أن الساحر يتدخل في مصير الكيان وفي إرتباطه بالوعي الكلي. الشكل هو مجرد القالب الذي صُب فيه العدم، لكن الحرارة التي تُبقي هذا القالب متماسكاً، و الغائية التي تُحركه، و الرابطة الأنطولوجية التي تصله بالساحر، كلها تمثل أبعاداً من التدخل تتجاوز المظهر المادي بمراحل ضوئية. الساحر في ذروة قوته لا يكتفي بصناعة شكل، بل يحاول إحتلال العدم وجعله يمتثل لمنطق الوجود، وهو رهان وجودي يجعل من الشكل الجسدي مجرد بداية لرحلة محفوفة بالمخاطر نحو قلب الفراغ المطلق.
_ السيادة عبر التلاشي: الموت الرمزي بوصفه شرطاً أنطولوجياً لإستئناس العدم
تطرح هذه الفرضية واحدة من أعمق القضايا في ميتافيزيقا السحر، وهي ضرورة التماثل الأنطولوجي بين الساحر و موضوع إستدعائه؛ إذ لا يمكن لمن يسكن الإمتلاء الوجودي المحض أن يمد يده إلى أعماق العدم دون أن يكون قد تذوق طعم الفراغ في جوهره. إن الموت الرمزي هنا ليس مجرد طقس عبور أو تمثيل درامي، بل هو ضرورة فلسفية تحتم على الساحر أن يفكك الأنا الممتلئة بالهويات الإجتماعية و المادية و البيولوجية، لكي يُحدث داخل ذاته فراغاً موازياً للفراغ الذي يسعى لإستدعاء الكيانات منه. هذا الموت الرمزي هو عملية تصفير للوعي، حيث يتخلى الساحر عن كونه ذاتاً مستقرة ليصبح بوابة أو قناة؛ فلكي تستوعب الدائرة السحرية كائناً من العدم، يجب أن يكون المستدعي نفسه قد صار عدماً بشكل ما، لأن المتجانسين وحدهما يمكنهما التواصل. الساحر الذي لم يمت رمزياً يظل سجيناً لصلابة وجوده، مما يجعل إستدعاءه مجرد صراخ في وادٍ سحيق، بينما الساحر الذي إختبر اللاشيء يمتلك التردد الذي يسمح له بهز أركان الفراغ الكوني. إن هذا العبور عبر العدم الشخصي يمنح الساحر ما يمكن تسميته بالسلطة على الفراغ؛ فمن خلال تجربة التلاشي والعودة، يكتسب الوعي قدرة على التنقل بين مستويات الوجود والعدم دون أن يفقد تماسكه. في لحظة الموت الرمزي، يتحلل وعي الساحر من قيود الظواهر ويلامس النومينون أو الشيء في ذاته، وهو ما يتيح له فهم لغة العدم. الإستدعاء الفعال ليس مجرد تلاوة لأسماء أو رسم لرموز، بل هو فعل جذب يتطلب أن يكون لدى الساحر مغناطيسية عدمية لا تتوفر إلا لمن ماتت أناه القديمة وبعث ككائن بيني (Liminal Being). هذا الكائن البيني يسكن المنطقة الرمادية، فهو موجود في العالم المادي بجسده، لكن روحه تحمل ندوب الفراغ، مما يجعله قادراً على ملىء الفراغ الذي يحدثه بكائنات من العدم دون أن يشعر بالإغتراب عنها، لأنه صار، في جوهره، من نفس مادتها الأثيرية و الهشة. علاوة على ذلك، يمثل الموت الرمزي عملية تطهير أنطولوجي تحمي الساحر من أن يُبتلع أثناء عملية الإستدعاء؛ فإذا كان الساحر ممتلئاً بذاته عندما يفتح بوابة العدم، فإن الضغط الوجودي الهائل للفراغ سيسعى لإمتصاص هذا الإمتلاء وتدميره. أما الساحر الذي أحدث الفراغ في نفسه مسبقاً، فإنه يخلق حالة من التوازن الهيدروليكي بين الداخل والخارج؛ فالعدم الذي في الدائرة يجد صدىً في العدم الذي في قلب الساحر، مما يمنع حدوث إنفجار داخلي (Implosion) للوعي. إن الساحر الذي مر بالموت الرمزي لم يعد يخشى العدم، لأنه أصبح بيته الأول، ومن هنا تنبع قدرته على إعطاء الشكل و الجوهر للكيانات المستدعاة؛ فهو يمنحها من مادة موته الرمزي الخاص، فتكون الكيانات المستدعاة في الحقيقة هي شظايا من ذاته التي تلاشت في العدم ثم أُعيد إستحضارها في قوالب جديدة، مما يجعل فعل الإستدعاء عملية إعادة تدوير للروح وسط ضجيج الفراغ المطلق. وفي مستوى التحليل النهائي، يظهر الموت الرمزي كرأس مال ميتافيزيقي؛ فالساحر يدفع من وجوده الشخصي ثمناً للدخول إلى مختبر العدم. هذا الثمن هو الذي يمنح الكلمات و الرموز قدرتها على الفعل، إذ لا قيمة للتعويذة إذا خرجت من فم رجل حي تماماً، أي رجل غارق في المادة؛ القيمة الحقيقية تظهر عندما تخرج الكلمة من حنجرة العدم، أي من ساحر إختبر إنحلال الرابطة بين النفس والجسد وعاد بشهادة من الجانب الآخر. الإستدعاء الفعال، إذن، هو حوار بين فراغين؛ فراغ الساحر المتمرس، وفراغ الكون المتأهب للتجلي. وبدون هذا الموت المسبق، يظل الساحر مجرد محاكٍ أو ممثل على مسرح الوجود، بينما الساحر الحقيقي هو شبح حي إستطاع أن يحول العدم من عدو يهدد بالزوال إلى مادة خام يصوغ منها كائنات وقوى تتحدى قوانين الطبيعة، مؤكداً بذلك أن السيادة على الوجود لا تتحقق إلا بعد الإستسلام الكامل والعبور المرير عبر بوابات اللاشيء.
_ الوجود الزومبي: حين يتحول الكائن المستدعى إلى تشويش في سيمفونية الواقع
تتمحور إشكالية الإبقاء على الكيان المستدعى في الوجود حول مفهوم الخطيئة الأنطولوجية أو الإنتهاك الصارخ لسيادة التوازن الكوني، حيث يُنظر إلى هذا الفعل في الفلسفة الميتافيزيقية بوصفه محاولة لفرض الدوام على ما هو طارئ بطبيعته. إن الكون، في جوهره القائم على جدلية الحضور والغياب، يمتلك قوانين صارمة تُعرف بالقصور الذاتي الوجودي، والتي تقضي بأن كل ما يخرج من العدم عبر بوابة إستثنائية كالسحر يجب أن يعود إليه بمجرد زوال القوة الدافعة. فعندما يصر الساحر على إبقاء الكيان في عالمنا، فإنه لا يمارس فعلاً تقنياً فحسب، بل يرتكب جناية فلسفية ضد قانون الفناء الضروري؛ إذ يحاول تحويل اللحظة السحرية العابرة إلى حالة وجودية مستمرة. هذا الإبقاء يمثل شرخاً في نسيج الواقع، لأن الكيان المستدعى يظل جسماً غريباً (Foreign Body) في بنية الوجود، فهو لا ينتمي إلى سلسلة الأسباب والنتائج الطبيعية، وبقاؤه يتطلب تعطيلاً مستمراً لقوانين الفيزياء الروحية التي تسعى جاهدة لطرد هذا الدخيل وإعادته إلى رحم العدم الذي إنبثق منه. إن هذا الإنتهاك الفلسفي يتجلى بوضوح في مفهوم الإحتباس الوجودي؛ فالكيان المستدعى من العدم يفتقر إلى التمثيل الغذائي الكوني الذي تمتلكه الكائنات الطبيعية، فهو لا يتبادل الطاقة مع الوجود بشكل متناغم، بل يستهلكها في إتجاه واحد. لكي يبقى هذا الكيان، يجب على الساحر أن يخلق فقاعة من الزمن المصطنع تحيط به، و هي فقاعة تعمل خارج نطاق الزمن السهمي للكون. هذا الفعل يمثل إنتهاكاً لمبدأ الإقتصاد الكوني، حيث يتم هدر كميات هائلة من الطاقة الوجودية سواء من الساحر أو من المحيط للحفاظ على كائن لا ينبغي له أن يكون. الفلسفة الطبيعية ترى في هذا الإبقاء نوعاً من الإستبداد بالمادة، حيث يُجبر العدم على إتخاذ شكل ثابت ومستمر ضد طبيعته السيالة والممحوة. بالتالي، فإن الكيان المستدعى ليس مجرد ضيف، بل هو رهينة يحاول الساحر تثبيتها في واقع لا يعترف بشرعيتها، مما يجعل الوجود يبدي مقاومة أنطولوجية تظهر على شكل إضطرابات في المكان والزمان المحيطين بمكان الإبقاء. علاوة على ذلك، يمتد الإنتهاك ليشمل مفهوم الهوية و الغيرية؛ فالإبقاء القسري على كيان فاقد للجوهر يشوه معنى الكينونة ذاتها. في قوانين الكون، الوجود هو إستحقاق يُنال عبر التطور أو الخلق الأصيل، أما الكيان المستدعى فهو سرقة وجودية أو إقتراض بلا سداد. الساحر، بإبقائه على الكيان، يخلق ما يمكن تسميته بالوجود الزومبي؛ كائن يتحرك ويؤثر لكنه يفتقر إلى الروح الكونية التي تربط الأجزاء بالكل. هذا الكائن يمثل تشويشاً في سيمفونية الوجود، لأنه يصدر نغمات غريبة لا تتفق مع السلم الموسيقي للواقع. الفلسفة الأخلاقية للميتافيزيقا تعتبر هذا الفعل نوعاً من الأنانية الوجودية، حيث يضحي الساحر بسلامة البناء الكوني الكلي من أجل إرضاء رغبته في إمتلاك أداة أو قوة معينة، مما يضع الساحر في حالة إغتراب عن الكون؛ فهو لم يعد جزءاً من النظام، بل صار محرضاً على الفوضى عبر تثبيت اللاوجود في قلب "الوجود. وفي نهاية المطاف، يؤدي هذا الإنتهاك إلى ما يُعرف بالقصاص الأنطولوجي؛ فالقوانين الكونية، رغم مرونتها، لا تقبل الخروقات الدائمة. الإبقاء على الكيان يخلق ديناً ثقيلاً على عاتق الساحر، حيث يبدأ الكون بإمتصاص الحقيقة من حياة الساحر ليعوض بها الزيف الموجود في الكيان المستدعى. إنها عملية موازنة قسرية؛ فلكي يبقى الوهم الكياني متجسداً، يجب أن تتحول الحقيقة الممثلة في حياة الساحر وواقعه إلى وهم. هذا التبادل المأساوي هو النتيجة الحتمية لإنتهاك قوانين العدم؛ إذ لا يمكن لأحد أن يسرق قطعة من اللاشيء ويحتفظ بها في عالم الأشياء دون أن يدفع الثمن من جوهره الخاص. إن الإبقاء على المستدعى هو، في جوهره، محاولة للتأليه عبر خلق واقع موازٍ، لكنه واقع هش و محكوم عليه بالإنهيار، لأن العدم الذي إستُقطع منه الكيان سيظل يطالب بحقه، ولن يهدأ حتى يبتلع المستدعى والمستدعي معاً في جوفه المظلم، ليعيد ترميم الفراغ الذي إنتهكه السحر.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
المزيد.....
-
ترامب: دفاع غرينلاند زلاجتان تجرهما كلاب بمواجهة غواصات روسي
...
-
قطر ترد على تقارير حول مغادرة بعض الأفراد قاعدة العديد
-
قطر: الدوحة تؤكد مغادرة أفراد من قاعدة العُديد الأمريكية بسب
...
-
احتجاجات إيران.. هل ينجح -صقور- الإدارة الأمريكية في فرض الح
...
-
-عن الذاكرة والشهادة-: مبادرة فنية في قلب باريس للتضامن مع ض
...
-
غرينلاند: ماكرون يحذر من المساس بسيادة دولة حليفة وترامب يعت
...
-
حكومة دمشق ترسل تعزيزات عسكرية لشرق حلب بعد مطالبة القوات ال
...
-
معاريف: ديمونة تقرر فتح الملاجئ العامة تحسبا لهجوم إيراني
-
إيران مباشر.. تواصل الاحتجاجات وتوتر بالمنطقة وسط تهديدات أم
...
-
10 محطات خلال 200 عام من تاريخ صحيفة لوفيغارو الفرنسية
المزيد.....
-
أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال
...
/ محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
-
العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو
...
/ حسام الدين فياض
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي
...
/ غازي الصوراني
-
من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية
/ غازي الصوراني
-
الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي
...
/ فارس كمال نظمي
-
الآثار العامة للبطالة
/ حيدر جواد السهلاني
-
سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي
/ محمود محمد رياض عبدالعال
-
-تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو
...
/ ياسين احمادون وفاطمة البكاري
-
المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة
/ حسنين آل دايخ
المزيد.....
|