أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْخَامِسُ و الْخَمْسُون-















المزيد.....

الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْخَامِسُ و الْخَمْسُون-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 23:06
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ كيمياء النقطة صفر: إستقطاب الطاقة من رحم العدم الفيزيائي

إن التساؤل حول قدرة السحر على إستحضار الطاقة من حقل النقطة صفر ليس مجرد ترف فكري، بل هو غوص في المنطقة الرمادية التي تلتقي فيها الفيزياء الكوانتية بالميتافيزيقا. لكي نفهم هذا الترابط، يجب أولاً أن ننزع عن السحر ثوبه الفلكلوري وننظر إليه كإرادة واعية تسعى للتأثير في نسيج الواقع، وعن العدم صفة الفراغ السلبي، لنراه كمخزن للإحتمالات اللانهائية. في هذا الإطار، يظهر فراغ النقطة صفر ليس كلاشيء، بل كأدنى حالة من الطاقة تظل موجودة في المادة حتى عند درجة حرارة الصفر المطلق، و هو ما يمثل في الفلسفات الإشراقية الهباء أو المادة الأولى التي ينبثق منها كل موجود. من الناحية الفلسفية، يعتمد السحر تاريخياً على مبدأ التوافق، أي أن ما في العالم الصغير الذي هو عالم الإنسان يماثل ما في العالم الكبير الذي يشير إلى الكون. إذا إعتبرنا أن الوعي البشري هو في جوهره حالة من حالات الطاقة الكمومية، فإن عملية السحر تصبح محاولة لإنشاء حالة من الرنين مع طاقة الفراغ. في الفيزياء، طاقة النقطة صفر هي نتيجة لمبدأ عدم اليقين لهيزنبرج، حيث لا يمكن للجسيمات أن تسكن تماماً؛ هذا القلق الجوهري في بنية الكون هو ما يراه الفيلسوف السحري كنقطة إنطلاق. إن الساحر هنا لا يخلق طاقة من العدم، بل يعمل كمحول يقوم بإستقطاب التذبذبات العشوائية في الفراغ الكوانتي و تكثيفها في صورة عمل أو إرادة موجهة، محولاً الإحتمال المحض إلى واقع متعين. في التحليل العميق، يمكن إعتبار العدم أو الفراغ هو الحالة القصوى من التناظر، حيث تلغي القوى بعضها البعض لتنتج سكوناً ظاهرياً. السحر، في جوهره الفلسفي، هو عملية كسر التناظر. عندما يركز الممارس إرادته، فإنه يخلق إضطراباً في حقل النقطة صفر. هذا الإضطراب يشبه ما يحدث في تأثير كازيمير، حيث تؤدي القيود المادية أو في حالتنا، القيود الذهنية والطقوسية إلى تغيير كثافة طاقة الفراغ بين نقطتين، مما يولد قوة مادية ملموسة. لذا، فإن سحب الطاقة ليس إستخراجاً لمادة من صندوق فارغ، بل هو إعادة توجيه للتدفقات الطاقية التي كانت موجودة مسبقاً في حالة تعادل، وتحويلها إلى قوة فاعلة عبر وسيط الوعي الذي يعمل كعدسة لامّة لتلك التذبذبات الهائمة. تطرح الفلسفة الوجودية سؤالاً حرجاً؛ هل العدم الذي يتحدث عنه الفيزيائيون هو ذاته الخواء الذي يسعى إليه المتصوف و الساحر؟ إن طاقة النقطة صفر هي إثبات رياضي على أن العدم ممتلئ، وهذا يغير مفهوم السحر من الخوارق إلى الإستخدام الأقصى للطبيعة. الساحر الذي يسحب الطاقة من الفراغ لا يتحدى قوانين الفيزياء، بل يستغل أعمق ثغراتها. فلسفياً، هذا يعني أن الكون ليس نظاماً مغلقاً من المادة و الحرارة، بل هو نظام مفتوح على خلفية لانهائية من الطاقة. الفعل السحري هنا هو فعل إستدعاء لما هو كائن بالقوة ليصبح كائناً بالفعل، مما يجعل السحر تقنية متطرفة للتعامل مع الفراغ، حيث يتم إستثمار العدم بإعتباره المادة الخام الوحيدة التي لا تنفد. في الختام، يظل السؤال عن الطريقة العملية معلقاً بين الوعي و المادة. إذا كان الوعي قادراً على التأثير في الجسيمات دون الذرية كما تقترح بعض تأويلات ميكانيكا الكم، فإن السحر هو العلم الذي يدرس كيفية تكبير هذا التأثير الضئيل ليصل إلى مستوى ملموس. إن سحب الطاقة من فراغ النقطة صفر يتطلب تصفير الذات، أي الوصول إلى حالة من الفراغ الذهني التام لتتماثل مع فراغ الكون، ومن ثم بناء جسر من الإرادة يسمح بتدفق الطاقة. هي عملية توازن دقيقة؛ لكي تأخذ من العدم الكوني، يجب أن تصبح عدماً إنسانياً أولاً.

_ رحم الهباء: الخيمياء بوصفها فن العودة إلى المادة الأولى

تُعد الخيمياء، في جوهرها الفلسفي والعملي، فن التعامل مع البرزخ ما بين الوجود والعدم. إن التصور الشعبي الذي يختزل الخيمياء في مجرد تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب يغفل عن العملية الأنطولوجية العميقة التي تجري في الأتانون (فرن الخيمائي). فالحقيقة أن الخيمياء ليست عملية طلاء أو تغيير كيميائي سطحي، بل هي رحلة تفكيك للمادة وصولاً إلى الهباء أو المادة الأولى، وهي الحالة التي تسبق تعين المادة في صورها الملموسة، حيث تقترب المادة من العدم المؤقت لتستعيد إمكاناتها اللانهائية. تبدأ العملية الخيميائية بمرحلة النيغريدو أو التسويد، وهي فلسفياً تمثل عملية تفريغ المادة من هويتها الحالية. لكي يتحول الرصاص إلى ذهب، يجب أولاً أن يموت الرصاص ككيان. هذا الموت ليس فناءً مطلقاً، بل هو عودة إلى حالة العدم المنظم أو الفوضى الأولى. في هذه المرحلة، يتم كسر الروابط التي تمنح المادة ثباتها الزمني، مما يؤدي إلى ما يُعرف بإنحلال الصورة. الخيمائي هنا لا يتعامل مع الرصاص ككتلة صلبة، بل كإرادة مادية محبوسة في شكل أدنى، وعبر الطقس و المختبر، يقوم بتجريد هذه الإرادة من قيودها، مما يجعل المادة فارغة وجاهزة لإستقبال فيض جديد من الوجود. من منظور فيزيائي وفلسفي معاصر، يمكن تشبيه هذا التفريغ بعملية العودة إلى الحالة القاعية للطاقة. إذا إعتبرنا أن الرصاص والذهب هما مجرد ترتيبات مختلفة للطاقة و الجسيمات في فراغ النقطة صفر، فإن عملية التحويل تتطلب مسح المعلومات السابقة للمادة. العدم في الخيمياء ليس لاشيئاً، بل هو الرحم الذي تسبح فيه الإحتمالات. عندما يُقال إن الخيمائي يُرجع المادة إلى العدم، فالمقصود هو إرجاعها إلى حالة اللاتحدد، حيث تفقد الجزيئات ذاكرتها الرصاصية. في هذه اللحظة من الفراغ المؤقت، يصبح نسيج الواقع ليناً تحت وطأة كبريت الإرادة و زئبق الروح، مما يسمح بإعادة بناء الهيكل الذري وفق نمط الذهب الذي يمثل الكمال والخلود. بعد عملية التفريغ و الوصول إلى النقطة صفر الروحية والمادية، تبدأ مرحلة إعادة البناء أو الروبيدو. هنا، لا يأتي الذهب من الخارج، بل ينبثق من قلب العدم الذي تم إستحضاره. الفلسفة الخيمائية تؤمن أن الذهب هو الحالة الطبيعية للمادة، وأن الرصاص ليس سوى ذهب مريض أو مشوه بسبب كثافة المادة وسقوطها في الزمن. بالتالي، فإن تفريغ المادة يهدف إلى إزالة الصدأ الوجودي. السحر في هذه العملية يكمن في دور الخيمائي كمحفز كوني؛ فهو الذي يوجه تدفق الطاقة من حقل الإحتمالات حيث العدم ليتجمد في صورة الذهب. إنها عملية خلق ثانٍ، حيث يتم إستغلال الفراغ كوسيط لنقل المادة من حالة الخسة إلى حالة القداسة. إن العلاقة بين السحر والعدم في الخيمياء هي علاقة مرآتية؛ لكي تعيد بناء العالم، يجب أن تمتلك الشجاعة لتفكيكه أولاً. التفريغ هو الفعل السحري الأسمى لأنه يتطلب التخلي عن الأمان الذي توفره المادة الصلبة والقبول بمواجهة الفراغ المرعب. الذهب الخيميائي ليس مجرد معدن، بل هو رمز للإنسان الذي نجح في تفريغ نفسه من الأنا التي تشير إلى الرصاص الروحي ليعيد بناء كيانه من نور الوعي الصافي ليتجلى الذهب الإلهي. لذا، يظل العدم في الخيمياء هو الجسر الضروري، والمنطقة التي يتحول فيها المستحيل إلى واقع، حيث تُولد المادة من جديد، مطهرة من قيود الضرورة الفيزيائية، ومصاغة بجمال الإرادة الحرة.

_ سيولة الكيان: فلسفة الفسخ الأنطولوجي والتحول عبر نفق اللاشيء

يُمثل التحويل الجسدي في عمقه الفلسفي الذروة القصوى لتطبيق مبدأ السيولة الوجودية، حيث لا يُنظر إلى الجسد ككتلة صلبة نهائية، بل كموجة متذبذبة في محيط من الإحتمالات. إن عملية التحول، في منظور السحر المرتبط بفيزياء العدم، ليست مجرد تغيير في المظهر الخارجي أو تمويه بصري، بل هي عملية فسخ أنطولوجي للهوية المادية الحالية وإعادتها إلى حالة اللاشكل، وهي حالة وسطية تقترب من العدم المؤقت، قبل أن يتم إستحضار قالب جديد من خزان الصور الكونية. لكي يتحول الكائن من هيئة إلى أخرى، يجب عليه أولاً أن يواجه العدم في أبشع صوره، وهو فقدان الأنا الجسدية. السحر هنا يعمل كأداة لتعطيل المعلومات الوجودية التي تُبقي ذرات الجسد في ترتيبها الحالي. من الناحية الفلسفية، كل شكل مادي هو قيد مفروض على المادة الأولى؛ لذا فإن التحويل الجسدي يبدأ بتفريغ الكائن من كتلته المعلوماتية، مما يدفع الجسد إلى حالة من التفكك الإفتراضي داخل حقل النقطة صفر. في هذه اللحظة الحرجة، يتوقف الجسد عن كونه شيء ويصبح إحتمالاً، حيث يتم إسترداد الطاقة المادية وإعادتها إلى أصلها الفراغي، مما يخلق فجوة في نسيج الواقع تسمح بإعادة التشكيل دون قيود القصور الذاتي للمادة. إن العدم في تجربة التحول الجسدي يعمل كلوح فارغ. بمجرد أن يتم إلغاء الشكل الحالي وإرجاعه إلى حالة الطاقة الخام الكامنة في الفراغ الكوانتي، يبدأ الساحر أو الممارس في إستخدام الخيال الفعال كقوة مغناطيسية. هذا الخيال ليس وهماً، بل هو قالب إرادي يقوم بجذب طاقة الفراغ المشتتة و تكثيفها حول صورة جديدة. هنا يظهر العدم ليس كفناء، بل كبواب صامت يسمح للمادة بالمرور من حالة (أ) إلى حالة (ب) عبر نفق من اللاشيء. هذه التقنية تتطلب قدرة هائلة على الحفاظ على الوعي المركزي ثابتاً بينما الجسد الفيزيائي في حالة إنحلال؛ فإذا فقد الممارس تركيزه في لحظة العدم المؤقت، فقد يضيع النمط الأصلي ويصبح الكائن مشوهاً في الفراغ. تطرح فلسفة التحول سؤالاً جوهرياً حول ماهية الجوهر؛ إذا كان بإمكان السحر إلغاء الشكل المادي وإعادته إلى العدم ثم بنائه من جديد، فما الذي يتبقى من الكائن الأصلي؟ الإجابة تكمن في أن الوعي هو الكيان الوحيد الذي لا يمر عبر عملية التفريغ. الوعي هو المراقب الذي يوجه تقلبات الفراغ الكوانتي. التحويل الجسدي هو إثبات عملي على أن المادة هي مجرد عرض زائل، بينما الإرادة المرتبطة بالعدم هي الجوهر الباقي. إن إلغاء الشكل هو فعل تطهيري، حيث يتخلص الكائن من عبىء المادة الرتيبة ليعيد إكتشاف نفسه كفيض من الطاقة المتجددة التي لا تحدها حدود الفيزياء التقليدية، بل يحكمها قانون الصيرورة الأبدي. في نهاية المطاف، يُعتبر التحويل الجسدي أرقى أنواع التمرد على جمود العدم عبر إستخدام طاقة العدم ذاتها. بدلاً من أن يكون العدم نهاية للمادة، يصبح هو المحرك الذي يمنحها حرية التبدد والظهور بأشكال لانهائية. الساحر الذي يمارس التحويل الجسدي لا يهرب من واقعه، بل يغوص في أعماق الفراغ ليثبت أن العدم ليس مكاناً للإختفاء، بل هو المختبر الكوني الذي تُصاغ فيه كل الصور. إنها عملية رقص على حافة الفناء، حيث يتم إستغلال لحظة اللاشيء لإثبات أن الوجود هو في الحقيقة فعل إبداعي مستمر، وليس حالة ساكنة.

_ الشفاء بالعدم: التصفير الأنطولوجي وإعادة بناء الجسد من طاقة النقطة صفر

يُمثل سحر الشفاء في جوهره الميتافيزيقي عملية إستعادة أنطولوجية تتجاوز مجرد إصلاح الأنسجة أو طرد العدوى؛ إنه فعل ترميم لنسيج الواقع الفردي عبر العودة به إلى لحظة العدم البكر أو حالة الصفر الوجودي. في هذا الإطار الفلسفي، لا يُنظر إلى المرض ككيان مادي فحسب، بل كضجيج معلوماتي أو تشوه في التردد الطاقي للجسد. الشفاء السحري هنا لا يواجه المرض بالضد، بل يقوم بعملية تصفير للكيان، حيث يتم سحب الحالة المصابة و إرجاعها إلى حالة الفراغ النقي التي سبقت دخول الخلل، وهي الحالة التي تتماثل فيها المادة مع العدم المنظم الذي إنبثقت منه أول مرة. إن مفهوم العدم في سحر الشفاء ليس غياباً للحياة، بل هو حالة النقاء المطلق التي تسبق التجسد المادي. عندما يتدخل الساحر أو المعالج بالطاقة، فإنه يهدف إلى خلق فجوة زمنية في تاريخ الجسد، متجاوزاً خط الزمن الذي بدأ فيه المرض. هذا الفعل يتطلب تفريغ العضو المصاب من ذاكرة الألم وإعادته إلى رحم المادة الأولى، حيث لا توجد أمراض ولا إعتلالات، بل فقط إحتمالات الصحة المثالية. الشفاء هنا هو رحلة عكسية نحو العدم لإسترجاع النسخة الأصلية للجسد، وكأن المعالج يمحو الكتابة المشوهة عن اللوح ليعيد اللوح إلى بياضه الأصلي حيث العدم قبل أن يخط عليه الصحة من جديد. من منظور الفيزياء الحيوية والفلسفة السحرية، يُعتبر المرض كثافة زائدة أو إنسداداً في تدفق طاقة النقطة صفر عبر الجسد. سحر الشفاء يعمل كعملية تخلية قبل أن يكون تحلية؛ أي أنه يفرغ الحيز الحيوي من المعلومات الفاسدة (المرض) عبر إلقائها في بالوعة العدم الكوني. هذا النوع من الشفاء لا يضيف شيئاً جديداً للجسد، بل ينزع منه ما هو غريب عنه. العدم هنا يلعب دور المطهر الكوني؛ فالساحر يفتح قناة بين العضو المريض وفراغ النقطة صفر، مما يسمح للخلل بأن يتلاشى في العدم، وفي تلك اللحظة من الفراغ المؤقت، تنبثق قوة الشفاء الذاتي الفطرية لتعيد بناء الخلية وفقاً للنمط الكوني المقدس الذي لا يعرف المرض. إن الحالة الصحية المثالية في الفلسفة السحرية هي حالة من التوازن الشفاف مع العدم؛ فالجسد السليم هو الجسد الذي لا يُقاوم تدفق الفراغ من خلاله. المرض هو تحجر المادة و إنفصالها عن أصلها الفراغي، بينما الشفاء هو إعادة السيولة للمادة عبر تذكيرها بأصلها العدمي. السحر الشفائي هو فن النسيان؛ نسيان المرض لكي تتذكر الخلايا كيف كانت قبل أن توجد. في هذه النقطة، يلتقي السحر بالفيزياء الكمومية، حيث يتم إعتبار الجسد حقلاً وليس آلة، وحيث يمكن للمراقب الواعي (المعالج) أن يغير حالة النظام من الإعتلال إلى السلامة عبر توجيه النية نحو الإحتفاء بالعدم ومن ثم الظهور الشفاء. في الختام، يظهر سحر الشفاء كأداة قوية لإعادة ترتيب العلاقة بين المادة والعدم. إنه لا يعامل الجسد ككيان معزول، بل كجزء من الخواء الممتلئ للكون. عندما يسحب السحر الصحة من العدم، فإنه في الحقيقة يستحضر النظام الكوني ليعالج الفوضى الفردية. الشفاء هو اللحظة التي يلمس فيها العدم المادة فيباركها، مخلصاً إياها من قيود التلف والزمن، ليعيدها إلى حالة النقاء التي تسبق الوجود المادي ذاته. إنها عملية خلق مستمرة، حيث يُولد الجسد مع كل شهيق من عدم الرحمة الكونية ليُطرد منه كل ما هو زائف و معتل.

_ هندسة الإضطراب: سحر الطقس بوصفه إلغاءً للأنماط المادية في رحم العدم

تُعد تقنية سحر الطقس واحدة من أكثر الممارسات السحرية تعقيداً، لأنها لا تتعامل مع كيان مادي محدود كالجسد أو المعدن، بل تتعامل مع نظام كلي يتسم بالإضطراب و الديناميكية العالية. من منظور فلسفي عميق، لا يمكن تغيير الطقس بمجرد إضافة قوة إلى قوة أخرى، بل تتطلب العملية فعلاً جذرياً يتمثل في إلغاء النمط الجوي القائم عبر إعادته إلى حالة الصفر أو العدم المؤقت. إن الغلاف الجوي هو نسيج من التيارات الحرارية والضغطية التي تمثل معلومات مادية مستقرة في حالة معينة؛ و تغيير هذا النمط يتطلب تفريغ الفضاء الجوي من طاقته الحالية وإحداث فجوة إحتمالية داخل فراغ النقطة صفر، تسمح بإنبثاق نمط مناخي جديد كلياً. تبدأ عملية سحر الطقس بما يمكن تسميته الفسخ المناخي، حيث يعمل الساحر على كسر حالة الإستقرار أو التوازن القائم للرياح و السحب. فلسفياً، هذا يعني دفع النظام الجوي نحو نقطة التلاشي؛ فالإعصار أو الجفاف أو المطر هي صور مادية تتجلى فوق خلفية من العدم. لكي يتم إستبدال الجفاف بالمطر، يجب أولاً مسح صورة الجفاف من حقل الواقع. يتم ذلك عبر توجيه الإرادة لتعطيل الروابط التي تُبقي جزيئات الهواء في حالتها الساخنة أو الساكنة، مما يخلق حالة من العدم الموضعي في الغلاف الجوي. في هذه اللحظة، يصبح الجو صفحة بيضاء تقنياً، حيث تنهار الأنماط القديمة و تعود الطاقة إلى خزان اللاشيء بإنتظار إعادة التشكيل. في سياق العلاقة بين السحر والعدم، يُعتبر فراغ النقطة صفر هو الوسيط الذي يسمح بالتحول المفاجئ بين المتناقضات مثل السكون والعاصفة. إن سحر الطقس لا يدفع الغيوم فيزيائياً، بل يغير عتبة الإحتمال في الفراغ الكوانتي الذي يشغل المسافات بين جزيئات الهواء. عبر إستدعاء العدم، يقوم الساحر بتقليل المقاومة الوجودية للنمط الجديد؛ فخلق المطر من عدم يتطلب أولاً إعدام حالة الصحو. هذا الفعل يُشبه عملية الإنهيار الموجي في الفيزياء الكوانتية، حيث يتم إلغاء كافة الإحتمالات الجوية الأخرى الكامنة في العدم لصالح إحتمال واحد يتجلى في الواقع المادي. إن العدم هنا هو الحيز الذي تُسحب منه الطاقة اللازمة لتكثيف البخار أو توليد الصواعق، فهو مخزن الطاقة اللانهائي الذي يغذي التحولات الضخمة في الغلاف الجوي. تطرح فلسفة سحر الطقس تساؤلاً حول الأنا السحرية مقابل عظمة العدم؛ فالممارس الذي يسعى لإلغاء نمط جوي قائم يجب أن يكون وعيه في حالة رنين تام مع الفراغ الكوني. لا يمكن للساحر أن يغير الطقس إذا كان هو نفسه كتلة صلبة من الأفكار و المشاعر، بل يجب أن يتلاشى ذاتياً في العدم لكي يكتسب القدرة على محو الأنماط الجوية. الشفاء الجوي أو التغيير المناخي السحري هو فعل تضحية بالنمط القديم لصالح الجديد عبر مذبح العدم. عندما ينجح الساحر في إلغاء النمط القائم، فإنه لا يخلق نظاماً جديداً من تلقاء نفسه، بل يفتح بوابة تسمح للعدم المبدع بأن يتجلى في صورة مطر أو ريح، مما يجعل سحر الطقس عملية تعاون بين الإرادة الإنسانية و الخواء الكوني الممتلئ بالإحتمالات. بعد عملية الإلغاء، تأتي مرحلة الإستنزال، حيث يتم سحب المعلومات الجديدة من الفراغ لتتشكل في صورة ضغط جوي منخفض أو تيارات باردة. هذا النمط الجديد ليس إستمراراً للقديم، بل هو خلق جديد إنبثق من نقطة الصفر. إن سحر الطقس بهذا المعنى هو أسمى تطبيق لفكرة أن الواقع هو قشرة رقيقة فوق محيط من العدم، وأن الساحر هو من يعرف كيف يثقب هذه القشرة ليعيد ترتيب المحتويات. العدم ليس غياباً للطقس، بل هو الحالة الخام لجميع أنواع الطقس الممكنة، و التحكم فيه هو المفتاح لتحويل العالم من حالة إلى أخرى في لحظة من الزمن السحري الذي يتجاوز قوانين السببية المادية التقليدية.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- كأس أمم أفريقيا: نيجيريا تحرز -البرونزية- على حساب مصر بعد إ ...
- أخبار اليوم: أخبار اليوم: استنفار أوروبي ضد عزم ترامب فرض رس ...
- وفاة آخر رئيس لجنوب اليمن ـ من رمز للوحدة إلى مهندس للانفصال ...
- وفد أوكراني في واشنطن لبحث إنهاء الحرب مع روسيا وسط أزمة كهر ...
- كأس أمم أفريقيا: نيجيريا تفوز على مصر بركلات الترجيح وتحرز ا ...
- كيف تفاعل المصريون مع مباراة المركز الثالث ضد نيجيريا؟
- رئيسة فنزويلا بالوكالة تقيل وزير الصناعة المقرب من مادورو
- نبض أوروبا: مشروع سفارة الصين في لندن يثير تساؤلات واحتجاجات ...
- ما فرص نجاح الوساطة الأميركية لحل أزمة سد النهضة؟
- الدعم السريع يتجه لحصار الأُبيّض ويقصف سوقا بجنوب كردفان


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْخَامِسُ و الْخَمْسُون-