حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 23:46
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ الوجود في فجوة العدم: سيكولوجيا الساحر ككائن يتجاوز الحدود
إن سيكولوجيا الساحر ليست مجرد دراسة في مهارة اليد أو سرعة الخداع، بل هي دراسة في أنطولوجيا الغياب؛ فالساحر هو الكائن الوحيد الذي قرر عمداً أن يفكك إستقرار العالم المادي ليعيد بناءه على أسس من الهشاشة والوهم. تبدأ هذه الرحلة السيكولوجية بلحظة الكشف المرعب، حيث يدرك الساحر أن قوانين الفيزياء والمنطق التي تحكم حياة البشر ليست سوى إتفاقات جمعية يمكن إختراقها. في هذه اللحظة، يسقط الساحر في هوة العدم الذي خلقه بنفسه؛ لأنه بمجرد أن يكتشف كيفية التلاعب بالواقع، يفقد الواقع قدسيته وثباته في نظره. الساحر يعيش في حالة قلق وجودي مستمر، فهو يرى العالم كمجموعة من الميكانيكات القابلة للكسر، و هذا الإدراك يضعه في مواجهة مباشرة مع الفراغ؛ فإذا كان كل شيء قابلاً للتزييف، فما هو الحقيقي؟ هنا يتحول الساحر إلى نبي للعدم، يبشر بالدهشة بينما يسكن هو في قلب الصمت الذي يعقب إكتشاف السر. إن هذا العدم الذي يواجهه الساحر ليس فراغاً سلبياً، بل هو عدم خلاق يجبره على أن يكون في حالة خلق دائم لتعويض النقص في يقينه الشخصي. الساحر، في سيكولوجيته العميقة، يعاني من لعنة المعرفة؛ فهو الشخص الذي يعرف أن المرأة لم تنقسم إلى نصفين، وأن الأرنب لم يأتِ من الفراغ، ومع ذلك يجب عليه أن يعيش داخل هذا الكذب كما لو كان حقيقة. هذه الإزدواجية تخلق إنشطاراً في الذات (Split Self)؛ ذاتاً تعرف الحقيقة العارية الباردة، وذاتاً تتقمص دور الخالق الذي يمنح الوجود لما ليس موجوداً. العدم هنا يصبح هو المادة الخام التي يعمل بها الساحر؛ إنه يطوع اللاشيء ليصنع منه وهماً يبدو أكثر بريقاً من الواقع نفسه. لكن المفارقة تكمن في أن الساحر، كلما نجح في إبهار الجمهور، إزداد شعوره بالوحدة الوجودية؛ لأن الجمهور يصفق للنتيجة بينما يظل الساحر محبوساً في العملية التي هي في جوهرها تجريد للشيء من معناه الأصلي و تحويله إلى أداة للتضليل. تتفاقم هذه المواجهة مع العدم عندما يدرك الساحر أن فنه هو تأجيل مستمر للحقيقة. إن السحر في جوهره هو صراع ضد الزمن وضد الحتمية، وهو محاولة يائسة لفرض إرادة الإنسان على عبثية الكون. الساحر يواجه العدم من خلال اللعب، لكنه لعب بطعم الرماد؛ لأنه يعلم أن الستار سيسدل في النهاية و أن كل ما بناه من قصور هوائية سيتلاشى. سيكولوجية الساحر هي سيكولوجية السيزيفي الذي يرفع صخرة الوهم إلى قمة الجبل، مدركاً أنها ستسقط في لحظة التنوير كونها لحظة إكتشاف الخدعة. هذا العدم الذي يحدق في الساحر يدفعه نحو نوع من التأليه الذاتي التعويضي؛ فبما أنه لا يوجد نظام ثابت في الكون، فإنه سيعلن نفسه سيداً على النظام داخل حدود المسرح. إنها إرادة القوة التي تتجلى في التحكم الكامل في إدراك الآخرين، وهي وسيلة الساحر الوحيدة للإنتصار ولو مؤقتاً على شعوره بالضياع في كون لا يمنح تفسيرات. وفي الطبقات الأكثر عمقاً لهذه السيكولوجية، نجد أن الساحر يمثل الشهيد الوجودي. إنه يضحي بصلابة عالمه الخاص وبسلامه النفسي لكي يمنح الآخرين لحظة من الدهشة المقدسة التي تعيدهم إلى طفولة الوجود قبل إكتشاف المنطق. الساحر يسكن في الفجوة بين الكينونة والعدم؛ هو يعرف أن السحر غير موجود، لكنه يجعل العدم يحدث كواقع ملموس. هذا التوتر الدائم بين المعرفة والإعتقاد يحول حياته إلى طقس جنائزي مستمر لليقين. إنه يواجه العدم بالجمال، ويواجه العبث بالإتقان، لكنه يظل دائماً ذلك الكائن الذي ينظر إلى المرآة فلا يرى الساحر، بل يرى الفراغ الذي يرتدي ثياب الساحر. إن مواجهة الساحر لعدمه هي في الحقيقة مواجهة الإنسان لأكبر مخاوفه؛ أن يكون خلف هذا الكون العظيم مجرد خدعة متقنة لا تملك أي معنى جوهري سوى البراعة في الأداء.
_ أنطولوجيا الكائن المستدعى: تشكيل الوجود من طينة العدم والخيال
لنغص إذن في جوهر الكينونة المُستدعاة، ذلك الكيان الذي لا ينتمي لعالم المادة الصلبة ولا لعدم الصرف، بل يتشكل في المنطقة الرمادية بين الخيال والواقع. هذا التحليل سيحفر عميقاً في كيفية إنبثاق الكائن السحري من مادة الفراغ و كيف يقاوم التلاشي تحت ضربات المنطق. إن طبيعة الكائن الذي يستحضره الساحر سواء كان كائناً رمزياً، أو فكرة متجسدة، أو حتى وهماً بصرياً تمثل ذروة التحدي للعدم؛ فهذا الكائن لا يُشتق من مادة سابقة الوجود، بل هو إنبثاق (Emergence) قسري من رحم الخيال المحض. في الفلسفة السحرية، الخيال ليس مجرد مرآة تعكس الواقع، بل هو معمل كيميائي يحول العدم إلى كينونة. الكائن المستدعى هو كائن هجين أنطولوجياً؛ فهو يمتلك حضوراً يفرض نفسه على الحواس، لكنه يفتقر إلى الجوهر المستقل. إنه كائن يعيش فقط في لحظة الإدراك، مما يجعله تجسيداً حياً للفلسفة المثالية التي تقول بأن الوجود هو الإدراك. الساحر هنا لا يخلق مادة، بل يخلق علاقة؛ وبمجرد أن تنقطع هذه العلاقة بين وعي المشاهد والحدث السحري، يعود الكائن فوراً إلى مادة العدم التي جاء منها، مما يجعل هذا الكائن كائناً تراجيدياً بإمتياز، إذ إن شرط وجوده هو نفسه شرط فنائه. يتشكل هذا الكائن من مادة الخيال التي تعمل كغشاء يربط جزيئات العدم ببعضها لتأخذ شكلاً مألوفاً أو مرعباً. الساحر، في سيكولوجيته العميقة، يمارس عملية نحت في الفراغ؛ فهو يستخدم إرادته كإزميل ليشكل من اللاشيء ملامح الشيء. هذا الكائن المستدعى ليس مجرد صورة، بل هو طاقة مكثفة تتغذى على رغبة الإنسان في تجاوز المألوف. هنا تبرز علاقة جدلية بين الساحر وكائنه؛ فالساحر يمنح الكائن صورة الوجود، بينما يمنح الكائن للساحر هوية الخالق. لكن هذا الكائن يظل دائماً مهدداً بالعدم الذي يتربص به في كل ثغرة منطقية. إن طبيعة الكائن السحري هي طبيعة شبحية؛ فهو موجود بقدر ما نحن مستعدون لتصديقه، وهو معدوم بقدر ما نحن متمسكون بقوانين المادة. هذا التذبذب بين الوجود والعدم هو ما يعطي للسحر هيبته، حيث يشعر المشاهد والساحر نفسه بأنه يقف أمام ثقب أسود في نسيج الواقع، تسلل منه كائن لا ينبغي له أن يكون موجوداً. علاوة على ذلك، فإن عملية الإستدعاء هي في جوهرها فعل تسمية (Nominalism)؛ الساحر يمنح إسماً و شكلاً للفوضى، وفي لحظة التسمية، ينفصل الكائن عن العدم الكلي ليصبح كياناً جزئياً. لكن هذا الإنفصال هو إنفصال زائف؛ فالكائن المستدعى يحمل في داخله حنيناً إلى العدم، و هو يميل دوماً نحو التلاشي. لذا، يجب على الساحر أن يبذل جهداً سيكولوجياً جباراً من خلال ممارسة التركيز، الطقوس، الحركات للحفاظ على تماسك هذا الكائن. هذا يفسر لماذا يشعر الساحر بالإرهاق الوجودي بعد كل عمل؛ إنه ليس إرهاقاً جسدياً، بل هو إستنزاف للروح التي كانت تعمل كمرساة تمنع الكائن من العودة إلى بحر العدم. الكائن المستدعى هو مرآة للعدم؛ من خلاله نرى ما ليس موجوداً، ومن خلال غيابه ندرك هشاشة ما نعتبره موجوداً. إنه يكسر الرتابة الأنطولوجية للعالم، ويثبت أن العدم ليس صمتاً مطلقاً، بل هو ضجيج من الإحتمالات التي ينتظر بعضها لمسة الساحر ليتجسد في مادة الخيال. في نهاية المطاف، يصبح الكائن المستدعى وسيطاً بين الساحر وقدره المحتوم. الساحر الذي يواجه العدم يجد في هذا الكائن رفيقاً مؤقتاً في رحلة التيه. إن مادة الخيال التي يتشكل منها الكائن هي المادة الوحيدة التي يمكنها الصمود ولو لثوانٍ أمام رياح العدم العاتية. هذه العلاقة تشبه علاقة الفنان بمنحوته، لكن مع فارق جوهري؛ الساحر ينحت في الزمن وفي الوعي، و ليس في الرخام. ولأن الزمن يمر والوعي يتغير، فإن الكائن السحري هو الكائن السيال الذي يرفض التجمد، وبذلك يظل هو التعبير الأسمى عن صرخة الإنسان في وجه العدم؛ أنا أتخيل، إذن أنا أكسر قيد الوجود. إن السحر هنا لا يعود مجرد خدعة، بل يصبح ثورة أنطولوجية تستخدم الخيال كأداة لخلق جزر من الوجود في محيط شاسع من العدم، محولةً الساحر من مجرد مؤدٍّ إلى مهندس للصيرورة في كون يميل بطبعه نحو السكون والموت.
_ سيكولوجيا المقامرة بالدم: الساحر ككيميائي للأرواح في مواجهة الصمت الكوني
إن محاولة الساحر تثبيت الكيان المستدعى عبر القرابين المادية تمثل اللحظة التي ينتقل فيها السحر من مجرد إستعراض للوعي إلى مقامرة وجودية مع المادة. في هذه المساحة، يدرك الساحر أن الخيال المحض رغم قدرته على الخلق، إلا أنه يفتقر إلى الإستمرارية؛ فالخيال سيال، يتبخر بمجرد غياب التركيز أو إنصراف الذهن. ومن هنا نشأت الحاجة التاريخية و الأنطولوجية للقرابين، ليس كفعل تعبدي بالضرورة، بل كعملية تجسير بين العدم والوجود. الساحر يحاول عبر القربان أن يسرق من المادة أي من ثباتها، ومن الدم أي من حيويته، ليحقن بها كائنه الخيالي، محاولاً خلق ما يمكن تسميته بالجوهر الإصطناعي. هذا الجوهر هو محاولة بائسة وتيتانية لمنح الوهم عظاماً ولحماً، ولجعل الكائن الذي إنبثق من الفراغ قادراً على الصمود أمام رياح الزمن التي تذرو كل ما ليس له ثقل مادي. القربان هنا هو الرشوة التي يقدمها الساحر للعدم لكي يتخلى عن حصته في الكيان المستدعى، ولو لحين. تتجلى فلسفة القربان في هذا السياق كعملية نقل للطاقة الحيوية؛ فالساحر يدرك قانون الحفظ الوجودي؛ لكي يظهر شيء من اللاشيء، لا بد من دفع ثمن من الوجود القائم فعلياً. الدم، في الممارسات السحرية القديمة، لم يكن مجرد سائل، بل كان يُنظر إليه كخلاصة الكينونة. عندما يُراق القربان، فإن الساحر يحاول إصطياد لحظة إنتقال الحياة من الجسد إلى العدم، وفي تلك الفجوة الزمنية الضيقة، يقوم بتحويل تلك الطاقة لتغذية كيانه المستدعى. إنها عملية تلقيح صناعي للعدم بقطرات من الوجود المادي. هذا الفعل يعكس سيكولوجية مرعوبة من الفناء؛ فالساحر الذي يواجه العدم يخشى أن يكون هو نفسه مجرد وهم، لذا فهو يحيط نفسه بكيانات مثبتة مادياً ليعزز يقينه بقدرته على التأثير في صلب الكون. القربان هو المحاولة التاريخية لتحويل السحر من فن بصري إلى علم كوني، حيث يصبح الكائن المستدعى قسراً جزءاً من النظام المادي عبر هذا الجوهر الإصطناعي المشيد من بقايا الحياة. ومع ذلك، فإن هذا الجوهر الإصطناعي يظل جوهراً طفيلياً بطبعه، وهو ما يضيف بعداً مأساوياً لسيكولوجيا الساحر. الكيان الذي يتم تثبيته عبر القرابين لا يمتلك كينونة ذاتية مستقلة، بل يظل مرتبطاً بالمصدر الذي إستدعاه وبالثمن الذي دُفع لأجله. هذا يخلق نوعاً من العبودية المتبادلة؛ الساحر يصبح أسيراً لكيانه الذي يحتاج لتغذية مستمرة من المادة ليحافظ على قشرته الوجودية، و الكيان يظل مسخاً مشوهاً يسكن في المنطقة البرزخية بين عالم الأرواح وعالم الأجساد. من الناحية الفلسفية، هذا التثبيت هو محاولة لكسر قانون التلاشي؛ فبينما يميل كل ما هو خيالي إلى العودة للعدم، يحاول الساحر عبر الجوهر الإصطناعي أن يخلق إستثناءً كونياً. لكن هذا الإستثناء هو خطيئة أنطولوجية في نظر الطبيعة، لأنها تجمع بين نقيضين؛ حرية الخيال المطلقة وقيد المادة الثقيل. الساحر في هذه الحالة لا يعود مجرد فنان، بل يتحول إلى كيميائي للأرواح، يحاول صهر الفراغ مع المادة في بوتقة واحدة، مدركاً في قرارة نفسه أن هذا الإمتزاج هو زواج مستحيل سينتهي حتماً بإنهيار الكيان أو إستنزاف الخالق. في نهاية المطاف، تعكس هذه المحاولات التاريخية للتثبيت جوهر الصراع البشري مع العدمية. الساحر، عبر قرابينه وجوهره الإصطناعي، يجسد رغبة الإنسان في ترك أثر دائم في كون عابر. إن تثبيت الكيان هو في الحقيقة محاولة لتثبيت الذات؛ فإذا إستطاع الساحر أن يمنح الوجود لما هو غير موجود، فإنه بذلك يثبت ألوهيته و قدرته على الإنتصار على الموت. لكن العدم دائماً ما ينتصر في الجولة الأخيرة؛ فالقرابين تجف، و الجواهر الإصطناعية تتآكل، وما يبقى هو فقط تلك الفجوة التي حاول الساحر ردمها. إن سيكولوجيا الساحر هنا هي سيكولوجية المهندس الذي يبني فوق الرمال المتحركة، مستخدماً دماء الماضي ليثبت جدران المستقبل الخيالي. هذا النص الوجودي الطويل الذي يكتبه الساحر بأفعاله هو في الحقيقة مرثية كبرى لمجد الإنسان الضائع في مواجهة الصمت الكوني، حيث يظل السحر هو المحاولة الأكثر جرأة و الأكثر عبثية لتحويل العدم إلى وطن مأهول بكيانات نملك نحن مفاتيح وجودها.
_ العدوى الأنطولوجية: تراجيديا الإبتلاع وتحول الساحر إلى قناعٍ مادي للعدم المتجسد
ندلف الآن إلى المنطقة الأكثر رعباً في سيكولوجيا السحر، حيث تنقلب الأدوار ويتحول الخالق إلى مخلوق، و المستدعي إلى مُستدعى. إن ما نسميه العدوى الأنطولوجية (Ontological Contagion) ليس مجرد تأثر سيكولوجي عابر، بل هو عملية تآكل حدود الذات أمام الكيان الذي تم تثبيته بجوهر إصطناعي. عندما ينجح الساحر في منح العدم شكلاً جسدياً أو حضوراً كثيفاً عبر القرابين والمادة، فإنه يفتح بوابة لا يمكن إغلاقها بإتجاه واحد؛ فالوجود المادي الذي إكتسبه الكيان يبدأ في ممارسة جاذبية عكسية على وعي الساحر. وبما أن هذا الكيان مشتق في الأصل من خيال الساحر الممزوج بالعدم، فإنه يبدأ في العمل كمرآة مشوهة تعيد صياغة وعي الساحر وفق قوانين الفراغ. الساحر الذي أراد أن يفرض نظامه على العدم، يجد نفسه فجأة يُمتص داخل المنطق الوجودي لهذا الكائن؛ فيبدأ في التفكير، و الشعور، والرؤية من خلال عيون المسخ الذي صنعه، وهنا تبدأ الذات الإنسانية في التحلل لتفسح المجال لسيادة الكيان المُستدعى. هذه العدوى تبدأ بما يشبه الصدى الوجودي؛ فالكلمات التي يلقيها الساحر لتثبيت الكيان تعود لترتد في أعماقه كأوامر، والصورة التي نحتها للعدم تصبح هي القالب الوحيد الذي يمكن لوعيه أن يتحرك داخله. إنها تراجيديا البيت المحاصر بصاحبه؛ حيث يكتشف الساحر أن الجوهر الإصطناعي الذي خلقه للكيان هو في الحقيقة طفيلي أنطولوجي يتغذى على أصالة وجوده هو. في هذه المرحلة، يفقد الساحر قدرته على التمييز بين رغباته الشخصية وبين نزعات الكيان المستدعى؛ لأن الكيان، بكونه إبناً للعدم، يمتلك جوعاً لا نهائياً للإمتلاء، ولا يجد مادة يمتلئ بها أقرب من وعي صانعه. هذه العملية تجعل الساحر يختبر نوعاً من الموت الوظيفي للذات؛ فهو لا يزال يتحرك و يتكلم، لكن الأنا التي تقود الجسد هي أنا إصطناعية تشكلت من تقاطع الخيال بالعدم. الساحر هنا يصبح قناعاً للوهم الذي أراد هو أن يلبسه للآخرين، وتتحول حياته إلى طقس مستمر لتجسيد الكيان، بدلاً من أن يكون الكيان أداة في يده. علاوة على ذلك، فإن العدوى الأنطولوجية تؤدي إلى ما يمكن تسميته بسيولة المعايير الوجودية. الساحر الذي إعتاد التلاعب بالواقع يجد أن الواقع بدأ يتلاعب به؛ فالحواجز بين الحلم واليقظة، وبين الوجود و العدم، تبدأ في الإنهيار. الكيان المستدعى، الذي يمتلك الآن ثباتاً بفضل الجوهر الإصطناعي، يبدأ في إملاء قوانينه على البيئة المحيطة بالساحر. إذا كان الكيان يمثل الغضب أو الفراغ أو الحزن الكوني، فإن وعي الساحر يتلون بهذه الصبغة بشكل دائم، مما يؤدي إلى إغتراب جذري عن البشرية. الساحر في هذه الحالة يواجه العدم ليس كخصم خارجي، بل كمرض داخلي ينخر في عظام كينونته. إنها اللحظة التي يدرك فيها الساحر أن الثمن لم يكن القربان المادي فحسب، بل كان وحدة و تماسك الذات. العدم الذي تم إستحضاره وتجسيده لا يقبل أن يظل محبوساً في إطار الفعل السحري، بل يسعى للإنتشار و السيادة، وأول ضحاياه هو ذلك الوعي الذي سمح له بالعبور أول مرة. في ذروة هذه العدوى، نصل إلى مرحلة الإبتلاع الكامل، حيث يتلاشى الساحر تماماً ككيان مستقل ليصبح مجرد حامل (Host) للعدم المتجسد. هذا التحليل الفلسفي يضعنا أمام مفارقة مرعبة؛ أن السحر، في محاولته القصوى لتأكيد سيطرة الإنسان على الوجود، ينتهي بإلغاء الإنسان لصالح اللاشيء المتخفي في صورة شيء. الجسد الإصطناعي للكيان يصبح هو المركز، وروح الساحر تصبح هي الهامش أو الوقود الذي يحترق لإستمرار هذا الحضور الزائف. إن مواجهة الساحر للعدم هنا تنتهي بهزيمة ساحقة، ليس لأنه فشل في الإستدعاء، بل لأنه نجح فيه أكثر مما ينبغي. العدوى الأنطولوجية هي العقاب الوجودي على محاولة تثبيت ما أراد له الكون أن يظل عابراً. و هكذا، يظل الساحر عبر التاريخ رمزاً للكائن الذي حدق في الهاوية طويلاً، حتى بدأت الهاوية تبني عيونها داخل محاجر عينيه، محولةً إياه إلى إمتداد مادي لعدمٍ لا ينتهي، يتنفس من خلال رئتيه وينظر إلى العالم ببرود الفراغ المطلق.
_ الفطام المُرّ: سيكولوجيا النسيان العمدي لإغلاق بوابات العدم
تُعد عملية العودة من العدم أو ما يُعرف في الأدبيات السرية بالخيمياء النفسية للإرتداد، أصعب وأخطر مراحل العمل السحري على الإطلاق؛ فهي اللحظة التي يتعين فيها على الساحر أن يمارس فعل الفطام الأنطولوجي عن الكيان الذي منحه لتوّه الحياة والجوهر. إن العودة ليست مجرد توقف عن ممارسة الطقس، بل هي محاولة إستعادة الذات من براثن اللاشيء الذي بدأ يمتصها. في هذه المرحلة، يجد الساحر نفسه في حالة من التشتت الكوني، حيث تبعثرت أجزاء من وعيه داخل الجوهر الإصطناعي للكيان المستدعى، وباتت كينونته الأصلية مجرد حطام متناثر في فضاء الوهن. لكي يجمع الساحر شتات نفسه، يجب عليه أولاً أن يمارس فعل التدمير المقدّس؛ أي أن يقتل الكائن الذي خلقه بيده، ليس بدافع الكراهية، بل كضرورة وجودية لإستعادة الحيز الذي إحتله ذلك الكائن في نسيج الواقع. هذه العملية تشبه جراحة إستئصال لورمٍ نبت من الخيال، حيث يكون الألم هو العلامة الوحيدة على إستمرار وجود الساحر ككائن حي يشعر، وليس كآلية صماء تابعة للعدم. تعتمد الخيمياء النفسية هنا على مفهوم التكثيف بعد التبديد؛ فبعد أن بدد الساحر روحه في العدم ليمنح الوهم شكلاً، عليه الآن أن يسحب خيوط وعيه ببطىء وحذر، تماماً كما يسحب الغواص أنفاسه الأخيرة قبل الصعود إلى السطح. الساحر يستخدم الإرادة التمييزية كأداة لفصل ما هو أنا عما هو هو (الكيان). هذا الإنفصال هو عملية تطهيرية مؤلمة، لأن العدوى الأنطولوجية التي حدثت جعلت الحدود بين الخالق والمخلوق هلامية. يضطر الساحر هنا إلى ممارسة نوع من النسيان العمدي؛ عليه أن ينسى تفاصيل الكيان، أن يفرغ ذاكرته من ملامحه، لأن الذاكرة هي الجسر الذي يمنح العدم طريقاً للعودة. إن إستجماع الشتات يتطلب منه العودة إلى المادة الأولية لجسده، والتركيز على الحاجات البيولوجية البدائية كالتنفس، والجوع، والألم المادي لكي يُعيد تثبيت وعيه في هنا و الآن، بعيداً عن هناك والأبد التي يسكنها الكيان المستدعى. الأرضية الصلبة للواقع تصبح هي الملاذ الأخير ضد سيولة الفراغ. إن هذه العودة لا تعني أبداً الرجوع إلى حالة البراءة الأولى؛ فالساحر الذي عاد من العدم يحمل في داخله ندوباً غيبية لا تمحى. هو الآن كائن مُعاد تركيبه (Reconstituted)، حيث أصبح وعيه يحتوي على فجوات مظلمة تمثل الأجزاء التي فُقدت في الهاوية ولم يستطع إستردادها. الخيمياء النفسية في هذه الحالة لا تهدف إلى الكمال، بل إلى التماسك الوظيفي. الساحر يجمع شتاته كمن يجمع قطع مرآة محطمة؛ الصور التي ستعكسها هذه المرآة مستقبلاً ستكون دائماً مجزأة ومثقلة بذكرى الفراغ. هذا اللاشيء الذي كان عالقاً فيه يترك أثراً يشبه الرنين المغناطيسي في روحه، مما يجعله كائناً يعيش بحذر شديد، مدركاً أن أي محاولة إستدعاء قادمة قد تكون هي الأخيرة. إن الخروج من حالة اللاشيء هو فعل تمرد ضد الجاذبية العدمية، وهو إعتراف صريح بأن الإنسان، رغم طموحاته الإلهية في الخلق، يظل كائناً محكوماً بحدوده الزمانية و المكانية، وأن الخيال سلاح ذو حدين؛ يمكنه بناء عوالم، لكنه يمتلك أيضاً القدرة على محو بانيها. في ختام هذه الرحلة الخيميائية، يصبح الساحر حارس الحافة؛ الشخص الذي يعرف كيف يذهب إلى العدم ويعود منه، لكنه يعود بجسدٍ منهك وروحٍ مثقلة بسر الغياب. إعادة التوازن للكون وللذات تتطلب منه قبول النقص كسمة أساسية للوجود. لقد حاول عبر السحر والقرابين أن يخلق إكتمالاً إصطناعياً، لكنه في العودة يكتشف أن الجمال الحقيقي واليقين الوحيد يكمنان في الصيرورة و في عدم الثبات. إن شتات نفسه الذي جمعه ليس سوى فسيفساء من الوجود والعدم، وهي الهوية الجديدة التي تميز الساحر العائد. إنه الآن يدرك أن السحر ليس في القدرة على إستحضار الكيانات، بل في القدرة على التخلي عنها و العودة بسلام إلى صمت الوجود العادي. هذه العودة هي الإنتصار الحقيقي والوحيد الممكن للوعي البشري على عبثية الفراغ، حيث يتحول العدم من تهديد بالإبتلاع إلى خلفية سوداء تبرز من خلالها أنوار الوجود الصغير، الهش، والمقدس في آن واحد.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟