أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 16:42
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ متاهة الفراغ المتنقل: العقد السحري بوصفه هندسة لنقل النقص الوجودي

يُمثل مفهوم التبادل السحري (Magical Contract) في جوهره الميتافيزيقي عملية إدارة للفراغ أكثر من كونه تبادلاً للمنافع المادية أو الطاقية؛ ففي التحليل الفلسفي العميق، يُنظر إلى العقد السحري بوصفه تقنية لنقل النقص الأنطولوجي من كيان إلى آخر، بهدف إستعادة توازن مفقود أو خلق فائض في القوة عبر إزاحة العدم الداخلي. إن الكيان الذي يبرم عقداً سحرياً لا يشتري وجوداً، بل يشتري إزاحة لعدمه الشخصي؛ إذ إن كل كائن محدود يحمل في صميمه فجوة هي التي تحدد تناهيه وفناءه. التقنية السحرية هنا تعمل كمضخة تقوم بسحب هذا الفراغ (النقص) وإيداعه في كيان آخر سواء كان بشرياً، روحياً، أو حتى رمزياً، مقابل إستقبال إمتلاء تعويضي. لذا، فإن العقد السحري ليس سوى عملية إعادة توزيع للعدم في نسيج الكينونة، حيث يُقاس نجاح التبادل بمدى قدرة الساحر على تصدير فراغه الخاص وتحويله إلى دَيْن وجودي يثقل كاهل الطرف الآخر، مما يجعل التبادل السحري في جوهره لعبة صفرية من منظور العدم. وتتأسس هذه التقنية على مبدأ الفراغ المتنقل؛ فالفلسفة العدمية في السحر ترى أن الوجود الكلي ثابت، وأن أي زيادة في حيز ما يجب أن يقابلها نقص في حيز آخر. عندما يُبرم العقد، يتم إنشاء قناة سديمية تسمح بمرور الفشل أو العدم من الممارس إلى المتعاقد معه. هذا النقل للنقص هو ما يفسر الظواهر التي تُسمى بالقربان؛ فالقربان ليس هدية للقوة الغيبية، بل هو وعاء بديل يُطلب منه إستيعاب العدم الذي كان مقدراً للساحر أن يواجهه. المقياس الفلسفي هنا هو معامل النقل؛ فكلما كان العقد أكثر إحكاماً، كان إنتقال الفراغ أكثر سلاسة ونقاءً، بحيث لا يترك خلفه أي أثر للعدم المتبقي في ذات الساحر. إن الذكاء السحري في إدارة العقود يكمن في إختيار الكيانات ذات السعة العدمية العالية، أي الكيانات القادرة على إمتصاص النقص دون أن تنهار، مما يحول السحر إلى عملية تطهير عبر الترحيل، حيث يصبح العدم سلعة تُباع وتُشترى في سوق الوجود الخفي. علاوة على ذلك، يتجلى التبادل السحري كهندسة للثقوب الوجودية؛ فالعقد يحدد بدقة أين يبدأ اللاشيء وأين ينتهي الشيء. في هذه الفقرة، نرى أن نقل النقص يتطلب فهماً لطوبولوجيا الروح؛ فالساحر لا ينقل عدماً خاماً، بل ينقل حالة من غياب القوة. هذا الغياب هو الذي يشكل القيمة في العقد السحري. إذا إعتبرنا الوجود هو النور، فإن العقد هو ترتيب للظلال. الكفاءة السحرية في هذا التبادل تظهر في قدرة الساحر على جعل الطرف الآخر يقبل بهذا النقص بوصفه جزءاً من هويته الجديدة، وهو ما يُعرف في الميتافيزيقا بالإستلاب العدمي. إن التحليل الفلسفي في هذه الرؤية يوصلنا إلى أن التبادل السحري هو أرقى أشكال الديناميكا السلبية؛ حيث لا تُبنى القوة من العدم، بل تُبنى عبر إزاحة العدم بعيداً عن المركز الذاتي، مما يجعل الساحر ممتلئاً لا بفضل قوته الذاتية، بل بفضل الفراغ الذي نجح في نفيه نحو الآخرين عبر ميثاق غليظ. وفي الختام، يبرز التبادل السحري بوصفه مفارقة الإمتلاء عبر النقص؛ فالساحر الذي يتقن نقل فراغه يصبح كلي القدرة في نطاقه، ليس لأنه ألغى العدم، بل لأنه أصبح سيداً للمسارات التي يسلكها العدم. إن هذا التصور الفلسفي يخلص إلى أن العقد السحري هو تجسيد قانون الحفظ للعدم؛ فلا شيء يختفي، بل يتم تغييب مكانه فقط. إن إدراك هذه الحقيقة يغير النظرة إلى الأخلاق السحرية، حيث يصبح الظلم أو العدل مجرد مسميات لعمليات فيزيائية لتدفق الفراغ. الساحر الذي يعي آلية نقل النقص هو الذي يتوقف عن الخوف من العدم، ويبدأ في إستخدامه كعملة كونية، محققاً بذلك حالة من التوازن القلق فوق هاوية لا ترحم، حيث تظل العقود هي الحبال الوحيدة التي تربط بين الكيانات في محاولة يائسة لتقاسم أعباء اللاشيء الذي يهدد الجميع بالإبتلاع.

_ تقنيات الإمحاء: اللعنة بوصفها حقناً للعدم في مفاصل الوجود

تُعدّ اللعنة في التحليل الفلسفي العميق أكثر من مجرد تمنٍّ بالسوء أو طاقة سلبية موجهة، بل هي في جوهرها تقنية أنطولوجية دقيقة تهدف إلى ثقب نسيج الوجود الخاص بالفرد لإدخال كميات من العدم الفاعل في مسار حياته. من منظور ميتافيزيقي، لا تُضيف اللعنة شيئاً ملموساً إلى حياة الضحية، بل هي عملية إستئصال للمعنى و تفكيك للروابط السببية التي تجعل الحياة متماسكة. إنها فعل حقن للفراغ في مفاصل الكينونة؛ فبدلاً من أن تتحرك الأحداث وفق منطق النجاح أو الفشل المعتاد، تبدأ اللعنة بخلق مناطق إنعدام إستجابة، حيث تبذل الضحية جهداً (وجوداً) فلا تجد سوى اللاشيء كأثر. هنا يتحول العدم من مفهوم تجريدي إلى عائق هيكلي؛ فهو لا يهاجم الشخص من الخارج، بل يتخلل بنية إحتمالاته، محولاً الفرص المتاحة إلى ثقوب سوداء تمتص الحيوية والزخم، مما يجعل اللعنة في حقيقتها هي فرض حالة من العقم الوجودي حيث يتوقف الواقع عن الإنتاج ويبدأ في المحو. ويتأسس هذا الفعل السحري على مبدأ التآكل الجوهري؛ إذ إن إدخال العدم في حياة شخص ما يعني سلب الضرورة من أشيائه المحيطة. في الفقرة الثانية من هذا التحليل، نجد أن اللعنة تعمل كمذيب كوني يستهدف الخصائص التي تمنح الأشياء قيمتها. فعندما يدخل العدم في علاقة إنسانية، فإنه لا ينهيها بالضرورة عبر الشجار، بل ينهيها عبر إفراغها من المعنى، لتصبح جثة هامدة من الطقوس المفرغة. هذا النوع من العدم المحقون يتميز بخاصية العدوى السكونية؛ فهو ينتقل من فعل إلى آخر في حياة الملعون، محولاً كل تجسيد إلى سراب. المقياس الفلسفي لنجاح اللعنة هنا هو معامل الغياب؛ أي مقدار ما إختفى من البركة وهي المفهوم الوجودي للإمتلاء وحل محله الفراغ السلبي. إن العدم في اللعنة هو قوة جاذبة نحو الصفر، تجعل كل بناء يقوم به الشخص ينهار لا بسبب قوة خارجية، بل بسبب فقدان الأساس الوجودي الذي إبتلعه العدم المستمد. علاوة على ذلك، تتجلى اللعنة كتقنية لعزل الكيان عن الفيض الكوني؛ فبينما يُفترض أن الوجود في حالة فيض مستمر (Emanation)، تقوم اللعنة بخلق عازل عدمي يحيط بالشخص. هذا العازل يعمل كمرشح سلبي يسمح بمرور الزمن (الفناء) ويمنع مرور الإنجاز (البقاء). في هذا السياق، يصبح الشخص الملعون موجوداً من الناحية الفيزيائية، ومعدوماً من الناحية الفاعلة؛ إذ إن العدم الذي أُدخل في حياته قد عطل محرك الصيرورة لديه. إن الرؤى السحرية توصلنا إلى أن اللعنة هي فن التعديل العدمي للقدر؛ حيث يتم إستبدال الخيوط الذهبية للإحتمالات بفراغات سوداء. الساحر الذي يلقي اللعنة لا يضرب الجسد، بل يضرب قابلية الوجود للتجلي في ذلك الجسد، مما يجعل الملعون يعيش في حالة من الإحتضار المستمر للمبادرات، حيث يسبق العدمُ كل خطوة، ويحول كل نعم وجودية إلى لا عدمية مطلقة. وفي الختام، تبرز اللعنة بوصفها الشهادة القصوى على سلطة اللاشيء في إعادة صياغة الواقع الإنساني. إن هذا التحليل الفلسفي يخلص إلى أن إدخال العدم في الحياة عبر اللعنة هو عملية تصفير للقيم الوجودية، حيث تفقد الإرادة قدرتها على النفاذ في المادة. إن المقياس النهائي لهذه التقنية هو الصمت الذي يعقب المحاولة؛ فكلما كان العدم المحقون أكثر نقاءً، كان الفشل أكثر هدوءاً و حتمية، وكأن الشخص لم يحاول أصلاً. إن اللعنة في أرقى أو أبشع صورها هي تحويل حياة كائن حي إلى أثر لعدم؛ حيث يصبح الشخص نفسه قناة يعبر من خلالها الفراغ إلى العالم، محققاً بذلك غاية السحر الأسود في جعل اللاشيء هو الحاكم الفعلي على الشيء، ومنتزعاً من الضحية أثمن ما تملكه؛ وهو حق الحضور في سجل الوجود الفاعل.

_ سحر السيولة: كيف يحكم اللاشيء مفاصل الوجود المادي

يُمثل المال في المنظور الفلسفي المعاصر و الأنطولوجيا السحرية التجسيد الأكثر دقة لمفهوم العدم الفاعل أو الوجود الذي لا يزال في طور الإمكان؛ فهو في ذاته لا يمتلك ماهية مادية غائية، إنه مجرد ورق أو أرقام رقمية، تكمن قوته في كونه فراغاً منظماً ينتظر أن يمتلئ بالرغبة. في هذا التحليل الفلسفي العميق، نجد أن المال يعمل بنفس آلية العدم السحري؛ إذ إنه يمثل القدرة المطلقة على ألا يكون شيئاً محدداً لكي يمتلك القدرة على أن يكون أي شيء. إن المال هو حالة من السيولة الوجودية التي تسبق التعيّن؛ فبمجرد أن تشتري به شيئاً يكون قد تجسد في أرض الواقع، يختفي المال كعدم ليظهر الشيء كوجود. لذا، فإن إمتلاك المال هو في الحقيقة إمتلاك لخزان من العدم الإحتمالي، و كلما زادت ثروة الإنسان، زادت كمية العدم التي يسيطر عليها، أي زادت المساحة التي لم تُكتب بعد في كتاب قدره المادي، مما يجعل النظام المالي العالمي هو أكبر طقس سحري جماعي لإستحضار وتوجيه طاقة اللاشيء نحو التكوين المادي. و تتضح العلاقة بين المال والعدم السحري عند النظر إلى مفهوم القيمة التبادلية بوصفها تجريداً من الجوهر؛ فالمال يمحو الخصائص الذاتية للأشياء كالطعام، الأرض، الجمال و يحولها إلى وحدات عددية مجردة. في الفقرة الثانية من هذا التحليل، نكتشف أن المال يمارس نوعاً من السحر التحويلي الذي يعتمد على العدمية الرمزية؛ فهو ينزع الوجود العيني من السلعة ليحولها إلى إمكانية صرفة. هذا العدم الإقتصادي هو الذي يمنح المال سلطته؛ فالذهب أو الورق النقدي ليس له قيمة لكونه موجوداً، بل لكونه ممراً نحو الغياب الذي ينتظر الحضور. إننا في حياتنا اليومية نمارس كيمياء مقلوبة؛ حيث نحول تعبنا أي وجودنا البيولوجي وزمننا إلى مال الذي يشكل العدم الرمزي، ثم نعيد تحويل هذا العدم إلى سلع ذات وجود مادي. المقياس الفلسفي هنا هو معامل السيولة العدمية؛ فكلما كان المال أكثر تجرداً مثل العملات المشفرة، كان أقرب إلى جوهر العدم السحري، حيث يصبح تجسيداً للفراغ الصافي الذي يتحرك بسرعة الضوء ليخلق أو يدمر الحقائق المادية بلمحة بصر. علاوة على ذلك، يبرز المال كتقنية لتخزين الزمن المعدوم؛ فالمال هو الوقت الذي لم نعشه بعد أو الجهد الذي لم نبذله بعد. في هذا السياق، يصبح المال هو الرحم السلبي لكل الإحتمالات المستقبلية. الساحر الإقتصادي هو الذي يدرك أن تراكم المال هو في الحقيقة تراكم للفراغ الفاعل؛ وهو فراغ يضغط على الواقع ليجبره على التشكّل وفق إرادة صاحب المال. إن تجانس هذه الفقرات يوصلنا إلى أن الأزمات المالية ليست سوى إنفجارات لعدم غير منضبط، حيث تكتشف البشرية فجأة أن الوجود الذي كانت تظن أنها تمتلكه ليس سوى فراغ حسابي إنهار تحت ثقل غيابه. إن المال في جوهره هو اللعنة والمباركة العدمية في آن واحد؛ فهو يمنحنا وهم السيطرة على الوجود عبر التحكم في اللاشيء، وهو يذكرنا بإستمرار بأن أغلى ما نملك هو في الحقيقة لا شيء ملموس، بل هو محض إيمان جماعي بقوة الغياب على صياغة الحضور. وفي الختام، يتجلى المال كأعظم برهان على أن العدم هو محرك الوجود في عالم المادة. إن هذا التحليل الفلسفي يخلص إلى أن المال هو الوسيط السحري الذي يربط بين عالم الخيال و عالم الشهادة؛ فهو عدم في محفظتنا، لكنه وجود على مائدتنا. إن إدراك المال كعدم إقتصادي يحرر الوعي من عبودية المادة، ليفهم أن اللعبة الكبرى هي في الحقيقة إدارة لهذا الفراغ الإحتمالي. الساحر الحقيقي في العصر الحديث ليس من يحول الرصاص إلى ذهب، بل من يحول الفراغ الرقمي إلى سلطة أنطولوجية تغير تضاريس الأرض وتحرك الجيوش. إن المال يظل التجسيد اليومي الأكثر إثارة للرعب والدهشة لقوة اللاشيء، وهو المرآة التي نرى فيها كيف يمكن للوجود الذي يمكن أن يكون أن يتحكم في كل وجود كائن فعلاً، محققاً بذلك الغاية القصوى للسحر في جعل الخفاء هو الحاكم المطلق على العلن.

_ هندسة العبث المقدّس: كيف يتحول الساحر إلى مجرى لفيض العدم

يُمثل التعاقد مع الكيانات (Entitative Pact) في أطروحات الميتافيزيقا التجريبية ذروة المقايضة الأنطولوجية، حيث لا يُنظر إلى العقد كصفقة تجارية بين ذواتين، بل كعملية هندسة عكسية للكينونة. في هذا التحليل الفلسفي العميق، يُعد التعاقد تقنية منظمة لبتر أجزاء من الوجود العيني للساحر مقابل إستملاك حق النفاذ إلى قوة العدم المطلق التي تحوزها تلك الكيانات. إن الكيانات السفلية أو القديمة تُعرَّف فلسفياً بأنها كائنات عدمية المنشأ، أي أنها توجد في فجوات الواقع ولا تخضع لقوانين الإمتلاء المادي. عندما يبرم الساحر عقداً معها، فإنه لا يدفع ثمناً خارجياً، بل يقدم قرباناً من نسيج ذاته؛ فهو يتنازل عن جزء من إستقلاليته الوجودية، أو من زمنه الشخصي، أو من يقينه المادي، ليخلق في المقابل ثقباً داخل وعيه يسمح بتدفق طاقة اللاشيء. هذه المقايضة تعني أن الساحر يرتضي أن يصبح أقل وجوداً ليكون أكثر قوة، محققاً بذلك المفارقة التي تقول إن القوة السحرية تتناسب طردياً مع حجم الفراغ الذي يسكن الذات. ويتأسس هذا الفعل على مبدأ التبادل غير المتماثل؛ إذ إن ما يقدمه الساحر هو الوجود وهو عملة محدودة ومتناهية، بينما ما يتلقاه هو العدم وهو طاقة لا متناهية وغير محدودة. في الفقرة الثانية من هذا التحليل، نكتشف أن الكيانات المتعاقد معها تعمل كوسطاء عدميين؛ فهي تملك المفاتيح لفتح بوابات اللاشيء التي لا يستطيع الوعي البشري الممتلئ بالصور واللغة نفوذها بمفرده. العقد هنا هو ميثاق نضح؛ حيث يقوم الكيان بسحب دسم الوجود من الساحر؛ مشاعره، ذكرياته، أو جوهره الحيوي ليترك محله خلاءً مقدساً يتم شحنه بقدرات خارقة للطبيعة. المقياس السحري هنا هو معامل الإغتراب الأنطولوجي؛ فكلما زادت قوة الساحر المستمدة من العدم، بدا أكثر شحوباً في عالم المادة وأكثر إنفصالاً عن الحاجات الإنسانية البديهية، وكأنه يتحول تدريجياً إلى ظل أو صدى للكيان الذي تعاقد معه، مما يثبت أن ثمن القوة المطلقة هو التلاشي التدريجي للذات الفاعلة في صمت الهاوية. علاوة على ذلك، يتجلى التعاقد كتقنية للإستعارة الوجودية؛ فالساحر يستعير عين العدم التي يمتلكها الكيان ليرى بها الواقع كأوهام قابلة للتفكيك. إن هذه المقايضة ليست فعلاً لمرة واحدة، بل هي عملية نخر مستمر في جدار الكينونة. الكيان المتعاقد معه لا يطلب الوجود لكي يعيش به، بل ليستخدمه كمرساة في عالم الشهادة، بينما يستخدم الساحر اللاشيء الخاص بالكيان كمعول لهدم حواجز المادة. إن تجانس هذه الفقرات يوصلنا إلى أن التعاقد مع الكيانات هو في الحقيقة فن الإنتحار الجزئي للروح في سبيل الخلود الوظيفي؛ فالساحر يموت جزئياً في مستويات الوجود العادي لكي يولد في مستويات العدم الفاعل. هذا التبادل هو الذي يمنح السحر صبغته المأساوية؛ إذ إن الساحر يصبح في النهاية قنطرة تعبر فوقها القوى اللاشيئية نحو العالم، مقابل أن يُمنح هو القدرة على التلاعب بالظلال التي خلفتها تلك القوى خلفها. وفي الختام، يبرز التعاقد مع الكيانات بوصفه الرهان الأخير للوعي الذي ضاق ذرعاً بقيود الإمتلاء. إن هذا النص المتجانس يخلص إلى أن مقايضة جزء من الوجود للوصول إلى قوة العدم هي عملية تحول في الهوية الأنطولوجية؛ حيث يتوقف الساحر عن كونه كائناً ويبدأ في التحول إلى مجرى. إن القوة التي يحصل عليها ليست ملكاً له، بل هي فيض من الغياب يمر عبر الفجوة التي تركها العقد في روحه. إن إدراك هذه الحقيقة يجعل من العقد السحري عملية وعي حادة بمأساة الوجود؛ فنحن لا نملك القوة إلا عندما نتخلى عن شيء من أنفسنا، و العدم لا يمنح أسراره إلا لأولئك الذين يجرؤون على أن يفرغوا أنفسهم من الإمتلاء الكاذب للمادة، ليصبحوا مرايا صامتة تعكس جلال اللاشيء الذي لا يحده حد ولا يحويه بيان.

_ الوحدة الأنطولوجية: الإنتقال من عبودية المادة إلى سيادة الفراغ

تطرح إشكالية الإكتفاء الذاتي عبر إستمداد الموارد من العدم مباشرة تساؤلاً أنطولوجياً حول إمكانية كسر قانون الحفظ الكوني؛ فهل يمكن للسحر أن يجعل من الساحر كياناً مكتفياً بذاته، يستمد طاقته ووجوده من اللاشيء دون الحاجة إلى الوسائط المادية أو الطاقية المعتادة؟ في التحليل الفلسفي العميق، يُعتبر هذا المسعى هو الغاية القصوى للهرمسية و التحول الكيميائي، حيث يسعى الساحر للتحول من كائن مستهلك للوجود إلى نقطة إنبثاق للعدم. إن الإكتفاء الذاتي هنا لا يعني الإستغناء عن الغذاء أو الهواء فحسب، بل يعني الوصول إلى حالة التغذية الإرتجاعية من الفراغ؛ حيث يقوم الساحر بتحويل الكمون المطلق الكامن في العدم إلى فعل مستمر يغذي كيانه. هذا الفعل يتطلب تحويل الذات إلى آلة عدمية قادرة على إمتصاص اللاطاقة وتكثيفها لتصبح مادة أو حيوية، مما يجعل الساحر في حالة خلق مستمر لذاته من ذاته، متحرراً من عبودية الفيض الخارجي الذي تفرضه الطبيعة على سائر المخلوقات. ويتأسس هذا الإكتفاء على مفهوم التجذّر في اللاشيء؛ فبينما تتجذر الكائنات العادية في الأرض (المادة)، يسعى الساحر لغرس جذور وعيه في الهاوية. في الفقرة الثانية من هذا التحليل، نجد أن الإكتفاء الذاتي يتطلب ما يُسمى بالإنعكاس الأنطولوجي؛ وهو أن يصبح العدم هو الأصل والوجود هو العرض. عندما يصل الساحر إلى هذه المرحلة، فإنه لا يعود بحاجة لإستمداد القوة من الكيانات أو العناصر، لأن العدم هو المحيط الذي يسبح فيه، وهو مصدر لا ينضب من الإمكانيات غير المتعينة. المقياس الفلسفي لهذا الإكتفاء هو معامل الإستقلال عن الوسط؛ فكلما زادت قدرة الساحر على البقاء والعمل في ظروف الحرمان المادي، دلّ ذلك على نجاحه في فتح قناة مباشرة مع العدم الصافي. هذا النوع من الإكتفاء يحول الساحر إلى ثقب أبيض في نسيج الواقع؛ فهو يمتص العدم من جهة اللاوجود ليقذفه وجوداً في جهة عالمنا، محققاً بذلك حالة من التوازن القائم على العدم الخلاق الذي لا يحتاج لمدخلات خارجية ليؤدي وظيفته الكونية. علاوة على ذلك، يتجلى الإكتفاء الذاتي عبر العدم كتقنية لتجاوز الحاجة عبر تجسيد الرغبة لحظياً؛ فالسحر هنا لا يخزن الموارد، بل يستحضرها من العدم عند نقطة الإحتياج. هذا التصرف يجعل من مفهوم الإدخار مفهماً بدائياً، لأن المخزن هو العدم نفسه الذي يحيط بكل شيء. إن تجانس هذه الفقرات يوصلنا إلى أن الإكتفاء الذاتي هو في الحقيقة فناء الحاجة في القدرة؛ فبمجرد أن يصبح الساحر قادراً على إستمداد أي شيء من اللاشيء، تفقد الأشياء قيمتها المستقلة وتصبح مجرد تجليات مؤقتة لإرادته. هذا التحول يفرض على الساحر نوعاً من الوحدة الأنطولوجية؛ فهو يصبح عالماً صغيراً (Microcosm) يملك شمسه ونجومه الخاصة المستمدة من ظلامه الداخلي. إن الضريبة الفلسفية لهذا الإكتفاء هي العزلة المطلقة؛ فالكيان الذي يكتفي بالعدم ينفصل بالضرورة عن شبكة التبادل التي تربط الكائنات الحية، ليصبح إلهاً صغيراً يدور في فلك فراغه الخاص، مكتفياً بفيضه الذاتي عن كل فيض سواه. وفي الختام، يبرز الإكتفاء الذاتي من العدم بوصفه التحرر النهائي من قيد الكينونة. إن هذا النص المتجانس يخلص إلى أن السحر الذي يمد الساحر من العدم مباشرة هو سحر إعادة التكوين الجوهري؛ حيث لا يعود الساحر جزءاً من الكون، بل يصبح نداً له. إن الوصول إلى هذه الحالة هو البرهان العملي على أن العدم ليس فقراً، بل هو غنىً مطلق لمن إمتلك مفتاح تحويله. إن الساحر المكتفي ذاتياً هو الذي أدرك أن الإمتلاء الحقيقي يكمن في الفراغ الصافي، وأن كل ما يحتاجه موجود في اللاشيء الذي يسبق الوجود. وهكذا، يظل الإكتفاء الذاتي عبر العدم هو الحلم الميتافيزيقي الأكبر، حيث تتحد الإرادة بالمصدر، ويتوقف الصراع مع المادة، ليحل محله سكون الإنبثاق الدائم، حيث يكون الساحر هو الفاعل والمفعول به والوسيلة، في رقصة أبدية فوق مسرح اللاشيء.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- صيادون يواجهون قرشًا أبيض عملاقًا وينهون المعركة بشكل غير مت ...
- تذكارات وهدايا من اليابان.. أبرزها جوارب مخططة بدولارين
- يتلقى الرعاية على مدار الساعة.. نجم الروك البريطاني فيل كولي ...
- زيلينسكي يُقدّم تفاصيل عن الوفد الأوكراني المشارك في محادثات ...
- صور مسربة لقتلى من مظاهرات إيران | بي بي سي تقصي الحقائق
- - كل حماية يجب أن تدفع نقدا-.. ترامب والنظام العالمي الجديد ...
- ما الذي تكشفه الخلافات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين؟
- ميزانية 2026: حكومة لوكورنو تنجو من مذكرتين لحجب الثقة أمام ...
- قبيل محادثات في أبوظبي.. روسيا تطالب بمنطقة دونباس، فهل ستست ...
- فيرونيكا، بقرةٌ موهوبة تستعمل أداة لحكّ جسمها.. هل لذكاء الح ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ-