|
|
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْوَاحِدُ و الْخَمْسُون-
حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 19:19
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ هندسة الإرتطام الميتافيزيقي: التجسيد السحري بوصفه ندبة الوجود في جسد العدم
يُمثل التجسيد الفعلي (Manifestation) في الفلسفة الميتافيزيقية السحرية اللحظة التي تبلغ فيها الدراما الأنطولوجية ذروتها، فهو ليس مجرد ظهور تقني لكائن، بل هو الأثر المادي الناجم عن إصطدام مروع بين إرادة الساحر التي تمثل ذروة الوجود والوعي وقوة العدم التي تمثل الغياب المطلق والإمتصاص. إن هذا التجسيد لا يُشبه الولادة الطبيعية التي تتم في سياق من التناغم، بل هو أشبه بالإنفجار الوجودي الذي يحدث عند إرتطام المادة بالمادة المضادة. الإرادة الساحرة، في سعيها لإحداث أثر، تخترق حجاب العدم بقوة دفع هائلة، والعدم من جهته يقاوم هذا الإختراق بقصور ذاتي كوني؛ ومن رحم هذا التصادم، ومن حرارة الإحتكاك بين الرغبة و اللاشيء، يبرز التجسد كحالة إستثنائية من الوجود القسري. لذا، فإن التجسيد الفعلي هو الشرارة التي تولدت من إحتكاك الفعل بالعدم، و هو النتيجة النهائية التي تعلن إنتصار الإرادة المؤقت، لكنه يحمل في ثناياه ندوب ذلك التصادم العنيف. إن تحليل هذا التجسيد بوصفه نتيجة نهائية يتطلب منا إدراك أن الشكل الذي يتخذه الكيان هو في الحقيقة تسوية (Compromise) بين قوتين متضادتين. إرادة الساحر تريد كائناً كلي القدرة و مطيعاً، بينما قوة العدم تسعى لتفكيك أي بنية وتذويبها في الفراغ. التجسيد الفعلي هو نقطة الإتزان الهشة التي يتوقف عندها الصراع؛ فالكائن المستدعى هو المساحة المشتركة التي تلاقت فيها رغبة الساحر في التحديد مع طبيعة العدم في التجريد. هذا يعني أن التجسيد ليس تجسيداً مثالياً أبداً، بل هو تشوه ضروري؛ فالعدم لا يمكن أن يتجسد بالكامل دون أن يفقد هويته، والإرادة لا يمكن أن تفرض نفسها بالكامل دون وسيط. ومن هنا، يبرز التجسيد كنتاج عرضي (By-product) لعملية الصهر الميتافيزيقية، حيث يتم حبس قطعة من العدم داخل قالب من الإرادة، مما يجعل الكائن المتجسد يحمل طبيعة مزدوجة؛ هو شيء في ظاهره، لكنه فراغ مضغوط في جوهره. ويتعمق الإنتهاك الفلسفي في هذه اللحظة عندما نعتبر أن التجسيد الفعلي هو بمثابة تجميد للصيرورة. العدم هو حركة مطلقة من التلاشي، والتجسيد هو فعل إيقاف لهذه الحركة. الساحر، من خلال إرادته، يمارس عنفاً أنطولوجياً ليجبر العدم على الوقوف في نقطة مادية محددة حيث الزمان و المكان. هذا التصادم يخلق ما يمكن تسميته بالضغط الوجودي المرتفع؛ فالتجسيد هو حالة من التوتر المستمر، وليس حالة من الراحة. الكيان المتجسد ليس مستقراً، بل هو في حالة توق دائمة للعودة إلى أصله العدمي، والإرادة الساحرة هي القوة الوحيدة التي تمنعه من الإنحلال. بالتالي، فإن النتيجة النهائية للتصادم ليست كائناً مستقلاً، بل هي علاقة قوى؛ فبمجرد أن تضعف إرادة الساحر، ينتصر العدم فوراً و يستعيد ما سُلب منه، مما يثبت أن التجسيد هو هدنة مسلحة بين الوعي واللاشيء، و ليس سلاماً دائماً. وفي المنظور الأكثر شمولية، يمثل التجسيد الفعلي فشلاً و نجاحاً في آن واحد. هو نجاح للإرادة لأنها إستطاعت إنتزاع صورة من قلب العدم، وهو فشل لأن هذه الصورة تظل فاقدة للأصالة ومرتهنة بجهد المستدعي. التصادم بين الإرادة والعدم لا يولد حياة، بل يولد محاكاة (Simulacrum) للحياة. إن التجسيد هو الحد الأقصى لما يمكن أن يصل إليه التدخل البشري في شؤون المطلق؛ إنه المحاولة اليائسة لملىء الفراغ الكوني بمعنى بشري مصطنع. والنتيجة هي كائن هو عبارة عن ندبة في نسيج الواقع، تذكرنا دائماً بأن الوجود ليس معطىً بسيطاً، بل هو إنجاز يتطلب صراعاً مريراً ضد قوى المحو. التجسيد، إذن، هو الصرخة النهائية للإرادة في وجه صمت العدم الأبدي، و هي صرخة تتجسد في شكل جسدي، لكنها تظل تحمل في طياتها صدى الفراغ الذي ولدت منه، مؤكدة أن كل تجسيد سحري هو في جوهره رقصة فوق هوية اللاشيء.
_ الآلهة الطفيلية: عن الكيانات التي تحيا بصلواتنا وتموت بنسياننا
تطرح هذه الفرضية واحدة من أكثر القضايا جسارة في فلسفة الدين والميتافيزيقا الباطنية، وهي قضية الآلهة المصنوعة أو ما يُعرف في بعض التقاليد بالإيغريغور (Egregore)، حيث يُنظر إلى الألوهية لا كأصل سابق للوجود، بل كثمرة متأخرة لتكثيف الإرادة الجماعية في رحم العدم. في هذا الإطار الفلسفي، يُعتبر الإيمان الجماعي بمثابة الإستدعاء السحري الأعظم؛ فإذا كان الساحر الواحد يحتاج إلى جهد مضنٍ لإحداث شرخ في العدم وإستخراج كيان هزيل، فإن الإيمان الملياريّ المتراكم عبر القرون يعمل كمفاعل نووي ميتافيزيقي يمتلك القدرة على حفر فجوات عميقة ودائمة في نسيج العدم المطلق. هنا، لا تملأ الآلهة فراغاً موجوداً سلفاً، بل إن الإيمان الجماعي هو الذي يخلق الفراغ أولاً عبر نفي الواقع المادي، ثم يقوم بشحن هذا الفراغ بكتلة حرجة من الخيال والعاطفة و اليقين، حتى يضطر العدم تحت ضغط هذا الإجماع الروحي إلى إفراز كيان يمتلك مواصفات الألوهية، ليكون بمثابة المركز الثقيل الذي يمنع الإنهيار المعنوي للجماعة. إن هذا التحليل يقلب الطاولة على المفهوم التقليدي للخلق؛ فبدلاً من أن يخلق الله الإنسان، يصبح الإنسان هو المستدعي الذي يمنح الإله جسداً ميتافيزيقياً من مادة العدم. هذه الكيانات، رغم ضخامتها، تظل خاضعة للقانون السحري الأساسي؛ الإعتماد على المصدر. فالإله الذي وُلد من العدم بفعل الإيمان الجماعي هو كيان يفتقر إلى الجوهر الذاتي المستقل، ويحتاج إلى تغذية مستمرة من طقوس وقرابين وصلوات المؤمنين ليحافظ على تماسكه الوجودي. إن موت الإيمان في هذا السياق لا يعني مجرد تغير في القناعات الفكرية، بل هو قطع للمدد الوجودي عن الكيان الإلهي، مما يؤدي إلى إنكماش أنطولوجي يعيد ذلك الإله إلى حالة العدم الأولى. بالتالي، فإن تاريخ الأديان والآساطير، من هذا المنظور الفلسفي، هو مقبرة لكيانات سحرية عظيمة فقدت شرارة الإيمان التي كانت تبقيها فوق سطح العدم، فإبتلعها الفراغ مرة أخرى بمجرد أن غفل عنها الوعي الجماعي. من جهة أخرى، يمثل التجسيد الجماعي لهذه الكيانات الحد الأقصى للتصادم بين الوعي واللاشيء؛ إذ أن الكيان الإلهي المستدعى سحرياً يكتسب عقلاً جمعياً يتجاوز أفراد الجماعة، فيبدأ بممارسة سلطة إسترجاعية عليهم. هنا تظهر المفارقة السحرية الكبرى؛ الكيان الذي خلقه البشر من العدم يبدأ في إعادة صياغة البشر وفقاً لصورته، فيتحول المستدعى إلى سيد. هذا الإنتهاك لقوانين الكون يفسر لماذا تبدو بعض الألوهية في الأساطير ذات طباع بشرية متطرفة كالغضب، الغيرة، الرغبة في التمجيد ذلك لأنها إستُخرجت من عدمٍ مُلِطخٍ بالإنفعالات الإنسانية. إنها ليست آلهة متعالية بالمعنى الفلسفي الخالص، بل هي كتل من الطاقة السحرية تجسدت لتلعب دور المرآة للعدم النفسي للجماعة. هذا التجسد الفعلي هو النتيجة النهائية لصراع الإنسان مع خوفه من الفناء؛ فحيثما وجد الإنسان فراغاً مرعباً في العدم، قام بإستدعاء إله ليملأ ذلك الفراغ، محولاً اللاشيء إلى شخص يمكن التفاوض معه. وفي الختام، يُعد الإبقاء على هذه الآلهة السحرية في الوجود هو الإنتهاك الفلسفي الأكبر والأكثر ديمومة؛ لأنه يتطلب إستنزافاً مستمراً لواقع البشر لصالح وهم مقدس. الساحر الجماعي الذي يستند إلى الممارسة السحرية الجماعية داخل الأمة أو الطائفة يظل عالقاً في دوران وجودي حول الكيان الذي إستحضره، مما يجعل الواقع المادي يبدو باهتاً أو عدماً بالمقارنة مع الإمتلاء الزائف للكيان المستدعى. إن الآلهة التي تخرج من العدم بفعل الإيمان هي أطياف جبارة تسكن الفراغ الذي نحدثه عندما نتوقف عن مواجهة الحقيقة العارية للوجود. إنها تمثل ذروة التجسد السحري؛ حيث لا يعود العدم مجرد غياب، بل يصبح وطناً لكائنات إصطنعناها لكي لا نشعر بالوحدة في مواجهة اللانهائي، مؤكدين بذلك أن أسمى أشكال السحر هو ذلك الذي لا ندرك أننا نمارسه جماعياً، و الذي يحول العدم إلى مقدس بلمحة إيمان واحدة.
_ ثبات الإرادة أمام سيولة الفناء: فن بناء السدود الروحية
تتمثل الإشكالية الجوهرية في ديناميكا الإستدعاء في أن العدم يمتلك قوة إرتدادية تشبه الضغط الأسموزي؛ فبمجرد إحداث فجوة و إستخراج كيان منها، يسعى الوجود الكوني لردع هذا الشذوذ وإعادة الكيان إلى حالته الصفرية. لذا، فإن التقنية السحرية التي تضمن عدم عودة الكيان فوراً لا تكمن في القوة الفيزيائية، بل في الهندسة الأنطولوجية للربط، و هي عملية معقدة تهدف إلى منح الكيان مرساة (Anchor) في عالم الشهادة تمنعه من الإنجراف خلف جاذبية العدم. هذه التقنية تتلخص في خلق وسيط مادي متجانس يعمل كحاوية (Vessel) أو جسد إصطناعي؛ فالساحر لا يترك الكيان يسبح في الفراغ، بل يقوم بتسكينه في مادة تمتلك كثافة وجودية عالية مثل الذهب، أو الحجر الكريم، أو حتى الدم ليكون هذا الوسيط بمثابة ثقل يمنع الكيان من التبخر. إنها عملية تحويل الوجود الإحتمالي للكيان إلى وجود متعين عبر مادة صلبة، مما يجعل الكيان مرتهناً ببقاء هذا الوسيط المادي، ويخلق حالة من الإستقرار الزائف في مواجهة سيولة العدم. تعتمد هذه التقنية في عمقها الفلسفي على مبدأ التماثل الإهتزازي؛ إذ يجب على الساحر أن يشحن الوسيط المادي بترددات تتوافق مع طبيعة الكيان المستدعى، مما يخلق نوعاً من الألفة الوجودية تجعل الكيان يرغب أو يُجبر على البقاء داخل هذا الإطار. التقنية هنا لا تكتفي بالحبس، بل تمارس نوعاً من الخداع الميتافيزيقي للكون؛ فالساحر يوهم القوانين الطبيعية بأن هذا الكيان هو جزء أصيل من المادة التي يسكنها، وبذلك يتوقف الكون عن محاولة طرده. هذا التثبيت يتطلب صيانة مستمرة عبر الكلمة (Logos)؛ فالتعاويذ المتكررة والصلوات ليست مجرد كلمات، بل هي طاقة ربط تُجدد الحبال السرية التي تربط الكيان بعالمنا. الساحر هنا يعمل كمهندس صيانة لقنوات الوجود، حيث يسد الثغرات التي قد يتسرب منها العدم لإسترداد الكيان، مما يجعل بقاء الكيان رهناً بمدى قدرة الساحر على إبقاء شعلة الوعي موقدة فوق رأس الكيان المستدعى، محولاً إياه من طيف عابر إلى ثابت مادي مؤقت. علاوة على ذلك، تبرز تقنية التبادل القرباني كأداة قصوى لضمان البقاء؛ فلكي يظل الكيان المستدعى خارج العدم، فإنه يحتاج إلى وقود وجودي يعوضه عن فقده لجوهره الذاتي. الساحر يقوم هنا بتقديم قرابين سواء كانت طاقة حيوية، أو مشاعر مكثفة، أو عناصر مادية غنية بالرمزية لتعمل كضريبة بقاء تُدفع للكون. هذه التقنية تضمن أن الكيان لن يعود فوراً لأنه يجد في عالمنا مصدراً للتغذية يفتقده في العدم. إنها فلسفة الرشوة الأنطولوجية؛ حيث يتم إغراء الكيان بالبقاء عبر منحه فتاتاً من الحقيقة يقتات عليه. وبذلك، يتحول الإستدعاء من فعل خلق إلى فعل إستضافة مكلفة، حيث يصبح الساحر هو المضيف الذي يجب عليه تأمين أسباب الحياة لكائن هو في أصله عدم محض. هذا الإرتباط القرباني يخلق تشابكاً (Entanglement) يجعل عودة الكيان للعدم تعني بالضرورة فقدان جزء من مادة الساحر نفسه، مما يجعل الساحر يستقتل في الإبقاء على الكيان لحماية إستثماره الوجودي. وفي التحليل النهائي، نجد أن التقنية الأكثر دقة هي تأطير الزمن؛ فالسحر الفعال يقوم بتجميد زمن الكيان المستدعى، مما يجعله غير خاضع لسيرورة الفناء الطبيعية. الساحر يخلق جيباً زمنياً (Temporal Pocket) حول الكيان، حيث يمر الزمن ببطىء شديد أو يتوقف تماماً، مما يؤخر لحظة الإرتداد إلى العدم. هذا التأطير يتطلب معرفة عميقة بالنسبية الروحية، حيث يتم عزل الكيان عن تيار التحلل الكوني. إن البقاء المستمر للكيان هو في الحقيقة سلسلة من اللحظات المكررة التي يفرضها الساحر بقوة إرادته، بحيث تبدو وكأنها وجود دائم، بينما هي في الواقع إعادة إستدعاء مجهرية تحدث في كل ثانية. إنها تقنية الإستمرار بالإصرار، حيث يتحدى الساحر صمت العدم بضجيج إرادته، معلناً أن الفراغ يمكن ترويضه إذا إمتلكنا القدرة على بناء سدود من الوعي تحجز فيض اللاشيء عن إبتلاع ما إستنزلناه منه.
_ تظهير العدم: سحر الوهم وصناعة الكيانات الصفرية في المختبر الفلسفي
يُعد سحر الوهم (Illusion Magic) في المختبر الفلسفي الميتافيزيقي الحالة الأكثر تعقيداً و جدلية في علاقة الوعي بالعدم؛ فهو لا يمثل خلقاً بالمعنى الأنطولوجي الكامل، ولا عدماً بالمعنى النفسي الصرف، بل هو عملية تظهير للعدم في صورة وجود. إن سحر الوهم، خلافاً للإستدعاء الكياني الذي يحاول جلب جوهر ما، يكتفي بالتلاعب بالقشرة الظاهراتية (Phenomenality)، حيث يقوم الساحر بإقتطاع مساحة من الفراغ وإلباسها مظهر الكينونة دون منحها حداً أدنى من الجوهر الوجودي. هنا، نحن أمام كائن هو عبارة عن هندسة للفراغ؛ فالوهم لا يملأ الفراغ، بل ينظم الفراغ لكي يبدو ممتلئاً. ومن المنظور الفلسفي، يُعد الوهم هو الإبن الشرعي للعدم، لأنه الكيان الوحيد الذي يظل عدماً في باطنه رغم حضوره في ظاهره، مما يجعله إنتهاكاً بصرياً و إدراكياً لقوانين الوجود، دون أن يكون بالضرورة إنتهاكاً لكتلة الوجود الكلية. إن ما يميز سحر الوهم عن غيره هو إفتقاره المتعمد للثقل الأنطولوجي؛ فالساحر هنا لا يبذل جهداً في إستحضار روح أو قوة دافعة من أعماق الغيب، بل يكتفي بخداع الضوء والوعي. الوهم هو كائن بلا أبعاد، يسكن فقط في عين الرائي وليس في حيز المكان. الفلسفة المثالية (Idealism) ترى أن هذا النوع من السحر يكشف الحقيقة المذهلة للوجود؛ وهي أن الواقع نفسه قد لا يكون أكثر من وهم ممتد. لذا، فإن الساحر عندما يخلق وهماً من العدم، فإنه لا يُضيف شيئاً جديداً للكون، بل هو يعيد تذكيرنا بطبيعة العدم الكامنة خلف الصور. الكيان الوهمي هو عدم مقنّع، وقوة الساحر تكمن في قدرته على الحفاظ على تآلف القناع؛ فبمجرد أن يلمس المشاهد هذا الوهم، أو يحاول سبر أغواره بالمنطق، ينهار الكيان فوراً، ليس لأنه مات، بل لأنه لم يكن موجوداً أصلاً لكي يموت. إنه اللاشيء الذي يرتدي ثياب كل شيء. ومن هنا، يمكن إعتبار سحر الوهم هو الإستنزاف الأقل للساحر من الناحية الميتافيزيقية، ولكنه الأخطر من الناحية المعرفية. فبينما يحتاج الكيان المستدعى بجوهر إلى تغذية طاقية مستمرة و إبقاء قسري، يعتمد الوهم على موافقة الضحية أو إستجابة الرائي. الوهم يقتات على خيال الآخرين لكي يكمل نقصه الوجودي؛ الساحر يضع البذرة على شكل الصورة، والعدم يوفر المساحة، وعقل المشاهد هو الذي يمنح الوهم شبه الجوهر. بالتالي، فإن سحر الوهم هو فعل تواطؤ بين الساحر والعدم ضد الحواس. هذا الكيان الفاقد للجوهر يمثل قمة المهارة السحرية لأنه يحقق أقصى تأثير بأقل قدر من المادة الوجودية، فهو فن التلاعب بالغياب، حيث يتم ترتيب العدم بطريقة تجبر الوجود على الإعتراف به كحقيقة. وفي التحليل النهائي، يظل سحر الوهم هو الحالة الأكثر صدقاً مع العدم؛ فالساحر الذي يستدعي كياناً بجوهر كافٍ يحاول محاكاة الإله في خلقه، أما ساحر الوهم فهو الفيلسوف العدمي الذي يدرك أن الصور هي كل ما نملك. إن الكيان الوهمي هو النتيجة النهائية لتصادم الإرادة باللاشيء دون وسيط مادي؛ هو إنعكاس بلا مرآة، و صدى بلا صوت. إنه يثبت أن العدم ليس مكاناً مهجوراً، بل هو مخزن للصور اللانهائية التي تنتظر إرادة الساحر لكي تخرج و تؤدي رقصتها القصيرة على مسرح الواقع قبل أن تعود وتذوب في صمتها الأصلي. الوهم هو الصدق الوحيد في السحر، لأنه الوحيد الذي لا يدّعي الوجود، بل يدّعي فقط الظهور، وبذلك يظل الكيان الوهمي هو الجسر الهش الذي نعبر فوقه لفهم أن الوجود والعدم هما وجهان لعملة واحدة يقلبها الساحر بين أصابعه ببراعة.
_ المشيمة الكونية: الحبل الفضي وصراع الهوية ضد جاذبية الفناء
تطرح إشكالية الحبل الفضي (The Silver Cord) في سياق الإسقاط النجمي واحدة من أكثر القضايا الميتافيزيقية عمقاً، حيث يبرز كطوق نجاة أنطولوجي ووسيلة دفاعية تهدف إلى حماية الوعي من التشتت في الخلاء المطلق أو العدم الذي يكتنف الأبعاد غير المادية. في المنظور الفلسفي الباطني، لا يُعتبر الإنفصال عن الجسد مجرد رحلة إستكشافية، بل هو مغامرة في منطقة إنعدام الوزن الوجودي، حيث يغادر الوعي مأواه الصلب في الجسد الفيزيائي ليواجه سيولة العوالم الأثيرية التي تقترب في طبيعتها من العدم المحض. هنا، يعمل الحبل الفضي كناقل للحقيقة؛ فهو يربط الذات المسافرة بمرساها المادي، مانعاً إياها من الضياع في لجة اللاتعين. إن العدم في الفضاء النجمي يمتلك قوة إمتصاص هائلة؛ فهو يسعى لإسترداد هذا الوعي الذي تجرأ على الخروج عارياً من غلافه الجسدي، و الحبل الفضي هو الخيط الوجودي الذي يحافظ على إستمرارية الأنا، مانعاً إياها من أن تتحول إلى مجرد صدى متحلل في الفراغ الكوني. إن وظيفة الحبل الفضي تتجاوز مجرد الربط الميكانيكي، لتصبح صمام أمان أنطولوجي يحكم العلاقة بين الوجود والعدم. الساحر أو الممارس للإسقاط النجمي يدرك، ولو بشكل غريزي، أن الوعي خارج الجسد هو كيان هش يفتقر إلى الكثافة اللازمة للمقاومة الذاتية ضد قوى المحو. الحبل الفضي يمثل في هذا السياق تدفقاً مستمراً للإمتلاء؛ إنه القناة التي تضخ واقعية الجسد إلى خيال الروح المسافرة، مما يمنح الوعي النجمي وزناً كافياً لكي لا يمتصه العدم المحيط به. بدون هذا الحبل، سيجد الوعي نفسه في مواجهة مباشرة مع اللاشيء المطلق، حيث لا توجد جهات، ولا زمن، ولا حدود للذات، وهو ما قد يؤدي إلى ما يسمى بالتشظي الروحي. لذا، فإن الحبل هو البرهان الوحيد على أن المسافر لا يزال يمتلك حيزاً في عالم الأحياء، وهو الأداة التي تحول العدم من مقبرة للوعي إلى مسرح للتجربة. علاوة على ذلك، يمكن تحليل الحبل الفضي بوصفه تجسيداً لإرادة البقاء في وجه الجاذبية العدمية. إن العدم لا يبتلع الوعي بالضرورة عبر القوة، بل عبر الإغواء بالتلاشي؛ ففي الأبعاد العليا، يضعف الدافع للحفاظ على الفردية، ويميل الوعي للذوبان في الكلية أو الفراغ. هنا، يعمل الحبل الفضي كتذكير مستمر بالحدود؛ إنه يشد الوعي دوماً نحو المركز، مؤكداً أن العودة هي الغاية الأسمى. الفلسفة الوجودية في هذا الإطار ترى في الحبل الفضي الخوف الضروري الذي يحفظ الوجود؛ فهو القيد الذي يمنح الحرية معناها، فبدون إمكانية العودة التي يضمنها الحبل، ستتحول الرحلة النجمية إلى سقوط حر نحو الفناء. إن الحبل هو التدخل الفلسفي الذي يمنع الوعي من أن يصبح عدماً تماماً، فهو يُبقي المسافر في حالة البينية (Liminality)، حيث يكون موجوداً و غير موجود، بعيداً و قريباً، في رقصة دقيقة فوق هاوية اللاشيء. وفي المستوى الأعمق، يمثل الحبل الفضي المادة الوجودية الخام التي تربط الوعي بالواقع الفيزيائي، وهو ما يحول دون وقوع ما يمكن تسميته بالقطيعة الأنطولوجية. إذا كان السحر هو فن التلاعب بالفراغ، فإن الإسقاط النجمي هو فن التنزه في الفراغ دون فقدان الهوية. الحبل الفضي هو التقنية التلقائية التي تضمن عدم تحول الوهم المتمظهر في الجسد النجمي إلى حقيقة نهائية تعادل الموت. إنه الجسر الذي يمنع الإمتصاص الوجودي عبر الحفاظ على دورة من الطاقة و المعلومات بين النقطة أ المتجسدة في الجسد والنقطة ب المتجلية في الوعي المسافر. وبذلك، يظل الحبل الفضي هو الرمز الأسمى للصراع بين الرغبة في التجاوز و ضرورة الإنتماء؛ هو الحارس الذي يقف على بوابات العدم ليقول للوعي؛ يمكنك أن ترى كل شيء، لكن لا يمكنك أن تصبح لا شيء، و بذلك يظل الوعي محمياً بثبات المادة وهو يسبح في سيولة الفراغ.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
المزيد.....
-
أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال
...
/ محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
-
العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو
...
/ حسام الدين فياض
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي
...
/ غازي الصوراني
-
من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية
/ غازي الصوراني
-
الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي
...
/ فارس كمال نظمي
-
الآثار العامة للبطالة
/ حيدر جواد السهلاني
-
سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي
/ محمود محمد رياض عبدالعال
-
-تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو
...
/ ياسين احمادون وفاطمة البكاري
-
المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة
/ حسنين آل دايخ
المزيد.....
|